أولًا: تعريف المثقف

لا تكاد تتفق جل الدراسات والأبحاث التي تتطرق إلى المثقف على تعريف موحد يمكن أن يكون ذا قوة معيارية، حتى نصطدم بتعريفات لا حصر لها تتخذ لنفسها زوايا متعددة للنظر إلى هذا «الكائن»، سواء كانت الزاوية السياسية بالتركيز على دوره ووظيفته، أو الزاوية الأيديولوجية بالتركيز على مواقفه وتموقعه، أو الزاوية الاجتماعية بالتركيز على موقعه وانتمائه الاجتماعي – الطبقي. ويرى كارلوس ألتاميرانو أن لفظة المثقف «متعددة المفاهيم» ومثيرة للجدل وليس لها حدود معينة، كما هو الشأن أيضًا بالنسبة إلى الفئة التي ينتمي إليها، وهي فئة المثقفين، بالجمع[1]. ويلاحظ أن اللغات الأوروبية لم تكن تعرف هذا المفهوم حتى نهاية القرن التاسع عشر، إذ يعرّف «القاموس الاشتقاقي الأول للغة الإسبانية»، الذي ظهر عام 1881، كلمة «المثقف» كالتالي: «الشخص المشتغل بالبحث والتأمل»[2](، وهو تعريف عام يشمل المشتغل في حقول الفكر والثقافة والتعليم، كما يشمل بنفس القدر رجل الكنيسة والكاهن والصوفي. ولم يحصل نوع من التحديد للمفهوم إلا بعد قضية دريفوس  (Dreyfus) الشهيرة في فرنسا عام 1898، حيث تم الفصل في المفهوم بين الجانب الثقافي والجانب الروحاني[3].

بناءً عليه، يقترح البعض تعريفات للمثقف، على أساس الدمج بين الدور والسياق الاجتماعي أو التاريخي أو هما معًا. فلا «يكون» أي شخص مثقفًا لمجرد كونه حاملًا لمعرفة، بل «يصبح» كذلك في الوقت الذي يخرج فيه بمعرفته إلى الفضاء العام، ويتبنى قضايا لا تندرج بالضرورة في مجالات اشتغاله كرجل معرفة، في أي مجتمع أو حقبة تاريخية كان ذلك[4]؛ ويدعم المفكر الفرنسي إيتيان باريليي هذا التعريف، من خلال تأكيده أن المثقف هو رجل الفكر، لكنه رجل الفكر الذي يجعل فكره في خدمة فكرة العدالة كمثال[5].

وإذا كانت لفظة «مثقف» حديثة العهد بالاستعمال، سواء في اللغات ذات الجذر اللاتيني أو خارجها بما فيها اللغة العربية، فإن الأمر يدعونا إلى إعمال نوع من التمييز بين «الكلمة» و«الشيء». فقد عرفت المجتمعات البشرية كافة فئة من «العمال الفكريين» الذين كانوا يؤدون أدوارًا معينة تقربهم من مفهوم المثقف في العصر الحديث، أمثال رجال الدين والعلماء والكهنة، شغلوا حيزًا مهمًا في عملية التداول المعرفي داخل مجتمعاتهم، وكانوا قبلة للباحثين عن المعرفة أو الخبرة والدراية. وفي دراسته عن الديانة اليهودية القديمة يستعمل ماكس فيبر عبارة «المثقفين» بهذا المعنى، للدلالة على رجال الدين اليهود في بني إسرائيل، الذين تحملوا مسؤولية إعادة مراجعة وكتابة التقاليد الدينية للشعب اليهودي، بالنظر إلى قربهم السابق من الأنبياء[6]. ويشير فيبر إلى أن الحاخامات اليهود كانوا يمثلون «طبقة من المثقفين» المنتمين إلى عامة الناس، أو الغوغاء (Plebeiens)، والمتميزين من الطبقة الأرستوقراطية، بحيث كانوا يقومون بدور استشاري وتحكيمي بين الناس بشكل تطوعي، فضلًا عن عملهم الكهنوتي الأصلي[7].

أدى البحث عن مفهوم محدد ومرجعي عام لكلمة «المثقف»، في الأدبيات الاجتماعية، إلى الكثير من التضارب والاختلاف. وقد لوحظ أن الكثير من الدراسات التي انصبّت على دراسة «مهنة المثقف» في المجتمعات الحديثة كانت تنطلق من «نسيان» الماضي، على أساس أن المفردة لم تظهر إلا في نهاية القرن التاسع عشر، ومعها يبدأ تاريخ المثقف. ولسدّ هذه الثغرة عملت مدرسة كامبريدج على اجتراح منهجية تعتمد دراسة وضع المثقف ضمن سياقاته التاريخية والسوسيولوجية، وذلك بهدف الحؤول «دون أن يؤثر الحاضر في دراسة الماضي»، والعمل على دراسة الظواهر الثقافية والفاعلين الثقافيين في إطار السياق التاريخي، والبحث في رواج الأفكار بين هؤلاء الفاعلين ضمن الإطار نفسه، مرتكزة على منهجية تؤلف بين العلوم السياسية وعلم الاجتماع والألسنية[8].

ويلاحظ المؤرخ الفرنسي كريستوف شارل أن مصطلح «المثقف» أصبح مثقلًا بالخلفية التاريخية والسياسية والأيديولوجية الفرنسية التي نشأ فيها، الأمر الذي يجعل من الصعوبة تعميم التجربة نفسها وسياقها الثقافي على مختلف المجتمعات الأخرى، خصوصًا المجتمعات غير اللاتينية، التي لا تجد مشكلة في كلمة Intellectuel، بتنوع تراكيبها في اللغات المتفرعة عن اللاتينية. ويقترح شارل إدماج دراسة المثقف ضمن التاريخ المقارن، ويدعو إلى «الدراسة المقارنة للمثقفين»، بحيث يرى أن كلمة «مثقف» لا تبدو غريبة في المعجم اللغوي اللاتيني، لكنها عندما تنتقل إلى معجم مختلف أو إلى سياق تاريخي قديم تصبح مثار الغرابة، وبخاصة أن الكلمة ظهرت مع نمط الإنتاج الرأسمالي الذي يرتكز على تقسيم العمل إلى عمل ذهني وآخر يدوي[9].

تضمّن هذا الانتقال من سياق تاريخي لم يكن فيه مفهوم المثقف معروفًا، إلى سياق أصبح فيه المثقف جزءًا منه، انتقالًا موازيًا حصل على مستوى الباراديغم المؤطر لرؤية العالم والإنسان في العصر الحديث في أوروبا، ابتداءً من عصر الأنوار حيث ظهرت فئة «رجال الكلمة»، الذين مثلوا حلقة انتقالية من رجل الدين إلى المثقف الحديث، الذي ظهر في القرن التاسع عشر، مع التحولات الجذرية والعميقة التي مست المجتمع والدولة والنسيج الثقافي.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 540 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 540 شباط/ فبراير 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 540 في شباط/فبراير 2024.

إدريس الكنبوري: باحث في الفكر العربي – الإسلامي، المغرب.

[1]  Carlos Altamirano, Intelectuales: Notas de investigación (Bogotá: Grupo Editorial Norma, 2006), p.17.

[2]         Ibid., p. 20.

[3]         Ibid., p. 20.

[4]         Josep Picó and Juan Pecourt, «El estudio de los intelectuales: Una reflexión,» Revista Española de Investigaciones Sociológicas (Madrid), no. 123 (2008), p. 25

[5]         Etienne Barilier, «Qu’est-ce qu’un intellectuel?,» dans: Les Intellectuels: Déclin ou essor, VIe colloque annuel du Groupe d’étude «Pratiques Sociales et Théories»,» Revue européenne des sciences sociales (Cahiers Vilfredo Pareto), tome 28, no. 87 (1990), p. 21.

[6]         Max Weber, Le Judaïsme antique, traduction de l’allemand par Isabelle Kalinowski (Paris: Champs-Flammarion, 2010), p. 466.

[7]         Ibid., p. 618.

[8]                     Picó and Pecourt, «El estudio de los intelectuales: Una reflexión,» p. 26.

[9]         (12) Christophe Charle, «L’histoire comparée des intellectuels en Europe: Quelques points de méthode et propositions de recherche,» dans: Michel Trebitsch et Marie-Christine Granjon, dirs., Pour une histoire comparée des intellectuels (Paris: Editions Complexe, 1998), p. 39.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز