أولًا: علي الكنز باحثًا سوسيولوجيًا متحررًا
من التحيزات الأيديولوجية
في المجتمع الجزائري كحال الكثير من المجتمعات العربية، الذاكرة الثقافية الجمعية سريعة النسيان وفائقة النكران لرموزها الثقافية والعلمية، تلك الرموز التي سعت لإضاءة دروبها المعرفية وعقلنة مسارها التاريخي، وإن لم نقل جاحدة لتضحياتها ونضالاتها، وبخاصة إذا تعلق الأمر بمفكر وباحث ينتمي إلى دائرة العلوم الاجتماعية والإنسانية، تلك العلوم التي تضع الفرد العربي عاريًا أمام وعيه البائس والمعتل، وكشف بالتحليل تهافت ثقافتها الشعبية، وحملها جزءًا من مسؤولية التردّي والتخلف الحضاري، وأبرزت بالنقد هشاشة مؤسساتها السياسية والاقتصادية ودورها في تردّي أوضاعه الاجتماعية، لذلك سيلفّ النسيان المفكر العربي بمجرد أن يغادر وطنه، أو يسري الموت إلى جسده.
نعتقد أن علي الكنز السوسيولوجي الجزائري واحد من هذه الرموز الثقافية العلمية، التي طواها النسيان وهو على قيد الحياة، فحرم من التفاعل مع القراء والباحثين، فلم يحاضر في مدرجات الجامعات منذ أن غادرها مطلع التسعينيات، كما أن دراساته وأبحاثه لم تجد طريقها إلى التوزيع والنشر في الجزائر، وتجاهلته المؤسسات الإعلامية الرسمية لعقود زمنية، يصدق عليه بالفعل قول عالم الاجتماع المنسي في قومه.
يعدّ علي الكنز واحدًا من الباحثين السوسيولوجيين المرموقين في الوطن العربي، وقد ترك دراسات وأبحاثًا تمحورت حول ثلاثة إشكالات كبرى، الإشكالية الأولى: حول التجربة التنموية في الجزائر والعالم الثالث، قاربها من زاوية علم الاجتماع والتنمية، أما الإشكالية الثانية فتندرج ضمن حقل سوسيولوجيا المعرفة، حيث تناول وضعية علم الاجتماع العربي، وقارن بين وضعية العلوم الاجتماعية في الجامعات العربية والجامعات الغربية، وتدور الإشكالية الثالثة حول سوسيولوجيا الأزمة الجزائرية، وسؤال الدولة والمجتمع المدني في الوطن العربي، والعلاقة بين الهوية والدين في الفضاءات المغاربية، وجمع في معظم دراساته وأبحاثه بين الدراسات الإمبريقية كدراسته الشهيرة حول مصنع الحجار في الجزائر، وبين الدراسات النظرية كدراسته المعرفية حول التحديات التي تواجه العلوم الاجتماعية في الوطن العربي. كما ظل الكنز وفيًا على مدى مسيرته الفكرية والبحثية للمبادئ الإيبيستيمولوجية والقواعد المنهجية لعلم الاجتماع، فرغم كل المنعطفات التاريخية التي عرفها في مسيرته والضغوط التي تعرض لها، إلا انه كان متحررًا من كل تحيزاته المعرفية وقناعاته الأيديولوجية الماركسية عند إجراء الدراسات والبحوث الأكاديمية[2]، التي تأتي نتائجها في بعض الأحيان فاجعة له، ومخيبة لآماله، ومناقضة لقناعته الأيديولوجية.
سنحاول في هذه الورقة البحثية أن نعرّف بسيرة هذا العالم السوسيولوجي، وبأهم كتاباته ودراساته التي أنجزها خلال أربعة عقود زمنية، لعلها تكون محفزًا معرفيًا للباحثين لقراءة أعماله والتفاعل الإيجابي معها بالتحليل والنقد. كما أن الإرث السوسيولوجي للكنز يعالج مرحلة مهمة من التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع الجزائري، يحتاج في رأينا إلى المدارسة والمكاشفة العلمية من طرف المشتغلين في العلوم الاجتماعية، وهكذا نكون قد ساهمنا في انتشال هذا المنجز السوسيولوجي من حالة النسيان التي غمرته.
ثانيًا: علي الكنز وسيرة غير ذاتية: من السوسيولوجيا الوطنية إلى سوسيولوجيا المنفى
1 – المرحلة الكولونيالية
تناول الكنز سيرته الذاتية في كتابه كتابات المنفي[3]، غير أن هذه السيرة برأينا حملت طبعًا غير ذاتي، بمعنى لم يتناول فيها حياته الشخصية بتفاصيلها المتشعبة، وإنما تناول الشخصيات والأفكار والوقائع التاريخية التي صنعت وعيه المعرفي، وأثرت في تنشئته كباحث في علم الاجتماع، وكيف ساهمت في بلورة وعيه الوطني وخياراته الأيديولوجية والنضالية.
أشار في البداية إلى نشأته في مدينة سكيكدة، التي ولد فيها سنة 1946، حيث كبر وترعرع بين أزقتها وشوارعها، وقدم وصفًا سوسيولوجيًا مكثفًا لهذه المدينة الكولونيالية، التي انقسمت مجاليًا إلى جماعتين متمايزتين ثقافيًا وإثنيًا، الأولى: تضم السكان الأصليين – الأهالي الجزائريين، والثانية تضم الفرنسيين والمعمرين Colons) (Les، وتناول سوسيولوجيا طبيعة العلاقة بينهما، التي حكمتها ثنائية: المُهيمِن والمُهيمَن عليه، حيث وضعت خطوطًا لعدم التقاء الجماعتين اللتين تقطنان المدينة نفسها، ومقتفيًا أثر المؤرخ محمد حربي في ربطه بين المجال الحضري ونشوء الحركات السياسية في المدن الجزائرية، حيث انضم سكان الأحياء الفقيرة والشعبية في مدينة سكيكدة إلى حزب الشعب، الجزائري (PPA)، بينما فضّل سكان مركز المدينة حركة انتصار الحريات والديمقراطية (MLTD).[4].
التحق الكنز بالمدرسة الكولونيالية، التي تصف مقرراتها التعليمية العادات والتقاليد والاحتفالات المحلية للجزائريين بممارسات تدل على التخلف والانحطاط الثقافي والحضاري، كما كان التلاميذ الجزائريون مجبرين على ترديد النشيد الفرنسي، وكذلك تمجد مناهج التاريخ تاريخ الأمة الفرنسية الذي لا علاقة له بتاريخ الأمة الجزائرية، وهو نفي كلي للتاريخ الوطني في هذه المقررات التعليمية. عدّ الكنز هذه الممارسة نوعًا من الاستئصال الثقافي والهوياتي الذي تعرّض له الجزائريون في المرحلة الكولونيالية، كما قارن بين الزاوية الدينية والمدرسة الفرنسية من حيث الإمكانات المادية وطرائق التدريس الحديثة، واعترف بأن المدرسة الفرنسية كانت أداة رهيبة في عملية التثاقف الحضاري، وأصبح الاندجان – الأهالي يزعجون الأقدام السوداء نظير التعليم الذي تحصلوا عليه، وسيتحول الكثير منهم إلى طاقات فعالة في الحركة الوطنية الجزائرية[5].
عززت من منظور الكنز التمثلات السلبية للسكان الأهالي في رسم علاقة محدودة مع المعمرين، كعلاقات الزواج في المرحلة الاستعمارية، حيث لا يزوج الأهالي بناتهم للمعمرين، لأنهم يصفونهم بالكفار والنصارى. وفي المقابل، كان المعمرون ينظرون إلى المرأة الجزائرية والأهالي عمومًا على أنهم وضيعين ومنحطين، وهذا ما أدى إلى اتساع الهوة بين الجماعتين المتمايزتين اللتين تقطنان المجال الحضري نفسه، ولم يحدث الاندماج الاجتماعي بينهما رغم العامل الزمني الطويل.
عرفت مدينة سكيكدة الكثير من الأحداث التاريخية في مرحلة ثورة التحرير الوطني، كان أبرزها هجومات الشمال القسنطيني في 20 آب/أغسطس 1955، عايشها الكنز، حيث وصف لنا كيف تعرضت مراكز الأمن وثكنات الجيش الفرنسي في المدينة للهجوم من طرف الثوار، وكيف رد الاستعمار بكل وحشية على الأهالي، واتهمهم بالتواطؤ معهم، فتغير وجه المدينة جذريًا، بسبب حظر التجول الذي فرضه على سكانها، وكذلك انتشار كل أشكال العنف تجاه الجزائريين، كالإيقاف التعسفي للأفراد والسجن والتعذيب، وساءت العلاقة أكثر بين الجماعتين الاجتماعيتين اللتين تقطنان المدينة العرب – الكولون[6].
شارك الكنز في تظاهرات 1960 خلال الأحداث التاريخية التي عرفتها مدينة سكيكدة، حيث تم إطلاق النار على المتظاهرين، وذكر لنا كيف تم إخفاؤه من طرف سيدة فرنسية، وحالة الخوف التي عاشها بسبب حقد أبناء المعمرين على العرب الذين يدرسون في المدرسة، ومشاركة إخوته في حرب التحرير، والخوف الذي انتاب الجزائريين من المنظمة السرية الخاصة OAS، التي قامت بجرائم التخريب والتدمير على مستوى المدينة[7].
– اتجه الكنز في سنة 1961 للدراسة في مدينة قسنطينة، حيث التحق بمدرسة المعلمين، وتم اختياره من بين أربعة تلاميذ: اثنان عربيان واثنان فرنسيان. قدم لنا وصفًا مكثفًا لهذه المدينة التي سحرته بحمالها وبهندسة عمرانها وشوارعها، لاحظ أنها تختلف جذريًا عن مدينة سكيكدة، وكذلك قدم لنا مقارنة بين وضعية اليهود والمعمرين في مدينة سكيكدة ومدينة قسنطينة، واستنتج أن الظاهرة الكلونيالية تركت آثارًا مختلفة بحسب كل مدينة والتفاعل بين الجماعات الاجتماعية التي تقطنها.
2 – مرحلة الاستقلال الوطني:
من تدريس الفلسفة إلى تدريس علم الاجتماع
– تدريس الفلسفة في الجامعة الجزائرية
– استرجعت الجزائر في سنة 1962 سيادتها الوطنية، وطردت الاستعمار الفرنسي بصورة نهائية من أراضيها. أكمل الكنز دراسته في مدرسة المعلمين بقسنطينة، وهنا التقى بالفيلسوف اللبناني الشهير مهدي عامل[8]، الذي فتح عقله حول كتاب وفلاسفة من أمثال: ابن خلدون، وابن سنيا، وعمر الخيام، وبرودل، ولوكاتش، وفرانز فانون… وغيرهم من الأسماء كانت تتجاهلها المقررات الدراسية الفرنسية، لذلك سيكون لهذا الفيلسوف الأثر الأول في تكوين شخصية الكنز الفكرية، بل وأضحى حلمه أن يصبح أستاذ فلسفة.
– التحق الكنز في سنة 1965 بجامعة الجزائر، الجامعة الوحيدة على المستوى الوطني، واختار المدرسة الوطنية للمعلمين بالقبة، وهنا التقى بالجزائريين الوافدين من كل جهات الوطن، حيث لاحظ تنوع انتماءاتهم الاجتماعية مع حضور بارز لظاهرة الجهوية، وتعرف في المدرسة إلى التيار الماركسي البنيوي الذي يمثله لويس ألتوسير وتلامذته من أمثال: بلابار، ومشراي، وباديو، وكذلك ميشال فوكو، وغرامشي، لاكان.. كما قرأ الكنز لابن طفيل، وابن خلدون، وعبد المجيد مزيان وكتاب في الفلسفة العربية، وأكب على دراسة ماركس وغرامشي، ورواد الفلسفة الكلاسيكية من أمثال: هيغل، وكانط، وديكارت، وأفلاطون…[9].
– أسس الكنز في سنة 1967 مع مجموعة من اليساريين مركز الدراسات الماركسية الماويست، تم فيه إلقاء المحاضرات، وعرض الكتب، وإدارة مناقشات حول مختلف المشكلات التي عرفتها الجزائر في تلك المرحلة، وانخرط بشكل غير رسمي في الحزب الثوري الاشتراكي بقيادة محمد بوضياف، ثم أصبح منه سريعًا، وعيّن أستاذ الفلسفة في ثانوية الأمير عبد القادر في الجزائر العاصمة.
– قدّم في سنة 1970 دروسًا في فلسفة العلوم لطلبة الجامعة في قسم الفلسفة، حول باشلار، كانغيلام… كما انخرط في النقاشات الفكرية التي سادت بعد ثورة أيار/مايو 1968. كما سجل الكنز لنا ملاحظات حول الصراع الفكري في تلك المرحلة ما بين المعربين والفرانكفونيين، وموقفه السلبي من الأستاذة الذين وصفهم بالشرقيين، والذين كانوا يطالبون بالتعريب وتدريس الفلسفة الإسلامية، واعتبر أن احتجاجهم سياسي أكثر منه فلسفيًا وعلميًا، واستثنى منهم الأستاذ عبد المجيد أمزيان، ويرى أن هذا الصراع يدخل ضمن إشكالية الأصالة والمعاصرة في مرحلة السبعينيات من القرن المنصرم في الجزائر.
يؤكد الكنز أن النخب المعربة تهاجم النموذج الغربي ولا تطرح بديلًا له، لأنها لا تمتلك الكفاءة الفلسفية والمعرفية، واعتبر نفسه فرنكوفونيًا، مطلعًا على الفلسفة الغربية أكبر من الفلسفة الإسلامية، لكنه يرى أن تطوير الثانية مرتبط بتحكمنا وفهمنا للأولى[10]، وضمن هذا السياق، احتدم الصراع بين الفرانكوفونين والمعربين حول مسألة تعريب العلوم الإنسانية والآداب في الجامعات الجزائرية.
أ – السفر إلى القاهرة لتعلم اللغة العربية
– سافر الكنز في سنة 1972 مع صديقة سعيد شيخي إلى القاهرة لتعلّم اللغة العربية، ويروي كيف سجل في جامعة الأزهر، إلا أن ضعف مستواه في اللغة العربية، دفعه للالتحاق بمدرسة ابتدائية، وما بذله من جهود في تطوير مستواه اللغوي. قادته هذه الرحلة التعليمية لاكتشاف المجتمع المصري عبر مدينة القاهرة، حيث لاحظ هيمنة اللغة العربية على خطابات سكانها بمختلف شرائحهم، وسجل ملاحظات حول التيارات الثقافية في مصر، وكذلك تعرف إلى نخب يسارية معربة وفاعلة؛ فرغم تحدثها اللغة العربية بطلاقة إلا أنها كانت معاصرة ومسكونة بأسئلة الحاضر، تناقش قضايا السياسة والاقتصاد، والتاريخ، والأدب ولا تشعر بالدونية أمام نظرائها الغربيين خلاف النخب المعربة في الجزائر، التي عادة ما تكون في موقف دفاع عن اللغة والحضارة أكثر من موقف النقد والبناء، ولم تستطع المرور من الوجود في ذاته، إلى الوجود لذاته. وفي القاهرة، كان الكنز يتواصل مع النخب المصرية لفهم المجتمع المصري، وتعرف إلى الثنائي الشيخ إمام وفؤاد نجم.
يصف الكنز النخب المعربة الجزائرية بأنها نخب أيديولوجية أكثر منها نخب علمية، والدليل بنظره عدم انخراطها في النقاشات الراهنة السياسية أو الفلسفية أو الاقتصادية، وعدّهم بمنزلة محافظين مدافعين عن الحضارة، مع نظرهم إلى الحضارة كمتحف وليس كحقيقة تاريخية[11]، يناقش الكنز في هذه السيرة مسألة لطالما أرَّقته بوصفه طرفًا فيها، فهو الذي تعلم اللغة الفرنسية ويكتب بها وحُرم من تعلم اللغة العربية بسبب الاستعمار، وهجرته إلى مصر لتعلمها، مؤكدًا أن التعريب مسألة لغوية لكنه يأخذ أبعادًا سياسية وثقافية، ودوّن الملاحظات الآتية:
– مسألة اللهجة في علاقتها باللغة العربية الفصيحة، تفرض على البيداغوجيا أن تأخذ بالحسبان هذه الوضعية، لأنه إذا تم التوجه بصورة مباشرة لتعليم اللغة العربية الفصحى وتعميمها، فسوف تقاومها اللهجة المحلية، وبالتالي، سوف تستمر الفرنسية وتهيمن، لذلك كلما تم استبعاد اللهجة الشعبية الجزائرية كلما استمرت اللغة الفرنسية.
– لا تعد الفرانكفونية خيارًا لغويًا فقط وإنما تحولت إلى أيديولوجيا، تنطلق من وصم اللغة والثقافة العربية بالتخلف والرجعية، وتعمل جاهدة للحفاظ على الوضعية الراهنة.
– تحتاج المسألة الأمازيغية، وما يتبعها من اتهامات من تقسيم الوحدة الوطنية، وبأي حرف ستكتب، وعلاقتها بالأطراف الأجنبية، إلى طرح عقلاني لمناقشتها.
– تسييس وأدلجة المسألة اللغوية في الجزائر هو الذي حرف النقاش، خلافًا للكثير من البلدان التي عرفت الوضعية نفسها، وقامت بحلحلتها بطرق علمية وموضوعية، أما عملية المحو الكلي للغة الفرنسية بغرض إحلال العربية مكانها، ومن دون عقلانية سيثير الكثير من المشكلات، فكيف يمكننا إلغاء الفرنسية والكثير من الإطارات التي تتقنها تزاول مهامها[12].
يخلص الكنز إلى فكرة أخرى، وهي أن الصراع اللغوي في سبعينيات القرن العشرين سيرافقه صراع ديني في الثمانينيات، وهي دليل على الانحدار والإفلاس الفكري في الجزائر المستقلة، وكان يعدّ هذا الصراع من الموضوعات اللامفكَّر فيها داخل الحركة الوطنية، والذي كشفت عنه سنوات الاستقلال الوطني، أما الاشتغال الأيديولوجي على المسألة اللغوية والنظر إلى اللغة الفرنسية كغنيمة، فهو من عقد من هذه المسألة اللغوية وأزمتها.
ب – تدريس علم الاجتماع في الجامعة الجزائرية
– عاد كنز في سنة 1974 من مصر ليشتغل أستاذًا في قسم الفلسفة في الجامعة، فوجد أنه قد تم تعريب مقاييس ومواد هذا الحقل المعرفي، فاضطر إلى مغادرته إلى قسم علم الاجتماع، الذي لا يزال التدريس فيه باللغة الفرنسية، ولاحظ في تلك الحقبة أن قسم علم الاجتماع منقسم بين اليساريين والباجيست (نسبة إلى جون بياجي) والصراع المحتدم بينهما، والذي كان يأخذ في الأغلب الأعمّ الطابع السلمي والحضاري. ويشير الكنز إلى بداية انخراطه في البحث العلمي مع الأخذ بالحسبان الدراسات الميدانية في علم الاجتماع عكس الفلسفة.
– ينخرط الكنز في سنة 1974 لأول مرة بوصفه باحثًا سوسيولوجيًا في عملية البحث العلمي، فعمل على إنجاز تحقيق ميداني بطلب من وزارة العمل حول مفتشي العمل، حيث أجرى الكثير من المقابلات مع هذه الفئات العمالية على المستوى الوطني، وبناء على التقرر النهائي الذي أعده ، أقيمت دورة تكوينية لمفتشي العمل، وأصر الكنز على ضرورة النظر إلى المفتش كموظف يسهر على تطبيق القوانين وليس كمناضل، وضرورة الفصل بين العمل والنضال في مؤسسات الدولة، الذي أدى في رأيه إلى الكثير من المشكلات، فاتُّهم بانتمائه إلى اليسار اليميني.
– انخرط الكنز في سنة 1975 في النقاش حول مسألة التعريب في الجامعة الجزائرية، وعدّه امتدادًا للصراع اللغوي في المجتمع الجزائري، ودوّن مجموعة الملاحظات الآتية:
– يرى أن الإصلاح الجامعي والنقاشات التي طالب بها رفاقه حول تعديل المقررات الدراسات بما يتكيف مع الثورات الصناعية والزراعية، وانخراط الباحثين في التسيير الاشتراكي للمؤسسات بدلًا من سوسيولوجيا التنظيمات، أنه نوع من إقحام علم الاجتماع في الصراعات السياسية والأيديولوجية، لذلك دعا إلى ضرورة خضوع السوسيولوجيا للقواعد الأكاديمية دون سواها، مقتفيًا أثر ماكس فيبر في مسألة الفصل بين السياسي والعلمي في كتابه الشهير السياسة والمعرفة بوصفهما حرفة.
– انقسم قسم علم الاجتماع إلى فوجين، فوج يدرس السوسيولوجيا باللغة العربية، وآخر يدرس باللغة الفرنسية، فأسس الكنز لنوع من البيداغوجيا المركبة، حيث كان يحضّر الطلبة للمحاضرات بالعربية والفرنسية، ويناقشون كذلك بالعربية والفرنسية، وهو ما يؤدي برأيه إلى تقريب وجهات النظر ويقلل من الضغينة الأيديولوجية بينهم، إلا أن هذه الممارسة البيداغوجية لم ترُق بعض الإداريين وتم توقيفها بصورة نهائية[13].
في هذه المرحلة، أكبّ الكنز على دراسة تاريخ تطور الاقتصاد الجزائري، وقدم نقدًا جذريًا لخيارات النظام السياسي الاقتصادية، وأصدر كتابه الشهير، الذي حمل عنوان الاقتصاد الجزائري، ووقعه باسم مستعار (الطاهر بن حورية) سنة 1980.[14].
استدعي الكنز من طرف الشركة الوطنية لمركب الحديد والفولاذ في عنابة، من أجل إنجاز تحقيق ميداني حول الإطارات والعمال، بالاشتراك مع الباحثين جمال غريد وسعيد شيخي، وهي أول دراسة ميدانية للكنز في السوسيولوجيا الصناعية، دفعته تجربة البحث في هذه المؤسسة الصناعية إلى التفكير في إنجاز رسالة دكتوراه، أشرف عليه بيار فليب، الذي كان مستشارًا لدى وزارة التخطيط، وانتهى الأمر بانجاز رسالة الدكتوراه بعنوان، «منوغرافية المركب الصناعي الحجار بعنابة»، حيث استمر في التحقيق الميداني لمدة أربع سنوات[15] وصدرت فيما بعد في كتاب عن المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا[16].
من الدروس التي استلهمها الكنز من تجربة البحث الميداني في المؤسسة الصناعية، أن هناك فرقًا جوهريًا بين التنمية كمفهوم والتنمية كتجربة، فالانتقال من المفهوم النظري للتنمية الموجود في الكتب والمراجع إلى الواقع الميداني لهذه التنمية، هو الذي يمكننا من فهمها. فالبعد الإجرائي للمفهوم هو الذي يؤثر في التنمية، والذي يتمظهر في شكل ممارسات يومية: كتغيب العمال، وتوقيت العمل، والنزاعات العمالية… إلخ.
تتيح الدراسات السوسيولوجية الميدانية معلومات هائلة، وتزودنا بدروس إيبيستيمولوجية حول مختلف المفاهيم التي نتعامل معها. ففي دراسة حول التحكم في التكنولوجيا كرهان اجتماعي في المؤسسات الصناعية، يعَدّ الدرس الإيبيستيمولوجي الأول الذي دوّنه الكنز، فمن خلال إجرائه للسلسلة من المقابلات مع المجموعات العمالية في مركب الحجار حول النقل التكنولوجي من عدة دول: إيطاليا، وفرنسا، واليابان، اكتشف أن لكل مجموعة طريقتها ونظرتها إلى النقل التكنولوجيا؛ مثلًا رأت النقابات العمالية النقل التكنولوجي بمنزلة قناع للتبعية للغرب، وكامتيازات للطبقة التكنوقراطية، وترجم هذا التحقيق الميداني في شكل مقال صدر بعنوان: الآخرية والتراتبية[17].
أجرى الكنز مع صديقه الأنثروبولوجي محفوظ بنون مقابلة مع رئيس الحكومة عبد السلام بلعيد، الذي يعدّ أبا المشروع التنموي الصناعي في الجزائر، وحاول الكشف في هذه المقابلة عن العلاقة بين السياسي والاقتصادي في التجربة التنموية الوطنية، وعن الممارسات الخفية في دواليب الاقتصاد الجزائري، وكيف تمت عملية تأميم قطاع المحروقات وإعداد مشاريع الصناعات المصنعة، ورؤية المسريين والإطارات العليا للتجربة التنموية، والنزعات العمالية. استمر التسجيل خمس سنوات، وصدرت هذه المقابلة في كتاب بجزأين حمل عنوان: الصدفة والتاريخ، وعُدّ هذا العمل من الدراسات السوسيولوجية الرائدة التي تناولت السيَر الذاتية للمسيّرين[18] .
طرح سؤال الهوية في الوطن العربي في نهاية الثمانينيات، فسؤال الهوية برأي الكنز يجب ربطه بالصراع الطبقي، والفئات السوسيومهنية، وحسبان الهوية جزءًا من البناء الفوقي للمجتمع. وفي هذا السياق، أصدر الكنز كتابًا حمل عنوان حول الأزمة: خمس دراسات حول الجزائر والعالم العربي[19].
ج- علي الكنز والانخراط في المؤسسات البحثية
– أصبح الكنز في سنة 1985، بعد حصوله على الدكتوراه مديرًا للبحث في مركز البحث في الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية (CREAD)، وفي نهاية الثمانينيات أصبح رئيسًا للمجلس العلمي لمعهد علم الاجتماع، وعمل على إشاعة العمل الميداني، إلا أن أغلب الطلبة توجهوا نحو الدراسات الثقافية بسبب سيطرة الإسلام السياسي في تلك المرحلة.
– ساهم الكنز في سنة 1985 في تأسيس الجمعية العربية لعلم الاجتماع في تونس، وتم اختياره في المكتب التنفيذي، وهناك انفتح على مغامرات علمية جديدة، واكتشف الممارسات البحثية في الوطن العربي، التي تميزت بالاختلاف والتنوع، ولاحظ أن سوسيولوجيا العمل والمؤسسة شبه غائية ما عدا في مصر، وانتشار الأنثربولوجيا في المغرب والسودان، وكذلك اتسمت الدراسات الميدانية بالضعف، وهمينة المقاربة الوضعية العلموية في المغرب العربي على حساب المقاربة الأنكلوفونية في المشرق العربي، وهنا انتقل الكنز من جماعية علمية جزائرية – فرنسية إلى جماعة علمية – عربية[20]، وأقر أن هذا التواصل مع الباحثين العرب زاد من تكوينه العلمي ودفعه نحو معالجة إشكالات بحثية جديدة، والتقى أبرز الباحثين في تلك المرحلة كطاهر لبيب، وخير الدين حسيب وعبد القادر زغل.
– دعا سمير أمين، في سنة 1986، علي الكنز إلى المشاركة في مؤتمر دولي بدكار حول برامج مخططات التعديل الهيكلي، والذي فتح له مجالًا بحثيًا مغايرًا، وأجرى بعدها دراسة عملية مع فريق بحث متعدد التخصصات (اقتصاد، علم الاجتماع، جغرافيا، ديمغرافيا) حول الجزائر والحداثة، والذي صدر في عمل بعنوان «الجزائر والحداثة»[21]، والذي عدّه الكنز بمنزلة بطاقة الهوية الأفريقية.
– أصبح الكنز عضوًا في المجلس العلمي الإفريقي، وفي لجنة قراءة المشاريع المكتوبة باللغة الفرنسية، بتشجيع من صديقه سمير أمين، الذي كان رئيس المنتدى العالم الثالث في دكار، ونسق كتاب بعنوان المغرب: الانغراس أو انطلاقة جديدة، وأشرف على بحث علمي بالتنسيق مع النيجيري جيمي ادزين، بعنوان «منوغرافيا الحركات العمالية في أفريقيا»[22]، وقادته هذه التجربة البحثية إلى اكتشاف العلوم الاجتماعية في أفريقيا، وتعلم من هذه التجربة المتعددة الوطنيات، واكتشف الفرق بين أفريقيا الفرانكفونية والأنكلوفونية، كما هي الحال بين المغرب والمشرق في الوطن العربي.
في السياق نفسه، المفعم بالنشاط والحيوية العلمية، نشر الكنز في جريدة يومية جزائرية، سلسلة مقالات للتعريف بمجموعة من المفكرين الغربيين والعرب، ووقعها تحت اسم حسين لطفي، وصدرت فيما بعد في كتاب بعنوان الأساتذة المفكرون[23]. أشرف الكنز كذلك على سلسلة كتب (1989-1993) صدرت تحت عنوان: الأنيس، وهي كتب من الحجم الصغير تعرف بكتب الجيب، هدفها وضع المعرفة في متناول الجميع، وتناولت أشهر الكتّاب الكلاسيكيين أمثال الجاحظ، وابن خلدون، والفارابي، وسبينوزا، ودوركايم…
– في سنة 1990، أمضى مركز البحث في الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية على اتفاقية تعاون مع مركز البحث (Orstom)، فاكتشف الكنز سوسيولوجيا العلوم، وانفتحت أمامه مغامرة بحثية جديدة، وبالتنسيق مع واس (R. Waast) تم تنظيم مؤتمر دولي بعنوان: العلاقة بين الصناعة والبحث العلمي، والذي انعقد سنة 1991، وشارك فيه باحثون من القارات الخمس، وجرت أشغاله بمدينة عنابة، وبتمويل من المركب الصناعي الحجار، صدرت أعمال هذا المؤتمر بعد ما يزيد على عقد من الزمن[24].
3 – على الكنز وتجربة المنفى
أ – في تونس
– غادر الكنز، في سنة 1993، الجزائر إلى تونس فارًا من جحيم الحرب الأهلية[25]، وبوساطة من صديقه مودة (M. Mouada) تم توظيفه كأستاذ بقسم علم الاجتماع بجامعة تونس. طبعًا كان الجو مختلفًا عن قسم علم الاجتماع في الجزائر، حيث لاحظ الكنز أن التعليم في هذا التخصص ضعيف على العموم، بسب قلة الدراسات الميدانية من جهة، والمراقبة الأمنية الشديدة من جهة أخرى، وطغيان الفردانية في الممارسات البحثية، ولاحظ بيداغوجيًا تلك المسافة المصطنعة بين الأساتذة والطلبة، التي أزالت البعد العاطفي الإنساني من الفعل البيداغوجي، وفي هذه التجربة الجديدة، أصبح الكنز سكرتيرًا لمجلة إضافات التي تصدر عن الجمعية العربية لعلم الاجتماع، رغم اعترافه أن جهوده العلمية انحدرت بدرجة كبيرة، إلا انه أصدر مقالين، أحدهما حمل عنوان: «من الأمل في التنمية إلى العنف الهوياتي»[26] .
ب – في فرنسا
– التحق الكنز، في سنة 1995، بهيئة التدريس في جامعة نانت بفرنسا، وانتقل من بلده الجزائر السائر في طرق النمو إلى بلد قوي ونامٍ اقتصاديًا، فتحول من مراقب وملاحظ سوسيولوجي للتجربة التنموية الجزائرية إلى منقطع عنها مجاليًا وبحثيًا، فلقد فرضت عليه تجربة التدريس والبحث في الجامعة الفرنسية إشكالات بحثية جديدة، وسيعيد قراءة مواقفه المعرفية والمنهجية من منتجاته السوسيولوجية والبحثية، وسيشعر في لحظة ما بفقدانه الحيوية المعرفية (j’ai été refroidi)، حيث كان الكنز يفكر في التنمية مثقلًا بالتزاماته النضالية وخبراته الميدانية، لكن تجربة المنفى أجبرته على إحداث قطيعة جذرية مع تجربته البحثية السابقة، فكان يسافر من الجزائر إلى باقي البلدان لتعزيز معارفه ودراساته حول التنمية، أما في جامعة نانت فأصبح يسافر من فرنسا إلى الجزائر وبلدان أفريقية وعربية، فاختلفت التجربة جذريًا، وانقلبت تجربة البحث معها جذريًا. وكما يقول الكنز نحن نبصر الأفعال الاجتماعية بحسب الوضعية التي ننوجد فيها، وبخاصة أن طبيعة المسافة مع الموضوع تؤثر في النتائج البحثية.
استلهم الكنز من هذه الوضعية البحثية درسًا مهمًا حول سؤال الموضوعية في العلوم الاجتماعية، حيث تختلف الموضوعية بحسب وضعية الباحث، فإذا كان الباحث ينتمي إلى المجتمع المحلي، تقتضي الموضوعية أن يحدث قطيعة مع الروابط الذاتية غير المفكر فيها، والتي لا يقولها وتمتد في حقل الدراسة بشكل خفي، فعندما يكتب علي الكنز عن الجزائر والعرب وأفريقيا فإنها تمثل عوالمه الاجتماعية، لذلك عليه أخذ مسافة مع هذه الروابط وقيم الفاعلين الاجتماعيين، من أجل التحليل الموضوعي، بينما، إذا كان الباحث أجنبيًا (étranger) فإنه يقع خارج هذه العوالم، لهذا يتجاهل الروابط الذاتية، التي لم يتم دمجها أصلًا في هابيتوس الباحث، الذي تمثل أصلًا خارج هذه الروابط.
دعا الكنز إلى تطبيق الانعكاسية على الوضعيتين، بالنسبة إلى الباحث المحلي الإدراك الذي مثلته العوامل الاجتماعية التي ينتمي إليها تربك التحليل الداخلي والعقلاني للفعل الاجتماعي، أما الباحث الأجنبي الذي بتجاهله لهذا العالم الاجتماعي التحتي وغير المرئي، فيؤثر في قدرته على فهم الفعل الاجتماعي، لذلك نصطدم بصعوبات عند تحليل الفعل الاجتماعي، إذا كان الباحث أجنبيًا فإنه لا يملك القدرة على فهم الفعل الاجتماعي، لأنه يقع خارجه (غير ملتزم)، وعليه السؤال كيف يمكننا إيبيستيمولوجيًا أن نتجاوز هذه الوضعية؟ رغم أن سوسيولوحيا المعرفة تصر على الأخذ بمبدأ المسافة تجاه الموضوعات البحثية، إلا أن الإشكال الذي يطرح في هذا السياق، وهو أن الهابيتوس الذي يؤطر وعي الباحث سيبقى مصاحبًا وموجهًا له في مراقبة وملاحظة الظواهر وتحليلها.
في جامعة نانت انخرط الكنز في مسار مهني وبحثي جديد، وبدأ بقراءة كتب وكتّاب جدد: انتوني جينز، ونوربرت الياس، وقوفمان، وهوارد بيكر… مع نسيان غرامشي وسمير أمين، وجاك بارك، وابن خلدون ومحمد عابد الجابري… وتم التحول من إشكالية التنمية في دول العالم الثالث إلى إشكالية الهجرة، ومع ذلك بقي الكنز يقدم محاضرات في سوسيولوجيا التنمية في مدرجات هذه الجامعة.
ساهم الكنز في تأسيس مخبر في علم الاجتماع بجامعة نانت، الذي أنجز فيه أولى تحقيقاته الميدانية في فرنسا، (طبعًا تم التحقيق الميداني بطلب من وزارة تجهيز المدن)[27]، واعترف الكنز بأنه لم يتحمس كثيرًا لهذا المشروع، لأنه يقع خارج اهتماماته البحثية.
أشرف الكنز على مشروع بحثي مؤلف من سبعة طلبة دكتوراه، بطلب من مديرية العمل في فرنسا، حول التمييز العنصري في العمل، وهو دراسة ميدانية بعنوان: «التمييز العنصري حول عمل الشباب». وقد دفع هذا العمل الميداني الكنز إلى تقديم محاضرات حول هبرماس في مدرسة الدكتوراه، واكتشف أن السوسويولوجيا الفرنسية متمركزة حول راوداها وباحثيها، فنادرًا ما يقرأ الفرنسيون لكتّاب وباحثين غير فرنسيين، ولاحظ أن الباحثين في الوطن العربي وأفريقيا وآسيا أكثر انفتاحًا على المنتجات السوسيولوجية العالمية[28].
ج – في الولايات المتحدة الأمريكية
– زار علي الكنز، في سنة 2000، الولايات المتحدة الأمريكية بدعوة من العالم الأنثربولوجي عبد الله حيمودي بجامعة برنستون قدم محاضرات في معهد الدراسات المغاربية والشرق أوسطية وآسيا، واكتشف الكنز أبرز أعلام الأنثربولوجيا الأمريكية من أمثال: غيريز، وإدوار سعيد، وغيلنر…، وتم تكليفه بأشغال مؤتمر دولي حول المغرب العربي، ونظرًا إلى الصراعات بين الباحثين، فقد انصرف عن الأمر.
– بعد عودته في سنة 2003 من الولايات المتحدة الأمريكية، أصدر علي الكنز بالاشتراك مع الباحث سمير أمين كتابًا بعنوان: العالم العربي[29]، والذي صدر باللغات الثلاث: العربية والفرنسية والإنكليزية.
تحسنت الوضعية الأمنية في الجزائر مع مطلع الألفينات، فبدأ الكنز يزورها بصورة دورية، فأعاد الاتصال بمركز البحث في الاقتصاد التطبيقي والتنمية (CREAD)، وعُيّن عضوًا في مجلسه العلمي، وتم تعيينه أيضًا عضوًا في المجلس العلمي لمركز الدراسات الاجتماعية والأنثربولوجية بوهران (CRASC)، وظل يتنقل بين فرنسا وهذه المراكز البحثية إلى أن وافته المنية في تشرين الثاني/نوفمبر 2020.
في آخر صفحات هذه السيرة الذاتية، قدم الكنز رؤية استشرافية حول تحولات المجتمع الجزائري، الذي يرى أنه عرف تجارب تاريخية مختلفة من حيث الشكل، والمحتوى، والأهداف، في مرحلة زمنية قصيرة، يجب أن نأخذ منها خيطًا يأخذنا من أجل رسم مسار ما، ونحتاج إلى حفر عميق في من أجل إعادة بناء التاريخ انطلاقًا من الحاضر. فالملاحظة على طول هذا المسار أن كل حركة تقصي على الحركة التي سبقتها، ويتنكر المجتمع الجزائري لأعلامه ولرمزوه ولعظمائه. استشرف الكنز تنامي الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين مختلف الفئات الاجتماعية، وظهور شرائح حضرية فقيرة، كما في المرحلة الكولونيالية، رغم التضامن الاجتماعي الذي يحاول أن ينتشلها من الفقر، ولاحظ أن هناك، غضبًا، وعنفًا احتجاجيًا، وثورة ضد عودة هذا القدر التاريخي.
أوراق ذات صلة:
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 541 في آذار/مارس 2024.
[1]عبد الحليم مهورباشة: مخبر المجتمع الجزائري المعاصر، جامعة سطيف 2 – الجزائر.
[2] Ahmed Rouadjia, «Ali El Kenz, uniquement sociologue?,» Algerie News (27 août 2009), <https://rebrand.ly/24fb89>.
[3] Ali El Kenz, Ecrits d’exil (Algeria: Edition Casaba, 2009), p. 14.
[4] Mohamed Harbi, Le FLN, mirage et réalité des origines à la prise du pouvoir (1945-1962) (Paris: Editions Jeune Afrique, 1980).
[5] El Kenz, Ecrits d’exil, p. 19.
[6] Ibid., p. 21.
[7] Ibid., p. 22.
[8] مهدي عامل، فيلسوف لبناني، عمل أستاذًا للفلسفة في دار المعلمين بقسنطينة لمدة أربع سنوات، 1963- 1967.
[9] El Kenz, Ecrits d’exil, p. 47.
[10] Ibid., p. 48.
[11] Ibid., p. 55.
[12] Ibid., p. 57.
[13] Ibid., p. 62.
[14] Tahar Benhouria, L’économie de l’Algérie (Paris: F. Maspero, 1980).
[15] Ali El Kenz, «Monographie d’une expérience industrielle en Algérie le complexe sidérurgique d’El Hadjar (Annaba): 1. La construction du complexe. 2 et 3. L’usine. 4. Annexes,» (Thèse de en doctorat d’état sciences humaines, Université de Paris VIII, 1984).
[16] Ali El Kenz, Le Complexe sidérurgique d’El Hadjar: Une expérience industrielle en Algérie (Paris: Éd. du CNRS, 1987).
[17] علي الكنز، «الآخرية والتراتبية،» في: الطاهر لبيب، محرر، صورة الآخر: العربي ناظرًا ومنظورًا إليه (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999).
[18] Mahfoud Bennoune et Ali El Kenz, Le Hasard et l’histoire, entretien avec Belaid Abdesselam, 2 tomes (Alger: ENAG Éditions , 1990).
[19] Ali El Kenz, Au fil de la Crise: 5 études sur l’Algérie et le monde arabe (Alger: Entreprise nationale du livre, 1993).
[20] علي الكنز، «المسألة النظرية والسياسية لعلم الاجتماع العربي،» في: محمد عزت حجازي [وآخرون]، نحو علم الاجتماع العربي: علم الاجتماع والمشكلات العربية الراهنة، سلسلة كتب المستقبل العربي؛ 7 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986).
[21] Ali El-Kenz, dir., L’Algérie et la modernité (Dakar: Codesria, 1989).
[22] El Kenz, Ecrits d’exil, p. 76
[23] Hocine Lotfi et Ali El-Kenz, Les Maîtres Penseurs (Alger: ENAL, 1985).
[24] Ali El Kenz et Roland Waast, Sciences, techniques et sociétés (Alger: ENAG Éditions, 2013).
[25] يصف علي الكنز ما وقع في الجزائر في العشرية السوداء بالحرب الأهلية (la Guère civile) انظر: Ali El-Kenz, «Algérie: Les enjeux d’une crise,» Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée, no. 65 (1992).
[26] El Kenz, Ecrits d’exil, p. 80.
[27] Ali El Kenz [et al.], dirs., Villes et hospitalité: Le cas nantais (Nante: MSH Ange Guépin Nante, 2001).
[28] El Kenz, Ecrits d’exil, p. 84.
[29] Samir Amin et Ali El Kenz, Le Monde Arabe: Enjeux sociaux – Perspectives méditerranéennes, préface de Samir Amin, Forum du Tiers-monde (Paris: L’Harmattan, 2003).
عبد الحليم مهورباشة
أستاذ محاضر، قسم علم الاجتماع والفلسفة، كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية، سطيف 2- الجزائر.
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



