مقدمة

تُعدُّ المضائق البحرية جوهرة المسطحات المائية نظرًا إلى أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية، فهي تمثل ممارّ ملاحية حيوية تربط بين محيطين أو بحرين، وتتحكم في جزء كبير من حركة التجارة والطاقة العالمية. لذلك، تمثل هذه الممارّ مفاصل جيوستراتيجية وجيوسياسية مهمة. ويأتي مضيق هرمز في طليعة هذه المضائق كأحد أهم الممارّ البحرية في العالم، حيث يقع عند مدخل الخليج العربي بين جزيرة مسندم التابعة لسلطنة عمان في الجنوب وإيران في الشمال، بطول 990 كم وعرض يراوح بين 55 كم و95 كم. يمر عبره نحو 20 بالمئة من النفط الخام عالميًا، بما يعادل 21 مليون برميل يوميًا، إضافة إلى 20 بالمئة من الغاز الطبيعي المسال عالميًا‏[1].

مثَل هذا المضيق مركزًا للصراعات والنزاعات السياسية والاقتصادية والأمنية، نظرًا إلى موقعه الاستراتيجي الذي يربط بين دول الخليج والعالم الخارجي، وقد أسهم موقعه الجغرافي في زيادة أهميته بين الدول، إذ أصبح محط أنظار الدول ذات المصالح الحيوية فيه ومحور الصراع والتنافس الدولي والإقليمي؛ فقد مكَّنه موقعه هذا، من التحكم في الملاحة البحرية ومنحه وضعًا أمنيًا وقانونيًا واستراتيجيًا على وجه الخصوص، فجعله مكانًا لتنافس القوى البحرية الدولية والإقليمية لفرض سيطرتها ونفوذها عليه نظرًا إلى أهميته وبعده الجيوسياسي.

وكون مضيق هرمز مضيقًا دوليًا فهو يخضع لقوانين الملاحة البحرية التي تنص معظمها على ضمان حرية المرور في المضيق لسفن كل الدول الإقليمية والدولية، وتحييد المضيق أثناء النزاعات المسلحة وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام 1982، وهي أهم اتفاقية دولية تنظم المرور في المضائق البحرية، وتُعدّ المرجع الأساسي في هذا المجال، حيث يحق لجميع السفن، المدنية والعسكرية، وسفن الدول الساحلية وغير الساحلية، المرور عبر المضائق الدولية من دون إذنٍ مسبق، ما دام المرور يتم بصورة سلمية ولا يهدد أمن الدول المطلة على المضيق.

تقدم هذه المقالة رؤية تحليلية لتأثير وأهمية الموقع الجيوسياسي لمضيق هرمز في حركة التجارة الدولية ومرور المشتقات النفطية والغازية، من منطقة الخليج العربي (كما تسميه دول الخليج العربي) أو الخليج الفارسي (كما تسميه إيران) إلى الدول الصناعية في الشرق والغرب، وكذلك مرور السلع والبضائع من هذه الدول إلى دول الخليج، فضلًا عن كونه عقدة أمنية للكثير من دول المنطقة في طليعتها السعودية والكويت والعراق وقطر والإمارات والبحرين المجبرة على التعاطي مع هذه العقدة بشيء من دبلوماسية القوة. بسبب سياسة إيران التي تحاول التحكُّم في المضيق واستعماله كورقة ضغط جيوسياسية في مواجهة الضغوط والعقوبات الغربية التي تمارَس عليها من جانب واشنطن وحلفائها. وبالتالي تركز هذه المقالة على البعد الجيواقتصادي والجيوسياسي والنفوذ الإقليمي لإيران، وأيضًا نشاطها الأمني والعسكري وتأثيره في السياسات الإقليمية والدولية انطلاقًا من النظرية الواقعية التي عمادها القوة والصراع على الهيمنة لحماية المصلحة الوطنية في ظل مجتمع دولي فوضوي.

تتعلق أهمية هذه المقالة بأهمية موقع مضيق هرمز، لذا لا بدَّ من أن تخضع لمناهج البحث العلمي في مجال الجغرافيا السياسية، كون موقع المضيق ينعكس على سياسات الدول وقراراتها في ما خص حركتها الاقتصادية والعسكرية عبره، لذلك كان لا بد من الاستعانة بالمنهج التاريخي، إضافة إلى المنهج الوصفي التحليلي (Descriptive-Analytical Method) في مقاربته أهمية مضيق هرمز وتأثير موقعه في حركة مرور النفط والغاز والسلع والبضائع، وانعكاس ذلك على طبيعة الصراع الدولي والتنافس الإقليمي، وما تمثله المضائق، ولا سيَّما مضيق هرمز، من حواجز جغرافية تمكِّن الدول التي تسيطر عليها من التحكم في اقتصادات الدول العابرة من خلاله، أضف إلى المنهج الواقعي (Realist Approach) الذي يفسر سلوك إيران من منظور القوة والمصلحة الوطنية.

انطلاقًا من الأهداف سنتحدث في هذه المقالة عن أهمية البعد الاقتصادي لمضيق هرمز بالنسبة إلى إيران أولًا، وعن أهمية البعد السياسي لمضيق هرمز بالنسبة إلى إيران واستراتيجية نفوذها الإقليمي ثانيًا، وعن البعد الأمني والعسكري وتأثيره في السياسات الإقليمية والدولية ثالثًا.

تعتمد هذه المقالة على مرتكزات النظرية الواقعية في العلاقات الدولية، بما تضمنه من مفاهيم القوة وتوازن القوى والمصلحة الوطنية، بوصفها الإطار الأنسب لفهم وتحليل موضوع المقالة. فقد هيمنت الواقعية على مقاربات السياسة الخارجية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكونها تقدم أدوات تفسيرية دقيقة لسلوك الدول‏[2].

تُعدّ الواقعية إحدى أهم نظريات السياسة الخارجية، إذ تنطلق من فكرة أن المصلحة هي جوهر الفعل السياسي، وأن القوة تُمثّل أداته الرئيسة لضمان البقاء. وترى أن المصلحة الوطنية هي المعيار الحاسم لأي سلوك خارجي تنتهجه الدولة في البيئة الدولية‏[3].

ترتكز هذه النظرية على عدة فرضيات أساسية، أبرزها أن الدولة فاعل عقلاني يسعى لتحقيق مصالحه، وفي مقدمها حماية وجوده واستمراره في نظام دولي يتسم بالفوضى. وتفترض الواقعية أن التوجهات والقرارات التي تتخذها الدول غالبًا ما يمكن تفسيرها بمنطق عقلاني يستند إلى تحليل التيار السياسي الرئيس داخل كل دولة‏[4].

كما تنطلق الواقعية من أن النظام الدولي بطبيعته فوضوي، ومن ثم يصبح الحفاظ على الأمن القومي المصلحة العليا لكل دولة. وبالتالي، تُوجَّه السياسات الخارجية نحو تعظيم القوة بمعزل عن أي منطلقات أخلاقية أو قيمية، لكون ذلك هو السبيل إلى ضمان استقرار الدولة واستمرارية سياستها الخارجية‏[5].

وترى النظرية أيضًا أن الدول تتحرك وفق مصالحها الخاصة بوصفها المحدد الأساسي لسلوكها، غير أن تعريف هذه المصالح محكوم بتوازنات القوى والعلاقات مع الدول الأخرى. ولا وجود لصداقات أو عداوات دائمة، بل مصالح تتغير وفقًا للظروف.

وتُعدّ القوة – وفق المنظور الواقعي – تجسيدًا لقدرة الدولة على حماية مصالحها، سواءٌ كانت قوة عسكرية أو عناصر القوة القومية الشاملة، بما في ذلك الموقع الجغرافي والقدرات الاقتصادية والموارد المعنوية.

كما تشير الواقعية إلى وجود مجموعة من المصالح العليا والثابتة التي تُعدُّ أهدافًا استراتيجية للدول، مثل: حماية الدولة من التهديدات الخارجية، وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، وتعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي، والحفاظ على مكانة دولية مؤثرة تمنح الدولة الهيبة والاعتبار.

وتُدرَس المصلحة الوطنية من خلال مستويين رئيسيين: الخصائص القومية للدولة، وصانعي القرار؛ فالمصلحة الوطنية تُحدّد من خلال الإمكانيات الموضوعية للدولة، لكنها تتأثر أيضًا برؤية القيادة السياسية وقدرتها على توظيف عناصر القوة بصورة استراتيجية وفعًالة. وفي التحليل الواقعي، تُجسّد المصلحة الوطنية ما يتصوّره صانع القرار ويعمل على تحقيقه عبر مؤسسات الدولة، مع إمكان تغيّر هذه التوجهات بتغيُّر القيادة السياسية.

وفي هذا الإطار، سيتم توظيف النظرية الواقعية لفهم تحركات إيران في مضيق هرمز، حيث تسعى الدولة إلى تعظيم قوتها وتعزيز أمنها عبر السيطرة على أحد أهم الممارّ البحرية الدولية. ويُفسَّر استخدامُ إيران المضيقَ كورقة ضغط اقتصادية وسياسية في مواجهة العقوبات والضغوط الدولية من خلال منظور المصلحة الوطنية والردع، بما ينسجم مع الرؤية الواقعية للعلاقات الدولية.

أولًا: أهمية البعد الاقتصادي لمضيق هرمز
بالنسبة إلى إيران

يمثل البعد الاقتصادي لمضيق هرمز ركيزة أساسية لفهم الاستراتيجية الإيرانية، إذ يُعد المضيق شريانًا حيويًا لتصدير النفط والغاز، وعنصرًا محوريًا في بنية الاقتصاد الإيراني. وبالتالي فإن أي تعطيل للملاحة أو التهديد لأمن المرور البحري فيه، ينعكس مباشرة على الإيرادات الإيرانية، ولا يقتصر أثره على الداخل الإيراني فحسب، بل يمتد ليحدث اضطرابات وتقلبات واسعة في أسواق الطاقة العالمية‏[6].

تدرك إيران أن امتلاكها قدرة جزئية على التحكم أو التأثير في حركة الملاحة داخل مضيق هرمز لا يقتصر على كونه ورقة أمنية، بل يمثل في جوهره أداة ضغط اقتصادية ذات أبعاد دولية. فهذه القدرة تمنح إيران هامشًا واسعًا للمناورة السياسية، بحيث يمكن توظيف التهديد بتعطيل الملاحة أو رفع منسوب المخاطر البحرية كوسيلة تفاوضية في مواجهتها مع القوى الكبرى، سواءٌ الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية، فضلًا عن الاقتصادات الآسيوية المعتمدة على نحو كبير على تدفقات الطاقة عبر المضيق. وبذلك، يتحول المضيق من مجرد ممر جغرافي إلى عنصر فاعل في معادلات التفاوض والردع الاقتصادي.

1 – أهمية مضيق هرمز للصادرات الإيرانية

أ – حجم الاعتماد على المضيق

تمر النسبة الكبرى من صادرات النفط الإيرانية، والمقدرة بنحو 90 بالمئة، عبر مضيق هرمز، وهو ما يجعل الاقتصاد الإيراني شديد الحساسية لأي اضطراب في حركة الملاحة. وعليه، فإن أي تعطيل – حتى وإن كان مؤقتًا أو جزئيًا – ينعكس مباشرة على قدرة الدولة على تحصيل إيراداتها النفطية، ويهدد أحد أهم مصادر التمويل للاقتصاد الإيراني‏[7].

ب – البنية التحتية للتصدير

يُعد ميناء جزيرة خارك العمود الفقري لصادرات النفط الخام الإيرانية، إذ يمثل نقطة التجمع والتصدير الأساسية، إلى جانب عدد من المرافئ والمنشآت الواقعة على الساحل الجنوبي لإيران. يعزز هذا التمركز الجغرافي للصادرات أهمية المضيق، لكنه في الوقت نفسه يرفع مستوى المخاطر المرتبطة بأي توتر أمني في المنطقة‏[8].

ج – الانعكاسات الاقتصادية للحوادث والاضطرابات

يؤدي أي تعطيل للمضيق، سواءٌ أكان جزئيًا أو كليًا، إلى تأثيرات فورية في أسواق الطاقة العالمي، أبرزها ارتفاع أسعار النفط. غير أن هذه الارتفاعات لا تعني بالضرورة مكاسب لإيران، إذ غالبًا ما تترافق مع تراجع في حجم الصادرات الفعلية، ولا سيَّما في ظل منظومة العقوبات الدولية. بهذا المعنى، يتحول المضيق إلى سلاح ذي حدَّين، أداة ضغط على الاقتصاد العالمي، وفي الوقت نفسه مصدر هشاشة بنيوية للاقتصاد الإيراني‏[9].

2 – تأثير مضيق هرمز في الأسواق العالمية للطاقة

يمثل مضيق هرمز نقطة اختناق استراتيجية في النظام الاقتصادي العالمي، إذ يمر عبره يوميًا نحو 21 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات البترولية، وما يزيد على خُمس حاجات العالم من الطاقة. في حال توقف التدفقات، حتى لمدة قصيرة، أو كانت هناك مخاطر تثني الشركات المالكة لناقلات النفط عن المرور، فإن الأسواق تشهد ارتفاعات سريعة في الأسعار واضطرابات في سلاسل التوريد العالمية‏[10].

تتأثر في هذا الوضع بوجه خاص الدول الكبرى المستوردة للطاقة مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، التي تعتمد بنسبة كبيرة على النفط والغاز الآتي من الخليج عبر هذا المضيق‏[11].

3 – استراتيجية إيران الاقتصادية المرتبطة بالمضيق

تعتمد إيران في استراتيجيتها الاقتصادية على مجموعة من السياسات لتعظيم الاستفادة من موقعها الجغرافي بجانب المضيق، من بينها:

أ – تنويع طرق التصدير

تسعى طهران لتطوير موانئ ومحطات تصدير بديلة مثل ميناء جاسك وغيرها، لتقليل اعتمادها الكلي على المضيق في حال وقوع أزمات‏[12].

ب – تعزيز البنى التحتية

تعمل إيران على تحديث منشآت التخزين والتصدير لضمان استمرار الصادرات حتى في أوقات التوتر‏[13].

ج – استخدام المضيق كورقة ضغط

تبدي إيران بين الحين والآخر استعدادًا لاستخدام تهديدات تعطيل الملاحة أو إغلاق المضيق جزئيًا أو كليًا كأداة تفاوض مع القوى الدولية، بالرغم من أن مثل هذه الخطوة تُعدُّ جرأة اقتصادية، نظرًا لتأثيرها في اقتصادها الخاص وأزمة الطاقة العالمية ككل.

4 – الأبعاد الاقتصادية الدولية

تتأثر العلاقات الدولية، بدورها، إلى حدٍّ بعيد بموقع المضيق، إذ يمنح السيطرة عليه أو القدرة على تهديد الملاحة فيه نفوذًا في السياسات الدولية للطاقة والتجارة. تسعى الدول الكبرى باستمرار لضمان أمن هذا الممر لتفادي ارتفاعات كبرى في أسعار النفط وإبطاء النمو الاقتصادي العالمي، وهو ما يضع إيران في موقع تفاوض مهم لكنه محفوف بالمخاطر الاقتصادية والسياسية.

يتضح مما تقدم، أن البعد الاقتصادي لمضيق هرمز يمثل ركيزة استراتيجية لإيران، فهو ليس مجرد ممر لتصدير النفط، بل هو أداة للنفوذ الدولي والضغط السياسي. ترتبط استراتيجيات إيران الاقتصادية على نحو مباشر بالقدرة على التحكم في حركة الملاحة، وتنويع التصدير، وضمان استمرار الإيرادات الوطنية، بما يتوافق مع مبادئ النظرية الواقعية في العلاقات الدولية.

ثانيًا: البعد السياسي لمضيق هرمز بالنسبة إلى إيران
واستراتيجية نفوذها الإقليمي

يُعدّ مضيق هرمز أحد أهم الممارّ البحرية الاستراتيجية في العالم، ليس بسبب دوره الحيوي في نقل الطاقة وحسب، بل لما يمثّله أيضًا من قيمة سياسية وجيوسياسية في تفاعلات القوى الإقليمية والدولية. وفي ما يتعلق بإيران، يحتل المضيق موقعًا مركزيًا في استراتيجيتها السياسية والأمنية، حيث تحوّل إلى أداة نفوذ وضغط سياسي تُستخدم في إدارة الصراع مع القوى الكبرى، وفي إعادة تكوين موازين القوى الإقليمية في الخليج والشرق الأوسط.

لا تنظر إيران إلى مضيق هرمز بوصفه مجرد ممر ملاحي، بل كأداة سيادية – سياسية لتعظيم نفوذها الإقليمي وتعويض اختلال موازين القوة التقليدية.

1 – مضيق هرمز في الفكر الاستراتيجي والسياسي الإيراني

أ – الجغرافيا كعنصر قوة سياسية

تُولي إيران أهمية قصوى للجغرافيا السياسية، ويُعدّ مضيق هرمز المثال الأبرز على ذلك. إذ يقع المضيق ضمن نطاقها الجغرافي المباشر، وتشرف عليه سواحلها الجنوبية، وهذا ما يمنحها قدرة تأثير واقعية ومتصوَّرة في آن واحد.

في الفكر الاستراتيجي الإيراني، تتحوّل الجغرافيا إلى عنصر تعويض للنقص النسبي في القوة الاقتصادية والعسكرية مقارنة بالولايات المتحدة وحلفائها، وهو ما يندرج ضمن منطق القوة غير المتكافئة.

ب – المضيق كجزء من الأمن القومي الإيراني

تربط إيران رسميًا بين أمن مضيق هرمز وأمنها القومي، وقد كرّست هذه المقاربة في وثائقها العسكرية وتصريحات قادتها السياسيين والعسكريين، محذرةً من أن أي تهديد لإيران سيقابله تهديد للأمن الملاحي في المضيق. ويهدف هذا الربط إلى تدويل أي صراع محتمل مع إيران، بحيث لا يبقى محصورًا في نطاقها الجغرافي، بل يمتد ليشمل مصالح الطاقة العالمية.

2 – مضيق هرمز كأداة ضغط سياسي في مواجهة العقوبات

أ – ورقة تفاوض غير مباشرة

في ظل العقوبات الأمريكية والدولية، استخدمت إيران مضيق هرمز كورقة ضغط سياسية غير مباشرة، إذ تحافظ على سياسة الغموض المدروس التي تُبقي احتمال تعطيل الملاحة قائمًا من دون الإعلان عن نية الإغلاق الكامل. ويمنح هذا التهديد الضمني طهران قدرة على رفع تكلفة العقوبات على المجتمع الدولي عبر التلويح بتداعيات اقتصادية عالمية، وخصوصًا على أسواق النفط والغاز.

ب – الرد على سياسة «الضغط الأقصى»

خلال مرحلة «الضغط الأقصى» الأمريكية، برز المضيق كأداة رد سياسي، حيث ربطت إيران بين حرية صادراتها النفطية وحرية الملاحة الدولية، وقد مثّل هذا الربط رسالة سياسية مفادها أن حرمان إيران حقوقها الاقتصادية سيقابله تهديد للاستقرار الإقليمي‏[14].

3 – المضيق في معادلة الردع مع الولايات المتحدة

أ – الردع السياسي قبل العسكري

لا تعتمد إيران في مقاربتها مضيق هرمز على الردع العسكري فقط، بل على الردع السياسي والنفسي أيضًا، حيث يهدف الخطاب المتكرر حول المضيق إلى التأثير في حسابات صانع القرار الأمريكي.

ب – تحويل الصراع إلى قضية دولية

يسمح مضيق هرمز لإيران بتحويل أي صراع ثنائي مع الولايات المتحدة إلى قضية أمن دولي، نظرًا إلى اعتماد الاقتصاد العالمي على استقرار الملاحة فيه.

4 – المضيق وتعزيز الدور الإقليمي لإيران في الخليج

أ – فرض معادلة «لا أمن من دون إيران»

تسعى إيران إلى فرض معادلة سياسية قوامها أن أمن الخليج ومضيق هرمز لا يمكن تحقيقه من دون إشراكها، وترفض المبادرات الأمنية التي تستثنيها.

ب – إدارة العلاقة مع دول مجلس التعاون الخليجي

يمثّل المضيق عنصرًا مزدوج الوظيفة في العلاقة الإيرانية – الخليجية، بين الردع السياسي من جهة، وفتح باب التفاوض وبناء ترتيبات أمنية إقليمية من جهة أخرى.

5 – مضيق هرمز ضمن استراتيجية النفوذ الإقليمي الأوسع

أ – التكامل مع النفوذ غير المباشر

تكامل الدور السياسي لمضيق هرمز مع استراتيجية إيران القائمة على توسيع النفوذ غير المباشر عبر حلفاء إقليميين، بما يعزز موقعها التفاوضي على المستوى الدولي.

ب – المضيق كأداة موازنة للقوى الإقليمية المنافسة

يمنح المضيق إيران قدرة على موازنة النفوذ السعودي والإماراتي في الخليج، ويحدّ من حرية تحرك هذه الدول سياسيًا في مواجهة طهران.

يمثّل مضيق هرمز حجر الزاوية في البعد السياسي للاستراتيجية الإيرانية، حيث يتحوّل إلى أداة نفوذ وردع سياسي تُستخدم لفرض الاعتراف بالدور الإقليمي لإيران وتعزيز موقعها التفاوضي.

ثالثًا: البعد الأمني والعسكري لمضيق هرمز
بالنسبة إلى إيران

يمثل البعد الأمني والعسكري عنصرًا أساسيًا في استراتيجية إيران للحفاظ على أمنها الوطني وحماية مصالحها في منطقة الخليج. المضيق ليس ممرًا اقتصاديًا وحسب، بل هو معقل استراتيجي تتحكم فيه إيران جزئيًا من خلال قدراتها العسكرية، بما يتيح لها فرض الردع الإقليمي والدولي.

وفق النظرية الواقعية، تسعى إيران لتعظيم قوتها العسكرية والسيطرة على الممارّ الحيوية لتأمين مصالحها، وبخاصة في نظام دولي غير متوازن، حيث القوة هي الضمانة الأساسية للأمن الوطني.

1 – القدرات العسكرية الإيرانية

أ – القوات البحرية

– أسطول زوارق صغيرة وسريعة مجهزة بأسلحة صاروخية.

– فرقاطات متوسطة الحجم مجهزة برادارات وصواريخ مضادة للسفن.

– غواصات صغيرة يمكن استخدامها في عمليات التخريب والردع.

ب – الصواريخ الساحلية

– صواريخ أرض – بحر قصيرة ومتوسطة المدى تغطي المضيق بالكامل.

– القدرة على استهداف السفن التجارية والحربية في حال التصعيد العسكري.

– جزء من استراتيجية الردع وعدم السماح لأي طرف بالسيطرة الكاملة على المضيق.

ج – الألغام البحرية

– استخدام الألغام كوسيلة حرب غير متكافئة لإعاقة حركة الملاحة.

– الألغام تعمل كأداة ضغط تكتيكية في النزاعات أو التوترات الإقليمية.

2 – استراتيجيات الردع والتحكم

أ – الردع غير المباشر

– استخدام القدرات العسكرية لتوجيه رسائل قوة من دون خوض صراع مباشر.

– المناورات البحرية لإظهار الجاهزية وقدرة الردع.

ب – الحرب غير المتكافئة

– تكتيكات تعتمد على السرعة والمباغتة في مواجهة قوات أكبر حجمًا.

– توظيف الزوارق الصغيرة والصواريخ الساحلية والألغام لإحداث أكبر تأثير بأقل تكلفة.

ج – التحكم الجزئي في الملاحة

– القدرة على إعاقة حركة السفن جزئيًا لفرض ضغط سياسي واقتصادي.

– استخدام ذلك كأداة للتفاوض الدولي والإقليمي.

د – التهديدات والتحديات الأمنية

– التدخل العسكري الخارجي: احتمال تدخل الولايات المتحدة أو حلفائها لتأمين حرية الملاحة.

– الحوادث البحرية المحتملة: اصطدامات أو حوادث تؤدي إلى تصعيد غير متوقع.

– الرقابة الدولية والإعلامية: أي تصرف عسكري إيراني في المضيق تحت المراقبة العالمية، ما يحدّ من حرية الحركة ويزيد التعقيد السياسي.

3 – الأبعاد الأمنية الإقليمية والدولية

– المضيق نقطة حساسة أمنيًا تؤثر في الأمن الإقليمي والعالمي للطاقة.

– تستخدم إيران المضيق كورقة ضغط لتعظيم النفوذ، لكنها تواجه تحديات الحفاظ على التوازن بين الردع وتجنب التصعيد.

– تراقب القوى الدولية الكبرى باستمرار أي تحرك عسكري إيراني لضمان استمرار الإمدادات النفطية وتفادي النزاع المباشر.

4 – السيناريوهات المستقبلية

أ – استمرار الردع الحالي

تعتمد إيران على التهديد والتدريبات العسكرية للحفاظ على النفوذ.

ب – تصعيد محدود

قد يشمل إغلاقًا جزئيًا للمضيق أو عمليات عسكرية محدودة للرد على تهديدات خارجية.

ج – تعاون أمني دولي

ضغوط دولية لتقليل التوترات، مع إشراك إيران في آليات ضمان حرية الملاحة.

د – تطوير القدرات العسكرية

ربما توسع إيران أسطولها وصواريخها البحرية لتعزيز قوتها الردعية وتأمين مصالحها الطويلة المدى. ويمثل البعد الأمني والعسكري ركيزة أساسية في استراتيجية إيران لتعزيز الأمن والنفوذ الإقليميين. أما الجمع بين القوة البحرية، والصواريخ الساحلية، والألغام، والقدرة على التحكم الجزئي في الملاحة، فمن شأنه أن يمنح إيران أدوات متعددة للتحكم في المضيق والتفاوض على المستوى الإقليمي والدولي، وفق ما تنص عليه مبادئ النظرية الواقعية التي تركز على الأمن الوطني والمصلحة العليا في نظام دولي غير متوازن.

خاتمة

يتضح من خلال هذه المقالة أن مضيق هرمز يمثل أداة استراتيجية متعددة الأبعاد لإيران، تشمل البعد الاقتصادي والسياسي والأمني والعسكري، وهو ما يعكس طبيعة سياسات الدولة في السعي لتعظيم قوتها وحماية مصالحها الوطنية. وفقًا للنظرية الواقعية في العلاقات الدولية، فإن سلوك الدول يتحدد أساسًا وفق اعتبارات القوة والمصلحة الوطنية، وهذا ما تتجلى مظاهره بوضوح في استراتيجية إيران تجاه المضيق.

فالسيطرة الجزئية أو القدرة على التأثير في حركة الملاحة تتيح لإيران تعزيز نفوذها الإقليمي، والتأثير في السياسات الدولية للطاقة، واستخدام المضيق كورقة ضغط سياسية واقتصادية في مواجهة العقوبات والضغوط الغربية. كما أن الاستراتيجيات العسكرية والأمنية غير المتكافئة التي تتبعها إيران، بما فيها الزوارق السريعة، والصواريخ الساحلية، والألغام البحرية، تؤكد الالتزام بمبدأ الواقعية الذي يركز على تعزيز القوة لضمان البقاء وتحقيق المصالح الوطنية في بيئة دولية فوضوية ومتعددة الأقطاب.

بناءً على تقدم، يمكن القول إن فهم ديناميات مضيق هرمز من منظور الواقعية يتيح تفسير سلوك إيران كدولة فاعلة تسعى لاستثمار موقعها الجغرافي ومصادر قوتها المختلفة لحماية مصالحها، وتعظيم نفوذها، وضمان قدراتها على الردع الإقليمي والدولي؛ المضيق، بهذا المعنى، ليس مجرد ممر مائي، بل يمثل نموذجًا عمليًا لتطبيق مفاهيم القوة، المصلحة الوطنية، والردع، التي تمثل جوهر النظرية الواقعية.

كتب مجانية ذات صلة:

صنع القرار في إيران والعلاقات العربية – الإيرانية

العلاقات العربية – الإيرانية: الاتجاهات الراهنة وآفاق المستقبل

مقالة ذات صلة:

الإدارة العائدة وتغيُّر السياقات: هل تعيد السياسة الأمريكية حساباتها تجاه إيران ونفطها؟

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 567 في أيار/مايو 2026.

علي قاسم مقداد: أكاديمي وباحث في العلاقات الدولية – لبنان.

الصورة أرشيفية من فرانس برس.

[1](**) أعدّ هذا المقال قبل اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران في 28 شباط/فبراير 2026.

تتفاوت المعلومات الجغرافية لمضيق هرمز بين مصدر وآخر. وقد تم اعتماد الأرقام الواردة في الموقع الإلكتروني العالمي الموثوق Encyclopedia Britannica، على الرابط التالي: <https://www.britannica.com/place/strait-of-Hormuz>.

[2] نورهان الشيخ، المصلحة الوطنية: طغيان الواقعية وتراجع المثالية في العلاقات الدولية، مفاهيم الأسس العلمية للمعرفة؛ العدد 49 (القاهرة: المركز الدولي للدراسات المستقبلية والاستراتيجية، 2009).

[3] James E. Dougherty and Robert L. Pfaltzgraff Jr., Contending Theories of International Relations: A Comprehensive Survey (New York: Longman, 2001).

[4] جيمس دورتي وروبرت بالستغراف، النظريات المتضاربة في العلاقات الدولية، ترجمة وليد عبد الحي (الكويت: المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع، 1985)، ص 61 – 80.

[5] المصدر نفسه.

[6] أحمد البابطين، «مضيق هرمز يعود إلى الواجهة .. شريان النفط تحت التهديد،» موقع الاقتصادية الإلكتروني، 13 حزيران/يونيو 2025، <https://www.aleqt.com/2025/06/13/article_2762483.html> (تاريخ الدخول 12 كانون الأول/ديسمبر 2025).

[7]  أحمد عبد السلام هورامي، «مضيق هرمز تحت التهديد: كيف ستكون تداعيات الإغلاق على أسواق النفط والاقتصاد العالمي،» موقع المركز الديمقراطي العربي، 23 حزيران/يونيو 2025، <https://democraticac.de/?p=105173> (تاريخ الدخول 12 كانون الأول/ديسمبر 2025).

[8] مادونا عماد، «مخاوف المستثمرين تتصاعد تجاه قرار غلق «هرمز».. ما الأسباب وراء أهمية المضيق؟،» المصري اليوم، 23/6/2025،     <https://www.almasryalyoum.com/news/details/3482919>.

[9] «مضيق هرمز في مهب التهديدات.. أكثر من ربع تجارة النفط العالمية على المحك،» موقع جريدة البورصة الإلكتروني، 17 حزيران/يونيو 2025، <https://www.alborsaanews.com/2025/06/17/1895161> (تاريخ الدخول 12 كانون الأول/ديسمبر 2025).

[10] Doloresz Katanich, «Why the Strait of Hormuz Remains Critical for the Global Economy,» Euronews, 23 June 2025, <https://rebrand.ly/6d9e69> (accessed on 12 December 2025).

[11] «حجم تدفقات النفط عبر مضيق هرمز.. ما الدول الأكثر عرضة للتأثر حال إغلاقه؟،» موقع CNN بالعربي، <https://rebrand.ly/6d7c68> (تاريخ الدخول 12 كانون الأول/ديسمبر 2025).

[12] عماد، «مخاوف المستثمرين تتصاعد تجاه قرار غلق «هرمز».. ما الأسباب وراء أهمية المضيق؟».

[13] المصدر نفسه.

[14] مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية (2020).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز