مقدمة

منذ العهود المبكرة للتاريخ السياسي البشري، يعَدّ الاغتيال السياسي إحدى أهم الأدوات المفضلة لدى الأطراف الفاعلة والمؤثرة في المشاهد السياسية المحلية والدولية، فهو كان دائمًا الطريق المختصر لتحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية بأقل التكاليف وبالضربة القاضية، أو السبيل اليسير لخلق البيئة السياسية المفضلة لهذا الطرف أو ذاك، حيث يكون وجود بعض الشخصيات والزعامات المحلية، أو ذات التأثير العابر للحدود، عائقًا لدى أحد الأطراف لتحقيق التغييرات المُفضلة، وبخاصة الهيمنة السياسية والاستراتيجية.

في هذا السياق، يؤكد آري بيرليجر (Arie Perliger) أن الاغتيال السياسي ساهم على نحو بارز في صعود وسقوط بعض أعظم الإمبراطوريات‏[1]، ويبقى من أشهر الأمثلة على ذلك، اغتيال راسبوتين عام 1916 الذي أعقبته سلسلة أحداث متتالية أدت إلى انهيار روسيا القيصرية، وخروج الاتحاد السوفياتي إلى الوجود‏[2]. في هذا الصدد يعرف بيرليجر الاغتيالات السياسية بوصفها عملًا يؤدي بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى وفاة فرد مستهدف عمدًا ونشط في المجال السياسي، من أجل تعزيز أو منع سياسات أو قيم أو ممارسات أو معايير محددة تتعلق بالجماعة‏[3].

هذا، ووفق الدراسات التي أجراها فرانسيس يامارينو (Francis J. Yammarino) ورفاقه‏[4]، حول الاغتيال السياسي، فإنه عادة ما يتم تعريفه على أنه قتلُ شخصيةٍ عامةٍ أو فردٍ لأسباب سياسية، وذلك بهدف تحقيق تغيير سياسي واجتماعي واسع النطاق. فالاغتيالات ليست أحداثا عشوائية، بل هي أحداث منهجية، تتأثر بالظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية‏[5].

في هذا السياق، لا يمكن القول والجزم بأن الاغتيال السياسي كان يحقق الأهداف المرجوة منه دومًا، أو يبقى أثره محدودًا في نطاق مكاني وزماني معين، بل إنه كثيرًا ما كانت الخطط تنقلب رأسًا على عقب ويتحقق النقيض، وبخاصة إذا فشلت عملية الاغتيال. كما أنه يحدث أن تتجاوز آثار الاغتيال الحدود الزمكانية للمدبّرين له والمستهدفين به، حيث شهد العالم الكثير من الاغتيالات التي كانت لها آثار ممتدة، كاغتيال الإمام علي بن أبي طالب في بداية تاريخ الحضارة الإسلامية، ولا تزال آثاره تلقي بظلالها الوارفة على الواقع الإسلامي حتى الزمن الراهن.

في الوقت المعاصر، لم تخفُت أهمية أداة الاغتيال السياسي، حيث تستعمله عدة دول ومنظمات، ويعَدّ الكيان الصهيوني من أشهر وأبرز من يعتمد هذا الأسلوب، حيث يغتال العلماء والسياسيين والقادة العسكريين وكل من يرى ضرورة إلى قتله، عبر جغرافيا العالم الإسلامي. وقد برز استخدامه هذه الأداة بوجه خاص في سياق طوفان الأقصى بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخه، ولا في أي منطقة من العالم.

اعتمد الكيان الصهيوني على الاغتيال السياسي، أو ما يسمى «استراتيجية قطع الرأس» على نحو لافت للنظر بعد السابع من أكتوبر. وفي هذا السياق، تستهدف هذه الدراسة تقديم قراءة تحليلية لهذه العلميات، وذلك من خلال الإجابة عن التساؤل الإشكالي الآتي: ما أبعاد وآثار عمليات الاغتيال السياسي التي نفذها الكيان الصهيوني في سياق طوفان الأقصى؟ وما الآفاق الممكنة لتجاوز آثارها السلبية في الحركات المقاومة للمشروع الصهيوني؟

تحظى دراسة عمليات الاغتيال السياسي في سياق طوفان الأقصى بأهمية علمية حيوية خاصة جدًا، إذ ستمكن من معرفة الأهداف الحقيقية للكيان الصهيوني، وتقييم النتائج المحققة بصورة واقعية، فضلًا عن معرفة سبل مواجهة هذا النوع من العلميات مستقبلًا.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية تفيد بأن عمليات الاغتيال السياسي التي رافقت طوفان الأقصى، كانت مؤثرة في حركات المقاومة بصورة محدودة، وأنها لم تحقق الأهداف الاستراتيجية التي توخاها الكيان الصهيوني من خلالها، وبأن بعضها كان ذا آثار عكسية.

بغرض الإجابة عن إشكالية الدراسة، وبالنظر إلى طبيعة المراجع ومصادر المعلومات المتوافرة، التي أغلبها من وكالات الأنباء، أو تقارير وبيانات صادرة عن منظمات ومؤسسات رسمية، فقد اعتمد الباحث منهجية تحليل المضمون عند نورمان فركلوف، وذلك من خلال تحليل المعلومات المتوافرة في ضوء أهم الأدبيات المتعلقة بالاغتيال السياسي.

بهدف الإجابة بأكثر ما يمكن من الدقة على الإشكالية المدروسة، اعتمد الباحث منهجيةً في تقسيم الدراسة تقوم على العرض التحليلي لتاريخ عمليات الاغتيال السياسي التي مارسها الكيان الصهيوني منذ بدايات زرعه في المنطقة في أوائل القرن الماضي، ثم التحليل العلمي لعمليات الاغتيال البارزة التي تمت في سياق طوفان الأقصى في ضوء الأدبيات المعنية، ثم أخيرًا قام الباحث بعملية تقييم لنتائج الاغتيالات عرضها في الجزء الأخير من الدراسة، في حين تم تخصيص الخاتمة للتوصيات التي تهم آفاق التعامل مع الاستراتيجية الصهيونية في الاغتيال السياسي.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 566 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 566 نيسان/أبريل 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 566 في نيسان/أبريل 2026.

محمد الطوالي: باحث في الدراسات السياسية والقانونية.

[1] Arie Perliger, «The Causes and Impact of Political Assassinations,» CTC Sentinel, vol. 8, no. 1 (January 2015), p. 11.

[2] عصام عبد الفتاح، عروش ودماء وثورات: أهم وأخطر الاغتيالات السياسية في التاريخ (الإسكندرية: دار الكنوز للنشر والتوزيع، 2012)، ص 24.

[3]         Perliger, Ibid., p. 11.

[4] وهم مايكل د. مومفورد (Michael D. Mumford)، أندرا سيربان (Andra Serban) وكريستي شيريفس (Kristie Shirreffs).

[5] F. J. Yammarino [et al.], «Assassination and Leadership: Traditional Approaches and Historiometric Methods,» The Leadership Quarterly, vol. 24, no. 6 (December 2013), p. <https://doi.org/10.1016/j.leaqua.2013.08.004> (last accessed on 7 January 2025).

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز