مقدمة

عرفت الساحة الدولية في سبعينيات القرن الماضي مجموعة من المتغيرات التي أدت بدورها إلى عودة الاهتمام بدراسات الاقتصاد السياسي الدولي بوصفه فرعًا من حقل العلاقات الدولية، الذي أعاد تسليط الضوء على العلاقة التفاعلية بين الأبعاد السياسية والاقتصادية على الساحة الدولية[1]، ومرَّ حقل الاقتصاد السياسي الدولي كأحد حقول العلاقات الدولية بتطورات متلاحقة – مثلما تطور علم العلاقات الدولية – فشهد تتابع عدة اتجاهات نظرية كالليبرالية والماركسية والنقدية[2]، بحيث عكس كل اتجاه طبيعة الموضوعات محل الاهتمام؛ فمثلًا، أكدت الاتجاهات النقدية في دراسات الاقتصاد السياسي الدولي أهمية الأخذ في الحسبان تفاعل العوامل الداخلية والخارجية في رسم السياسات الاقتصادية الدولية، وإيلاء أهمية لتأثير الهياكل الإنتاجية ونمط توزيع القوة داخل الدول، هذا فضلًا عن تأثير الأبعاد القيمية والأخلاقية. واتسمت هذه الاتجاهات بدعوتها لإحداث تحوُّل في النظام العالمي لا إجراء إصلاحات أو تحسينات تضمن بقاء النظام فقط[3].

في الوقت الذي نما الاهتمام بالاتجاهات النقدية في داخل دراسات الاقتصاد السياسي الدولي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي وعقب الحرب الباردة، انتقل مفهوم الحوكمة الرشيدة إلى صدارة أجندات المنظمات الدولية، وذلك في ظل تصاعد الدعوات إلى تطبيق الديمقراطية وأسس الحكم الرشيد، وبدأ الكثير من الباحثين بطرح أسئلة حول كيفية انعكاس الحوكمة على الهيكل الداخلي للمنظمات وكيفية اتخاذها القرارات وتنفيذها. ووضعت نايري وودز (Naigre Woods)، أستاذ الحوكمة الاقتصادية في جامعة أوكسفورد، الركائز الأساسية التي تقوم عليها الحوكمة الرشيدة في المنظمات الدولية في إحدى دراساتها[4]، وهي: المشاركة، والمساءلة، والإنصاف والعدالة؛ وهي كلها مبادئ تدور حول مَن يشارك في صنع القرار داخل المنظمة، وكيف تتم عملية محاسبة المنظمة، وإلى أي مدى يتم مراعاة تفاوت القدرات بين الدول في توزيع الأعباء والمنافع الناتجة من سياسات المنظمة.

وبما أن صندوق النقد الدولي ليس مجرد مؤسسة تمويلية دولية محايدة، وإنما يُعدُّ أحد تجلِّيات النموذج النيوليبرالي التنموي وفاعلًا دوليًّا منخرطًا لا في رسم سياسات البلدان النامية وحسب، ومن بينها البلدان العربية، من خلال برامجه التمويلية، بل في إعادة إنتاج علاقات القوة داخل الدول المقترضة والنظام الدولي نفسه، ومن ثم بات من الأهمية بمكان دراسة نموذج حوكمته – بالتركيز على مبدأ المشاركة – من منظور نقدي. وعليه، تقدم هذه الدراسة في إطارها النظري قراءة لدور صندوق النقد الدولي – لكونه واحدًا من أهم الفاعلين في رسم السياسات الاقتصادية في كثير من البلدان العربية – من منظور النظريات الوضعية التقليدية (الواقعية الجديدة والليبرالية الجديدة بوصفهما من أعمدة النظريات الوضعية التقليدية) من ناحية والاتجاهات النقدية ما بعد الوضعية داخل حقل الاقتصاد السياسي الدولي (النسوية النقدية، وما بعد الكولونيالية، والغرامشيين الجدد كنماذج)، وذلك لتوضيح أوجه الخلاف بين رؤية كل من المجموعات النظرية (الوضعية وما بعد الوضعية) ولبيان أوجه القصور الذي اعترى المنظور الوضعي لدور المؤسسات الدولية، مع التركيز على منظور ما بعد الاستعمار ما بعد الوضعي سواء في نقد الطرح النيولبيرالي المتجسِّد في نموذج حوكمة صندوق النقد الدولي أو في طرح بدائل حيوية له.

ويتمثل السؤال المحوري لهذه الدراسة بكيفية تباين المنظورات التقليدية والمنظورات النقدية (ما بعد الوضعية) في قراءة دور صندوق النقد الدولي – وأدواته (المتمثلة بالإقراض) وتقييم مساوئ تطبيق سياساته، وما الجديد الذي يطرحه منظور ما بعد الاستعمار في قراءة نموذج حوكمة صندوق النقد الدولي؟ وما الاقتراحات التي يقدمها هذا المنظور لتفكيك بنية المنظمة الاستعمارية؟

واعتمدت الدراسة في منهجها على مدخل المنظورات الكبرى لعلم العلاقات الدولية والاتجاهات النقدية المتمثلة باتجاه الغرامشيين الجدد وما بعد الاستعمار والنسوية النقدية، ويتخذ هذا المدخل من المنظورات اقترابًا للتحليل، وهو مدخل يتضمن رؤية كل من الواقعية والليبرالية من ناحية والتركيز على رؤية ما بعد الاستعمار من ناحية أخرى.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 572 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 572 تشرين الأول/أكتوبر 2026

 

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 572 في تشرين الأول/أكتوبر 2026.

ميار يحيى: طالبة دكتوراه، قسم العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،
جامعة القاهرة، ومدرّسة مساعدة في معهد التخطيط القومي – مصر.

[1] من ضمن هذه المتغيرات أزمة الطاقة عام 1973؛ والمطالبات بإنشاء نظام اقتصادي عالمي جديد وظهور الحوار بين الشمال والجنوب في أواخر السبعينيات، وذلك بعد هيمنة القضايا العسكرية على أجندة السياسات الدولية عقب الحرب العالمية الثانية، حول تفاصيل خريطة هذه التحولات العالمية انظر: نادية مصطفى: «حول تجدد الاهتمام بالاقتصاد السياسي الدولي،» مجلة العلوم الاجتماعية، السنة 14، العدد 3 (1986)، ص 24، و«نظرية العلاقات الدولية بين المنظور الواقعي والدعوة إلى منظور جديد،» السياسة الدولية، السنة 21، العدد 82 (تشرين الأول/أكتوبر 1985).

[2] نادية محمود مصطفى، «مسار علم العلاقات الدولية بين جدال المنظورات الكبرى واختلاف النماذج المعرفية،» في: نادية محمود مصطفى، محرر، العلاقات الدولية في عالم متغير: منظورات ومداخل مقارنة، 3 ج (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2016(، ج 1، ص 59.

[3] نادية مصطفى وأحمد شوقي، «الاقتصاد السياسي الدولي: بين الاقتراب النظمي والسياسة الخارجية وبين المتغير العالمي،» في: مصطفى، المصدر نفسه، ج 2، ص 1249.

[4] Ngaire Woods, «Good Governance in International Organizations,» Global Governance, vol. 5, no. 1 (1999), pp. 39-61, <http://www.jstor.org/stable/27800219>.

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز