مقدمة

يُعَدّ الأمن الغذائي من أكبر التحديات التي تواجه الوطن العربي؛ فعلى الرغم من توافر العوامل كافة التي تُتيح للبلدان العربية تحقيق الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي سواء من عوامل طبيعية (تربة صالحة للزراعة، توافر المياه، التنوع المناخي) وعوامل بشرية (الأيدي العاملة الرخيصة)، إلا أن البلدان العربية ما زالت تُعاني نقصًا في إنتاج الغذاء إذا ما قورن الطلب على الغذاء مع المعروض منه. ولتعويض النقص وتغطية فائض الطلب تستورد البلدان العربية ما يقرب من نصف حاجاتها من السلع الغذائية بفاتورة تبلغ قيمتها 110 مليارات دولار سنويًا، هذا في ظل الأوضاع والظروف العادية. ولكن مكمن الخطورة في أوقات الأزمات، إذ ترتفع أسعار السلع الغذائية مع إحجام الدول المصدرة لتلك السلع عن التصدير لأسباب أمنية واستراتيجية. ومن آيات ذلك ما شهده العالم في الأزمة المالية 2008-2009 وما تلاها من أزمة غذائية، فضلًا عن أزمة كورونا التي ما زالت تبعاتها مستمرة حتى الآن، وبينما تحاول الدول معالجة أوضاعها كافة في محاولة منها للتعافي من آثار الأزمة فإذا بالحرب الروسية – الأوكرانية تُلقي بظلالها على العالم أجمع لتفاقم لا من حدة الأزمة الغذائية فقط وإنما انبثقت منها الكثير من الأزمات كمشكلة التضخم، وأزمة الطاقة، وأزمة سلاسل الإمداد. لكن ما يعنينا هنا هو مشكلة الأمن الغذائي ومدى تأثير الحرب الروسية – الأوكرانية فيه. لكن قبل الحديث عن أثر الحرب الروسية – الأوكرانية في الأمن الغذائي العربي سنتطرق أولًا إلى تحديد ماهية الأمن الغذائي ومحددات الأمن الغذائي العربي وأبعاده، وكذلك أبرز التحديات التي تواجه البلدان العربية في سبيل تحقيق أمنها الغذائي، فضلًا عن دور التكنولوجيا في تحقيق الأمن الغذائي فيها.

أولًا: ماهية الأمن الغذائي

1 – مفهوم الأمن الغذائي

نشأ مفهوم الأمن الغذائي في سبعينيات القرن الماضي أثناء المناقشات التي أجريت حول المشاكل الغذائية الدولية خلال أزمة الغذاء العالمية. وتطور المفهوم في العقود التالية ليعكس التغييرات في منهج التفكير الرسمي حيال مسألة الأمن الغذائي، حيث كان التفكير في بادئ الأمر مُنصبًّا حول مشاكل الإمدادات الغذائية لضمان توافر المواد الغذائية الأساسية واستقرار أسعارها على المستويين الوطني والعالمي.

نص تقرير مؤتمر الغذاء العالمي لعام 1974 على «أن توافر إمدادات الغذاء العالمية على الدوام يجعل من المواد الغذائية الأساسية كافيًا للحفاظ على التوسع المطرد في الاستهلاك الغذائي وللتعويض عن التقلبات في الإنتاج والأسعار». وفي عام 1983 رسخ تحليل منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أهمية الحصول على الغذاء، وهو ما أدى إلى التعريف القائم على التوازن بين العرض والطلب من معادلة الأمن الغذائي، فقد ورد فيه: «يجب التأكد من أن جميع الناس في جميع الأوقات قادرون على الحصول فعليًا واقتصاديًا على الأغذية الأساسية التي يحتاجون إليها». وقد عرّفت وزارة الزراعة الأمريكية الأمن الغذائي في تقرير لها كالتالي: «يتحقق الأمن الغذائي على مستوى الأسرة عندما يتمكن جميع الأفراد في الأسرة، في جميع الأوقات، من الحصول على ما يكفي من الغذاء لحياة صحية نشطة»[2].

غير أن هذه التعريفات تختلف عن المفهوم التقليدي للأمن الغذائي الذي يرتبط بتحقق الاكتفاء الذاتي باعتماد الدولة على مواردها وإمكاناتها في إنتاج حاجاتها الغذائية محليًا. ولكن بالنظر إلى تعريف الفاو سنجد أنه أكثر انسجامًا مع التحولات الاقتصادية الحاضرة وما رافقها من تحرير التجارة الدولية في السلع الغذائية.

وتُعَدّ زيادة إنتاج المحاصيل الزراعية لتلبية حاجات الاستهلاك المحلي من السلع الغذائية من أحد المقومات الرئيسية للأمن الغذائي العربي. وقد تمكنت البلدان العربية من تحقيق الاكتفاء وفائض تصديري في بعض السلع الغذائية كالخضروات والأسماك، لكن بالرغم من تحقيق زيادة في إنتاج الحبوب والمحاصيل، سنجد أن قيمة الفجوة للسلع الغذائية الرئيسية استمرت في الارتفاع واستمر العجز في عدد من المحاصيل الرئيسية، حيث تستورد البلدان العربية نحو نصف حاجاتها من الحبوب و63 بالمئة من الزيوت النباتية، و71 بالمئة من السكر، وقد مثلت  هذه السلع نحو 76بالمئة من قيمة فجوة السلع الغذائية الرئيسية في عام 2007.

وتتحكم مجموعة من العوامل والمحددات في كمية الإنتاج الزراعي وحجم الفجوة الغذائية في البلدان العربية تتمثل بالآتي:

أ – محددات الأمن الغذائي العربي

تعتمد قدرات الدول وإمكاناتها للإنتاج الزراعي، ومدى ما تحققه في مجال أمنها الغذائي، على الرصيد الذي تملكه من الموارد الزراعية الأساسية، وكذلك على معدل ما تبلغه من مستويات الكفاءة في استغلال وتوزيع تلك الموارد بين أوجه استخداماتها البديلة، والتوافق الأمثل فيما بينها، وبصفة عامة تزخر المنطقة العربية بقدر وافر من الموارد الزراعية الطبيعية التي تُتيح لها إمكان زيادة الإنتاج الزراعي وتحقيق مستويات أفضل من الأمن الغذائي إذا أُحسن استخدام تلك الموارد مع توافر مناخ ملائم للاستثمار الزراعي بما في ذلك الآلية المناسبة لتوفير التمويل اللازم للتنمية الزراعية.

ب – الموارد الأساسية

(1) الموارد الزراعية: تختلف البلدان العربية من حيث المساحة التي تشغلها الزراعة في كل منها نظرًا إلى عوامل كثيرة من بينها الجغرافيا والبيئة وتوافر الموارد الطبيعية، حيث تبلغ المساحة الجغرافية للمنطقة العربية نحو 1343 مليون هكتار، تمثل مساحة الأراضي الصالحة للزراعة نحو 233.24 مليون هكتار، أي بنسبة 17.34 بالمئة يزرع منها فقط 74.12 مليون هكتار بنسبة 31.78 بالمئة من إجمالي مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في الوطن العربي[3].

تطور المساحة الجغرافية والمزروعة
ومساحة الأراضي الصالحة للزراعة في المنطقة العربية

البيانالمساحة المزروعةمساحة الأراضي الصالحة للزراعة
السنة201620172018201620172018
المساحة الجغرافية

للمنطقة العربية

65.7672.8674.12232.22232.76233.24
1,342.72

يتضح من خلال الجدول أن نسبة المساحة المزروعة إلى المساحة الجغرافية على مستوى الوطن العربي قدرت بنحو 5.52 بالمئة بينما وصلت إلى نحو 6.32 بالمئة على المستوى العالمي عام 2018 نتيجة وقوع المنطقة العربية في الإقليم الجاف، الأمر الذي يعكس ضرورة تبنّي سياسة التوسع في إنتاج محاصيل مقاومة للجفاف والحرارة وزيادة الإنتاجية من وحدة المساحة لتتناسب ومعدلات النمو السكاني في المنطقة. وتعكس المؤشرات السابقة مدى خطورة الموقف وعدم تبنّي سياسات فعّالة حيال التنمية الزراعية وهو ما يؤثر سلبًا في الإنتاج الزراعي وصحة المواطنين ويعرّض البلدان العربية للخطر، إذ باتت غير قادرة على توفير غذائها بصورة تتناسب مع تزايد معدلات استهلاك السلع الغذائية نتيجة تزايد النمو السكاني، وهو ما ظهر جليًا في بعض الحالات الراهنة كالمجاعات التي تعيشها اليمن والصومال وسورية، بالرغم من كبر مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في هذه الدول، إلا أنها تعاني الكثير من العوائق التي من أهمها الرعي الجائر، والحروب والنزاعات المسلحة، ونقص الموارد المائية، وهجرة الكثير من سكان هذه البلاد نتيجة الأوضاع الداخلية. ويتوقع أن تتفاقم ظاهرة التصحر في البلدان العربية وأن تكون لها آثار سلبية في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ما لم توضع الضوابط والآليات لمواجهة هذه التحديات، وتهيئة الظروف لاستغلال الموارد التي تتمتع بها المنطقة العربية.

(2) الموارد المائية: تتصف الموارد المائية في الوطن العربي بالندرة، وتتفاقم هذه الندرة على كل المستويات بمرور الوقت، ففي حين تعادل مساحة الوطن العربي 10.8 بالمئة من مساحة اليابسة في العالم فإنه يحتوي على 0.7 بالمئة من إجمالي المياه العذبة الجارية في العالم، ويتلقى 2.1 بالمئة فقط من إجمالي أمطار اليابسة. تعكس المؤشرات السابقة مدى ما يعانيه الوطن العربي من فقر مائي. ومن المهم الإشارة أيضًا إلى تعرُّض الأراضي الزراعية العربية للتدهور نتيجة الانجراف والتملح واستنزاف التربة وإجهادها، وإلى توسع العمران على حساب الأراضي الزراعية؛ إضافة إلى ما تواجهه المنطقة من تحديات تتمثل بشح الموارد المائية وضعف كفاءة الري، وضعف برامج استصلاح الأراضي، وتدهور الأراضي الزراعية وانخفاض إنتاجية بعض المحاصيل بوجه عام مقارنةً بمستوياتها في الدول المتقدمة، وعدم توفير مناخ للاستثمار، وهذا ما جعل القطاع الزراعي هو الأقل جذبًا للاستثمار والأضعف مردودًا مقارنة بالقطاعات الأخرى. كما تشمل تلك العوائق ضعف الإنفاق والاستثمار في البحوث العلمية الزراعية، ونقص الكوادر البشرية المدربة التي يعول عليها في إدارة التنمية، ولكي نستطيع مواجهة مثل هذه الظروف علينا وضع سياسات تكيّف مع المتاح من الموارد المائية وترشيد استغلالها من خلال اتباع أنظمة الري الحديثة وغيرها من الآليات[4].

(3) الموارد البشرية: تُعَدّ الموارد البشرية العنصر الحاكم والفاعل في عملية التنمية، وهي في الوقت نفسه غاية التنمية وهدفها النهائي. ومن ثم، لا تتمثل أهمية الموارد البشرية بكمّها العددي، وإنما تتجاوزه إلى أبعاد مختلفة تتمثل بخصائصها وسماتها الاقتصادية والاجتماعية، ومدى استقرارها وقدرتها على الإنتاج. تُشير التقديرات إلى أنه بحلول 2050 سيزيد عدد سكان المنطقة العربية من 390 مليون نسمة إلى نحو 655 مليون نسمة، وهو ما يمثل ضغطًا على الموارد المتاحة. وينبغي أن تمثل الجهود الرامية إلى الحد من هذا النمو السكاني، من طريق خفض معدل الخصوبة، جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية الأمن الغذائي في المنطقة. وتشير البيانات إلى زيادة أعداد سكان المنطقة العربية إلى 431.38 مليون نسمة في عام 2020 مقارنة بنحو 412.77 مليون نسمة عام 2017. كما قدِّر معدل نمو السكان الريفيين في المنطقة العربية خلال الأعوام 2017 – 2020 بنحو 13.91 بالمئة. إن زيادة معدل النمو السكاني في المناطق الريفية هو ما يمثل أهم التحديات التي تواجه الجهود التنموية المتمثلة بمجالات زيادة الإنتاج الزراعي وإتاحة فرص التشغيل خفضًا للفقر وتحسين معدلات الأمن الغذائي[5].

تطور عدد السكان الكلي والسكان الريفيين في الوطن العربي (مليون نسمة)

تطور عدد السكان

بناءً على ما سبق، فإن ارتفاع معدلات النمو السكاني تؤدي إلى زيادة الطلب على الغذاء وبالتالي زيادة العجز الغذائي، وهذا التزايد الكبير في النمو السكاني وتعاظم الضغوط على الموارد المحدودة من المياه والأراضي يثير القلق حول مستقبل الأمن الغذائي العربي، غير أنه يمثل نقطة قوة تتجلى في توافر العمالة الرخصية والكافية لإدارة عملية الإنتاج إذا ما أُحسن توظيفها.

2 – مكونات الأمن الغذائي وأبعاده

يتضمن مفهوم الأمن الغذائي أربعة مكونات رئيسية حددتها منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة بما يلي:

أ – توافر الغذاء: ويعني وجود كمية غذاء تكفي للاستهلاك المحلي، مع الاستيراد أو الحصول على المساعدات الغذائية بنحوٍ ثابت.

ب – الحصول على الغذاء: ويتمثل بوجود موارد مختلفة أو دخل يكفي من أجل الحصول على الغذاء.

ج – استخدام الغذاء: بمعنى استخدام المواد الغذائية ومعاملتها بالصورة الملائمة، من خلال تخزينه جيدًا، مع التعرف إلى الممارسات الصحية للتغذية وتطبيقها.

د – الاستقرار: بمعنى توافر الغذاء في جميع الأوقات، وإن كانت تلك الأوقات ولا سيّما بحالات الطوارئ كموضوع دراستنا لأثر الحرب الروسية – الأوكرانية على الأمن الغذائي العربي[6].

كما يتضمن الأمن الغذائي عدة أبعاد أبرزها:

(1) البعد الأخلاقي: يتعلق هذا البعد بحالة الإنسان الحالية والمستقبلية، لأن الغذاء أمر أساسي في حياة الإنسان، لهذا يجب عدم الإضرار بالأمن الغذائي أو الغذاء.

(2) البعد الاجتماعي: هو البعد الذي يتأثر بالعناصر الاجتماعية المُجملة، ومن تلك العناصر التحكم في زيادة عدد السكان والخصوبة مع التخطيط السكاني، والحراك الجماعي في المجتمع.

(3) البعد الاقتصادي: يساعد البُعد الاقتصادي على تأمين الأمن الغذائي، ويكون من خلال توافر عدة عناصر، منها الموارد الطبيعية، الخدمات وتطور الصناعة، ووجود الاتصالات والمواصلات (سلاسل الإمداد).

(4) البُعد السياسي: وهو المتعلق بدور الدولة في الإشراف على السياسات والبرامج الخاصة بالأمن الغذائي، والتنمية في المجالات كافة بما فيها التنمية الزراعية للمحافظة على استراتيجيات الأمن القومي[7].

ثانيًا: أبرز التحديات التي تواجه الأمن الغذائي العربي

1 – أزمة كورونا

بذلت البلدان العربية جهودًا جبارة في تنويع السلة الغذائية في السنوات القليلة الماضية، وارتفع الناتج الزراعي في الوطن العربي من 75.2 مليار دولار في عام 1997 إلى 98 مليارًا في عام 2007 وإلى 140.75 مليارًا في عام 2017. غير أن البلدان العربية تواجه تحديات كبيرة في ملف الأمن الغذائي. وزاد الأزمة حدةً ظهور فيروس كورونا. لقد أدرك الوطن العربي مدى أهمية الأمن الغذائي، بعد أن شهد العالم إغلاقًا لمختلف القطاعات الاقتصادية، ومنها سلاسل إمداد الغذاء العالمية، وبخاصة على صعيد التصنيع الغذائي وإغلاق الأسواق، وفرض قيود على حركة البضائع والأفراد التي نتج منها نقص في الأيدي العاملة المساهمة في الإنتاج الزراعي، حيث تعتمد البلدان العربية أساسًا على استيراد حاجتها الأساسية من المواد الغذائية رغم توافر الموارد الطبيعة اللازمة للزراعة[8].

كما أصدرت المنظمة العربية للتنمية الزراعية تقريرًا يُفيد بأن معظم البلدان العربية تواجه تحديات متعددة الأوجه والأبعاد إزاء مواجهة تداعيات جائحة كورونا على الأمن الغذائي، وتتمثل تلك التحديات بالآتي:

– صعوبة الوصول إلى أسواق مدخلات الإنتاج نتيجة لسياسات الإغلاق التي اتبعتها الدول وبالتالي نقص الإنتاج وارتفاع الأسعار.

– نقص العمالة نتيجة لتقييد حركة الأفراد وما ترتب عليه من آثار سلبية انعكست على مساحة الأراضي المزروعة الأمر الذي أدى إلى نقص الإنتاج والمعروض من السلع الغذائية وبالتالي ارتفاع الأسعار.

– انخفاض المخزونات الاستراتيجية للدول من دون تعويض نتيجة نقص الإنتاج والحاجة إلى تلبية الاستهلاك المحلي.

يتضح مما سبق خطورة ما تعانيه البلدان العربية من أزمة تكاد تهدد بقاءها واستقرار أنظمتها السياسية، لذلك سرعان ما تداركت بعض الدول خطورة الأزمة وبدأت في إعداد استرتيجيات للأمن الغذائي لا تقل أهمية عن استراتيجيتها الأمنية في الأبعاد كافة، وبينما ما زالت البلدان العربية تخوض غمار المعركة لمحاولة التعافي مما أحدثته جائحة كورونا من آثار وتداعيات على أمنها الغذائي وإذا بالحرب الروسية تُلقي بظلالها على العالم أجمع لتعيد الكرة مرة أخرى.

2 – الحرب الروسية – الأوكرانية

تمثل الأزمة الروسية – الأوكرانية تهديدًا جديًا ووجوديًا مباشرًا للأمن الغذائي العربي يستدعي حلولًا عاجلة لتقليل تبعات هذه الأزمة، وأخرى طويلة الأمد لتفادي تكرار آثارها، لذلك على البلدان العربية إعادة النظر في تعريفها لمفهوم الأمن القومي العربي وتضمينه الأمن الغذائي بوصفه أحد مكوناته، وإعادة الاعتبار لمفهوم الأمن الغذائي العربي، الذي طالما كان الحديث عنه يعدّ من باب الرفاهية، إلى أن يتم تحقيق الاكتفاء الذاتي لكل البلدان العربية من الغذاء عبر رفع معدلات الإنتاج المحلي والتوسع في زراعة المحاصيل الرئيسية، فلا مناص من العودة مرة أخرى لكن بإرادة حقيقية ونظرة مستقبلية، لدراسة إمكانات وفرص التكامل الغذائي العربي من أجل تعزيز الأمن الغذائي لجميع بلدان المنطقة عبر الاستثمار في مشروعات زراعية عربية مشتركة، وذلك في ظل وجود فوائض مالية عربية ضخمة وأراضٍ عربية شاسعة قابلة للزراعة، وموارد وتجارب عربية متميزة في عدة مجالات ترتبط بصورة أو بأخرى بعملية إنتاج الغذاء ولا ينقصها فقط غير التكامل.

وإذا ما ذهبنا إلى بحث تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية على الأمن الغذائي العربي سنجد أن روسيا هي أكبر مصدِّر للقمح في العالم بـ37.3 مليون طن سنويًا، في حين تأتي أوكرانيا في المركز الرابع بـ18.1 مليون طن سنويًا. لكن ما يمثل الخطورة هو أن معظم البلدان العربية التي يمثل الخبز فيها غذاءً رئيسيًا تعتمد أساسًا على واردات القمح من روسيا وأوكرانيا، بعدما أظهرت لنا نتائج البحث أن عام 2020 على سبيل المثال شهد استحواذ البلدان العربية وحدها على 11 بالمئة من صادرات القمح العالمية، واستوردت نحو 13.165 ألف طن من القمح من روسيا، ونحو 7.598 ألف طن من أوكرانيا، وهو ما يمثل 42.1 بالمئة من مجمل صادرات طرفَي الأزمة وفقًا لبيانات أحد المصارف العربية. هذا في ما يتعلق بالبلدان العربية مجتمعة. أما بالنظر إلى كل بلد على حدة سنجد أن مصر على سبيل المثال هي أكبر مستورد للقمح في العالم وأكبر مشتر للقمح الروسي الذي استوردت 22 بالمئة من صادراته في عام 2020 وكذلك المستورد الأول للقمح الأوكراني إذ استوردت في العام نفسه نحو 17 بالمئة من صادراته، أما بقية البلدان العربية فليست أحسن حالًا أو أقل اعتمادًا[9].

إن الاندفاع تجاه التفكير في الأمن الغذائي بمعنى أن يكون هناك دعم وإنفاق كبيرين ربما لا يحقق المتوقع منه بسبب متطلبات الإنتاج التي تتطلب تكامل عناصر الإنتاج وتوافرها. وبسبب تعقيدات العولمة أصبحت بعض المنتجات تتركز في مناطق محددة حول العالم، والأهم في هذه المرحلة هو الاستمرار في دعم التقنيات التي تعزز القدرة على إنتاج منتجات متنوعة في ظروف بيئية مختلفة وأدوات وعناصر فيها وفرة محلية، وتشجيع الجامعات ومراكز البحث في الوطن العربي على الاستثمار في هذا المجال. في ظل هذه الأرقام يبدو منطقيًا أن يكون الشرق الأوسط والوطن العربي من المناطق الأكثر تأثرًا بالأزمة، والأكثر تضررًا من استمرارها وإطالة أمدها في ظل امتلاك معظم البلدان مخزونًا استراتيجيًا من القمح يكفي فقط لأشهر معدودة، مع تضرر إمدادات القمح المتوقع، وبخاصة أن العمليات العسكرية تتركز في شرق أوكرانيا التي تحتوي على الأراضي الزراعية الأعلى خصوبة والأوفر محصولًا والأكثر إنتاجًا للقمح على نحو يمكن الجزم معه بحدوث تراجع في معدلات إنتاجه، وهو ما سيؤثر بالسلب في الأسعار الحالية والمستقبلية، وفي ظل القرارات التي اتخذها طرفا الأزمة ولا سيما روسيا بحظر تصدير الحبوب حتى نهاية آب/ أغسطس على أقل تقدير لتأمين حاجاتها المحلية بعد العقوبات القاسية التي فُرضت عليها[10].

يؤدي الاتحاد الروسي وأوكرانيا دورًا حاسمًا في الاقتصاد العالمي لأنهما مصدران رئيسيان للنفط الخام والغاز الطبيعي وخامات المعادن المختلفة… إلخ. إضافة إلى ذلك، فكلاهما لاعبان رئيسيان في القطاع الزراعي العالمي لأنهما منتجان رئيسيان للقمح، والأسمدة، وزيوت الطعام. وبذلك فإن أي خفض في الكميات المصدّرة من تلك السلع سيؤدي إلى أزمة عرض حول العالم تؤدي إلى التضخم ومضاعفة التأثير في الأفراد، وهو ما تجلى فعليًا على الوضع الحالي نتيجة الحرب الروسية – الأوكرانية التي خلقت حالة من التضخم شملت دول العالم أجمع وبالأخص الوطن العربي، الذي يعتمد في تلبية حاجاته الغذائية على الخارج وبالأخص روسيا وأوكرانيا[11].

تكمن الفائدة الحقيقة من الأزمة الروسية – الأوكرانية في سرعة تدارك البلدان العربية خطورة الأزمة ومدى أهمية تحقيق الأمن الغذائي بمختلف أبعاده ومكوناته، الأمر الذي سمح لبعض البلدان العربية بإعادة النظر في سياساتها وتحالفاتها، من خلال وضع الخطط والاستراتيجيات على المديين القريب والبعيد، فعلى المدى القريب من خلال تنويع مصادر الحصول على السلع والمواد الغذائية، وترشيد الاستهلاك، وتوفير مخزون استراتيجي لأوقات الأزمات. أما على المدى البعيد فقد لجأت بعض الدول إلى إعادة دعم الاستثمار في قطاع الإنتاج الزراعي، وتقديم الدعم إلى مجال البحث العلمي في هذا القطاع، وإن كان بعض الدول قد اتبعت هذه السياسة منذ ما قبل الأزمة الروسية – الأوكرانية، وخير مثال على ذلك هو السياسة المصرية التي اتخذت قرارات استصلاح مليون ونصف المليون فدان زراعي وإنشاء الدلتا الجديدة، وإعادة إحياء مشروع توشكى، ودعم قطاعات الإنتاج الغذائي سواء الزراعي أو الصناعي سعيًا منها لتحقيق أمنها الغذائي.

ختامًا، يظل ملف الأمن الغذائي العربي يمثل هاجسًا لدوائر صنع القرار في الوطن العربي في ظل الأوضاع الحالية، وما يشهده العالم من متغيرات تتطلب من قادة البلدان العربية إعادة ترتيب الأوراق والنظر في السياسات الحالية والمستقبلية لإدراج مفهوم الأمن الغذائي في الاستراتيجيات الأمنية بوصفه أحد مكونات الأمن القومي التي لا تقل أهمية عن كل مكونات الأمن القومي من أمنية، وعسكرية، واقتصادية،… إلخ، ودعم سُبل البحث العلمي في مجال إنتاج الغذاء، وإعداد الدراسات المستقبلية لمواكبة التطور العلمي لتعزيز دور التكنولوجيا في تحقيق الأمن الغذائي، وتدريب الكوادر البشرية العاملة في مجال الزراعة وإنتاج الغذاء لاستخدام أحدث الطرق والآليات في عملية الإنتاج.