أولًا: الدولة الدستورية الافتراضية والدولة/الصيغة

منذ الإعلان عن تأسيس الدولة اللبنانية عام 1920 تعيش هذه الدولة في أزمة كيانية وجودية لاعتلال داخلي في النظرة الواحدة إلى هويّتها وموقعها ودورها ولاختلال خارجي في موازين القوى ذات التأثير في شؤونها. نتيجة هذين الاعتلال والاختلال ظلّت الدولة أفهومًا دائم اللبس، وهو بات في لبس مضاعف ومطّرد بعد حروب أبنائهِا وحروب الآخرين فوق أراضيها، وهو ما جعل القلق يعتري اللبنانيين على مصِير «دولتهم الافتراضية» التي لم تكن لها القدرة يومًا أن تدفع عنهم فتنةً من داخل أو اعتداءً من خارج.

إنّ مفهوم الدولة لا ينطبق قطعًا على واقع الدولة الراهنة في لبنان؛ فالدولة من حيث هي مؤسسة ونظام وقانون ودستور وسياسة وحضور إقليمي ودولي وتنمية واقتصاد وأنظمة حماية وتأمين حقوق وعدالة، لا وجود لها في لبنان. إنّها «دولة افتراضية»، لأنّها لم يقم فيها حكم دستوري وطني متحرّر من حاكميّة الفكر الطائفي التنازعي، وهو ما ترك لكل طائفة أن تبني «دويلتها» داخل هيكلية «الدولة الافتراضية» بحجّة الخصوصيّات والحقّ في التمايز وحماية الذات من شراهة الآخر في السيطرة على الدولة.

هذا الخوف من سيطرة الآخر على الدولة جعل جميع الطوائف في علاقة معها غير ودّية، إن لم نقل عدائية، فأمست مجرّد صيغة حكم مركّب تأتلف فيه الطوائف عند المغانم وتختلف عليه عند المغارم. تعرّضت هذه الصيغة الفريدة للتآكل والانهيار غير مرّة، وذلك عند تحوّل خصوصيات الطوائف إلى عوامل شرذمة وتفتّت. هكذا وقعت الدولة في خواء المعنى… ما أمّن لهذه الصيغة استمراريّتها وثباتها تدخّلاتٌ وتقاطعاتٌ مصالح قوى ودول خارجية وتسويات من صنعها تفرض على اللبنانيين.

إن تاريخ لبنان الحديث مشبع بمثل هذه التدخّلات المستجابة التي أدّت إلى تثبيت الطائفية صيغة حكم عصيّة على التغيير منذ نظام القائمقاميتين والمتصرّفية والمجالس الإدارية حتى اليوم على اختلاف مسمّياتها.

هذه الصيغة الموسومة بـ «الفرادة» التي يتباهى بها بعض اللبنانيين ويصرّون على إبقائها صيغة حكم وقاعدة أساسية في انتظام عمل المؤسسات الدستورية والإدارات العامة، كما هي وظيفة الأنظمة السياسية، هي بعيدة كل البعد من أن تقوم بمثل هذه الوظيفة، لأنّ للأنظمة السياسية قواعد دستورية وإجراءات قانونية سيادية ثابتة لا تعلوها سيادة. أمّا صيغ الحكم كالصيغة اللبنانية فهي نتيجة تفاهمات ظرفية بين طوائف تحكّمت بها موازين قوى داخلية وخارجية وهو ما يدفعها عند أي اعتلال أو اختلال إلى البحث عن تفاهمات مصلحية جديدة..

هذا ما حدث في أعوام 1943 و1958 و1989، وهذا ما يدعو إليه اليوم «الصيغويّون» الجدد بتطوير التفاهمات بين الطوائف في اتّجاه الدولة الفدرالية… إنّهم يريدون الانتقال من صيغة حكم قائم على تفاهمات مصلحية بين المكوّنات الطائفية إلى صيغة دولة قائمة على قواعد دستورية على شاكلة الدساتير المطبّقة في الدول الفدرالية.

سحبت ميثاقية 1943 أحكامها على مجمل الحياة السياسية في لبنان حتى تحوّلت إلى هوية رضائية عبّرت عن نفسها في إدارة شؤون الدولة والمجتمع بـ«التوافقية» التي أصبحت الفيصل في القرارات الوطنية، وبخاصة في مرحلة ما بعد الطائف 1989، ومنها تأليف الحكومات. عطّلت هذه التوافقات، في كثير من الأحيان، عمل المؤسسات الدستورية كما هي الحال اليوم بالنسبة إلى انتخابات رئيس الجمهورية. فالمؤسسات تعمل بقوّة التوافق لا بقوّة الدستور، لذلك إنّ عملها غير مستقرّ وغير ثابت ربطًا بمصالح شخصية وحسابات خاصّة.

أصبح الحكم الميثاقي في لبنان، الذي تمّ الإعلان عنه عام 1943 بتفاهم الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح وتمّ تكريسه في أوّل بيان وزاري، والذي لازمته أعراف لفضّ الخلافات وإنهاء النزاعات بين الطوائف، أقوى من دستور 1926. ومنذ ذلك التاريخ فقدت الدولة اللبنانية دستوريّتها الوحدويّة وانتهت إلى صيغة حكم طائفي توافقي شبه اتحادي.

ولّدت هذه الصيغة الخاضعة لمعادلة الاعتلال والاختلال الأزماتِ والفتنَ والحروبَ بين اللبنانيين وانتهت بالدولة إلى الشلل وفراغ المعنى وفقدان الوظيفة، وهو ما بات يطرح السؤال المصيري: واقعيًا ما مصير دولة لبنان الدستورية؟

ثانيًا: دولة لبنان الدستورية إلى أين؟

يحدو واقع الصيغة الميثاقية على طرح السؤال: دولة لبنان الدستورية إلى أين؟ هل باتت فعلًا من صنف الدول الفاشلة؟ هل فقدت مسوّغ وجودها؟ هل انتهت وظيفتها؟ لماذا لم يتمكّن دستور 1991 من إعادة بنائها؟

لقد أصابت هذا الدستور انحرافات في التطبيق من جهة، ولم يكن إصلاحيًا بالدرجة المطلوبة لتفي الحاجة إلى دولة حديثة، دولة مواطنة متساوية في الحقوق والواجبات، دولة ديمقراطية وعدالة اجتماعية، دولة حريات وحقوق إنسان، دولة شفافية، دولة مؤسسات دستورية وإدارات عامة فاعلة منتجة ونظيفة، دولة قضاء عادل مستقل ونزيه، دولة الحق وحكم القانون.

رسم دستور 1991، نظريًا، ملامح دولة حديثة من جهة، لكنّه، من جهة أخرى، نظريًا وعمليًا ارتقى بالصيغة الطائفية من مستويات إلى أخرى، من مجلس نيابي طائفي إلى مجلس لا تسري على انتخابه القيود الطائفية، إلى مجلس شيوخ يمثل الطوائف، إلى مجلس وزراء يتّخذ القرارات الأساسية بأكثرية الثلثين مانحًا لممثّلي الطوائف حق الفيتو، إلى مناصب إدارية عليا موزّعة على الطوائف وعلى المذاهب داخل كل طائفة… ألغى الثنائية الطائفية وأحلّ مكانها التعدّدية المذهبية… فضلًا عن مقدّمته التي تنصّ على لاشرعية أي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك… مفهوم المواطنة مغّيب كلّيًا عن هذا الدستور والحاضر فيه هو مفهوم المطايفة.

جعل ميثاق العيش المشترك الطائفيةَ المرتكز الأساس في صيغة حكم الدولة وإدارتها. لم يتمكّن اللبنانيون، بفعل هذه الصيغة الميثاقية، من إعلاء شرعيّة الدولة على خصوصيات الطوائف، ولم يتمكّن هذا الميثاق من خلق دينامية ذاتية قادرة على اختراق مصالح الطوائف وتجاوزها إلى مصالح الشعب اللبناني. يحتاج اللبنانيون اليوم إلى إعادة بناء «دولة دستورية»، وهو ما يتطلّب بحوثًا معمّقة تتناول المسائل الآتية التي تحدّد درجة البعد أو القرب من تحقّقها.

التبدّل المفهومي للدولة اللبنانية عند الكثيرين على مدى عمرها منذ سنة 1920.

التبدّلات التي صاغت مفهوم الدولة ومعجم مصطلحاته الدلالية: الدولة العضوية، الدولة المدنية، الدولة المركّبة، الدولة البسيطة، الدولة الاتحادية، الدولة الوحدوية.

التحوّلات التي انتهت إليها تكوينات مجتمع ما قبل الدولة (من جماعات عشائرية وعائلية وطائفية ومذهبية وسلالية إلى مجتمع مواطنين).

العوامل الموضوعية المحلية والإقليمية والدولية المؤثّرة في هذه التبدّلات التي تؤشّر إلى أنّها حاصلة حكمًا.

مصالح اللبنانيين الأساسية لتبقى لهم دولة بوظيفة مختلفة عمّا ألفوه وتغنّوا به في أدبيات سياسية أثبت فشله (وظيفة الوسيط ما بين الغرب والشرق، الحياد، التعايش السلمي بين الطوائف، جمع المتعدّد في صيغة حكم توافقي…).

التوجّه شرقًا مسألة مطروحة بقوّة، في إطاره تجد الدولة اللبنانية العتيدة وظيفتها الجديدة في بيئتها القريبة (سورية والعراق والأردن وفلسطين) ومحيطها العربي الأوسع.

ثالثًا: فشل الدولة الدستورية من علّة الصيغة إلى علّة الطبقة

إنّ نظرة واقعية إلى ما أصاب الدولة من فشل وتفكّك وتحلّل تجعل هذا السؤال مشروعًا: هل العلّة هي في الصيغة الميثاقية الطائفية فقط أم هي في الطبقة السياسية كذلك التي حكمت باسمها منذ عام 1943 حتى اليوم؟ الجواب يأتي من توصيفات هذه الطبقة المتناسلة منذ ذلك التاريخ، وهو ما أدّى إلى مفاسد الوراثة السياسية المركّبة عائليًا في زمن السلم وميليشيويًا ماليًا في زمن الحرب..

هذه الطبقة هي مجمّع كيانات ذات هويات ما دون وطنية فكّكت الدولة وحوّلتها إلى مجرّد حكم تحاصصي (توافقي أحيانًا وتناحري أحيانًا وفق جدلية النهب واقتسام المنهوب، والمنهوب دائمًا هو الشعب والدولة) أسّس لها الانتداب الفرنسي كيان دولة ملتبسة ما بين المدنية والطائفية فتجاوزت الجانب المدني بعد رحيله إلى «ميثاقية» طائفية أبّدت وتؤبّد ما كانت وما زالت عليه من انقسامات تعذّر علاجها من خارج أطرها الطائفية.

كلّ التحوّلات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي أصابت بنية المجتمع اللبناني، وخصوصًا في ستينيات القرن الماضي والنصف الأوّل من سبعينياته، والتي تراكمت في عقود سابقة وأشّرت إلى إمكان الانتقال إلى صيغة دولة مدنية، لم تكن لها الدينامية الوافية لتحقيق هذا الانتقال بسبب ما لاقته من صدّ وتمنّع مارسته تلك الطبقة في وجهها. إنها طبقة سياسية مستكبرة ومتنمّرة تعيد إنتاج نفسها داخل صيغة حكم طائفي مغلق، وهي عملت جاهدة منذ تسلّمها الحكم على تأبيد الصيغة الميثاقية الطائفية، فالطائفي لا يصادق على إلغاء نفسه ومصالحه من خلال أي صيغة مدنية تحرّر المواطن من انتمائه الطائفي الحكمي في ممارسة حقوقه السياسية والوظيفية وتحرّر المجتمع من أسر «الهويات الجماعاتية» القاتلة التي تزجّه في حروب داخلية كل عقد من السنين وتحرّر الدولة من التسلّط عليها ونهب مواردها وتعطيل قضائها وسائر مؤسساتها الدستورية والعبث بأمنها وإفساد إداراتها.

الطبقة السياسية في لبنان هي طبقة أوليغارشية فاسدة مشدودة إلى مركزية مالية غربية متوحّشة تغطّي أفعالها لقاء خدمة مصالحها، تستدرج التدخّلات الإقليمية والدولية، فهي مستتبعة ومرتهنة، تطلب حماية الخارج لتستقوي على الداخل، وهو ما ترك تأثيرات سلبية في دينامية الداخل في تشكّل الوعي العام أو الإرادة العامة؛ فالقوى الإقليمية والدولية تحكّمت في مسرح الحياة السياسية في لبنان تدخل عليه من تشاء وتخرج منه من تشاء وفق مصالحها وتوازناتها واختلالاتها. لقد باتت قابلية الطوائف للتدخّل الخارجي مسألة عادية لا بل مطلوبة في النزاع على السلطة.

تمثل هذه الطبقة الفاسدة الواجهة التي تساندها أطراف الدولة العميقة من رجال مال وأعمال وأصحاب مصارف وشركات وهمية وتجّار نفط وأدوية وغذاء، فضلًا عن بعض من قضاة وعسكريين وأمنيين محظوظين متكسّبين ومرتشين. وقد كان على رأس هؤلاء جميعًا، في السنوات الثلاثين الأخيرة، حاكمية مصرف لبنان التي أساءت الأمانة ولم تحافظ على ودائع الناس بالتواطؤ مع الطبقة الحاكمة النهّابة وجمعية سارقي الأموال ومهرّبيها إلى الخارج؛ فالنظام المصرفي الذي يديره المصرف المركزي هو الأشد فسادًا لأنّ حاكميّته وأصحاب المصارف هم أدوات مالية بيد الاستعمار الغربي الرأسمالي المتوحّش. استمسكت هذه الطبقة السياسية بما وفّر لها أركان الدولة العميقة من مغانم وأسلاب، وبما أمّن لها خضوعها، بأطيافها وتلاوينها كافة، للرأسمالية المتوحشة من دعم فسلّطت على رقاب المواطنين نظامًا مركنتيليًا استمد قوّته من ارتباطه العضوي التخادمي بها ومن فساده المنتمي إلى شبكة فساد إقليمية ودولية، وهو ما سمح لها بالتحكّم في دولة مركّبة طائفيًا فأفسدتها.

الفساد هو الحليف الطبيعي لصيغة الحكم الطائفي في لبنان، وهو حافز لتوافق الأطراف على اقتسام خيورها، وهو سبب خلافاتهم يوم تختل معادلة التقاسم. حكمت هذه الجدلية مواقع الحكم في لبنان توافقًا وتنازعًا فلم يعرف الحكم الاستقرار الدائم، ما أوقعه في أزمات متتالية أودت به بعد ثمانية عقود (1943-2023) إلى أن يكون السبب في تحوّل الأزمة من أزمة حكم إلى فساد نظام إلى فشل دولة تبقى أو لا تبقى!! وتتحمّل صيغة الحكم الطائفي والطبقة السياسية التي أوجدت هذه الصيغة وحكمت باسمها وعملت على تدويمها طوال هذه العقود، تتحملان معًا بالتكافل والتضامن فشل الدولة اللبنانية.

رابعًا: تداعيات فشل وأسئلة مصير

من تداعيات هذا الفشل أنّ كلّ طائفة باتت تبحث عن خلاصها الذاتي مرتدّة إلى مشاريعها الخاصة إمّا في السعي إلى الانفصال وطلب الحمايةـ وإمّا في الدعوة إلى الفدرلة والحياد، وإمّا في الهيمنة وتعميق التبعية للدول ذات الوزن الإقليمي. لذلك إنّ لبنان اليوم لجهة وجوده كدولة وكيان جغرافي ومصير شعب هو في مرحلة أشدّ خطورة ممّا كان عليه في مرحلة التأسيس بعد الحرب العالمية الأولى. ويجد اللبنانيون أنفسهم على تقاطع تاريخي مصيري ما لم يحددوا فيه اتجاههم سيحدّده الآخرون لهم ويبقونهم على الجانب المهلك من التاريخ دولة وشعبًا.

في هذه المرحلة الدقيقة إذًا من عمر الدولة اللبنانية المتهالكة، وفي زمن تشهد المنطقة دخولًا في تاريخ جديد وفي جغرافيا سياسية جديدة ونظام علاقات بين الدول جديد، تطرح الأسئلة التالية:

ما الأولويّة المطلقة لدى اللبنانيين، فهل هم راغبون فعلًا في متابعة الحياة معًا على قاعدة المواطنة، وهل هم قادرون واقعيًا على تجسيد هذه الرغبة في الانتقال من حكم طائفي مركّب الى حكم مدني بسيط؟

هل انفكاك المجال السياسي عن الطائفي لدى اللبنانيين أمر مستحيل؟ كم هو حجم القوى المدنية التي لها القدرة على جعل هذا الأمر ممكنًا، وهل الحراك المدني الشعبي المتراكم منذ منتصف القرن الماضي حتى عام 2019 ما زالت آفاقه مفتوحة، ويمتلك القدرة السياسية والنضالية الكافية لإقامة دولة مدنية تنقذ المجتمع من أزمة هويات طائفية متصادمة وتحوّله إلى هويات مدنية متسالمة، وهل دينامية الحراك الشعبي قادرة على تحويل «المجتمعات اللبنانية المتطايفة» إلى مجتمع مواطنين أفراد يقيمون فيما بينهم عقدًا اجتماعيًا لإعادة بناء دولتهم الوطنية؟

هل توافرت الشروط والإمكانات لهندسة دولة وطنية مدنية وحدوية بسيطة على قاعدة التمييز بين العقد الاجتماعي الذي هو عقد بين أفراد أو مواطنين بصفتهم الفردية والعقد المجتمعي الذي هو عقد بين جماعات هوياتية بصفتها الدينية أو الثقافية أو الاثنية، وهل إقامة عقد اجتماعي بين مواطنين على بنية مجتمعية متعدّدة طائفيًا ومأزومة أمر ميسّر من الناحية العملية؟ وهل فاعلية المجتمع المدني كافية حتى الساعة لكسر بنية المجتمع اللبناني التقليدية؟ وهل ثقافة المواطنة باتت مقتدرة إلى درجة الوعي بالحقوق؟

الأجوبة مرهونة بإرادة الحراكات الشعبية المدنية المتراكمة شرط تحوّلها إلى كتلة تاريخية متراصة موحّدة القضيّة والقيادة والنهج النضالي.

خامسًا: الدولة الوطنية المدنية الحديثة، تطلعات ورهان

لا تفرّق الدولة الوطنية، التي يتطلع إلى بنائها الجيل الطامح إلى التغيير في لبنان، بين الناس على أساس الانتماء العقائدي السياسي أو الإيماني الديني، فحرية العقيدة والإيمان تساوي بين الجميع. وهي لا تقيم قطيعة أو تنازعًا بينها والدين أو بينها والسياسة. شعبها واحد على تعدّد عقائده السياسية وشرائعه الإيمانية. هويتها لبنانية تعلو هويات الطوائف. سلطتها مدنية، هويتها هي نفسها هوية المجتمع المدني، قوانينها وضعية أساسها العدل العام والعدل التشريعي وجميع المواطنين خاضعون لأحكام العدل العام (عدالة القضاء) وللعدل التشريعي (عدالة القوانين).

إنّها دولة مؤسسات دستورية، يقرّ دستورها مواطنون أفراد وأحرار في خياراتهم، سيادتها هي سيادة دستورها، وهو مصدر تشريعها وشرعيتها، والمجسّد لإرادة مواطنيها العامة، فالدولة هي منتج بشري مدني.. وهذا لا يمنع من أن يكون هذا المنتج البشري المدني مستندًا في مبادئه الدستورية إلى قيم وأخلاقيات دينية؛ فالدولة المدنية ترتضي المؤالفة والتكامل بين القيم الشرعية والقيم الوضعية، بهذا المعنى، قد ينشئها بإرادة مواطنيه مجتمع مؤمن. إرادة المواطنين الأفراد الأحرار المعبّر عنها اختياريًا بالإرادة العامة بموجب عقد اجتماعي هي مرجعية الدولة المدنية ومصدر دستورها الوضعي وتشريعها وشرعية أحكامها.

الدولة الوطنية المدنية الحديثة هي الحل التاريخي لمشكلات المجتمعات الدينية المتعددة طائفيًا ومذهبيًا؛ وكلّ دولة دينية هي حكمًا دولة طائفية أو مذهبية، لأنّ الإسلام والمسيحية دينان تتعدّد طوائفهما والمذاهب والصراعات فيها على المستويات كافة لا تنتهي إلاّ بتحلّل الدولة أو بفرض نظام فئوي استبدادي، وهو ما يناقض إنسانية الإنسان ومجتمعيته أو مدنيته؛ إسقاط مدنيّته لحساب أيّ انتماء آخر اعتداء على حقوقه ومصادرة لقناعاته وخياراته وتهديد لوجوده وأمانه ودوره ومصيره.

هذا في المبدأ والتعريف، أمّا واقعيًا فيطرح السؤال: هل بناء دولة وطنية مدنية حديثة في لبنان إمكان مفتوح أم مغلق؟

كثيرة هي الدراسات التي تناولت إشكاليات بناء الدولة في لبنان (دولة الحقّ الإنساني وحكم القانون الوضعي) ودولة المواطنة (دولة تصنعها حرية الانتماء الفردي)، وطرحت حولها أسئلة متعددة ودارت في شأنها مطارحات كثيرة، على الأقل منذ إعلان وثيقة الوفاق الوطني (الطائف 1989) حتى اليوم. وعند المنعطفات المصيرية، كما هي الحال اليوم، يعاد طرح السؤال نفسه وبحدّة أشدّ. الجواب قد يكون الأمر مشروطًا بالرهان على تراكم الحراكات الشعبية التي قد تتحوّل في لحظة ما إلى كتلة تاريخية تقوم بالمهمّة.

ربطًا بالرهان على تراكم الحراكات الشعبية وتكوّن الكتلة التاريخية أمام العقل السياسي في لبنان مسار قد يطول وقد يقصر لتغيير «الفقه الدستوري» وجعله يستند إلى الحقائق النسبية التي يقرّرها العقل العملي في التشريع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والأمني. ينبئ الاقتراب من هذه الدرجة في سلّم الوعي الحضاري والإنساني باقتراب قيام الدولة الوطنية فتأتي مدنيّتها استجابة تاريخية لمجتمع يتصرّف بعقل حرّ.

نعقد الرهان على الحراك الشعبي لأنّه في عام 2019 فتح الآفاق لانتقال سلمي ديمقراطي إلى نظام دولة وطنية مدنية حديثة، لكن ميزان القوى السياسي الداخلي الموصول بالدولة العميقة رجّح الإبقاء مرحليًا على نظام الحكم القائم رغم انهيار أبرز مواقعه: رئاسة الجمهورية، وحكومة تصريف أعمال، ومراكز قضائية وإدارية وعسكرية وأمنية شاغرة.

ما يعزّز الرهان على الحراك الشعبي لبناء دولة وطنية مدنية حديثة في لبنان هو مشاركة جيل من الشباب اللبناني في فاعلياته بهويّته الوطنية لا بهويات طائفية أو مذهبية… فالمواطنة كانت هويّتهم الجامعة. مارسوها مفهومًا سياسيًا وقانونيًا وركنًا أساسًا لدولة تكرّس المساواة أمام القانون، واعتمدوا أسبقية الانتماء إليها على سائر الانتماءات التصنيفية أو الفئوية.

النخب التي شاركت في فاعليات الحراك، وبخاصة داخل الخيم المنصوبة حيث كانت تقام الندوات لمناقشة أهم المفاهيم التي يتمحور حولها الفقه الدستوري والفكر الاجتماعي والسياسي والأيديولوجي وأنجع الوسائل في سعيها إلى بناء دولة وطنية، أسهمت في تعميم ثقافة المواطنة على الشباب اللبناني الذي مارسها قضية لبنانية إنسانية وحقوقية فانقضّت عليهم سلطة القمع والفساد والتخلّف والتبعية وأذاقتهم ضروب الانتهاكات والمظلوميات كافة. فقد أدرك هؤلاء الشباب أن المواطنة كهويّة جامعة لا تتمّ إلّا بالمشاركة والتأثير في قضايا المجال العام فاندفعوا إلى الساحات ليجدوا معنى واقعيًا لوجودهم مقرونًا بالحرّية. أطبقت عليهم سلطة الحكم الطائفي الذي يتّخذ من عصبيات الطوائف مرجعًا لمسوّغات قيامه واستمراره، بأدواتها القمعية والإعلامية فشرذمتهم وفي قصدها تجريدهم من «لبنانيتهم العامة» (نعني باللبنانية العامة المواطنة أو وحدة الهوية الوطنية).

بات الشباب اللبناني المظلوم يتطلّع بعد طول معاناة مع نظام الفصل والتمييز الطائفي والمذهبي القائم بين اللبنانيين إلى دولة وطنية عضوية. يرى الشباب اللبناني الوطني الوحدوي أنّ الأولويّة المطلقة هي أن تبقى لهم دولة تستعيد معناها بتغيير بنيتها من بنية طائفية مركّبة إلى بنية وطنية مدنية عضوية بسيطة.
وما الحراك الذي قاده الشباب اللبناني لإسقاط طائفية الحكم والحكّام معًا، وما نتج منها من توافقيات وميثاقيات، سوى خير دليل على ذلك. لكن الشباب اللبناني الوطني الوحدوي يدرك أهمية التغيير الذي يبقى مهدّدًا حتى ولو انتهى الأمر إلى تغيير الحكّام؛ فتنصيب حكّام جدد لا يعني حكمًا قيام الدولة العتيدة، حتى ولو كانوا من قياديي الحراك. فالتغيير الجذري المطلوب يصيب أوّلًا بنية الدولة شرطًا لازمًا ووافيًا لبناء الدولة الوطنية بتوصيفاتها كافة. وهي مجتمعة، تمثل خلفيات أو منصّات فكرية لأهل الاختصاص كي يستلّوا منها فلسفة التشريع الدستوري والقانوني. يحتوي الدستور اللبناني المطبّق منذ عام 1990 على مواد صالحة لبنائها، كذلك تتضمّن «وثيقة الوفاق الوطني» بنودًا إصلاحية، والقوانين اللبنانية في معظم مضامينها مضامين دولة مدنية (باستثناء قوانين المحاكم الشرعية والروحية والأحوال الشخصية). يبقى أن تتوافر لدى اللبنانيين الثقافة الوطنية والمدنية والديمقراطية الوافية والإرادة في أن تبقى لهم دولة حديثة قابلة للحياة بعد أن صنّفت دولتهم أو تكاد في عداد الدول الفاشلة.

سادسًا: اللامركزية الإدارية الموسّعة عماد الدولة الحديثة

تعتمد الدولُ الحديثةُ اللامركزيةَ الإداريةَ الموسّعةَ بمسمّيات متعدّدة، منها اللاحصرية والمناطقية أو الإقليمية بغية تعزيز الموارد البشرية وتطوير القدرات وتحقيق المشاركة والتغيير في قيادة المجتمع وتطوير الممارسة الديمقراطية والحدّ من نفوذ القوى السياسية المسيطرة ومن تقييد الحريات وتدخّل السلطة المركزية بأنماط العيش والسلوك وتسهيل التعامل بين الدولة والمواطن وبناء مفهوم المواطنة وتمكين الفئات المهمّشة وتكريس الشفافية وتفعيل آليات المساءلة والمحاسبة والتمرّس في تحمّل مسؤوليات السلطة وتداولها.

يولد اللبنانيون متصادمين، وتتحرّك حياتهم السياسية في نطاق المفاهيم المغلقة والأماكن الجغرافية المقفلة (مناطقنا، ناسنا، قيمنا، مصالحنا…). إنّها تشهد بين الفينة والأخرى حوارات مفتوحة وتحالفات موسمية بين غير طرف، ولكن من دون تجاوز الذاتيات والعناوين بمضامينها ومضمراتها الطائفية. قد ينبري البعض ليقول إنّ العلّة ليست في نظام الطوائف بل في الممارسة وفي أداء شبكة سياسية مستفيدة من أعطيات هذا النظام. هذه وجهة نظر! ولكن الأشدّ خطورة من كلّ هذا هو ربط استمرارية الدولة باستمرارية نظام الطوائف، وأيّ بديل منه، في نظر البعض، يهدّد بانهيارها وربّما بفقدان الكيان اللبناني مسوّغ وجوده، هذا الكيان السياسي القائم على توازنات محسوبة بدقّة!

إن شروط القبول باللامركزية الإدارية الموسّعة: عدم تحوّل اللامركزيات أو الوحدات الإقليمية إلى كيانات سياسية (كانتونات) وأمنية أو جيوب انفصالية؛ وعدم تحوّلها إلى كيانات صافية؛ وبقاؤها واحة اطمئنان وجودي ومصيري لجميع سكانها؛ وتطبيقها يحمي الواقع السوسيولوجي التعدّدي؛ وعدم تحويل دستور الدولة اللبنانية من دستور دولة لامركزيات إقليمية وحدوية إلى دستور دولة كانتونات طائفية اتحادية؛ وعدم تحويل سلطة المجالس الإقليمية إلى سلطة سيادية، فالأقاليم لا تتمتّع بشخصية دولية، وليس من حقّها أن تطلب أيّ اعتراف دولي بها أو أي حماية دولية لها، وليس من حقّها أن تكون لها ارتباطات خارجية.

اللامركزية الإدارية الموسّعة هي من الضرورات الممكنة في التطلّعات إلى بناء الدولة اللبنانية وهي تحول دون الولوج إلى الحلول المستحيلة التي لا يجمع عليها اللبنانيون ومنها الفدرالية المشروطة بالحياد.

سابعًا: ما بين دولة المواطنة ودولة المطايفة

نتوقّف هنا عند صيغتين على طرفي نقيض مطروحتين لإعادة بناء الدولة: دولة المواطنة ودولة المطايفة.

المواطنة مفهوم انقلابي في الثقافة السياسية في لبنان يعمل على تعميقه وتعميمه دعاة الدولة الوحدوية.

المطايفة مفهوم محوري فيها أصّله وطوّره دعاة الدولة الفدرالية (الاتحاديون الطائفيون).

مفهوم المواطنة، في حال تحوّله إلى ثقافة سائدة، يعزّز الحياة الدستورية ويُحدث تغييرًا جذريًا في البنية الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية ويقود ثورة في التشريع اللبناني تؤدّي إلى تنقية النصوص الدستورية والقانونية، فضلًا عن الأعراف التي لها قوّة الدستور أو القانون من كلّ المواد والإشارات التي تكرّس التمييز بين المواطنين في الحقول كافة، وهو ما يفضي حكمًا إلى بناء دولة المواطنة التي هي دولة تشريع موحّد لا استقلالية تشريعية فيها للطوائف عن قوانين السلطة الحكومية المدنية، ولا سيادة قانونية فيها تعلو سيادة القانون المدني الوضعي، وبخاصة في شؤون الأحوال الشخصية والتربوية.

يلغي التشريع الموحّد الامتيازات والحقوق التشريعية التي تحوّلت، بحكم الممارسة وبحكم ارتباطها بآفاق تتجاوز حدود الأحوال الشخصية والإرث والزواج والمحاكم الشرعية والروحية، وبما لها من تأثير في حياة الناس أفرادًا وجماعات، إلى امتيازات وحقوق سياسية. من كل ذلك نستنتج أن وحدة المجتمع في دولة المواطنة تقوم على وحدة التشريع.

يخلق مفهوم المطايفة، الحاضر بقوّة في النصوص الدستورية والقانونية، كما هو الراهن اللبناني لدى الطوائف والمذاهب والإثنيات، حالات من العصاب المجتمعي ينتهي بهم إلى الاقتتال الداخلي بهدف حماية الحقوق والخصوصيات ويمارس عليهم ضروب الانتهاكات والمظلوميات كافة تبعًا لدستور تمييزي في بعض مواده (المادتان 9 و 10 والمادة 95)، وتبعًا لقوانين خاصة بالمحاكم الشرعية والروحية وبالأحوال الشخصية وميثاق غير مكتوب فرض واقعًا سياسيًا وقواعد حكم مقيّدة بأعراف بدت أكثر قوّة وأشدّ تأثيرًا في الحياة السياسية وإدارة شؤون الحكم ومؤسساته من الدستور نفسه. وقد دعّمت الاستقلالية التشريعية في دولة المطايفة عمليًا استقلالية الطوائف عن الدولة سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا.

الدستور في دولة المواطنة (الدولة الوحدوية) هو المرجع والمعيار لنيل الحقوق وتأدية الواجبات وحفظ كرامة الفرد، فالمواطنة تجعل الناس متساوين في الحقوق والواجبات والكرامة الإنسانية. الدستور في دولة المطايفة (الدولة الاتحادية) يجعل المواطنين صنوفًا ودرجات فتنشأ النزاعات وتتّسع الفوارق وتقع الصدامات وتسوء النظرة إلى الآخر وتسود ثقافة الإقصاء والإلغاء والاستئثار ما يؤدّى إلى نزاعات وحروب أهلية لا تنتهي.

من مفاعيل المواطنة إنقاذ المجتمع من صراع الهويات، فلا أقلية تنزع إلى انفصال أو انكفاء أو تقسيم أو فدرلة، ولا أكثرية تنزع إلى احتواء أو إلغاء أو سيطرة. وهي توطّد دعائم الوحدة الوطنية، فالوحدة هي من أهم منجزات المواطنة وترجمتها العملية. وهي تصوّب مسار الديمقراطية وتفعّل آلياتها، وتعزّز دور الأحزاب اللاطائفية، وهو ما يحدث تحوّلًا جذريًا في بنية المجتمع فتنقله من تحكّم مؤسسات الطوائف إلى إدارة منظمات المجتمع المدني.

المجتمع اللبناني في دولة المواطنة هو مجتمع مواطنين أفراد متنوّعي الانتماءات والهويات كافة من دون تمييز، والفرد فيه لا يحمل في جيبه سوى هويّة الدولة، علاقته بالدولة الوحدوية أو العضوية علاقة مباشرة. تلغي المواطنة الهويات الفرعية الوسيطة بين المواطن الفرد والدولة. أما المجتمع اللبناني في دولة المطايفة فهو مجتمعات طائفية متمايزة والفرد فيه يحمل في جيبه هويّتين، ولكن هويّته الطائفية باعتراف الدولة نفسها تتقدّم على الهوية التي تمنحه هي إيّاها. هويّته الطائفية هي حلقة وصله بالدولة المركّبة أو الاتحادية. تقوم الهويّة الطائفية بدور الوسيط بين الفرد والدولة، فهو يعبر إلى الدولة من خلالها، ومن خلالها ينال حقوقه منها.

تتقدّم في دولة المواطنة الوحدوية أسبقية الانتماء إليها على سائر الانتماءات التصنيفية أو الفئوية. وإرادة المواطن في الانتماء إرادة حرّة وهي جزء من الإرادة العامة (حاصل إرادات مواطنين أفراد). مقابل أسبقية الانتماء في دولة «المطايفة الاتحادية» هي للجماعات الطائفية، وإرادة الفرد مقيّدة بإرادة الجماعة التي تمثّل حصريًا جزءًا من الإرادة العامة (حاصل إرادات جماعاتية).

المواطنون في دولة المواطنة قادرون على حكم أنفسهم من خلال مؤسساتها المدنية وقوانينها الوضعية، إذ يتعمّق مفهوم الوحدوية وسيادة القانون في وجدان المواطنين ووعيهم السياسي فيزداد الانتماء إلى الهويّة الوطنية رسوخًا وجلاء. أمّا المواطنون في دولة المطايفة فتتحكّم فيهم مؤسسات طائفية بعض قوانينها من طبيعة إلهية أو دينية، إذ يتعمّق لديهم الشعور بالخصوصية والتمايز ويتعزّز انتماؤهم إلى هويّاتهم الخاصة.

الدولة والمواطنة والهوية مثلّث عضوي لا انفكاك فيه وإلا تحلّلت بنية الدولة الوحدوية. لا وجود لهذا المثلّث في الدولة المركبة، لذلك فهي معرّضة للتفكّك والتحلّل ساعة تشتدّ النزاعات بين عناصرها (وهذا ما سمّيناه الاعتلال) أو تشتدّ النزاعات الخارجية ذات التأثير في أوضاعها الداخلية (وهذا ما سمّيناه الاختلال). الدولة اللبنانية المركّبة الفاشلة والمفكّكة والمتحلّلة هي البرهان الأشدّ تبيينًا على طرفي هذه المعادلة: اعتلال داخلي واختلال خارجي.

بعد هذه المقارنة بين دولة المطايفة ودولة المواطنة نسأل: هل لدولة المواطنة نصيب في أن تقوم في بلد انتشرت فيه بوفرة وقوّة أحزاب طائفية ومذهبية؟ وهل الثقافة اللبنانية، ثقافة النخب، إن لم نقل ثقافة المجتمع، باتجاهاتها العامة والأساسية، باتت جاهزة للتحرّر من حاكمية الفكر الطائفي المتزمّت؟

العقل السياسي اللبناني، بالرغم من محاولات متنوّري القرن الماضي، وخصوصًا متنوّري الفكر الليبرالي والفكر الديني الإصلاحي، لم ينتج نموذجًا للمواطنة، نظرًا إلى غياب الثقافة الديمقراطية لديه من جهة وإلى انعدام النظرة إلى الإنسان اللبناني فردًا ذا قيمة في ذاته من جهة أخرى. هل بات هذا العقل، بعد المآزق التي أوصلته إليها أيديولوجيات الفكر الطائفي، جاهزًا لإعادة النظر في معقولاته أو ثوابته الفكرية بما يتوافق مع متطلبات وبناء دولة المواطنة؟

يشهد العقل السياسي اللبناني اليوم أزمة حادّة في صوغ الأفاهيم والقيم السياسية من خارج مفهوم المطايفة.

إنّ التأسيس لمفهوم دولة المواطنة هو عمل فكري/ثقافي طويل الأمد وهو من اختصاص النخب من رجال فكر وعلم واقتصاد واجتماع وقانون و… سياسة غير مشبّعين بثقافة الفكر الطائفي وإكراهاته. وإذا تخلّفت النخب عن إعداد الأساس الفكري التطبيقي لدولة المواطنة من يقدم على إعداده؟! أيوقّع الطائفي مرسومَ إعدامه؟!

حياديّة النخب أو تخلّفهم عن رفع التحدّي، كفرًا أو يأسًا، لا يعفيانهم من مسؤولية تاريخية توجب التسلّح بالفكر والخطّة والتنظيم والمنهج في مواجهة «الاستكبار والتنمّر الطائفي والمذهبي».

ثامنًا: تأثيرات الخارج في وقائع الفشل وتطلعات البناء

لم تكن اختلالات الخارج أقلّ تأثيرًا في فشل الدولة اللبنانية من اعتلالات الداخل التي أفضنا في الحديث عنها واقترحنا الدولة الوطنية المدنية الحديثة، دولة المواطنة بتوصيفاتها كافة وشروط بنائها كافة، حلًّا تاريخياَ لها بوصفها نقيضًا لدولة المطايفة أو الفدرالية الطائفية. والكلام على تأثيرات القوى الخارجية في فشل الدولة المركّبة في لبنان وفي التعقيدات التي قد تواجه بناء الدولة الوطنية فيه يتناول موقف الحكومات الصهيونية التاريخي والثابت من الدولة اللبنانية من جهة، وما تركته الحرب على العراق وسورية من تداعيات التفكّك والتشظّي ومحاولات ترجمتها إلى دساتير دول فدرالية من جهة أخرى.

1 – موقف الصهاينة من الدولة اللبنانية

بانت الخيوط الأولى لمخطّط تفكيك لبنان في رسالة دايفيد بن غوريون إلى موشي شاريت في 27/2/1954 ورسالة موشي شاريت إلى بن غوريون في 18/3/1954 وفي رسالة ساسون إلى موشي شاريت في 25/3/1954. رأى ساسون أنّ تفكيك الكيان اللبناني من شأنه أن يخلخل كيانات الدول العربية.

تنصّ «استراتيجية إسرائيل في الثمانينيات» بوضوح على المشروع الصهيوني القاضي بتفكيك كلّ الدول العربية. «لبنان خطأ تاريخي يجب تصحيحه» هذه الفكرة هي محور الاستراتيجية الصهيونية بصورة دائمة. تنظر هذه الاستراتيجية إلى لبنان واقعًا تتنازعه الإنقسامات الطائفية التي تجعله قابلًا للتفكيك والتجزئة. وقد جاء في هذه الوثيقة الصهيونية ما يلي:

«… إنّ تفتيت لبنان […] يعدّ بمنزلة سابقة للعالم العربي برمّته بما في ذلك مصر وسورية والعراق وشبه الجزيرة العربية […]».

تبنّى كيسنجر هذه الرؤية وطوّرها لتصبح أساس النظرة الأمريكية إلى الدول العربية فهي دول ضعيفة وغير مستقرّة يمكن الاستغناء عنها ضمن استراتيجية جديدة تقيم دولًا بديلة بحدود أشدّ ثباتًا هي حدود الجماعات الدينية والعرقية. مخطّط تقسيم لبنان وجد فيه كيسينجر على حدّ قوله «بلدًا مثاليًا لتحقيق المؤامرات، ليس ضدّه فقط وإنّما ضدّ كلّ العالم العربي أيضًا». ثمّ يضيف: «لقد اكتشفت في تناقضاته عناصر جديدة لنصب فخّ كبير للعرب جميعًا…». ومن وحي رؤيته عمل المحافظون الجدد: ريتشارد بيرل وولفوفيتس وديك تشيني ورالف بيترز وبرنارد لويس الذي تبقى خطّته الأهمّ والأخطر في استراتيجيات التفكيك والتجزئة والتقسيم.

2 – الحرب على العراق وسورية تداعيات التشظي

جرّت الحرب الأمريكية – الصهيونية على العراق وسورية دولًا عربية وأخرى إقليمية إلى صراع هويات فرعية ما دون وطنية لا ينتهي، وهي أصلًا مهيّأة لذلك، لعجز تلك الدول عن تبنّي مفهوم المواطنة في دساتيرها وإجراءاتها، وهو ما عمّق الصراع بين الهويات فتشظّت هويات طائفية أو مذهبية أو إثنيىة. حيال هذا المشهد العربي المتهاوي دولًا وجماعات مفكّكة اشتدّ التحدّي على اللبنانيين، وعنوانه حماية دولتهم من الفشل والسقوط؛ فكيف لهم أن يبعدوا مجتمعهم ودولتهم عمّا يحصل في فلسطين وسورية والعراق وفي منطقة انتشرت فيها بوفرة وقوّة ثقافة هويات دينية وإثنية طائفية ومذهبية؟ وهل كان بمقدورهم أن ينقذوا دولة قابلة للتشظّي أصلًا، بفعل ما فيها من تناقضات داخلية وبفعل تداعيات تأتيها من خارج حدودها، إلى دولة قادرة على مواجهة هذا التشظّي المتنقّل؟

موقف الصهاينة من الدولة اللبنانية لن يتبدّل وحكوماتهم في إسرائيل لم ولن تعدم وسيلة لشطب لبنان من خريطة المنطقة بالاحتلال المباشر وبالاعتداءات اليومية وباستخدام العملاء لإثارة الفتن الداخلية وبتقديم صيغتها العنصرية صيغة صالحة لبعض الجماعات السياسية التي ترى فيها ضمانة وجود ومصير.

تزداد مخاطر التحدّي الصهيوني على وجود دولة في لبنان بالمبدأ، فكيف إذا كان التطلع إلى بنائها دولة مدنية وحدوية تكشف يهودية الكيان الإسرائيلي وعنصريّته وهشاشة تكوينه.

كذلك إن الحرب الأمريكية الكونية على العراق وسورية بهدف تدمير الدولة وتوزيعها دويلات على الطوائف والمذاهب والإثنيات وتحويل دساتيرها إلى دساتير دول فدرالية (قانون بريمر هو النموذج) ما زالت مستمرة وما زالت تداعياتها تمثّل نموذج الفدرلة الذي تعمل له بعض الجماعات السياسية في لبنان.

الخلاف بين اللبنانيين قائم إزاء التحدّي الصهيوني، وهو خلاف قديم متجدّد. وإزاء تداعيات التشظّي العراقي – السوري وهو خلاف أشدّ ما يتظهّر في الخلاف على الدولة هويّة ونظامًا وموقعًا ودورًا؛ لذلك يبقى بناؤها مشروعًا معلّقًا بانتظار ما تتّضح نهائيًا صورة المشهد الإقليمي. لا دولة في لبنان ما لم تقم دولة في العراق وسورية أيًّا كان شكلها. فالدول الثلاث هي في تكاملية المشهد وتقلّباته. والمشهد على وثاق بالقضية الفلسطينية، وتقلّباته مرهونة لتحوّلات الصراع العربي – الصهيوني.

لبنان ليس خارج الاتجاهات العامة في تحوّلات الإقليم. لم يكن لبنان يومًا خارج المسار التاريخي لمحيطه في تحوّلاته الكبرى. يُحدث التفاعل مع المحيط التبدّلات في ماهية الدولة اللبنانية العتيدة. هل بناء دولة وطنية مدنية حديثة أمر ميسّر وفي محيطه مساع لإقامة الدويلات الطائفية والمذهبية والعرقية على حدود الدم؟!.

المصادر:

تمثّل هذه الدراسة الخلاصة التنفيذية لكتاب للمؤلف نفسه والذي صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية، ونُشرت في مجلة المستقبل العربي العدد 542 في نيسان/أبريل 2024.

للحصول على الكتاب:

أفكار في الدولة اللبنانية: وقائع في الفشل وتطلعات إلى البناء

[1]ساسين عساف: أستاذ في الجامعة اللبنانية.

 

 

 


ساسين عساف

ساسين عساف

كاتب وباحث وأستاذ جامعي من لبنان، حائز الدكتوراه في الفلسفة والآداب من جامعة مدريد المستقلّة (1977)؛ عميد سابق لكلّية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية (1985)؛ أمين عام سابق للمركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة (1995). من مؤلّفاته: أفكار في الدولة اللبنانية: وقائع في الفشل وتطلّعات إلى البناء (2024)؛ مشروع النهوض العربي: رؤيا وحدوية (2018)؛ مشروع النهوض العربي: رؤيا ثقافية (2015)؛ ثقافة المواجهة، شرق أوسط جديد أو صهيونية متجدّدة (1996)؛ المآزق السياسية في التسوية اللبنانية وتداخلاتها الإقليمية والدولية (1994)؛ ثلاثيّة مآزق الفكر السياسي في لبنان: مسألة التغيير (1991)؛ مسألة العيش المشترك (1988)؛ مسألة الديموقراطية (1988).

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز