أدى قيام الثورة في ليبيا 17 شباط/ فبراير 2011، إلى تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية، وانطلق الشعب الليبي بأغلب أطيافه في ثورة بدأت من بنغازي في شرق ليبيا لتمتد إلى مدن الغرب ثم الجنوب، وكان أحد أهم أسباب الثورة العامل الاجتماعي المترابط مع الاقتصادي.

من جهة أخرى، برزت «البريكاريا» الطبقة الناشئة الجديدة، وهي خليط بين مفاهيم عدم الاستقرار والمهمشين، وهي جماعة اجتماعية محرومة تشبه إلى حد كبير حالة البروليتاريا؛ ولكن البريكاريا لا يمكن أنّ يطلق عليها مصطلح «الطبقة» (Class) بالمفهوم الماركسي، لأنها لم تتكوّن بعد، لكي تصل إلى مستوى الطبقة على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، فهي لا تزال تمثل «الفئة» بهذا المعنى أو المفهوم.

فالبريكاريا، مصطلح حديث ظهر حين نشأت الأزمة الاقتصادية العالمية وتفاقمت في ما يعرف بالعالم الرأسمالي، أو الاقتصادات الأوروبية المتقدمة في بريطانيا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا، والتي كانت المحرك الاقتصادي لأوروبا.

تكمن إشكالية هذه الدراسة في طرح تساؤل مركزي في شأن الواقع الليبي بعد الثورة، وإرهاصاتها على حالة البريكاريا في المجتمع.

أولًا: الثورة وبنية المجتمع الليبي

1 – ليبيا واندلاع الثورة 2011

كانت هناك تراكمات وعوامل بنيوية على مدى أربعة عقود من حكم العقيد معمر القذافي (1969-2011) في ليبيا دفعت جيلين ممّن عاصروا ثورة أيلول/سبتمبر عام 1969، والجيل الذي تلاه من الشباب تحت سن الثلاثين من العمر، وبدوافع خارجية إقليمية وفواعل دولية، لإعلان الثورة على النظام في 17 شباط/ فبراير 2011 بعد ثورتين في دول الجوار الليبي وهما ثورتا تونس ومصر[2].

وترافق هذا الواقع من الكراهية للوضع القائم، والشعور بالإحباط المجتمعي مع ظهور التيارات الإسلامية من القوى المعتدلة كالإخوان المسلمين، إلى الجماعات المتشددة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» وتفرعاته في شمال أفريقيا، وانخرط فيها أعداد من الشباب الليبيين في الداخل، أو الذين انتقلوا إلى القتال في أفغانستان ومصر ثم العراق وسورية، وأسهمت هذه الجماعات في الثورة بل قادوا عمليات مسلحة ضد النظام، وأجهزة الدولة عند إعلان الثورة[3].

وكانت التوترات التي حصلت في المجتمع أثارت انقسامات داخل المجتمع الليبي، وهي لم تكن ظاهرة على نحوٍ ملحوظ قبل الثورة بسبب الهيمنة المطلقة للنظام.[4] (انظر الجدول الرقم (1)).

الجدول الرقم (1)
الانقسام والتوترات في المجتمع الليبي بعد عام 2011

الفئة 1الحالةالفئة 2
سكان الحضر×سكان البدو
سكان المدن×سكان الريف
طرابلس×بنغازي
السكان×الطوارق
موالون للقذافي×الثوار
الليبراليون×الإسلاميون

 

المصدر: «الحرب والاضطرابات: تحديات إعادة بناء ليبيا،» مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 29 أيلول/سبتمبر 2011، <https://carnegie-mec.org/2011/09/29/ar-event-3503> (شوهد بتاريخ 16 تموز/يوليو 2021).

ويبدو من السهل أن يُفسَّر انهيار ليبيا على أنه صراع سياسي بين الإسلاميين والليبراليين، بين «حزب العدالة والبناء» التابع لجماعة الإخوان المسلمين والفصائل «الجهادية» مثل «أنصار الشريعة»، مقابل الليبراليين المنضوين تحت لواء «تحالف القوى الوطنية»، ولا سيما أنّ هناك قوى وحركات إسلامية فاعلة في ليبيا أبرزها الإخوان المسلمون، وحزب التحرير الإسلامي، والجماعة الإسلامية المقاتلة، وحركة التجمع الإسلامي، والمجموعات السلفية[5].

وكانت الجماعات المتشددة تسيطر وتتحكم في نحو 90 بالمئة من الأراضي الليبية، بما فيها المدن البارزة (طرابلس وبنغازي ومصراتة)، وهي عناصر أسهمت في عدم الاستقرار في غياب مؤسسات الدولة، وانتشار الأسلحة والتشدد الأيديولوجي لهذه الجماعات[6]. وهناك مستويات أخرى للصراع يتمثّل بالتنافس بين مدينتَي الزنتان ومصراتة في الغرب على القوة الاقتصادية والنفوذ السياسي في طرابلس، أو بين أنصار الفدرالية وخصومها في الشرق المهمَّش منذ مدة طويلة، وثمّة فئة أخرى تتكوّن من بقايا النظام السابق من رجال الأمن والضباط المتقاعدين الذين أمضوا سنين طويلة في الخدمة، وآخرين أصغر سنًا ممّن وصفوا أنفسهم بـ «الثوار»، وهم إسلاميون في الغالب ممّن تم نفيهم أو سجنهم خلال حكم القذافي في داخل البلاد أو خارجها.[7]

إلا أنّ قيام الثورة الليبية أدى إلى تدخلات خارجية من دول كبرى عالمية أبرزها فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإيطاليا وأخيرًا روسيا[8]، هذا فضلًا عن تدخل دول إقليمية مثل مصر وقطر وتركيا ودولة الإمارات بوجه خاص، وتحولت البلاد إلى ساحة للحرب الأهلية مع تزايد قوى الإرهاب والميليشيات والجماعات المسلحة، وغياب الأمن وتدهور الاقتصاد والفساد، والتفاوت الطبقي والفقر والبطالة، والتنازع القبلي والمناطقي بين الشرق والغرب، وانتشار السلاح كأداة للصراع السياسي وسط غياب للدولة مع الصراعات الأيديولوجية، ولم يتوقع من قادوا الثورة نحو تغيير الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية ضد القذافي، أنّ تصل الأمور في ليبيا إلى حالة من التردي والفشل وسوء العلاقة بين السلطة والمجتمع، وسط التنازع الداخلي والتنافس والصراع الخارجي إلى ما وصلت إليه اليوم[9].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 531 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 531 أيار/مايو 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 531 في أيار/مايو 2023.

الصورة من Getty Images.

[1]مفيد الزيدي: أستاذ التاريخ المعاصر، جامعة بغداد – العراق.

[2]   للمزيد انظر: يوسف محمد جمعة الصواني، ليبيا الثورة وتحديات بناء الدولة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2016)؛ مصطفى عمر التير، الثورة الليبية: مساهمات في تحليل جذور الصراع وتداعياته (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، وسهاد الدريّسي، مأزق الانتقال السياسي في ليبيا (إسطنبول: مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات، (2020.

[3]   مفيد الزيدي: «ليبيا ما بعد القذافي: رؤية من الداخل ونظرة للمستقبل،» الملف السياسي (جامعة بغداد)، العدد 110 (أيار/مايو 2012)، ص 13-17، و«العلاقات الليبية – الفرنسية: خلفية تاريخية ورؤية مستقبلية،» دراسات دولية (جامعة بغداد)، العدد 55 (كانون الثاني/يناير (2013، ص 27-58.

[4]   «الحرب والاضطرابات: تحديات إعادة بناء ليبيا،» مركز مالكوم كير- كارنيغي للشرق الأوسط، 29 أيلول/سبتمبر 2011، <https://carnegie-mec.org/2011/09/29/ar-event-3503> (شوهد بتاريخ 16 تموز/يوليو 2021).

[5]   محمود محمد الناكوع، «الحركات والتنظيمات الإسلامية في ليبيا،» في: الحركات الإسلامية في الوطن العربي، إشراف عبد الغني عماد، 2 مج (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، (2013، مج 2، ص 1895-1912.

[6] رشيد خشانة، «الإسلاميون سيشكلون قريبًا الطرف الرئيس في الحياة السياسية،» 15 تشرين الأول/أكتوبر 2014، <https://bit.ly/400IPQV> (شوهد بتاريخ 18 تموز/يوليو 2021).

[7]   فريدريك ويري، «إنهاء الحرب الأهلية في ليبيا: التوفيق بين السياسة وإعادة بناء الأمن،» مركز مالكوم كير- كارنيغي للشرق الأوسط، 24 أيلول/سبتمبر 2014، <https://carnegie-mec.org/2014/09/24/ar-pub-56943>  (شوهد بتاريخ 18 حزيران/يونيو 2021).

[8]   عماد صلاح الشيخ داود، دور الشركات متعددة الجنسيات في التحول السياسي العربي، أنموذجات مختارة: تونس، مصر، سورية، ليبيا، العراق (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2020)، ص 41-45.

[9]   مفيد الزيدي، «الحروب الأهلية العربية ومستقبل الدولة الوطنية،» مجلة دراسات شرق أوسطية (عمّان)، السنة 20، العدد 76 (صيف (2016، ص 29.


مفيد الزيدي

■ أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة بغداد.
■ حائز درجة الدكتوراه في فلسفة آداب التاريخ الحديث من جامعة بغداد.
■ له عدة مشاركات في هيئات مختلفة وصدرت له العديد من المؤلفات، منها:
  - موسوعة التاريخ العربي المعاصر والحديث (2004).
  - المدخل إلى فلسفة التاريخ (2006).
  - التيارات السياسية والفكرية في الخليج العربي (1971-2003) (2012).
  - العرب والنظام الدولي وإرهاصات الربيع العربي (2016).

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز