مقدمة

أقل ما يمكن قوله في حق العلماء المشرقيين في ما يخص الجانب الثقافي هو كلمة الازدهار. فكل واحد من هؤلاء ساهم في تطوير الحركة الثقافية وإثرائها. والواقع أن هذا الازدهار لم يأتِ من فراغ، بل كان ثمرة الاستقرار السياسي الطويل الذي نعمت به بلاد المغرب، والأندلس، وبخاصة في عهد الخليفة الناصر الذي اهتم بالشعر والأدب، وحفل بلاطه بالعلماء والأدباء الذين كانوا يأتونه من كل حدب وصوب، كالأديب أحمد بن عبد ربه، والأديب أبي علي القالي، والفقيه منذر بن سعيد البلوطي، وقاسم بن أصبغ البياني، والطبيب خلف بن عباس الزهراوي.

كانت رحلات العلماء بين المغرب والمشرق لا تتوقف ذهابًا وإيابًا. فقد كان علماء المغرب يرحلون نحو المشرق طلبًا للعلم والتزود به من مصادره في المدينة ومكة وبغداد، وقد وصفهم المقدسي بقوله: «يحبون العلم وأهله، ويكثرون التجارات والتغرب»‏[1]. وقد كان العالم الذي لا يرحل طلبًا للعلم يعدّ قليل العلم مقارنة بأقرانه وتحسب له هذه الصفة كمنقصة وعيب. وقد رحلوا أيضًا إلى القيروان والإسكندرية والفسطاط والقاهرة ومنها تتشعب أفواجهم إما نحو الحجاز لمن يطلب العلوم النقلية: كالعلوم الدينية، ونحو العراق لمن يطلب العلوم العقلية مثل العلوم الرياضية والفلك والفلسفة والطب.

جدير بالإشارة هنا أن بلاد المغرب كانت جسر العبور الثقافي والعلمي إلى بلاد الأندلس. وتُعَدّ علاقة المغرب بالأندلس علاقة وثيقة جعلت هاتين الدولتين تسمَّيان العُدْوتين؛ عُدوة المغرب وعُدوة الأندلس (والعُدوة هي المكان المرتفع أو جانب الوادي)، وقد كانت هاتان الدولتان دولةً واحدة في عهد المرابطين والموحدين، حيث كانت عائلات كثيرة تنتقل من المغرب إلى الأندلس وكذلك كانت تنتقل العائلات الأندلسيّة من الأندلس إلى المغرب، ونرى الكثير من المدن المغربيّة التي تحتفظ بالتّراث الأندلسي في ثقافتها مثل فاس، وتطوان، والرّباط.

أولًا: أنواع العلوم

تعَدّ المقدمة من أهم ما خلفه ابن خلدون في موضوع «تصنيف العلوم عن العرب والمسلمين»، والأكمل والأشمل لأي باحث ولّى وجهه قِبَلَ هذا الإشكال. هذا من جهة، ومن جهة ثانية يمكن حسبان ابن خلدون، شأنه شأن «المفكرين الإسلاميين الذين قدموا تصنيفات للعلوم، من حيث تقسيمهم العلوم إلى علوم شرعية وأخرى عقلية»‏[2]، فالعلوم بحسب ابن خلدون صنفان: «صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره، وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه»‏[3].

الصنف الأول هو العلوم العقلية التي هي بحسب ابن خلدون «العلوم الحكمية الفلسفية، وهي التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره، ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها، حتى يقف نظره وبحثه على الصواب من الخطأ فيها من حيث هو إنسان ذو فكر»‏[4].

الصنف الثاني العلوم النقلية الوضعية، وهي بحسب ابن خلدون «كلها مستندة إلى الخبر عن الوضع الشرعي، ولا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول، لأن الجزئيات الحادثة المتعاقبة لا تندرج تحت النقل الكلي بمجرد وضعه، فتحتاج إلى إلحاق بوجه قياسي، إلا أن هذا القياس يتفرع عن الخبر بثبوت الحكم في الأصل، وهو نقلي فرجع هذا القياس إلى النقل لتفرعه عنه»‏[5]. إذًا بحسب ابن خلدون هناك نوعان من العلوم؛ العلوم العقلية والعلوم النقلية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 550 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 550 كانون الأول/ديسمبر 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 550 في كانون الأول/ديسمبر 2024.

محمود أحمد الأذن: أستاذ جامعي محاضر ومشرف على رسائل الماجستير،
جامعة الجنان، طرابلس – لبنان.

[1] شمس الدين أبو عبد الله بن أبي بكر المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم (بيروت: دار الكتب العلمية، 2002)، ص 50.

[2] محمد وقيدي، العلوم الإنسانية والإيديولوجيا، ط 3 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2011)، ص 7.

[3] أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون (القاهرة: دار ابن الهيثم، 1336هـ/​2005م)، ص 354.

[4] المصدر نفسه، ص 355.

[5] المصدر نفسه، ص 354.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز