مقدمة

مهَّدت الاحتجاجات التي عرفها المغرب سنة 2011، على غرار عدد من البلدان العربية، إلى وصول الإسلاميين إلى السلطة. فقد استطاع حزب العدالة والتنمية أن يحصل على المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية التي أجريت في 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2011، والتي جاءت عقب الإصلاحات الدستورية التي دشَّنها الملك محمد السادس استجابة للاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت البلاد بقيادة حركة 20 فبراير. وقد حصل حزب العدالة والتنمية، الذي ظل في المعارضة منذ نشأته سنة 1996، على 107 مقاعد من أصل 395 مقعدًا متبارًى عليه بنسبة 27 بالمئة من أصوات المقترعين، وهو ما قاد أمينه العام عبد الإله بنكيران إلى رئاسة أول حكومة ائتلافية بقيادة الإسلاميين في المغرب. وفي سنة 2016 سيتأكد هذا التفوُّق بفوز حزب العدالة والتنمية في انتخابات 7 تشرين الأول/أكتوبر بـ125 مقعدًا (31 بالمئة من أصوات المقترعين، وهو ما عزز مكانة الحزب داخل المشهد الانتخابي المغربي. في إثر ذلك كُلف الملك الأمين العام للحزب عبد الإله بنكيران بتأليف الحكومة الأمر الذي عجز عن تحقيقه بعد ما يزيد على ستة أشهر من الجمود السياسي، فلجأ الملك إلى إعفائه وتعيين سعد الدين العثماني بوصفه رئيسًا للمجلس الوطني للحزب خليفة له، الأمر الذي خلَّف الكثير من ردود الفعل داخل الحزب، وهو ما انعكس سلبًا على استقراره وتماسكه التنظيمي وتوجهاته الأيديولوجية.

نتيجة لذلك هوت نتائج الحزب التي حصل عليها في الانتخابات التشريعية سنة 2021، إلى مراتب دنيا، إذ لم يتمكن من الحصول إلا على 13 مقعدًا من أصل 395 مقعدًا محتلًا المرتبة الثامنة، الأمر الذي عُدّ نكسة انتخابية وتراجعًا مخيِّبًا للآمال في نظر قيادة الحزب وأنصاره أدت إلى تقديم الأمانة العامة للحزب استقالتها بصورة جماعية. في هذا السياق، سيتناول هذا البحث تجربة الإسلاميين في المغرب من خلال حزب العدالة والتنمية كنموذج على عملية الإدماج المطول، وتكييف مرجعيات الإسلاميين مع الوضع السياسي القائم؛ فالنظام السياسي في المغرب لم يعمد إلى إقصاء وجود مكونات الحزب، وفي الوقت نفسه لم يسمح لها بالوجود إلا وفق شروطه المؤسسيَّة، في المقابل لم تنجرّ هذه المكونات نحو العنف ولا نحو المعارضة الجذرية لمشروعيات النظام السياسي. وسنحاول تسليط الضوء على كيفية تأثير الممارسة السياسية من داخل السلطة في السلوك السياسي لنخب الحزب ومرجعيته الأيديولوجية من خلال قيادته الحكومة لولايتين متتاليتين.

بعد وصول الإسلاميين في المغرب إلى الحكومة وُضعوا أمام ثلاثة تحديات أساسية: التحدي الأول هو كيفية التوفيق بين متطلبات المشاركة الحكومية بكل ما تعني من تنازلات، مقابل الوفاء للمرجعيات الأيديولوجية للحزب. أما التحدي الثاني فتمثل بسبل إرضاء القصر، فالمؤسسة الملكية كان لها دور تاريخي في استمرار وجود الحزب داخل الساحة السياسية، ثم إن الملك في المغرب يسود ويحكم، وهو ما يعني أن الحكومة تشتغل تحت غطاء وظل الملك بما يحوزه من سلطات تنفيذية. فكان لزامًا على الحزب أن ينخرط في سلوك براغماتي، بتبني السياسات المملاة عليه رأسًا في مختلف المجالات والقضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية وإن كانت لا تتمشى مع قناعته الأيديولوجية. ويتمثل التحدي الثالث بكيفية الحفاظ على تماسك قاعدته الشعبية كقوة دافعة للحزب، من خلال الاستجابة لانتظارات الناخبين الذين بأصواتهم وصلوا إلى رأس الحكومة.

واجه مسار حزب العدالة والتنمية داخل السلطة تحديًا كبيرًا في التوفيق بين متطلبات المشاركة الحكومية وشروطها وحدودها، والالتزام بمرجعيته الأيديولوجية، فترتب على ذلك بروز نزعة براغماتية في تعاطي الحزب مع الممارسة السياسية. وهو مسار فرض على الحزب التكيُّف مع متغيِّرات الظرفية السياسية بهدف كسب رهان الانخراط في العملية السياسية من داخل مؤسسات الدولة. فكان على مكونات الحزب إظهار المزيد من المراجعات الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية التي لزمتهم منذ سعيهم للانخراط في العمل السياسي الرسمي مع بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وكان عليهم أن يتكيَّفوا مع البيئة السياسية الجديدة التي حملتهم إلى تدبير الشأن العام من خلال المشاركة في صوغ السياسات العمومية للبلاد. وهو ما اضطرهم إلى تقديم تنازلات، سواء من ناحية الثوابت المرجعية أو من جانب التحالفات مع سائر التيارات السياسية أو من زاوية علاقتهم بالجناح الدعوي للحزب المتمثل بحركة التوحيد والإصلاح، ومن زاوية أخرى تطوير استراتيجيتهم المتبعة في علاقتهم بالمؤسسة الملكية وحساباتهم مع السلطة السياسية.

تبرز في خضم هذه التحدِّيات التي واجهت الحزب طوال عقد من الزمن في الحكومة، تساؤلات حول طبيعة الأثر الذي خلفه خيار المشاركة السياسية للحزب بوجه عام، سواء حين كان في المعارضة أو حين انتقل إلى المشاركة في الحكومة وقيادتها، في البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمغرب وانعكاسات هذه المشاركة على البيئة الداخلية للحزب؟ وكيف استطاع الحزب التكيُّف مع شروط المشاركة والتحديات التي فرضتها قيودها؟ وما انعكاسات التكلفة السياسية والتنظيمية التي أداها الحزب إزاء هذه المشاركة؟

من الفرضيات التي تتأسس عليها هذه الدراسة أنه كلما زاد استعداد الإسلاميين للتنازل عن أيديولوجيتهم، أي إخضاعها لإرادة السلطة الحاكمة، قلّت قدرتهم على تحقيق التوازن بين مرجعيتهم الأيديولوجية وخطابهم الخارجي، ومن ثمَ زاد إمكان استغلالهم كأداة من جانب السلطة من أجل توظيفهم لتحقيق استقرار الوضع السياسي القائم. وعليه، يظهر أن نخب حزب العدالة والتنمية في خضم رحلتهم لتقديم التنازلات من أجل تحقيق مراميهم بالإدماج في العملية السياسية لم يضعوا لأنفسهم سقفًا وعتبة لحجم التنازلات التي يمكن تقديمها، وهو ما أسقطهم في تكييف جل السياسات المفروضة عليهم من أعلى مع توجهاتهم وإن كانت تناكف أيديولوجيتهم ومرجعياتهم الفكرية، حيث أظهر الحزب في كثير من المحطات أنه مستعد للتضحية بخياراته المرجعية من أجل إرضاء السلطة السياسية.

إذا كان مقترب «الدمج والاعتدال» الذي ساد في الكثير من الأدبيات التي اشتغلت على دراسة مسارات الحركات الإسلامية في المشاركة‏[1]، يمثل عاملًا مفسِّرًا جيدًا على استمرار الحزب في الساحة السياسية المغربية، وتأديته أدوارًا متميزة في المعارضة البرلمانية وقبول أن يكون له موطئ قدم في الخريطة الحزبية، نظرًا إلى اعتدال خطابه السياسية وقبوله الانخراط في القواعد القانونية للعبة السياسية وشروطها كما هي مرسومة له سلفًا. فإن هذا المقترب بعد وصول الحزب إلى المشاركة في الحكم عبر رئاسته الحكومة بات عاجزًا عن إعطاء تفسيرات مقنعة على استمرار الحزب لولايتين اثنتين على رأس الحكومة، وهي سابقة في التاريخ السياسي المغربي؛ فقد بدا واضحًا تأثير المشاركة السياسية في الخطاب السياسي للإسلاميين وفي طبيعة الممارسة السياسية التي تمتاز بقدر كبير من المرونة والبراغماتية، وهو ما يؤكد صلابة الطرح القائل بأنه كلما توافرت بيئة ومناخ سياسي مساعد على إدماج الإسلاميين دخلوا في سلسلة من المراجعات والتحوُّلات الفكرية والتنظيمية التي تقودهم في نهاية المطاف إلى الاعتدال. لكن السؤال الذي يُطرح هنا هو ماذا بعد وصول الإسلاميين إلى السلطة وتأكُّد اعتدالهم؟ وكيف ينعكس هذا الاعتدال على تغيير قناعاتهم المرجعية لتدبيرهم السلطة؟ تقترح جوليان شويدار وخليل العناني في هذا الباب، الانتقال من إطار «الدمج والاعتدال» إلى إطار «استراتيجية التكيُّف»، الذي يعني في مضمونه الاستيعاب الاستراتيجي أو التكتيكي للفاعل الإسلامي للبيئة السياسية والاجتماعية التي يشتغل بها، ولسياسات وسلوكيات الخصوم، وينتج من هذا التكيُّف تغيير في قناعات الفاعل الإسلامي المرجعية إما بصورة إرادية أو مكرهة‏[2].

وتكتسب هذه الإشكالية أهمية إضافية في ضوء الانتخابات التشريعية المغربية المقررة في 23 أيلول/ سبتمبر 2026، التي تمثل اختبارًا جديدًا لمسار الإسلاميين داخل الحقل السياسي المغربي، ولا سيَّما بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية، بعد التراجع الانتخابي الكبير الذي تعرض له عام 2021. فإذا كانت تجربة المشاركة الحكومية خلال عقد من الزمن قد كشفت عن التكلفة السياسية والتنظيمية والرمزية للإدماج، فإن الاستحقاق المقبل يتيح اختبارًا جديدًا لمدى قدرة الحزب على إعادة بناء شرعيته الانتخابية والتوفيق بين مقتضيات البراغماتية السياسية والحفاظ على هويته الإسلامية. ومن ثمَ، لا تكتفي انتخابات عام 2026 التشريعية بطرح سؤال عودة الحزب إلى الواجهة الانتخابية من عدمها، بل تطرح، بصورة أعمق، سؤال حدود التكيُّف الذي يمكن أن يبلغه الفاعل الإسلامي داخل نظام سياسي تتحدَّد فيه إمكانات المشاركة وحدودها في آن واحد. وفي هذا السياق، تبدو المحطة الانتخابية لسنة 2026 امتدادًا طبيعيًّا للإشكالية التي تعالجها هذه الدراسة: هل تؤدي المشاركة البراغماتية إلى إعادة إنتاج الفاعل الإسلامي وتكييفه مع قواعد اللعبة، أم أنها تستنزف تدريجًا رصيده الرمزي والتنظيمي والانتخابي؟

على هذا المنوال، سنتجه لتوظيف هذا الإطار لرصد التكيُّف السريع في مرجعية حزب العدالة والتنمية وسلوكه السياسي مع أجندة الدولة السياسية، خلال قيادته الحكومة المغربية في الولايتين السابقتين، وذلك من منطلق موضوعي وبمقاربة ميدانية تستقي المعلومة من مصادرها الأصلية، عبر إجراء لقاءات تواصلية مع فاعلين قياديين من داخل الحزب، ثم الاعتماد إلى حدٍّ كبير على الشهادات السياسية التي قدمها عدد من قادة الحزب في سياق عرضهم تجربتهم الوزارية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 571 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 571 أيلول/ سبتمبر 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 571 في أيلول/سبتمبر 2026.

عبد الإله سطي: أستاذ العلوم السياسية، جامعة ابن زهر أكادير – المغرب.

[1] Khalil Al-Anani, «Understanding Repression-adaptation Nexus in Islamist Movements,» in: Strategies of Islamist Movements, POMEPS Studies; no. 26 (Washington, DC: Project on Middle East Political Science, 2017), p. 4. <https://pomeps.org/wp-content/uploads/2017/04/POMEPS_Studies_26_Adaptation_Web.pdf>.

[2]         Ibid.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز