يطرح اليوم بقوة سؤال «التجدد الحضاري» أمام التحديات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمشاكل البيئية وفشل مخططات التنمية، وأمام انتظارات الشعوب في المنطقة العربية، وفي سياق التحولات الجيوستراتيجية العالمية المتسارعة ومناخ عالمي متسم بالصراع بين قوى عالمية تسعى لبناء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب وقوى تسعى للمحافظة على النظام الوحيد القطبية بقيادة أمريكا. لكن يبدو أن البلدان العربية لم تحسم أمرها في الدور الذي يمكن أن تؤديه مستقبلًا في ظل النظام العالمي الذي سيعرفه العالم بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا. هل تظل دولًا خاضعة، منهوبة الخيرات، وسوقًا استهلاكية ومختبرًا للفوضى الهدّامة تخضع لمشاريع التفكيك، وميدانًا لصراع القوى العالمية الكبرى؟ أم سيكتسب العرب، وسيلة لإطلاق ديناميات التقدم والتجدُّد في عمرانهم الاجتماعي والثقافي على النحو الذي يؤهلهم للحاق بغيرهم من الأمم المعاصرة التي أخذت بحظ من المدنية الكونية، وعلى النحو الذي يحفظ لهم خصوصيتهم الثقافية والقيمية (التجدد الحضاري)، وهذا ما يؤهل الأمة العربية لأن تكون فاعلة مؤثرة تحتل مكانة تليق برصيدها الحضاري التاريخي؟

هناك، على الأقل سببان لتحقيق التجدد الحضاري، لا بد من التحرر منهما[1]:

– ما يعانيه الوطن العربي من تأخر فادح في البنى الثقافية والاجتماعية نتيجة تراكمات حالة الانحطاط المزمنة فيه والمنحدرة منذ قرون. سيادة الجمود الفكري والتكلس العقلي وتراجع العقل الاجتهادي وسيطرة التقافة النصية والأفكار التي تدعو إلى الانكفاء إلى الأصول – مفهومة يوصفها حقائق مطلقة – وتقديس التراث، وهيمنة الخرافات والنزاعات التواكلية، ورفض الآخر والانكماش الذاتي والتشرنق على الهوية… وهيمنة القيم القبلية والعشائرية والطائفية والمذهبية على حساب القيم الوطنية والمعنى العصري للأمة واحتقار العمل والميل إلى الدعة والكسل وعدم التحلي بروح المسؤولية[2].

– ما يعانيه الوطن العربي من أشكال بائسة من الحداثة الرثة في البنى نفسها (الثقافية والاجتماعية) نتيجة اصطدامه بالغرب. وما أحدثه ذلك الاصطدام من ظواهر شوهاء في بناه: احتقار الذات والموروث، التغريب، التماهي مع الغرب، جلد الهوية، الهجوم على الدين، انتشار القيم الاستهلاكية، المادية الغرائزية، الفردانية المفرطة، تفكك الأسرة، تحلل منظومة القيم[3]

لمعالجة عوائق التجدد الحضاري انقسم المفكرون والمثقفون العرب إلى مطالبين بالعودة إلى الأصالة وإلى قائلين بأن من أسباب فشل الحداثة في تحقيق ما أنجزته في الغرب بالوطن العربي أننا لم ننجز القطيعة النهائية مع الأصالة والتراث ولا نزال بحاجة إلى المزيد من التغريب. في رأيي المتواضع، ليس الوطن العربي بين خيارين: الأصالة أو التغريب؛ بل هو خيار واحد: يجب أن يكون في صلب الأصالة وفي مواجهة التغريب.

أولًا: مقاصد العودة إلى الأصل

المطالبة بالعودة إلى «الأصالة» أو «الأصل» يُقصد بها ارتباط الشيء بأصله والوصول إلى جوهره وحقيقته، وهي لا تعني الركون إلى الموروث أو جعله حجة بذاته، وما ضل المشركون إلا عندما جعلوا ما يتوارثونه عن آبائهم حجةً في ذاته، رافضين الجديد: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 170). قال القرطبي: «التقليد ليس طريقًا للعلم ولا موصِّلًا له؛ لا في الأصول ولا في الفروع»[4].

ليست الأصالة هي التراث والتراث ليس معيارًا لها وإن كان بعض التراث من الأصالة، وليست دعوة إلى العودة إلى سلفية متطرفة، منغلقة، تستدعي الماضي للجواب عن أسئلة الحاضر وتحدياته. لكنها دعوة إلى العودة إلى النصوص المؤسِّسة للقيم والمبادئ التي أكدتها الرسالات السماوية والتي تدعو إلى تحرير الإنسان من كل ما يشده إلى الوراء وإقامة مجتمع العدل الرافض للظلم، وتبني القيم المحرضة على نصرة المستضعفين ومقاومة الاستعمار وهي أيضًا مشروع معارضة سلمية ضد الفساد والاستبداد. إن العودة إلى الأصالة معناها تحرير مفهوم السياسة من غبش التصورات الفاسدة التي تعدّها وسيلة لتحقيق المصالح الفردية ومطية للنخب الفاسدة وليس القيام على الشيء بما يصلحه، وتعني العمل على صناعة الإنسان الكادح الذي يرفض الاتكالية، المتشبع بالأمل، الحريص على ألّا يخرق سفينة المجتمع أو يسمح لغيره بخرقها، الذي لا يتسرب إليه الوهن والضعف حتى عندما تتكالب على وطنه الأمم ويتداعى عليه الأعداء كما يجسد ذلك اليوم الشعب الفلسطيني.

الأصالة هي دعوة لكي يكون الإنسان شاهدًا على عصره، حريصًا على التشبث بتمام مكارم الأخلاق. وهي دعوة إلى حماية الأسرة والتصدي لدعوات الاجهاز عليها. ودعوة إلى تقوية التعاون والتكافل داخل المجتمع ومقاومة الفردانية والاستهلاكية والجشع أي التصدي للقيم الفاسدة التي تحاول العولمة النيوليبرالية فرضها على شعوب العالم.

الأصالة مع الوحدة :﴿ إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92) وضد التفرقة: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ..﴾ (الروم: 32). وترفض الاكراه في الدين: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ  قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ (البقرة: 256) وتدفع إلى استيعاب الاختلاف والتعدد الديني والطائفي والمذهبي والقبلي والإثني والجهوي: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود: 118).

الأصالة دعوة إلى الانفتاح على الشعوب والحضارات الأخرى وطلب العلم ولو في الصين، والتشديد على أهم خصائص الإسلام، أي «العالمية» ﴿وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين﴾ (الأنبياء: 107).. والغاية من اختلاف الشعوب والألوان والألسن والحضارات هي التعارف، ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأُنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا..﴾ (الحجرات: 13). ولا تعارف من دون لقاء وحوار من أجل التعاون على الخير والعدل وعمارة الأرض. والتاريخ يخبرنا أن المسلمين الأوائل استفادوا في تنظيم دولتهم من نظام الدواوين الفارسي وفي تنظيم جيشهم من الرومان، كما تسلموا الحضارة والعلوم من الإغريق والهنود والفرس والصينيين ليطوروها ويجعلوها حضارة العلوم التجريبية بعد أن كانت جل العلوم حرفًا أو علومًا تجريدية. طبعًا يتوجب علينا اليوم أن نستفيد مما يتيحه لنا التحديث الابن الشرعي للحداثة، من فرص تحسين مستوى العيش والرقي العمراني. هكذا تكون الترجمة الفعلية للتوجيه الرسالي: «الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها» سواء كانت نصرانية أو يهودية أو بوذية، أو علمانية وحداثية. هذا ما جعل الحضارة العربية الإسلامية حضارة مستوعبة ساهم فيها عرب وتركمان وفرس ومغول وهنود وأفارقة وأمازيغ وأكراد وأندلسيون، كما ساهم فيها المسيحيون واليهود. فمن لم تستوعبه العروبة استوعبه الإسلام أو استوعبه الانتماء إلى الحضارة العربية الإسلامية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 538 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 538 كانون الأول/ديسمبر 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 538 كانون الأول/ديسمبر 2023.

المصطفى المعتصم: باحث وأستاذ جامعي، أمين عام حزب البديل الحضاري المغربي – المغرب.

الصورة عن موقع UNHCR.

[1]   في الأصل ورقة قدمت إلى المؤتمر القومي العربي الثاني والثلاثين بتاريخ 30 – 31 تموز/يوليو 2023.

المشروع النهضوي العربي: نداء المستقبل، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013).

[2]   المصدر نفسه.

[3]   المصدر نفسه.

[4]   محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح القرطبي، جامع الأحكام في القرآن، ج 2، ص 212.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز