مقدمة
في عام 2004، أُسِّس «منتدى التعاون الصيني العربي»؛ وبعد عشر سنوات، اقترحت الحكومة الصينية مفهومًا استراتيجيًا لـ «الحزام والطريق»، الذي منح العلاقات الصينية – العربية محتوى جديدًا ومهمات جديدة في القرن الحادي والعشرين. وقد مثلت البلدان العربية دورًا بديلًا لا غنى عنه في البناء المشترك لـ«الحزام والطريق». وفي السنوات الأخيرة، أجرت الصين والبلدان العربية تبادلات وتعاونات غنية واسعة النطاق في مجال العلوم الإنسانية.
أدت الدبلوماسية إلى ضخ دفعة قوية من أجل تحقيق «التبادلات الشعبية بين الجانبين»، وأصبحت «البلدان العربية» أيضًا في الصين «نقطة نمو مهمة للدبلوماسية الشاملة. وفي الوقت نفسه، واجهت وتواجه التبادلات الثقافية بين الصين والبلدان العربية الكثير من التحديات. فالأوضاع المضطربة المستمرة في الشرق الأوسط، وعدم التجانس بين الحضارتين الرئيستين، والتوزيع غير المتكافئ لمجالات التعاون، كلها قضايا يجب حلها. لذلك عقد العزم من أجل تعزيز التبادلات الشعبية والثقافية بين الصين والبلدان العربية.
إن تاريخ علاقات الصداقة الودية والتعاون بين الصين والبلدان العربية طويل. ويعدّ «طريق الحرير» خير شاهد على الصداقة الصينية – العربية. وقد أظهرت عقود من الممارسة الدبلوماسية أن التبادلات الشعبية والثقافية كانت دائمًا مكملًا فعّالًا للدبلوماسية الرسمية للصين وعززت تطوير العلاقات الودية بين الصين والبلدان العربية. وفي كانون الثاني/يناير 2004، أعلنت جامعة الدول العربية رسميًا إنشاء «منتدى التعاون الصيني العربي» أثناء زيارة الرئيس الصيني هو جينتاو للشرق الأوسط، وقد دُعي أيضًا لي تشوكوكس وزير الخارجية لحضور أول اجتماع وزاري للمنتدى الذي عقد في القاهرة، وأكد فيه أن «المنتدى سيعمل بشكل فعّال على توطيد وتوسيع التعاون الثنائي بين الجانبين على المستويات كافة وفي مختلف المجالات. وبمعزل عن تغيرات الأوضاع الدولية، ستكون الصين دائمًا دولة صادقة ومخلصة وموثوقة وصديقة للبلدان العربية»[2].
وفي إطار المنتدى، وبرعاية من الدبلوماسية الرسمية والتبادلات الشعبية والثقافية، عززت كل من الصين والبلدان العربية التعاون المفيد للطرفين تعزيزًا شاملًا في مختلف المجالات. وفي عام 2013، اقترحت الحكومة الصينية مبادرة «الحزام والطريق». وأصبحت «الرابطة الشعبية» تدريجًا دعمًا وضمانًا للصين والبلدان العربية لبناء «الحزام والطريق».
أولًا: تاريخ التبادلات الشعبية والثقافية
بين الصين والبلدان العربية
يعود تاريخ التبادلات الشعبية والثقافية بين الصين والبلدان العربية إلى أكثر من 2000 عام. وفي ذلك الوقت، كان طريق الحرير البري هو طريق المرور الرئيس الذي يربط بين أسرة هان ومناطق آسيا الوسطى وغرب آسيا. وقد أُمر تشانغ جيان بـ«تفريغ» المناطق الغربية وهذا ما فتح الباب أمام التبادلات الشعبية بين الصين والبلدان العربية. وفي القرن السابع الميلادي، أنهت شبه الجزيرة العربية تقسيمها وأنشأت نظامًا سياسيًا ودينيًا. وانتهجت سياسة خارجية مفتوحة مثل إمبراطورية أسرة تانغ في ذلك الوقت. كان طريق الحرير البحري طريقًا مهمًا لحركة مرور التبادلات السياسية والتجارية بين الجانبين، وأصبحت التبادلات الشعبية أكثر تواترًا. لم تكن قوانغتشو خلال عهد أسرة تانغ أكبر ميناء في الصين فحسب، بل كانت أيضًا أحد أكثر الموانئ ازدهارًا في العالم. وأبحر رجال الأعمال العُمانيون من ميناء صحار مسافة 9500 كم ووصلوا إلى قوانغتشو، وهذا ما دفع الأنشطة التجارية بين الصين والبلدان العربية وعزز التبادلات الشعبية بين الجانبين. وأصبح ميناء صحار بوابة الوطن العربي إلى الصين وأصبحت قوانغتشو أيضًا نقطة انطلاق على طريق الحرير البحري. وللاحتفال بهذه الحقبة من التاريخ، قلدت الحكومة العُمانية القوارب الشراعية الخشبية القديمة بناءً على السجلات التاريخية وأطلقت عليها اسم «صحار». وفي الحادي عشر من تموز/يوليو 1981، أبحرت «صحار» على طول طريق الحرير البحري ووصلت أخيرًا إلى قوانغتشو. وفي الثالث عشر من أيلول/سبتمبر 2018، أقيم حفل سدل الستار عن نصب «صحار» في حديقة قوانغتشو هايزو شوزوي في قوانغتشو[3]. وأصبحت «صحار» رمزًا مهمًا للتبادلات الشعبية بين الصين والبلدان العربية.
1 – توحيد كل القوى التي يمكن أن تتحد
تعرضت الصين والبلدان العربية، منذ نهاية القرن الثامن عشر وحتى نهاية القرن التاسع عشر، للقمع والاضطهاد من جانب الدول الاستعمارية لمدة طويلة. وفي ثلاثينيات القرن العشرين، كان الشعب الصيني يولي اهتمامًا وثيقًا للنضال المناهض للاستعمار في البلدان العربية، ويدعم القضية المناهضة للإمبريالية في مصر ولبنان وسورية والعراق من خلال كتابة المقالات في الصحف والمجلات. وبالمثل، تلقى نضال الشعب الصيني المناهض لليابان دعمًا متحمسًا من جانب الشعب العربي. وعندما تأسست جمهورية الصين الشعبية، قامت حالة الحرب الباردة بين معسكرين للولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي على الساحة الدولية. نجحت الحكومة الصينية الفتية في ردم الفجوة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وكان الاتحاد واكتساب موطئ قدم قوي على المسرح الدولي عاملًا حاسمًا في اتجاه سياستها الخارجية. في مواجهة موقف الاحتواء والعزلة للولايات المتحدة تجاه النظام الصيني الجديد، تبنى قادة الجيل الأكبر سنًا مثل ماو تسي دونغ سياسة خارجية سقطت بالكامل في أيدي المعسكر الاشتراكي للاتحاد السوفياتي السابق. إن قوة الاتحاد والوحدة كانت حاجة ملحة لتوحيد القوى في حال غياب العلاقات الدبلوماسية. وأسست التبادلات الشعبية بين الصين والبلدان العربية تدريجًا وضعًا جديدًا من «تعزيز المسؤولين مع الشعب»، حيث قاد مؤسس الجمعية الإسلامية في الصين، بويرهان، وفدًا لزيارة مصر في عام 1955 ولاقى ترحيبًا حارًا من جانب المسؤولين المصريين والشعب المصري. وفي العام نفسه، قاد وزير الأوقاف في مصر وفدًا إلى الصين لإجراء التبادلات المعمقة حول تبادل المعلمين والطلاب بين الجانبين، وكتب مقالًا للتعريف بالسياسات الدينية الصينية للشعب المصري بعد عودته.
وفي عام 1956، قاد بويرهان المسلمين الصينيين للحج في السعودية وأجرى مقابلة مع ملكها. وقد أرست هذه التبادلات الشعبية أساسًا متينًا لإنشاء العلاقات الدبلوماسية بين الصين والبلدان العربية في المستقبل.
2 – مخاوف البلدان العربية من الصين
على الرغم من أن الصين وبعض البلدان العربية تقع في آسيا، فإن هذه البلدان لديها أنظمة سياسية وأيديولوجية مختلفة. وكان التفاهم المتبادل محدودًا جدًا على الرغم من أن التبادلات الشعبية بين الجانبين لم تنقطع.
عندما تأسست جمهورية الصين الشعبية في عام 1949، ولم تكن معظم البلدان العربية قد استقلت بعد أو أصبحت مستقلة للتوّ، أرادت بعض الدول التواصل مع الصين، لكنها لم تكن قادرة على إقامة علاقات نشطة معها بسبب ضغوط من الولايات المتحدة والدول الغربية. وقبل عام 1955، لم تقم أي دولة عربية علاقات دبلوماسية مع الصين. وفي ذلك الوقت، دعت الصحف والدوريات المصرية السائدة عمومًا إلى الاعتراف بالحكومة الصينية الجديدة، لكن حكومة فاروق كانت مترددة واتبعت الغرب في سياستها تجاه الصين، واستمرت في الحفاظ على ما يسمى «العلاقات الدبلوماسية» مع نظام الكومينتانغ في تايوان. وفي ظل الظروف التاريخية في ذلك الوقت، أعربت الحكومة الصينية عن تفهمها لموقف الدول العربية تجاه الصين. وطالب رئيس الوزراء تشو إن لاي بـ«إجراء التبادلات الشعبية والاقتصادية والثقافية على نحوٍ أولي من أجل التحالف مع هذه البلدان»[4]، وصوغ المنهج العملي المتمثل بالانتظار وتكثيف الاتصالات، والقيام بالمزيد من العمل، وتعزيز العلاقات[5]، وقد أظهر تطور الأوضاع فاعلية هذه السياسة. في كانون الأول/ديسمبر 1949، انعقد مؤتمر تمثيلي للمرأة الآسيوية في بكين حيث صرح المندوب الجزائري في كلمته بأن تحرير النساء الصينيات من شأنه أن يدعم أيضًا نضال الشعوب الأفريقية. وفي آب/أغسطس 1954 انعقد مجلس الرابطة الشبابية الديمقراطية العالمي في بكين، وشارك ممثلو الجزائر وتونس والسودان في الاجتماع[6]. وأتاح مؤتمر باندونغ الذي عقد عام 1955 فرصة لإقامة علاقات دبلوماسية بين الصين والبلدان العربية. وكان الاجتماع عبارة عن مؤتمر دولي عقدته دول آسيوية وأفريقية من دون مشاركة القوى الغربية وشاركت فيه 29 دولة آسيوية وأفريقية منها 9 دول عربية. وطرح رئيس مجلس الدولة تشو إن لاي مبدأ «البحث عن أرضية مشتركة مع الاحتفاظ بالخلافات» لأول مرة في الاجتماع، مشيرًا إلى أن «الأغلبية العظمى من الدول والشعوب في آسيا وأفريقيا عانت – ولا تزال – الكوارث والآلام التي سببها الاستعمار منذ العصر الحديث. وقد بدد خطاب رئيس مجلس الدولة سوء فهم بعض البلدان العربية وهواجسها في شأن الصين، وأصبح مبدأ «البحث عن أرضية مشتركة مع الاحتفاظ بالخلافات»[7]، مبدأً توجيهيًا لتنمية العلاقات الدبلوماسية الثنائية بين الصين والبلدان العربية في المستقبل. وأرسى مؤتمر باندونغ روح باندونغ للتعايش السلمي والبحث عن أرضية مشتركة مع الاحتفاظ بالخلافات، الأمر الذي كسب بدرجة أكبر تعاطف حكومات وشعوب الدول الآسيوية والأفريقية ودعمهم، وكسر الجمود الدبلوماسي الصيني في ذلك الوقت.
3 – متطلبات العصر الجديد
بعد أكثر من ثلاثين عامًا أكملت الصين إقامة علاقات دبلوماسية شاملة مع الدول العربية، وبعد انتهاء الحرب الباردة تغيَّر الوضع الدولي ومهمات الدبلوماسية الصينية وأولوياتها، وهي على رأس أولويات الدبلوماسية الصينية. كما يولي الجيل الجديد من القادة أهمية كبيرة للتبادلات الشعبية والثقافية كما هي الحال دائمًا، وطرح المفهوم الدبلوماسي «الموجّه للشعب»، وتعزيز بناء عالم متناغم.
في عام 2004، أُنشئ «منتدى التعاون الصيني العربي»، الذي أسس أول آلية حوار وتعاون جماعي يشمل مجالات متعددة للعلاقات الودية الصينية – العربية. كما تعززت مجالات التبادل الشعبي الصيني – العربي. واتسعت العلاقات الدبلوماسية ودخلت حقبة من التحسن الشامل وارتقت تدريجًا إلى مستويات مختلفة من «الشراكة الاستراتيجية». وبعد أن اقترحت الصين مبادرة «الحزام والطريق» في عام 2013، تلقت ردود فعل إيجابية من البلدان العربية. وتعتقد البلدان العربية عمومًا أن مبادرة «الحزام والطريق» تتمشَّى مع مصالحها التنموية الخاصة، وحتى الآن وقعت 18 دولة عربية وثائق تعاون مع الصين بشأن البناء المشترك لـ «الحزام والطريق». أصبح «الاتجاه شرقًا» تدريجيًا خيارًا جديدًا للبلدان العربية. ويتعين على التبادلات الشعبية والثقافية التي «ترطب الأشياء وتجعل الأمور تبدو صامتة» أن تؤدي دورًا أكبر، وأن «تروي القصص الصينية جيدًا، وتنشر الأصوات الصينية جيدًا»، وأن تروج للثقافة الصينية «نحو العالمية»، وأن تستخدم قوة الشعب للقضاء على سوء الفهم بين الجانبين، وأن تعزز التفاهم، وتعزز التنمية المتبادلة، و«الروابط الشعبية»، وأن تضع أساسًا اجتماعيًا للجانبين لبناء «الحزام والطريق» بشكل مشترك.
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 537 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 537 تشرين الثاني/نوفمبر 2023.
[1]لو لينغ لينغ (رشيدة): باحثة دكتوراه في جامعة الدراسات الدولية في شانغهاي،
ورئيسة قسم اللغة العربية في جامعة الدراسات الأجنبية في قوانغدونغ – الصين.
الصورة عن موقع “عربية Sky News”.
[2] قو جينغ لونغ، «بحث حول نموذج التعاون الصيني العربي في إطار «منتدى التعاون الصيني العربي»،» مجلة الدراسات في العالم العربي، العدد 1 (2011)، ص 20.
[3] احتفالاً بالذكرى الأربعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين وسلطنة عمان، تم الكشف عن النصب الشراعي «صحار» في مدينة قوانغتشو، انظر: صحيفة نهاية الأسبوع الجنوبية (13 أيلول/سبتمبر 2013).
[4] جين تشون جي، سيرة تشو إنلاي (1949-1976) (بكين: دار النشر المركزي، 1998)، ص 47.
[5] جيانغ تشون وقوا ينغ دا، تاريخ الصين والدول العربية (بكين: دار الصحيفة الاقتصادية، 2001)، ص242.
[6] أن خوين حو، مسيرة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والدول العربية لمدة 50 سنة (بكين: دار المعارف الدولية، 2006)، ص 41.
[7] المصدر نفسه، ص 256.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



