مقدمة:

شكّل الوضع المأزوم، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ثم ثقافياً، الذي شهدته دول عربية – إسلامية متعددة منذ منتصف السبعينيات، دافعاً قوياً لظهور عدة جماعات إسلامية، استهدفت في بداية تشكلها تغيير الواقع الاجتماعي والسياسي القائم، وذلك من خلال السعي إلى هدمه وإقامة أنماط أخرى بدلاً منه، تتفق والتصورات السياسية والأيديولوجية التي تتبناها هذه الجماعات، والتي يبقى الدِّين القاسم المشترك بينها، بوصفه صيغة من صيغ الوعي الاجتماعي.

ففي المغرب مثـلاً يعود ظهور هذه الجماعات إلى مرحلة الحرب الباردة، وبخاصة مع بداية السبعينيات من القرن العشرين، حيث كانت متحالفة بشكل مباشر أو غير مباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية، أثناء مواجهتها مع الاتحاد السوفياتي وباقي التيارات الوطنية واليسارية في مختلف بلدان العالم وبخاصة في شمال أفريقيا. ففي المغرب ناهض الإسلام السياسي التيارات اليسارية ولم يقف ضد النظام القائم، الذي وجده قريباً من منطلقاته المرجعية‏[1].

هذا، وقد شكل تنظيم الشبيبة الإسلامية بزعامة عبد الكريم مطيع، الذي ظهر سنة 1969‏[2]، بوصفه تعبيراً عن تجربة الإسلام السياسي الناشئ آنذاك، والذي حصل على الترخيص القانوني سنة 1972‏[3]، أول تجليات الإسلام الحركي في المغرب. لكنه سيعرف أزمة حادة بعد اتهام أعضائه وقيادته باغتيال الزعيم اليساري عمر بنجلون سنة 1975، ليتم حله سنة 1976. فـ «الحركة من أجل الأمة» و«البديل الحضاري» مثـلاً، ينحدران من تنظيم الاختيار الإسلامي، الذي انشق في سنة 1979 عن تنظيم الشبيبة الإسلامية، بقيادة مصطفى المعتصم ومحمد المرواني ومحمد الأمين الركالة. وفي منتصف سنة 1979 انفصلت فعاليات أخرى سُمّيت «مجموعة التبين». وتبين لكل هذه المجموعات أن خط الشبيبة الإسلامية يحتاج إلى الكثير من المراجعة والنقد الذاتي، وهو الشيء الذي لم يكن ممكناً آنذاك، في ظل تنظيم سري‏[4].

لكن بعد الانفراج السياسي الذي شهده المغرب، في أواخر تسعينيات القرن العشرين، مع ما عرف بتجربة «التوافق الديمقراطي»، وبعد مخاض طويل أُعلن عن تأسيس جمعية الحركة من أجل الأمة في 31 تشرين الأول/أكتوبر 1998، وفي عام 2002 أصدرت الجزء الأول من كتاب البصيرة، للتعريف بآرائها ومواقفها من مختلف القضايا. وقد وضعت ثلاثة محددات لهويتها:

المحدد الأول: هو أن «الحركة من أجل الأمة» حركة إسلامية عقيدة ومنهاجاً وسلوكاً؛ «فنحن على عقيدة أهل السنّة وناظم منهاجنا هو الاعتصام بالكتاب والسنّة الصحيحة وأسوتنا وقدوتنا رسول الله».

المحدد الثاني: الانتماء إلى الأمة؛ ولذلك، «لم يكن اختيارنا لشعار الأمة عبثياً واعتباطياً فقد اخترناه لدلالته المتميزة: لغوياً، مصدر كلمة الأمة هو الأم وهو القصد. فالأمة جماعة حضارية تسعى وتتحرك لتحقيق مقاصد وأهداف وتستوعب وتتجاوز مختلف الوشائج الأخرى كالدم والنسب والقبيلة واللغة والقوم وغيرها».

المحدد الثالث: أننا حركة إسلامية في المغرب؛ «فنحن نتحرك في قطر اسمه المغرب له خصوصياته الجغرافية والتاريخية والبيئية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يلزم اعتبارها واستحضارها»‏[5].

وبتاريخ 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2006 تقدمت المجموعة نفسها التي أسست جمعية «الحركة من أجل الأمة»، بطلب تأسيس حزب الأمة، وذلك من خلال إيداع ملف التأسيس لدى وزارة الداخلية، التي امتنعت عن الترخيص لهم رغم التحريات التي قامت بها في الموضوع. وبتاريخ 3 حزيران/يونيو 2007 عقد الحزب مؤتمره التأسيسي بمقر الحزب الاشتراكي الموحد في الدار البيضاء. وبتاريخ حزيران/يونيو 2007 تقدم الأمين العام للحزب محمد المرواني ورئيس مجلسه الوطني بمعية مجموعة من المحامين لوضع ملف المؤتمر التأسيسي لدى وزارة الداخلية، لكنها رفضت تسلمه. وبتاريخ 28 آب/أغسطس 2007 توصل وكيل الحزب بمقال افتتاحي من المحكمة الإدارية، يفيد بأن وزير الداخلية طلب من القضاء إبطال تأسيسه.

وبتاريخ 18 شباط/فبراير 2008 تم اعتقال محمد المرواني الأمين العام للحزب في ما عرف بقضية بلعيرج. وبتاريخ 20 شباط/فبراير 2008 أصدرت «الحركة من أجل الأمة» بياناً أكدت فيه ما يلي:

– العمل في إطار الشرعية الدستورية والقانونية في المغرب.

– الوضوح العقائدي والفكري في إطار المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية.

– التدافع السلمي في تدبير الاختلاف وتوسل الأساليب السلمية في القول والعمل.

– الاعتماد على الآلية الديمقراطية في العلاقات الداخلية للحركة وفي العلاقة بالآخر.

– الاستقلالية في اتخاذ القرارات وتحديد العلاقات.

– الانفتاح على كل الفعاليات والهيئات الراغبة في التعاون معها على الخير والصالح العام.

– تبني خطاب الإيجابية، «ولا نجد أنفسنا في أطروحات العدمية، ونرى أن بلادنا بحاجة إلى خطاب يقوم على بعث الأمل في الإصلاح والتغيير بدل نشر ثقافة اليأس والإحباط»، يقول البيان.

– نبذ كل أشكال العنف المادي والأيديولوجي وكل أشكال الإكراه السياسي والتكفير البدعي للمخالف‏[6] .

بتاريخ 17 نيسان/أبريل 2008 قضت المحكمة الإدارية بالرباط بإبطال تأسيس حزب الأمة، بدعوى عدم قانونية مسطرة التأسيس. وبتاريخ 17 آذار/مارس 2011 أكدت محكمة الاستئناف الإدارية إبطال تأسيس الحزب لعدم تقديمه أدلة كافية لإثبات واقعة تسليم الملف إلى وزارة الداخلية.

وبعد الإفراج عن أمينه العام محمد المرواني يوم 14 نيسان/أبريل 2011 مع بداية الحراك الذي قادته «حركة 20 فبراير2011»، ألّف الحزب لجنة تحضيرية تقدمت بتاريخ 21 آذار/مارس 2012 لوضع ملف التصريح بتأسيس حزب الأمة من جديد، لدى مصالح وزارة الداخلية عن طريق مفوض قضائي، حيث تسلم وصـلاً في الموضوع. لكن بتاريخ 14 أيار/مايو 2012 تقدمت وزارة الداخلية بدعوى أمام المحكمة الإدارية بالرباط تلتمس منها إبطال تأسيس الحزب. لتقضي المحكمة بتاريخ 28 حزيران/يونيو 2012 برفض طلب وزير الداخلية الرامي إلى إلغاء تأسيسه.

وبتاريخ 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2012 وبعد استئناف الحكم الابتدائي من طرف وزارة الداخلية، قضت محكمة الاستئناف بإلغاء الحكم الابتدائي وبالتالي إبطال عملية تأسيس حزب الأمة من جديد.

أما بخصوص أدبياته فتعريفه على أنه حزب «سياسي وطني مغربي، يعتمد المرجعية الإسلامية ويلتزم باختيارات الأمة. وهو حزب اجتماعي، نهضوي تجديدي، ديمقراطي، ومنفتح على أسئلة العصر وقضاياه وتحدياته»‏[7].

أما جمعية البديل الحضاري، فقد تأسست في 22 تشرين الأول/أكتوبر 1995 في فاس. وحددت لنفسها الأهداف التالية:

– المساهمة في عملية التنشئة الاجتماعية والحضارية للمجتمع.

– الاهتمام بمختلف القضايا التي تمس الشعب المغربي.

– مد جسور الحوار مع مختلف الفعاليات الوطنية قصد التفاهم والتعاون حول القضايا ذات الاهتمام المشترك.

– المساهمة في حل المشاكل التي تعترض نمو المجتمع المغربي وتطوره وتقدمه.

– دعم الحوار الإنساني بين الشعوب والحضارات.

وقد أصدرت ضمن منشوراتها كتاب البيان الحضاري، ضمنته أهدافها وتصوراتها‏[8].

أما حزب البديل الحضاري، الامتداد الموضوعي والنوعي للجمعية، فقد أُعلن عن تأسيسه في 14 تموز/يوليو 2002 في الدار البيضاء، لكن السلطات رفضت منحه الترخيص. ليعقد يوم 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2004، بعدما منعته السلطة من استعمال قاعة عمومية، مؤتمراً استثنائياً تحت شعار: «من أجل مواطنة حقيقية»، في المقر المركزي لحزب اليسار الاشتراكي الموحد في الدار البيضاء، تمخض عنه ما يلي:

– في سؤال المرجعية: يعتبر الحزب الحق في المرجعية جزءاً لا يتجزأ من حقوق المواطنة، ولا معنى للمواطنة بدون الحق في الاختيار الحر للمرجعية، ومصادرة هذا الحق تنبئ عن وجود حالة من الاستبداد السياسي والاضطهاد الفكري. من هنا يرى أن لأي فرد أو جماعة سياسية أو غير سياسية أن تختار المرجعية الفكرية التي ترتضيها لنفسها. «وحزب البديل الحضاري حزب سياسي اختار المرجعية الإسلامية ومرجعية الحكمة الإنسانية، وباختيارنا هذا نؤكد على منطق أصيل في تفكيرنا، هو منطق المصالحة والانفتاح. واختيارنا للمرجعية الإسلامية، لا يجعل منا حزباً دينياً، فحزب البديل الحضاري ليس حزباً دينياً ويعارض قيام دولة دينية».

– في سؤال المذهبية الفلسفية: ينتمي حزب البديل الحضاري فلسفياً إلى المدرسة الأخلاقية بمرجعيتها الإسلامية، وهي مدرسة تعتبر أن مكارم الأخلاق هي أساس صلاح الحياة الإنسانية في الحال وفلاحها في المـآل.

– في مفهوم السياسة: ليست السياسة لدى البديل الحضاري مجرد حق، «بل هي واجب من واجبات المواطنة.. وليست السياسة عندنا انتهازية وتسلط بل هي فعل أخلاقي بالأساس.. إننا نعتبر أن السياسة هي عملية تنوير وتحرير: تنوير قائم على نشر الوعي والمعرفة والارتقاء إلى مكارم الأخلاق وتحرير ينبني على التفعيل العملي لقيم المواطنة على أرض الواقع. إن السياسة من هذا المنظور، شأن عــام غير قابل للاحتكار يتعاطاه ويتفاعل معه جميع المواطنين، والسلطة ليست غاية ولا مطلوبة في حد ذاتها بل أداة ووسيلة لتحقيق التنوير والتحرير».

– في الأسس التي يقوم عليها حزب البديل الحضاري: يقوم حزب البديل الحضاري على أربعة أسس هي: الحرية والمساواة والعدل والديمقراطية.

فالحرية مبدأ مؤسس للوجود الإنساني وسابق على كل ما عداه، والمساواة مبدأ مؤسس للاجتماع الإنساني، أما العدل فهو مبدأ ضابط للعلاقات الإنسانية البينية ولعلاقات الإنسان بمحيطه والديمقراطية مبدأ ضابط للاختلاف الاجتماعي.

– في طبيعة حزب البديل الحضاري: تتحدد طبيعة أي حزب، باعتباره أداة سياسية، بالنظر إلى طبيعة المهام التي يحددها أعضاؤه: «ونقدر نحن في حزب البديل الحضاري، أننا مطالبون بإنجاز أربع مهام:

  •  المساهمة في التنشئة السياسية باعتبارها عملية لنشر الوعي والتنوير.
  •  صناعة رأي عام متعاطف مع أطروحاتنا وتصوراتنا ومساند لفعلنا السياسي.
  •  المساهمة في صناعة واتخاذ القرارات الكبرى التي تهم حاضر ومستقبل الشعب المغربي.
  •  المساهمة في إعداد أطر قادرة على إدارة الشأن العام».

يتطلب إنجاز هذه المهمات طليعة أو نخبة بمواصفات معينة، كما يتطلب إنجازها الاشتغال بآليات محددة، «من هنا نعتبر أنه علينا التوجه نحو بناء حزب لن يكون حزب فئة أو طبقة، لكنه حزب مهام، منفتح على جميع شرائح الشعب المغربي التي ترى نفسها معنية بهذه المهام وقادرة على المساهمة في إنجازها. حزب مطالب بعرض اقتراحاته وأفكاره وحلوله لمشاكل وقضايا المجتمع المغربي. حزب يؤمن بقيمة العمق الجماهيري والتجذر داخل المجتمع، لكنه لا يقارب هذا العمق وهذا التجذر مقاربة كمية بل نوعية»، لهذا جعل الحزب على رأس مهامه الأساسية المساهمة في التنشئة السياسية وصناعة رأي عام متعاطف.

– في ضوابط العمل السياسي عند حزب البديل الحضاري: حزب البديل الحضاري حزب يرفض العنف ويدين اللجوء إليه ويؤمن أن حسم الخلافات والتنافس على السلطة لا يمكن أن يتم إلا عبر الآليات الديمقراطية وعلى أرضية برنامجية‏[9].

وفي حزيران/يونيو 2005 حصل حزب البديل الحضاري على وصل إيداع ملفه القانوني، بعد أن هدد أعضاؤه بالدخول في إضراب عن الطعام. وبناء على ذلك قرر مجلسه الوطني في دورته العادية المنعقدة يوم 31 كانون الأول/ديسمبر 2005 حل جمعية البديل الحضاري، قاطعاً بذلك مع منطق الازدواجية التنظيمية، كما شارك في الانتخابات التشريعية لسنة 2007، معلناً عن بداية مرحلة جديدة من «التدافع»، على حد تعبير أعضائه.

وعليه، فإن هذا البحث سيحاول مقاربة موضوع الدين والسياسة في لغة الحركة من أجل الأمة والبديل الحضاري – باعتبارهما يمثلان حسب البعض جزءاً من «اليسار الإسلامي» في المغرب – على اعتبار أن جدل الدين والسياسة لا يزال يحتل مكانة محورية، في بوتقة الصراع الدائر بين الوافد والمحلي على امتداد الأقطار العربية والإسلامية. ما قد يقلل من فعالية التحديث السياسي المنشود، على مستوى المؤسسات والوعي الجمعي العام.

والسؤال الذي ينطلق منه هذا البحث هو: كيف قاربت الحركة من أجل الأمة والبديل الحضاري ثنائية الديني والسياسي، وما المسوغات التي قادتهما إلى تبني مدنية السياسة والدولة؟

فرضية البحث: تفترض هذه الورقة أن «الحركة من أجل الأمة» و«البديل الحضاري»، قد تناولتا المفاهيم السياسية السائدة داخل نسق الحكم «الإسلامي» (الديني والسياسي، الدولة الإسلامية، دولة الأمة)، برؤية نقدية من ناحية وقامتا بالتوليف بينها وبين ما يقابلها من مفاهيم داخل المنظومة السياسية الغربية من ناحية أخرى، ما قادها إلى التوفيق بينهما، وبالتالي الوصول إلى فصل إجرائي بين الدين والسياسة من خلال القول بمدنية الدولة في الإسلام.

أولاً: السياسة والدين والدولة لدى الحركة من أجل الأمة

يمكن القول إن السياسة تعني: القيام على الشيء بما يصلحه، والسياسة: فعل السائس. ويقال: هو يسوس الدواب، إذا قام عليها وراضها. والوالي يسوس رعيته. والسياسة المشتق منها السياسي، نجدها لغة، مشتقة من مادة سوس، والسوس: الرياسة، يقال ساوسهم سوساً، إذا رأسوه. قيل: سوسوه وأساسوه. وساس الأمر سياسة: قام به. ورجل ساس من قوم ساسة وسواس.

أما المعاجم الحديثة فقد عرفتها بأنها: «تدبير مشاكل القوم وتولي أمرهم، والقيام به. أو تدبير أمور الدولة، وكانت مقصورة قديماً على المدينة ثم امتدت إلى الدولة القديمة والحديثة. والذي يقوم بهذا العمل يسمى: سائس جمعها: ساسة. وهم قادة الأمم ومدبرو شؤونها العامة»‏[10].

لكن في القرآن الكريم، لا يوجد لكلمة سياسة، التي من مشتقاتها السياسي، أي أثر، رغم أنها كانت متداولة لدى العرب في ذلك الوقت. وكانت لها عدة دلالات تتدرج من معنى ترويض الخيول والإبل ليسهل امتطاؤها، إلى المعاني المتعلقة بإدارة الأمور أو قيادة مجموعة من الناس‏[11].

أما الدين، ومن مشتقاته الديني؛ فهو إيمان وعمل، إيمان بوجود قوى خارقة فوق طبيعة البشر العقلية، ولهذه القوى تأثير في مجرى حياة الإنسان. وعمل، في أداء فرائض وشعائر وطقوس معينة، تفرضها الأديان السماوية، والأرضية كعبادة الأصنام والأوثان‏[12]، لاسترضاء الآلهة.

والدين كما جاء في لسان العرب: مادة دين، هو الطاعة. ومن الدين جاءت لفظة ديّان. وهي من أسماء الله، ومعناها الحَكم والقاضي والقهّار‏[13].

وقد ذكرت كلمة دين في القرآن على النحو التالي:﴿ إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الإسلام﴾‏[14]، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾‏[15].

وبالتالي فالدين، يفيد الاعتقاد المرتبط بما فوق الطبيعة، أي المقدس والإلهي، كما يرتبط بالأخلاق، وبالممارسات والمؤسسات والتشريعات المرتبطة بذلك الاعتقاد ذي الطابع المقدس.

يقول عبد الرحمن ابن خلدون: «فبعدت طبائع العرب لذلك كله عن سياسة الملك، وإنما يصيرون إليها بعد انقلاب طباعهم وتبدلها بصبغة دينية تمحو ذلك منهم، وتجعل الوازع لهم من أنفسهم، وتحملهم على دفاع الناس بعضهم عن بعض (…) واعتبر ذلك بدولتهم في الملة لما شيّد لهم الدين أمر السياسة بالشريعة وأحكامها المراعية لمصالح العمران ظاهراً وباطناً وتتابع فيها الخلفاء عظم حينئذ ملكهم وقوي سلطانهم»‏[16].

لكن الإسلام الديني، حسب هشام جعيط، توقف إلى حد بعيد عن طرح نفسه كمرجع أولي للمسيرات والمساجلات الكبرى، وإذ عاد إلى المسرح لا ليصلح نفسه، بل ليصلح المجتمع الشامل وليفرض نفسه سياسياً عليه. وبالتالي يكون استرداد الديني للسياسي بوصفه عمـلاً، وليس بوصفه فكرة فقط‏[17]. ذلك أن العلاقة بينهما، اتسمت منذ القدم، بنوع من التماهي عبر التاريخ البشري – الإسلامي وغير الإسلامي – المكتظ بحمولات تسييس الدين وتديين السياسة، الأمر الذي يصبح معه البحث عن الخيط الفاصل بينهما من أهم وأعقد المباحث الفكرية والفلسفية في العصر الحديث‏[18].

فالديني والسياسي لم ينفصلا في جل التجارب التاريخية، على الأقل بالمعنى الأنثروبولوجي، ولا يتعلق الأمر هنا «بالحقبة الوسيطة التي قام فيها نموذج الدولة الدينية، أو جنحت فيها الممارسة السياسية للتعبير عن نفسها في المناظرة اللاهوتية، من النمط اليعقوبي – النسطوري (المسيحي)، أو الكلامي المعتزلي – الأشعري (الإسلامي)، أو التعبير عن نفسها في صورة فرق دينية وصوفية تتصارع على السلطة من خلال – الصراع على تأويل واحتكار تأويل – النص المقدس…، فحسب، بل هو يتعلق بالعهد الحديث أيضاً: عهد العلمنة والدولة الحديثة، إذ استمر الديني – على الرغم من كل مظاهر تحييده في الصراعات السياسية – يمثل لاعباً كبيراً في ميدان تلك الصراعات، أحياناً بصورة مباشرة وصريحة، وأحياناً في أشكال ملفوفة ملتوية»‏[19].

وبالتالي، لا يمكن القول إن استمرار تأثير العامل الديني في مجال السياسة والصراع السياسي، هو سمة من سمات مجتمع متأخر. وما يؤكد هذا هو ازدهار الفكرة الدينية في الحياة السياسية في الدول الحديثة في الغرب، نتيجة الانتصارات السياسية التي حققتها، وما زالت، الأحزاب المسيحية الديمقراطية في ألمانيا وإيطاليا. وانتصار «الكنيسة ضد الشيوعية في بولونيا وسطوة الكنيسة الأرثوذكسية على شعوب روسيا واليونان وصربيا. وسطوة الكنيسة البروتستانتية على أوروبا الشمالية وبريطانيا والولايات المتحدة، وسطوة الفاتيكان على أوروبا الجنوبية والقسم الأعظم من نصارى «المسيحية الشرقية»»‏[20].

لكن ما يجب تأكيده، في التجارب السالفة الذكر، هو الحضور الأنثروبولوجي، فقط، للدين في حياة الأفراد، ذلك بأن الطقوس الدينية في المجتمعات الغربية، ما زالت تحتفظ بمكانتها، التي ترمز، حسب مارك أبيليس، إلى التاريخ والاستمرارية، وهو ما يتضح من خلال ميول بعض السياسيين، أحياناً، إلى الظهور بمظهر المحافظة على التقاليد؛ من خلال توظيف الرموز بعد تحيينها وتكييفها باستمرار. هذا لا يعني أنهم يهدفون إلى إعادة إحياء نماذج الحكم الديني. كما أن مقارنة هذه التمظهرات بما تسعى إليه جماعات الإسلام السياسي، لا تستقيم بأي وجه من الوجوه. ما دام الدين، أي الإسلام، بالنسبة إليها، يشيد أمر السياسة بالشريعة وأحكامها، لما تتطلبه مصالح المجتمع؛ على أساس أن «الملك السياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ورفع المضار». وإن كان هذا الطرح قد يقود إلى أن السياسي مدني واجتهادي رغم خلفيته الدينية، كما ذهبت إلى ذلك اجتهادات الحركة من أجل الأمة، فإنه لا يفضي إلى فصل مؤسسي بين الدين والسياسة، بقدر ما يروم إلى تقديم تمفصل Décalage أنثربولوجي بينهما (الفقرة الأولى).

أما الكلمة الأخرى التي لها ارتباط وثيق بالسياسي، والتي تشكل موضوعاً له، فهي «الدولة»، التي يعتبرها البعض من «الدالات» الثلاث التي لا سبيل لفصلها عن بعضها من منظور الإسلام: الدين والدنيا والدولة‏[21].

ذلك أنها وردت في القرآن مرتين: مرة في صيغة فعل «داول»: ﴿إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾‏[22]. ومرة، وبشكل واضح، في صيغة اسم «دولة» في مطلع سورة الحشر: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّـهَ إنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾‏[23]. أما في الحديث النبوي، فقد ورد الفعل في سياق الحديث عن تقلب الأيام بين الخيبة والنجاح، في إطار اختبار الله للمؤمنين بتناوب وتعاقب وعدم استقرار الأحوال. ولا يمكن، بالتالي أن يستفاد منه أنه يتعلق بالدولة بمفهومها السياسي‏[24].

إذا كان السياسي أوسع من مفهوم الدولة؛ ما دام قد ينزع نحو السلطة المعنوية التي لا تستعمل العنف، فإن سلطة الدولة التي تقع على تراب معين وتستعمل داخله العنف لتحقيق الأمن الجماعي حسب قوانين معينة، «لا تستقيم على العنف فقط بل أيضاً على العدالة وعلى وساطات اجتماعية ضرورية مثل الارستقراطية والمعابد الدينية والهيكل الكهنوتي، والآن على المؤسسات والقانون»‏[25]. على أساس أن الدولة في الإسلام، حسب الحركة من أجل الأمة، واجب مدني، اقتضاه الواجب الديني الذي فرضه الله على المؤمنين بالإسلام، فالسلطة فيها ليست معصومة؛ باعتبار أن العصمة شرط رئيسي في الدولة الدينية (الفقرة الثانية).

1 – في جدل السياسي والديني

تتميز العلاقة بين الدين والسياسة بالرسوخ والتلازم حسب الحركة من أجل الأمة، لأن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا. وهي «أيضاً حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية»‏[26]. وهذا ما يفيد ارتباط الدين بالسياسة في الإسلام، رغم الاختلاف الذي حصل بين المسلمين حول مقتضيات الشرعية التأسيسية في اجتماع ساقفة بني ساعدة وما بعده.

فارتباط الدين بالسياسة يقود إلى صلاح الناس، كون السياسة «ما كان من الأفعال ما يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول عليه الصلاة والسلام ولا نزل به وحي»‏[27]. لذلك، كانت «الدلالة المركزية للسياسة أن تدور حول القيام على الأمر بما يصلحه، فالاستصلاح هو محور السياسة وسبب وجودها وشرعية حركيتها (…) وتصبح السياسة شرعية مبنى ومعنى إذا روعي في أصل بنائها وإعمالها أمران: الأول، أن يكون حكم السياسة متفقاً مع روح الشريعة ومعتمداً على قواعدها الكلية ومبادئها الأساسية، الثاني، عدم مخالفة دليل شرعي – ولو كان فرعياً – ثبت بدليل عام لجميع الأزمان والأحوال، أو ألّا يناقض مناقضة حقيقية دليـلاً من أدلة الشريعة التفصيلية». من هنا «تستغرق» الشريعة السياسة ولكن ليس بمعنى لا سياسة، إلا ما وافق الشرع وفقط، بل طبقاً لما قاله ابن عقيل الحنبلي أثناء رده على فقيه شافعي: «لا سياسة إلا ما وافق الشرع أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح وإن أردت ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة»‏[28].

من خلال ما سبق، يتضح أن السياسة الشرعية نوعان: ما نطق به الشرع وما وافق الشرع، إنها فقه المواءمة بين مقتضيات الشرع بحيث لا يقع التناقض بينهما أبداً، حسب اجتهاد الحركة من أجل الأمة.

هذا «التماهي النسبي» بين الديني والسياسي، تخف حدته من منظور الحركة من أجل الأمة. وذلك من خلال استنادها إلى وثيقة الصحيفة (أو دستور المدينة)، كتجلٍ للتمييز بين السياسة والدين، وليس فصلاً بين أمة الدين وأمة السياسة، فأمة الدين هي «المؤمنون» بدين الإسلام، أما أمة السياسة فهي جماعة المواطنين الذين تربطهم علاقة «المواطنة» في «الدولة الإسلامية» وإن اختلفت عقائدهم.

فدستور المدينة السالف الذكر، يتحدث عن الجماعة المؤمنة فيقول: «إن المؤمنين والمسلمين من قريش (المهاجرين) ويثرب (الأنصار) ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس». ثم يتحدث عن تكوين هذه الأمة المؤمنة مع اليهود لأمة أكبر، بالمعنى السياسي وعلى أساس المواطنة لا الدين، فيقول: «وإن يهود بني عوف (ومعهم بقية قبائل اليهود) أمة مع المؤمنين». ثم يتحدث عن أن اختلاف الدين، لا يتعارض ولا ينفي وحدة الأمة بالمعنى السياسي، عندما يحدد نقاط الافتراق والاتفاق بين الفريقين. فيقول: «لليهود دينهم وللمسلمين دينهم وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل الصحيفة وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم»‏[29].

وبالتالي فإن التصرف السياسي، من هذه الزاوية، تصرف مدني اجتهادي في إطار المرجعية الإسلامية. وما يؤكد هذا الطرح حسب الحركة من أجل الأمة، هو التمييز الذي قام به الإمام القرافي، وهو من أعلام الفقه المالكي، بين ثلاثة تصرفات للرسول: تصرف بالفتيا والتبليغ وتصرف بالقضاء وتصرف بالإمامة، حيث اعتبر أن التصرف بالإمامة «وصف زائد على النبوة والرسالة والفتيا والقضاء، لأن الإمام هو الذي فوضت إليه السياسة العامة في الخلائق، وضبط معاقد المصالح، ودرء المفاسد، وتوطين العباد في البلاد إلى غير ذلك مما هو من هذا الجنس»‏[30].

هذا لا يعني أن العمل السياسي يجب أن يتسم بنوع من القداسة، بل على العكس، فالسياسة في الإسلام من القضايا المخولة لنظر الخلق، أي من أمور الاجتهاد، التي تحتمل التعدد والتنوع، وبالتالي تحتمل الصواب والخطأ، بمعنى أنها في النهاية نسبية، وكل ما هو نسبي يقول المرواني: «هو بالضرورة صواب يحتمل الخطأ وخطأ يحتمل الصواب، وعندما نقول بأن السياسة من أمور الاجتهاد، يجب أن نميز بين كونها من الاجتهاد، وبين كون عملية الاجتهاد التي نقوم بها نحن تستند إلى المبادئ والقيم التوجيهية الإسلامية، وهنا وجب التمييز بين السياسة المدنية للحزب، بمعنى بحثه الدائم والمستمر على جلب المصالح ودرء المفاسد، وبين مرجعية الحزب التي تحدد معايير ذلك البحث»‏[31]. وبالنتيجة فإن اعتماد المرجعية الإسلامية من طرف حزب الأمة المحظور، باعتباره المعبر السياسي عن الحركة من أجل الأمة، لا يضفي أية قداسة على بيانه وعمله، لأن التصرف السياسي تصرف مدني، وكل تصرف مدني، تصرف نسبي يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ‏[32].

بناء على ما تقدم، نخلص إلى أن السياسي في الإسلام، وفق هذه الرؤية، اجتهادي، مدني، نسبي ومتغير، يخضع لقانون الخطأ والصواب لا قانون الحلال والحرام. وبالتالي يدخل ضمن القضايا المخولة نظر الخلق، لذلك يندرج ضمن مباحث المصالح. أما الديني فهو ثابت ومقدس، وليس شرطاً في المواطنة أو الانتماء للوطن؛ فوضع غير المسلمين في المغرب – مثـلاً – هو وضع المواطنة الكاملة بالنسبة إلى حزب الأمة‏[33]، وذلك تأسيساً على وثيقة دستور المدينة‏[34] الآنف ذكرها.

وعليه، تتضح «مدنية» السياسي في خطاب حزب الأمة، رغم استناده إلى المرجعية الإسلامية، التي تمثل موجهاً عاماً لممارسته. وذلك لكون مجال السياسة مجالاً اجتهادياً لا توقيفياً؛ أي نسبياً وظنياً، حيث لا إثم في الظنيات، وهو ما يفيد أن الاجتهاد السياسي ليس ديناً بل هو قابل للرد والجدال. وذلك في إطار الدولة الإسلامية باعتبارها دولة مدنية مرجعيتها الإسلام‏[35].

2 – في مدنية الدولة الإسلامية

يتفق اللغويون والمفسرون – حسب الفرجاني – على أن كلمة «دُولة» (برفع الدال) أو «دَولة» (بفتحه)، تعني كل ما يمكن تقاسمه أو تناوبه. وهو المعنى المقصود من كلمة دولة في اللغة العربية: ما لا يدوم لأحد أو ما يقع تداوله تعاقباً بين مختلف الأشخاص والأسر الحاكمة. «لذلك نقول إن دولة العباسيين قد أعقبت دولة الأمويين. ويمكن القول إذن، بأن استعمال كلمة «دولة»، بالمعنى السياسي، ليس غريباً عن الطريقة التي كثيراً ما مورس بها الحكم، قبل ظهور الدولة الحديثة وبعده: فمنذ أن أصبح الحكم وظيفة متميزة محتكرة من قبل شريحة متسلطة على المجتمع، صار الماسكون به يتصرفون فيه وكأنه ملكية فردية أو غنيمة، يتداولونه الواحد بعد الآخر دون أن يكون مستقراً لأحد. وبذلك تكون كلمة دولة معبِّرة أحسن ما يكون عن هذه الخاصية المميزة للسلطة السياسية. ومهما يكن من أمر فإن المناسبة الوحيدة التي ترد فيها هذه الكلمة في النص القرآني لا صلة لها بالدولة ولا بما هو سياسي عموماً»‏[36] .

ذلك بأن مصطلح الدولة لم يأخذ مفهومه السياسي المحدد في الأدبيات السياسية الإسلامية إلا بعد مرور قرون متعددة على قيام المجتمع الإسلامي الأول، فقد استخدم علماء المسلمين الأوائل مصطلح دار الإسلام أو الأمصار للإشارة إلى الأقاليم التابعة للسلطة الإسلامية، كما استخدموا مصطلحات الخلافة أو الإمامة أو الولاية للدلالة على الهيئات السياسية المركزية للأمة الإسلامية‏[37].

وبالتالي، فالدولة في الإسلام شأنها شأن السياسة، من القضايا المخولة نظر الخلق. فرغم كونها تعبدية، توجب الزهد في السلطة، فإنها توجب إقامة دولة مبنية على أسس غير تسلطية، أي دولة يحل فيها الوازع الروحي الطوعي محل الوازع السلطاني القهري.

ذلك بأن الإسلام، وإن كان يشكل المرجعية الدينية لتدابيرها، ولئن كانت هذه المرجعية تقضي بإقامة التعاليم الدينية في مختلف شؤون الحياة، فلا يلزم منها أن إجراءات هذه الإقامة، تخرج من دائرة الاجتهاد البشري‏[38]، حيث استقر مفهومها على «حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية»، أي «إقامة الدين وتدبير مصالح المحكومين»‏[39]. ومن ثم فالدولة الإسلامية تندرج ضمن الأمور الاجتهادية، وليست من الأمور التوقيفية، ما دامت تستمد سلطانها من الجماعة، وتبقى مقيدة في كل تصرفاتها وأعمالها برأيها‏[40]، كون الأمة «جماعة حضارية تسعى وتتحرك لتحقيق مقاصد وأهداف وتستوعب وتتجاوز مختلف الوشائج الأخرى كالدم والنسب والقبيلة واللغة والقوم وغيرها»‏[41].

بناء على هذه المقاربة الاجتهادية النسبية، ترى الحركة من أجل الأمة أن الدولة في الإسلام تتأسس على أحد عشر مبدأ، نعرضها كالآتي:

أولاً: السيادة لقانون الشريعة، وذلك تميزا عن مبدأ سيادة القانون الوضعي، لسببين؛ أولهما: أن الأغلبية محكومة ومحجومة بتلك الشريعة، وثانيهما أن حقوق الأقلية مضمونة ومصانة بمقتضى تلك السيادة.

ثانياً: السلطة للأمة كون الأمة هي الأصل وهي مبرر وجود الدولة‏[42].

ثالثاً: أداء الأمانات ومنه استعمال الأصلح وحسن تدبير المال العام.

رابعاً: العدل، طبقاً لقوله تعالى: ﴿وَإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾‏[43].

خامساً: المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات؛ باستثناء تلك التي تتعلق بالخصوصيات العقدية.

سادساً: الشورى، طبقاً لقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾‏[44]، والشورى في هذا السياق تفيد الإلزام؛ وبخاصة إذا صدرت عن إجماع المجتهدين ومؤسستهم أو إذا تعلقت «بمصلحة العامة، فهذا لا يجوز أن يبرمه الحاكم وحده، وإن رأى فيه المصلحة، بل عليه أن يستشير أهل الشورى وأن يلتزم برأيهم ولو خالف رأيه الشخصي»‏[45]. لكن يمكنه أن يعزم ويتوكل طبقاً لقوله تعالى:﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّـهِ إنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾‏[46]، والدعوة هنا اتخذت صيغة الأمر وهو ما يفيد الوجوب‏[47].

لكن الشورى التي تركز عليها الحركة من أجل الأمة، هي تلك التي تصطلح عليها بالشورى الجماعية، كونها «الوسيلة الشرعية التي تصدر بها الجماعة أو الأمة قراراً جماعياً في شأن من شؤونها الهامة»؛ قراراً يكون ملزماً في حدود القواعد الشرعية وليس «الاستشارة الاختيارية أي طلب الرأي أو النصيحة من ذوي التجربة والخبرة التي هي اختيارية لمن طلبها وتسفر عن رأي غير ملزم».

وعليه فإن الشورى تكتسب قوتها ووجاهتها من قرار الأغلبية ورأيها من حيث المستند الشرعي، وقوة قرار الأغلبية ورأيها من حيث التنفيذ‏[48].

سابعاً: كفالة الحريات وصيانتها، لأنها شرط لنظام الدين.

ثامناً: الاختيار والاتفاق في تنصيب الحاكم.

تاسعاً: مسؤولية الحاكم عن أقواله وأفعاله.

ولشرعنة الرؤية السالفة الذكر، يعرض محمد المرواني ما قاله بعض الأئمة: قال الإمام الشافعي: «إن الإمام ينعزل بالفسق والفجور». وقال الشهرستاني: «وإن ظهر بعد ذلك جهل أو جور أو ضلال أو كفر انخلع منها أو خلعناه». وقال الغزالي: «إن السلطان الظالم عليه أن يكفّ عن ولايته وهو إما معزول أو واجب العزل». وقال إبن حزم: «فهو الإمام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله وسنّة رسوله، فإن زاغ عن شيء منهما من ذلك أقيم عليه الحد والحق، فإن لم يؤمن أذاه إلا بخلعه خُلع وَوُلي غيره»‏[49].

عاشراً: الفصل بين السلطات العامة للدولة.

حادي عشر: سمو السلطة القضائية‏[50].

انطلاقاً مما سبق، يتضح أن هناك خلطاً بين المبادئ العامة المؤسسة للدولة كمؤسسات وسلط من جهة والمواصفات المطلوب توافرها في حاكم هذه الدولة؛ بناء على اجتهادات بعض الفقهاء، وليس على التجربة التاريخية السياسية الإسلامية التي «استغرق» فيها الحاكم الدولة، من جهة ثانية. وأصبح يقرر بصفة فردية، رغم أن الآية 159 من سورة آل عمران تعني بشكل مباشر وحصراً الرسول، لكونه الوحيد في جماعته آنذاك، من كان يتمتع بالعصمة من ناحية وآخر الرسل من تلقى الوحي من الله من ناحية أخرى، وبالتالي فهو الوحيد المؤهل والقادر بدرجة كبيرة على العزم والتوكل.

وإن كان محمد المرواني يرى أن التصرف بالإمامة تصرف اجتهادي مدني، شأنه شأن الدولة والسياسة المخولتين إلى نظر الخلق، ليخلص إلى أن الدولة في الإسلام؛ دولة مدنية مرجعيتها «الموجهة» الإسلام. وبالتالي ليست دينية لأن الحاكم فيها لا يحكم باسم الحق الإلهي كما أنها ليست دولة «ثيوقراطية» لكون السلطة فيها يجب أن تتأسس على الانتخاب، أي أن تكون منتخبة من ممثلي الأمة‏[51].

خلاصة لما تقدم، يمكن القول إن الدولة في الإسلام، حسب محمد المرواني المنظِّر الأيديولوجي والسياسي، واجب مدني اقتضاه الواجب الديني الذي فرضه الله على المؤمنين بالإسلام، فالسلطة فيها ليست معصومة؛ كون العصمة شرط رئيسي في الدولة الدينية. لكن مدنية الدولة هذه، لا تعني القطع مع الواجبات والفرائض الدينية، لأن الكثير من هذه الواجبات والفرائض، حسب محمد المرواني، متوقف على تحقيق الواجب المدني؛ الذي يعني انتفاء «الكهانة» و«الثيوقراطية» عن طبيعة الدولة في الإسلام، التي لا تحتمل التقابل بين حاكمية الله وسيادة الأمة، بل السيادة فيها للشريعة والسلطة للأمة‏[52]، كون هذه الأخيرة هي الأصل وهي مبرر وجود الدولة، رغم أن الحاكم وكيل عنها، فإنه مسؤول عن أفعاله وأقواله، وطاعته أو مقاومته مرهونتان بمدى التزامه بمقتضيات الشريعة الإسلامية.

ورغم أن قانون الشريعة الإسلامية هو السائد في الدولة الإسلامية، حسب الحركة من أجل الأمة، فهي تقوم على أساس الفصل بين السلطات وسمو السلطة القضائية وكفالة الحقوق والحريات، حيث تزيد شرعية الدولة بمدى احترامها للحقوق والحريات وتنقص – حتى تفتقد – إذا انتهكت فيها حقوق الإنسان. وكونها دولة قانونية، فلا مشروعية فيها لإقصاء المعارضة كضرورة شرعية يتم استدعاؤها واحترامها، ولا مجال فيها أيضاً للعنف مع المخالف في الرأي أو حتى في العقيدة التي لا تعد شرطاً في المواطنة، فوضع غير المسلمين في إطار الدولة الإسلامية هو وضع المواطنين‏[53].

بناء على ما تقدم، يمكن القول إن هناك محاولات من طرف هذا الفصيل الإسلامي، وإن كانت ملتبسة، لإعادة تأويل النصوص الدينية وما تمخضت عنه التجربة السياسية الإسلامية؛ وبخاصة أن الإسلام لديه قابلية لعدة تفسيرات وتأويلات، وبالتالي فالمجهود التأويلي الذي تبذله عينة البحث، قد يؤدي إلى تبلور تيار يستوعب مضامين مفاهيم الديمقراطية الليبرالية والنظام الاقتصادي الحر، ما قد يقود إلى بداية تشكل عقلية إسلامية استيعابية في الإسلام السياسي‏[54]، لمضامين هذا النموذج. لكن بعض الباحثين يرون أن جماعات الإسلام السياسي تختبئ فقط وراء الخطاب الحداثي لخلق الاعتقاد لدى الفاعلين السياسيين أنها حداثية/معتدلة، بينما تضمر خطابها الماضوي/المتطرف إلى حين تمكنها من مفاصل الحكم. فتنصِّب آنذاك أميرها حاكماً فرداً مطلقاً، كما حصل ويحصل عبر تاريخ المسلمين السياسي. لكن مقتضيات المدخل العلمي تفترض منا الوقوف على الحقيقة المؤقتة المرتبطة نسبياً بحالة المعرفة الراهنة. ذلك بأن موقف الفاعل السياسي، يتحدد من خلال ما تتطلبه الشروط الظرفية والمرحلية والاستراتيجية، ومن ثم محددات علاقات القوة القائمة على مستوى الاجتماع السياسي.

ثانياً: ثنائية دولة الأمة والميثاق السياسي من منظور «البديل الحضاري»

ترى «البديل الحضاري» أن الأمة «تطلق لغة على الدين، والجماعة، والرجل الفرد الإمام، والحين والجيل، كما تحمل في طياتها معنى القصد والمرجع والأصل. وقد استعمل القرآن الكريم لفظ الأمة في مواقع متعددة. فبالنسبة إلى الاستعمال الخاص بالمسلمين، نجد أنها استُخدمت لتشير إلى المسلمين كافة، كما استعملت للدلالة على جماعة خاصة من المسلمين، ودلت على رجل فرد إمام»‏[55].

في حين تعني كلمة دَولة التعاقب والسيطرة، ثم صارت تعني التعاقب بين شخص وآخر، أو بين حال وحال.

وقد ظل مصطلح الدولة غامضاً في الحضارة العربية – الإسلامية، ومشوباً بالالتباس، قبل أن يستقر فهمها على المستوى العالمي، وتتجه أذهان الناس نحو وظيفتها السياسية. ويمكن القول إن الدولة ارتبطت بالأمة في الفكر الإسلامي، حيث تقوم على خدمتها في مصالحها العليا‏[56].

يقول عز وجل: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّـهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ ‏[57].

يفهم من الآية، أن هناك ترادفاً وتداخـلاً بين مفهوم الأمة والدولة؛ فالأمة هي الناس الذين يؤمنون بالله، ويقيم فيهم حدود الحق والهداية، نبي بإذن من ربه وإرادته ومشيئته. فالأمة جماعة تؤمن بالله ورسوله‏[58]. أما الدولة فقد «نشأت على يد الأنبياء ورسالات السماء، واتخذت صيغتها السوية، ومارست دورها السليم في قيادة المجتمع الإنساني، وتوجيهه من خلال ما حققه الأنبياء في هذا المجال، من تنظيم اجتماعي قائم على أساس الحق والعدل يستهدف الحفاظ على وحدة البشرية، وتطور نموها في مسارها الصحيح»‏[59].

إذن، فالأمة والدولة على حد سواء، يحكمهما الأنبياء بشرع الله، الذي يتسم بالعدل والحق. وكذلك كان الشأن مع الرسول محمد بن عبد الله، الذي ظل طوال حياته على رأس «الدولة الإسلامية» بوصفها آنذاك دولة دينية، يتلقى الوحي من السماء بخصوص كل المستجدات؛ صغيرها وكبيرها، سرها وظاهرها. ومن أدلة ذلك قوله تعالى:﴿قَدْ سَمِعَ اللَّـهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّـهِ وَاللَّـهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾‏[60]، مما استوجب طاعته باعتبارها فرض ديني: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّـهَ إنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾‏[61]. إلى أن وافاه الأجل، حيث انتهت معه الدولة الدينية.

وما يدل على ذلك، هو غياب آيات أو أحاديث في طبيعة الدولة أو أمور الحكم؛ ذلك بأنها لو وجدت لبادر بذكرها واستشهد بها الصحابة الذين حضروا اجتماع ساقفة بني ساعدة سواء من المهاجرين أو الأنصار، وهم من كبار الصحابة وأعلامهم وأعلمهم وألصقهم برسول الله وأكثرهم ملازمة له منذ نزول الوحي الإلهي عليه‏[62].

وبالتالي، يمكن القول إن الدولة بطبيعتها دولة مدنية، وليست دولة دينية مقدسة. إنها معطى إنساني عقلاني، بقطع النظر عن الأساس الفكري الذي تقوم عليه، سواء كان مادياً أو إنسانياً. ففي الإسلام، ثمة اتجاه فقهي غالب يشير إلى مدنيتها، أي أن الدولة ليست كياناً مقدساً، والقانون ليس جامداً وأبدياً، بل هو عرضة للإلغاء أو التعديل والتطوير.

يقول محمد عبده مفتي الديار المصرية في زمانه: «ليس في الإسلام سلطة دينية.. وأصل من أصوله: قلبها والإتيان عليها من أساسها.. والخلافة هي بالسياسة أشبه، بل هي أصل السياسة… والخليفة حاكم مدني من جميع الوجوه..»‏[63].

وفي الاتجاه نفسه يسير الشيخ محمد مهدي شمس الدين، بقوله: «في الفكر والفقه الإسلاميين، الدولة كلها غير مقدسة، ولا يوجد فيها مقدس على الإطلاق. والمقابلة ليست بين المقدس وغير المقدس في الدولة، وإنما بين الدولة والأمة، أي بين المقدس وغير المقدس في الفقه، وفي الفكر الإسلامي..»‏[64].

إذا كانت الدولة تنشأ لخدمة الناس، فإنها قد تتبدل وتتغير، وقد تندثر لتقوم مكانها دولة أخرى‏[65]. ولكي تقوم دولة الأمة، بوصفها دولة مدنية (الفقرة الأولى) بدورها التاريخي؛ فلا بد لها من ميثاق سياسي، تجتمع حوله أطراف المشهد السياسي – الحالة المغربية أنموذجاً – يؤسس لإجماع وطني على أساس المرجعية العليا للشعب وثوابته، وذلك من خلال كتلته التاريخية؛ بوصفها إطاراً تنظيمياً يجمع مختلف فرقاء وفعاليات الجمعيات المدنية، من أجل العمل على إيجاد دولة حقوق الإنسان (الفقرة الثانية).

1 – في مدنية دولة الأمة

تعَدُّ الدولة الإسلامية من منظور البديل الحضاري ضرورة شرعية وحضارية. وهي دولة مدنية شورية؛ تستمد شرعيتها من اختيار الأمة وتفويضها لمن تراه مؤهـلاً لذلك، في إطار تعاقد يحدد حقوق الطرفين وواجباتهما، على أساس أن السيادة للشريعة والسلطة للشعب، الذي يمتلك صلاحية تفويض ممارسة هذه السلطة لحاكم يختاره. وهذا يقود إلى أن شرعية رئيس الدولة مستمدة من الأمة وليس من الدين، باعتباره خليفة للأمة وليس خليفة لرسول الله. مما ينفي عن مهام رئاسة الدولة ومقاصدها، أي امتداد لمهام النبوة ومقاصدها. وبهذا تكون شرعية الحاكم مرهونة باختيار الأمة له ورضاها عنه‏[66].

من هنا، يأتي وصف دولة الإسلام بالمدنية؛ حيث إن شرعيتها ومشروعيتها قائمة على تعاقد بينها وبين الشعب. ذلك بأن المرحلة الدينية التي عاشتها الدولة الإسلامية لم تتجاوز مرحلة تأسيسها في عهد الرسول، الذي كان مرسـلاً من الله وكان بهذا يمثل المشروعية الدينية والسياسية في الآن نفسه؛ على عكس الخلفاء الراشدين الذين استمدوا شرعية حكمهم من التعاقد الذي ربطهم بالأمة‏[67]، ولم يستمدوها من الدين.

وبالتالي فدولة الإسلام من هذه الزاوية، ليست نهاية التاريخ؛ لكون استمرارها رهين بمدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها التي تعاقدت على أساسها مع الشعب‏[68]. رغم أن الإسلام هو المرجعية القانونية للدولة، فإن الشأن السياسي شأن عام غير قابل للاحتكار، ومسؤولية مشتركة بين جميع المواطنين؛ على أساس أن الشورى مبدأ ضابط لصناعة واتخاذ القرار، الذي تصرفه الدولة لإدارة شؤون الأمة، بوصفها ممثـلاً شرعياً لإرادتها‏[69].

إن الدولة وفق هذا التصور كيان ثقافي، يتأسس على أرضية ثقافية؛ مرجعيتها الإسلام، «وهي بهذا ولهذا ليست منفصلة عن الأمة وإرادتها وخياراتها وإنما هي جزء من إرادة الأمة وجسرها لإنجاز مفاهيم السيادة والعزة والاستقلال. وبالتالي فالدولة لا تكسب الشرعية إلا بمقدار انتمائها للأمة، وبمقدار ما تستطيع البرهان على أنها تدافع عنها وتبذل الجهد لحل مشاكلها»‏[70]. على اعتبار أن الأمة الإسلامية تنفرد بمجموعة من الصفات يمكن إجمالها في ما يلي:

أ – الوسطية: وسطية الأمة الإسلامية وسطية عامة وشاملة لكل مناحي الحياة.

ب – الاجتباء: الأمة الإسلامية أمة مجتباة من طرف الله؛ أي مقصودة برحمة الله وكرمه بجمع شملها وحفظها من التفرق والتشتت شريطة الإيمان بالله وإفراده بالعبودية وفعل الخير خالصاً لوجهه والجهاد في سبيله.

ج – الابتلاء: الابتلاء صفة ملازمة للأمة وآلية من آليات تكوينها وصقل شخصيتها، فهو امتحان وتمحيص للإنسان على إخلاصه وتوحيده لله عز وجل وخضوعه لأمره.

د – الخيرية: يقول الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ﴾‏[71]. خيرية الأمة إذاً، ليست تمييزاً عنصرياً على الناس، إنها نتيجة لثلاثة اشتراطات، حسب البديل الحضاري: هي الإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إنها خير أمة بميزان الإسلام.

هـ – الانفتاح: يتجاوز مفهوم الأمة – الجماعة، حدود العرق واللغة والمكان بل يتجاوز حدود الزمن أيضاً، فالأمة الإسلامية أمة منفتحة على جميع الناس الراغبين في الالتحاق بها والالتزام بمبادئها وقيمها.

فالأمة بهذه المواصفات هي المستخلفة عن الله، بحسب البديل الحضاري، وهي المخاطبة بالتكاليف الشرعية، وهي التي تحمل أمانة عمارة الأرض‏[72].

وبالتالي فإن الدولة الإسلامية ليست مخالفة ومناوئة للأمة، وليست آلة قهر في يد طبقة أو فئة تستخدمها لإخضاع طبقة أو فئة أخرى؛ الدولة الإسلامية مؤسسة سياسية اجتماعية أخلاقية من مؤسسات الأمة، تقوم بإدارة شؤونها وتجسد رأيها وتعبر عن إرادتها في إطار الشرع الحنيف‏[73].

والمقصود بالشرع هنا، هو النظر إلى الإسلام في سياقه المتحرك والمتطور، الذي يتمشى مع الحكمة الإنسانية كمرتكز ثانٍ في الخلفية الفكرية للبديل الحضاري، حيث يتداخل البعدان الإسلامي والإنساني في انسجام وتعايش، كون العنصرين معاً يلتقيان في مصبّ واحد؛ هو بناء الوجود الراقي للإنسان، الذي تختزله دولة حقوق الإنسان، من خلال خدمتها للشعب وخضوعها لمراقبته، حيث يضمن فيها احترام الهوية الحضارية للأمة وحق الجميع في التنظيم والتعبير عن آرائه ومراقبة القرار السياسي، في إطار التداول على السلطة. فالدولة المعنية، هي تلك التي تحول دون الاعتقال السياسي والاعتقال بسبب الرأي وتغيب فيها ممارسة العنف والإقصاء والتهميش‏[74].

هذا التمثّل المزدوج للإسلام والحكمة الإنسانية هو ما تسعى «البديل الحضاري» أن تتميز به، ساعية إلى الإجابة عن معضلة العلاقة بين البعدين‏[75] السالفَي الذكر.

نستشف مما سبق، أن «البديل الحضاري» تدعو إلى قيام علاقة تعاون وتكامل بين الأمة والدولة؛ بوصفها دولة مدنية، وذلك بإعادة الاعتبار إلى مؤسسات المجتمع المدني وتفعيلها، من خلال بناء علاقة متوازنة ومتكاملة بين المجتمع والدولة، بحيث يتم الحد من تطاول الدولة على أدوار المؤسسات غير الحكومية. وهذا لا يعني إضعاف الدولة أو تهميشها، لأن دورها مركزي في إدارة شؤون الأمة وتأمين مصالحها والحفاظ على مكتسباتها. لذلك فإن تحرير القرار السياسي والاقتصادي للدولة، يعد من المهمات الرئيسية المنوطة بالجميع، لتصبح مؤسسة سياسية اجتماعية، وكيلة عن الأمة، قوية بشرعيتها السياسية، بخياراتها ومشاريعها المعبرة عن مصالحها وقوية أيضاً بكفاءتها الإدارية. إن التزام الدولة بهذا الدور وتعبير مشاريعها وخياراتها عن مصالح الأمة وقيمها، هو صمام الأمان لعلاقة متميزة ومتكاملة بين الدولة والأمة وضمان للاستقرار السياسي.

من هنا، يبدو أن مركز الثقل في المشروع «النهضوي» الذي ترومه وتتوخاه البديل الحضاري يكمن في صوغ تصور حضاري للعلاقة بين الأمة والدولة، على أساس الصفات التي تنفرد بها الأمة الإسلامية والتي من أهمها الوسطية، يعمد إلى إزالة كل أسباب التناقض والتوتر بينهما، ويوفر شروط التحول إلى دولة ديمقراطية تحتضن الجميع ولا تستثني أو تهمش أية فئة من فئات المجتمع ولا تحمي مصالح فئة على حساب فئات أخرى‏[76]. كل ذلك بناء على ميثاق سياسي يجمع ويجتمع حوله الفاعلون السياسيون كافة.

2 – في جدوائية الميثاق السياسي

يمثل الميثاق السياسي في نظر البديل الحضاري، ذاك الإطار التاريخي المرحلي، الذي كان من المحتمل أن يمكن أطراف المشهد السياسي في المغرب على وجه الخصوص، من تجاوز معيقات التنازع السياسي، الذي كان متمظهراً، في سياق ظهور البديل الحضاري، في تسعينيات القرن العشرين، بين السلطة السياسية، بمعنى الحكم من جهة وأحزاب الحركة الوطنية والمكونات الإسلامية من جهة ثانية، لو أن هذه الأطراف تبنته آنذاك.

فالسلطة السياسية بوصفها المسؤول الأول والأخير – حسب البديل الحضاري – عن كل مظاهر الخلل والتردي المنتشرة في كل مكان، لم يكن أمامها إلا أن تبرهن عملياً عن قابليتها للتحول نحو زمن مغربي منشود؛ وذلك من خلال تدشين عهد الصحوة الديمقراطية الحقيقية، على أساس استكمال خطوات الانفراج السياسي بإطلاق سراح من تبقى من المعتقلين السياسيين، وإنجاز إصلاحات دستورية حقيقية، تسمح بحياة سياسية سليمة وتحد من الهيمنة المطلقة لوزارة الداخلية، وتفضي إلى بناء مؤسسات تمثيلية تعكس بالفعل إرادة الشعب المغربي‏[77].

أما الجماعات الإسلامية، فكان مطلوباً منها آنذاك أن ترقى إلى مستوى التحديات الحضارية وأن تجيب بشكل واضح وملموس عن مختلف الأسئلة التي تطرحها المرحلة ويستلزمها الواقع. من قبيل مواضيع: الديمقراطية – الرؤية – البرنامج المجتمعي – العلاقة مع الأطراف الأخرى – الوحدة الإسلامية… إلخ. كما أنها مطالبة بأن تتمثل الحد الأقصى من الوضوح الذاتي والوضوح في اتجاه الموضوع. يقول الركالة: «ولسنا نبالغ إذا قلنا إن هذا الصف يقف […] بين خيارين: إما الارتقاء استجابة لمطلب التجديد والتكيف مع سيرورة الأحداث المتسارعة وإما الركون إلى الجمود والتقوقع الذاتي بما يعنيه من انسحاب خارج دائرة الواقع المحلي. وربما لا يزال البعض منا يخدع بهذا الزخم الراهن الذي تعرفه الأمة في إطار الصحوة الإسلامية المباركة، لكن ينبغي أن نعلم أن الحياة دول والتاريخ تدافع وتناوب وأن هذا الزخم والامتداد فرصة للحركة الإسلامية قد تترجمه إلى كيان حضاري جديد وعادل، كما قد تضيعه وتحوله إلى نموذج عكسي مشوه»‏[78].

إذا كانت السلطة السياسية مسؤولة إلى جانب المكونات الإسلامية عن جزء من أزمة السياسة في المغرب، فإن الأحزاب الوطنية تتحمل هي الأخرى الجزء الآخر من هذه الأزمة، حيث بات يتجلى فيها كثير من مظاهر الشيخوخة والعجز عن تأطير وفهم ومواكبة سيرورة الشعب المغربي وتحولاته. وهي بالأمس كما اليوم، تقف بين رهان التجديد والانقراض والتشتت أو الاستقطاب الكامل من قبل «حمى السلطة» ضداً على الشعب وطموحاته في التغيير. «إن هذه الأحزاب، صارت تتخبط بشكل واضح وتختنق في أزمة حادة هي أزمة الهوية سواء تعلق الأمر باستنادها إلى فراغ أيديولوجي عميق أو بفقدانها لمصداقية الخطاب وشرعية الامتداد بين ثنايا الشعب المغربي، الذي أصبح فاقداً للثقة في جميع الخطابات التقليدية الفاقدة حتى لبريق اللمعان النظري»‏[79].

لذلك فـ «الأحزاب الوطنية»، مطالبة هي الأخرى بمراجعة نظرتها إلى الأشياء والقضايا، بما في ذلك النظرة إلى الجماعات الإسلامية، كمكونات وطنية لا يمكن إسقاطها من حسابات السياسة.

خلاصة لما سبق، يمكن القول إن استفراد الحكم بالقرار وسيطرته على المجال السياسي المغربي وتهميشه لباقي الفاعلين السياسيين، الذين يعانون أزمة ذاتية تتمثل بغياب البرنامج السياسي لدى الفاعلين الإسلاميين والفراغ الأيديولوجي وشيخوخة النخب لدى الفاعلين الوطنيين؛ كلها تشكل عناصر الأزمة التي تعتري المكونات الرئيسية الفاعلة في المشهد السياسي المغربي.

ولتجاوز هذه الأزمة، تقدمت «البديل الحضاري» بالميثاق السياسي، الذي تضمن البنود التالية:

أولاً: التأسيس لإجماع وطني: يشمل الأسس المرجعية العليا للشعب المغربي وثوابته، ذلك بأن أي مشروع نهضوي يروم التقدم والرقي ولا يقوم على الهوية الحضارية للشعب المغربي مآله الفشل. «كما أن التحول الديمقراطي إذا لم يستحضر هذه الهوية فإنه سيصطدم لا محالة مع القيم الدينية لأمتنا وسيؤدي إلى إعادة إنتاج القهر والاستبداد من جديد. إن هويتنا الحضارية ليست هوية خلافية […]. إن هويتنا بقدر ما تضمن لنا ذاتيتنا الحضارية والثقافية، تضمن لنا الانفتاح على التجربة الإنسانية العامة في إطار علاقة تفاعلية إيجابية. وتضمن لنا القدرة على النظرة النقدية لذواتنا بعيداً من كل نرجسية جماعية، كما تضمن لنا القدرة على النهوض والمواجهة وإقامة العدل في أنفسنا وبين الناس. هوية تضمن التماسك الداخلي لشعبنا وأمتنا وتسع وتستوعب في نفس الوقت الاختلافات ووجهات النظر المتعددة»‏[80].

فسؤال الهوية سؤال مصيري، بالنسبة إلى البديل الحضاري، كونه يحدد موقع الأمة من كل القضايا، رغم تعقد الإجابة عن هذا السؤال وتعددها، نتيجة لتشرذم الساحة السياسية والفكرية في المغرب وتعدد المرجعيات والمشارب داخلها.

لكن هذا التشرذم والتعدد في مجمله مصطنع ويتسم بعدم الوضوح الفكري والأيديولوجي، ويزيد من غموضه غياب التواصل والحوار الفكري الرصين والعميق بين مكونات المشهد السياسي‏[81] المغربي؛ ذلك بأن الأزمة بنيوية ويستعصي حلها على أي جهد منفرد يقوم به الحكم أو الأحزاب الوطنية أو الجماعات الإسلامية، وهو ما يتطلب تكاثف جهود فرقاء الساحة السياسية بمختلف مشاربهم ومواقعهم من أجل صياغة برنامج إصلاح وطني استعجالي، وتنزيله على أرض الواقع وشيْد حالة من الإجماع الوطني تضم النخب السياسية، حكاماً ومعارضة، والشعب المغربي لمواجهة التحديات الداخلية والمخاطر الخارجية. وهذا لن يتأتى من دون القطع مع ذهنية الماضي، «ذهنية المزايدات الشعاراتية والانغلاق السياسي وادعاء احتكار الحقيقة. لن يتأتى أيضاً بدون التأسيس للاختلاف والقبول الفعلي بالآخر والإيمان بأهمية مشاركة الجميع في إنقاذ الحاضر وصناعة المستقبل، متجاوزين بذلك لواقع الشك والريبة ومؤسسين للثقة بين مختلف المكونات عبر مراكمة تتطلب أساساً دفن الماضي في نواحيه السلبية والتأسيس لمسلكية سياسية تكرس هذه الثقة المتبادلة»‏[82].

ثانياً: الكتلة التاريخية: والمقصود بها هنا، شكـلاً تنظيمياً يجمع مختلف فرقاء وفعاليات المجتمع المدني المغربي، وتاريخيتها تستند إلى طبيعة المهمة الموكولة إليها وليس لتاريخ أفرادها. فمن مهماتها العمل على إيجاد دولة حقوق الإنسان «وهذه مهمة تاريخية [يقول محمد لامين الركالة] بكل معنى الكلمة، إنها تحرير للإنسان المغربي من منطق الحمى السياسي وفتح الأبواب مشرعة أمام الجميع ليعمل في إطار الضمانات الديمقراطية وحقوق الإنسان»‏[83].

إن العمل على إقامة دولة حقوق الإنسان مهمة وطنية ومن ثم فهي ليست مهمة «الحركة الإسلامية» وحدها، بل هي مسؤولية جميع مكونات المشهد السياسي، كونها كشعار لبرنامج حد أدنى بين فرقاء «الكتلة التاريخية»، سيسمح بنوع من التعاون والتنسيق لتنزيله على أرض الواقع. وآنذاك تنتهي مهمة الكتلة التاريخية بتحقق هذا الشعار، لكنها تبقى قابلة للتشكل في كل مرة تتعرض دولة حقوق الإنسان لخطر الزوال‏[84].

من خلال ما سبق، يتضح أن الغاية من الميثاق السياسي السالف الذكر هي تحقيق نتيجتين أساسيتين، هما: متطلبات الوحدة الوطنية ومستلزمات الحرية الفردية والجماعية. ذلك أن الإكراه، تحت أية يافطة كان، لا يمكن أن يحقق وحدة وطنية.

إن الحرية، وبخاصة حرية الرأي وحرية الاعتقاد، بطبيعتها متعالية على المصادرة والإكراه. يقول محمد لامين الركالة بهذا الخصوص: «إن الآراء والأفكار كما المعتقدات لا يزيدها الإكراه إلا تجذراً ورسوخاً، فالآراء والقناعات، لا تفرض، كما إنها لا تواجه، بالقوة والعنف، وإنما بالحوار والسجال الفكري الرصين والمتعقل […] فالحرية هي قبل كل هذا وذاك إشكال مرتبط بـ «الأنا» الفردية والجماعية، يتطلب إنجازه وتحقيقه، مصادرة أنانياتنا واحتكارنا للحقيقة ومنطق الإقصاء المتجذر فينا عبر عقود من التنشئة القسرية القائمة على منطق «لا أريكم إلا ما أرى». لذلك فإن قيام الوحدة الوطنية يستلزم احترام التعدد والاختلاف، وقيام المجتمع على أساس المواطنة التي بقدر ما تحقق مساواة الجميع تضمن لهم حريتهم كاملة غير منقوصة»‏[85].

ولبلوغ هذا المرمى لا بد من القطع مع ذهنية الماضي وادعاء احتكار الحقيقة، وإعمال عقل جديد يؤسس للاختلاف والقبول الفعلي بالآخر ويؤمن بأهمية مشاركة الجميع في إنقاذ الحاضر وصناعة المستقبل، عقـلاً يقطع مع الذهنية التكتيكية والمزايدات الشعاراتية والانغلاق السياسي من جهة، ومن جهة ثانية لا بد من تجديد الثقة بين الفاعلين السياسيين والشعب؛ حيث سادت بين الحكم والمعارضة علاقة موسومة بالعنف والصدام (…) من هنا، تتجلى أهمية إعادة بناء الثقة «بما هي عملية مراكمة تتطلب أساساً دفن الماضي في نواحيه السلبية والتأسيس لمسلكية سياسية تكرس هذه الثقة المتبادلة»‏[86].

بناء على ما تقدم، يمكن أن نخلص إلى أن البديل الحضاري، كما الحركة من أجل الأمة، تقر بـ «مدنية» ما تصطلح عليه «دولة الأمة»، وإن كان مضمون «المدنية» لا يعني في الحقيقة، قطعاً نهائياً مع الدين ولكن فقط تمييز إجرائي، على اعتبار أن الدولة الدينية انتهت تاريخياً مع وفاة الرسول وبالتالي أصبحت شرعية ومشروعية كل الدول التي جاءت بعد ذلك، قائمة على التعاقد بينها وبين الشعب، أو لنقل بين الحاكم والمحكوم، على أساس الصفات التي تنفرد بها الأمة الإسلامية، ومن أهمها مبدأ الوسطية. من منطلق أن النظر إلى الإسلام يجب أن يندرج في سياقه المتحرك والمتطور بما يتمشى مع الحكمة الإنسانية ويتماهى معها؛ تأسيساً على الميثاق السياسي الذي من أهم معالمه: الإجماع الوطني على أساس الهوية الحضارية المغربية في سياقنا هذا من ناحية، و«الكتلة التاريخية» كإطار جامع لمكونات الفعل السياسي في المغرب من ناحية ثانية.

 

قد يهمكم أيضاً  مقترب منهجي لدراسة الظاهرة الدينية: حالة الشباب المغربي نموذجاً

#مركز_دراسات_الوحدة_العربية #الحركة_من_أجل_الأمة #الإسلاميين #الحركات_الإسلامية_في_المغرب #الفكر_الإسلامي #الإسلاميين_المغاربة #الدين_والسياسة #الدين_والدولة #الحركات_الإسلامية