مقدمة
تحرص الحكومات، بوجه عام، على احتكار أدوات العنف المادي، وتصرّ على مواجهة أية محاولة لكسر هذا الاحتكار لضمان الاستقرار والأمن. لكنَّ بعض الحكومات تتنازل عن هذا الحق وتستعين، تحت ظروف معيّنة، بالمجموعات المقاتلة غير النظاميَّة في بعض المهمات القتالية، ويسمّى هذا النوع من المجموعات المقاتلة غير النظامية الميليشيات المتحالفة مع الحكومة أو الميليشيات الحكومية.
يرجع تاريخ استعانة الحكومات بالميليشيات المسلحة في السودان إلى منتصف ثمانينيات القرن الماضي. وبسبب اتساع رقعة الصراع السوداني في عهد الرئيس عمر البشير (1989-2019) ازداد الاعتماد على الميليشيات، وبخاصة في دارفور، حيث استعان البشير بميليشيا «الجنجويد» لمواجهة المتمردين هناك. لاحقًا تحولت ميليشيا الجنجويد التي لم يتجاوز عددها المئات عند ظهورها، إلى قوات الدعم السريع التي تجاوز عددها المئة ألف جندي، بل أصبحت جيشًا موازيًا للجيش السوداني، ودخلت معه في حرب خلَّفت آلاف القتلى، وشردت ملايين المواطنين، ودمَّرت البنية التحتية، وأحدثت شرخًا واسعًا في جدار الوحدة الوطنية للبلاد.
تنطلق الدراسة من سؤال رئيسي هو: كيف تحوّلت ميليشيا الجنجويد إلى قوة نظامية (قوات الدعم السريع) ثم تطورت حتى أصبحت قوة موازية للجيش السوداني؟ وتتفرع من هذا السؤال أسئلة فرعية، هي: ما سبب استعانة حكومة البشير بقوات غير نظامية؟ ما المراحل التي مرت بها قوات الدعم السريع؟ ما الأسباب التي جعلت من الدعم السريع قوة موازية للجيش السوداني ومتحدية له؟ ما تأثير تمرد الدعم السريع في المستقبل السياسي والأمني للسودان؟
يستخدم هذا البحث المنهج التاريخي لدراسة تطور الدعم السريع من ميليشيا متمردة إلى قوة موازية للجيش الوطني، كما يستعين بالمنهج الوصفي التحليلي للوقوف على ظروف هذه المؤسسة وخلفياتها ومؤثراتها على المستويات كافة: المحلية والإقليمية والدولية. كما يستخدم منهج دراسة الحالة بتناول مؤسسة الدعم السريع كنموذج للميليشيات التي تتحول إلى قوات موازية للجيوش، بهدف الوقوف على الظروف التي تقود إلى مثل هذا التحول، ومخاطر هذا النوع من الميليشيات على الأمن الوطني للدول.
يهدف البحث إلى التعريف بظروف نشأة قوات الدعم السريع وتطورها، ويرمي إلى الوقوف على عناصر القوة والضعف لدى هذه القوات، كما يروم التعرف إلى الآثار الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية التي أحدثها تمرد قوات الدعم السريع في السودان.
تأتي أهمية البحث في تسليطه الضوء على موضوع لطالما أثر في أمن الدول والمجتمعات واستقرارها، وهو استعانة بعض الحكومات بالميليشيات المسلحة، ومن محاولته التعرف إلى الظروف التي تضطر هذه الحكومات إلى الاستعانة بالميليشيات ومخاطر ذلك على الأمن القومي، كما تأتي أهمية البحث من أنه يسعى للمساهمة في وضع آليات تسهم في التفكير المستقبلي في شأن إدارة القوى العسكرية الموازية والتحديات الأمنية المشابهة.
يقوم البحث على ثلاث فرضيات: الأولى، أن في ظل الصراعات السياسية والإثنية الكثيفة مع محدودية الموارد المخصصة للجيش اضطرت الحكومات السودانية المتعاقبة إلى الاستعانة بالميليشيات في حروبها ضد الجماعات المتمردة؛ والثانية، أن مصدر قوة الدعم السريع تتمثل بالموارد المالية الهائلة، والتدريب والتسليح الجيد، والعلاقات الخارجية بقوى إقليمية ودولية فاعلة؛ والثالثة، أن تساهل الحكومة مع قيادة الدعم السريع والسماح لها بإدارة علاقات خارجية بمعزل عنها، وعدم سيطرة قيادة الجيش على التعيين والتسليح الخاص بهذه القوات، ضاعف عدد هذه القوات في وقت وجيز، ورفع سقف طموحات قادتها وأغراهم بالتمرد.
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 547 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 547 في أيلول/سبتمبر 2024.
بهاء الدين مكاوي محمد قيلي: أستاذ مشارك، قسم الشؤون الدولية، كلية الآداب والعلوم، جامعة قطر.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



