عانى اليمن، في مراحل تاريخية مختلفة، عدَم استقرارٍ كثيرًا ما طال أمده. وإذا ما اكتفينا بتاريخ اليمن المعاصر، فقد أفضى جوهر النظام الإمامي وممارساته إلى أن يكون الشعب اليمني من أوائل الشعوب العربية التي مارست حقها في النضال من أجل نظام حكم عادل وحديث؛ ففي مواجهة السياسات المتخلِّفة القمعية للإمام يحيى حميد الدين تفجَّرت أحداث عام 1948 التي اختُلِف في تقييمها إذا كانت انقلابًا لأنها استبدلت إمامًا بإمام، أو كانت ثورة لأن «الميثاق المقدس» الذي أعلنه الثوار كان من شأن تنفيذه أن يحوِّل اليمن إلى ملَكية دستورية. لكن المحاولة – على أي حال – باءت بالفشل في مواجهة أنصار النظام الإمامي وداعميهم الخارجيين، ثم تكررت المحاولة عام 1955 ولكن بصيغة أقرب إلى الانقلاب، بحيث نُصِّب شقيق الإمام أحمد بديلًا له، ولقيت المحاولة مصير حركة عام 1948 نفسه. ثم تفجرت ثورة أيلول/سبتمبر 1962 التي تنبَّه قادتُها إلى أهمية الدعم الخارجي، فطلبوه من مصر التي كان جمال عبد الناصر يقود آنذاك معركة التحرُّر العربي والأفريقي من الاستعمار، وكذلك معركة التغيير في الوطن العربي. لم يؤدِّ الدعم المصري دورًا أساسيًا في صمود الثورة الجمهورية في اليمن في مواجهة خصومها الداخليين والخارجيين فحسب، لكن هذا الدور امتد إلى تقديم الدعم الكامل إلى حركة التحرُّر من الاحتلال البريطاني في جنوب اليمن. ورغم الهزيمة المصرية والعربية في مواجهة العدوان الإسرائيلي في حزيران/يونيو 1967 فإن التطورات اليمنية بدت وكأنها ردٌّ موضوعي على الهزيمة، إذ نال جنوب اليمن استقلاله بعد أشهر قليلة من وقوعها، وحرص عبد الناصر على ألّا تنسحب القوات المصرية من اليمن إلا بعد الاستقلال، ورغم تصور خصوم الثورة الجمهورية في الشمال أن انسحاب القوات المصرية يمثل فرصة ذهبية للانقضاض على الثورة فإنها أثبتت أصالتها وصلابتها حتى تم تثبيتها بتسوية عام 1970.
غير أن اليمن شهد بعد تثبيت ثورته مرحلة من عدم الاستقرار نتيجة عدد من العوامل؛ منها الخلاف بين الفصائل الجمهورية، وهزيمة حزيران/يونيو 1967 وما تلاها من اتفاق مصري – سعودي على تسوية الأوضاع في اليمن. وهكذا تمت الإطاحة سلميًا بحكم الرئيس اليمني عبد الله السلال، وحل محله مجلس جمهوري برئاسة القاضي عبد الرحمن الإرياني صاحب الدور البارز في الحركة الوطنية اليمنية. بيدَ أن الأوضاع تدهورت بعد ذلك، وهو ما أفضى إلى انقلابٍ أبيضَ آخرَ عام 1974 قاده المقدم إبراهيم الحمدي الذي كان صاحب مشروع لبناء دولة يمنية حديثة. وتعَدّ سنوات حكم الحمدي من أفضل مراحل الاستقرار والتنمية في اليمن الجمهوري. ولكن الحمدي اغتيل في ظروف غامضة عام 1977، وخلفه رئيس أركانه المقدم أحمد الغشمي الذي ترددت في بعض الروايات أحاديث عن ضلوعه في عملية الاغتيال بدعم من الأعداء الداخليين والخارجيين لمشروع الحمدي. وفي تعبير عن ذروة عدم الاستقرار اغتيل الغشمي بعد سنة من توليه الرئاسة بانفجار حقيبة ملغومة حملها له مبعوث رئيس جمهورية جنوب اليمن انتقامًا من الغشمي لدوره في اغتيال الحمدي. وفي غمرة هذه الظروف، تولى علي عبد الله صالح الرئاسة، وعلى الرغم من أن اختياره تم بناءً على سمعته العسكرية فإنه اتبع نهجًا سياسيًا في الحكم حاول فيه تجميع القوى الوطنية حول وثيقة «الميثاق الوطني» التي أقرَّها «المؤتمر الشعبي العام» تنظيمه السياسي الوحيد، وبهذا النهج السياسي تمكن من تحقيق أطول مدة استقرار في تاريخ اليمن المعاصر؛ فقد حكم لـ33 سنة تمكن فيها من تحقيق إنجازات تنموية، واكتُشِف النفط في عهده، وبنى جيشًا قويًّا، ناهيك بإنجاز الوحدة بين شطرَي اليمن. غير أن الطابع العائلي لحكمه وتفشّي الفساد والممارسات الخاطئة في إدارة العلاقة بين شطرَي دولة الوحدة، وبخاصة بعد إجهاض محاولة الجنوب الانفصال في عام 1944، مثلت عوامل أفضت كلها إلى تصاعد المعارضة ضد نظام حكم صالح، وكان انفجار المعارضة ينتظر الشرارة التي تمثلت بالانتفاضات الشعبية التي انتشرت في معظم أرجاء الوطن العربي منذ مطلع عام 2011. وبعد هروب الرئيس التونسي، وتنحّي الرئيس المصري، كانت الانتفاضة الشعبية اليمنية هي الثالثة التي رفعت شعار إسقاط النظام، ورغم العنف المفرط في مواجهتها بخلاف الحالتين التونسية والمصرية صمدت الانتفاضة، وهو ما خلق بيئة مواتية للتدخل السعودي بهدف التسوية، وقد كُلل هذا التدخل بالنجاح، وتنحى صالح عن الحكم لنائبه عبد ربه منصور هادي الذي فاز لاحقًا في انتخابات رئاسية اتفقت القوى السياسية اليمنية على ألّا يتقدم لها سواه، وهو ما حدث فعلًا، ليبدأ الرئيس الجديد مهمة التغيير بعقد مؤتمر الحوار الوطني الذي بحث أهم القضايا الإشكالية في الواقع اليمني، وعلى رأسها قضيتا الجنوب وأنصار الله.
ترتبت قضية الجنوب على الممارسات الخاطئة للحكومة اليمنية في جنوب اليمن بعد إجهاض المحاولة الانفصالية في عام 1944. وقد أفضت هذه الممارسات إلى ردود فعل عُرِفت اصطلاحًا بالحراك الجنوبي الذي أطلق حركة مطلبية تهدف إلى رفع الظلم عن أبناء الجنوب الذين تضرروا من ممارسات نظام صالح، ثم تحوَّل إزاء تجاهل هذه المطالب إلى حركة انفصالية. أما أنصار الله (الحوثيون) فكانوا أتباعًا لفرع من فروع المذهب الزيدي (الفرع الجارودي) قَرَّبهم كثيرًا من النظام الإيراني الذي دعمهم حتى أصبحوا قادرين على الدخول في عدد من جولات المواجهة المسلحة مع نظام صالح في العقد الأول من هذا القرن، من دون أن يتمكن أحد من طرفَي المواجهة من حسمها لمصلحته.
نجح مؤتمر الحوار الوطني في التوصل إلى حلول متوازنة للقضيتين تستند إلى فكرة أساسية مفادها الاعتراف بأخطاء الماضي، والاتفاق على الآليات التي تكفل عدم تكرارها. وفي ما يتعلق بالجنوب تمثلت هذه الآليات بتغيير شكل الدولة اليمنية من الصيغة المركزية إلى الصيغة الفدرالية، ووضع معايير عادلة وشفافة لتوزيع الثروة النفطية، وضمان التوازن بين الشمال والجنوب في التمثيل في المؤسسات التنفيذية والتشريعية للنظام. أما أنصار الله فقد انتهى المؤتمر إلى معادلةٍ عنصرها الأول الاعتراف بكل ما وقع من أخطاء في حقهم، واتخاذ كل الإجراءات التي تكفل جبر هذه الأخطاء، وعنصرها الثاني موافقة أنصار الله على إعلاء سلطة الدولة بتفكيك نقاطهم المسلحة والتخلّي عن أسلحتهم الثقيلة والمتوسطة، ودمج مؤسساتهم التعليمية في مؤسسات الدولة. أخذت لجنة وضع الدستور مقررات مؤتمر الحوار الوطني في حسبانها وهي تصيغ الدستور الجديد لليمن، غير أن استيلاء أنصار الله على السلطة في صنعاء في أيلول/سبتمبر 2014 أحدث قطيعة مع هذا المسار، وبخاصة بعد تصاعد المواجهات العسكرية مع التحالف العربي بقيادة السعودية. وقد هيّأ هذا الانقطاع الأجواء لعودة الحديث عن مشروع انفصال جنوب اليمن عن شماله، وبخاصة بعد تكوين المجلس الانتقالي في عدن في أيار/مايو 2017. وقد أُجريت محاولة في نيسان/أبريل 2022 لتذويب التناقضات داخل معسكر «الشرعية» اليمنية بتكوين مجلس القيادة الرئاسي الذي ضم ممثلين عن كل فصائل «الشرعية»، لكن التناقضات بقيت على حالها، حتى وقعت أحداث كانون الأول/ديسمبر الماضي، التي حاول فيها المجلس الانتقالي الجنوبي وضع مشروعه الانفصالي موضع التطبيق بسيطرة قواته على محافظتَي حضرموت والمهرة في مطلع الشهر، وتدخلت السعودية لإعادة الأمور إلى نصابها بالدبلوماسية أولًا، ثم لجأت إلى استخدام القوة لوضع نهاية لهذا التمرد، وتم الاتفاق على عقد مؤتمر للحوار الجنوبي-الجنوبي، فما هي آفاق المستقبل؟
يجب التأكيد أولًا، أن الحفاظ على وحدة اليمن يمثل البوصلة الاستراتيجية التي يجب أن يسترشد بها كل يمني مخلص لوطنه، فالوحدة هي المدخل الطبيعي والوحيد لقوة اليمن وازدهاره وقيامه بدوره العربي الفاعل، وهي بريئة من كل الممارسات الخاطئة الظالمة التي شهدتها سنوات ما بعد الوحدة، وبالذات ما بعد التغلب على محاولة انفصال الجنوب عام 1944، ولا يمكن أن تستمر الوحدة قوية من دون وضع الأسس السليمة لتصفية آثار تلك الممارسات، واعتماد الآليات السياسية والقانونية التي تضمن عدم تكرارها. لقد مثل مؤتمر الحوار الوطني ومشروع الدستور اليمني بدايةً واعدةً لهذا النهج لم يُقدَّر لها أن توضع موضع التطبيق. وإذا كانت مخرجات مؤتمر الحوار الوطني بحاجة إلى تطوير فليتم ذلك من طريق الحوار الديمقراطي الجاد الذي يمثل الآلية الوحيدة لخروج اليمن من هذا النفق المظلم الذي دخله منذ ما يتجاوز العقد حتى الآن. والحوار الديمقراطي الجاد أيضًا هو الآلية الوحيدة لتجاوز أزمة الشرعية اليمنية مع أنصار الله، إذ أخذ الحل العسكري فرصته لأكثر من عقد ولم يُفضِ إلى أي تغيير إيجابي. وعلى الجميع أن يرتفعوا فوق التناقضات الثانوية من أجل يمن قوي ديمقراطي موحد يحقق الرفاهية للشعب اليمني الذي عانى طويلًا، ويكتسب المناعة ضد كل محاولات التدخل الخارجي في شؤونه التي أضرَّته كثيرًا، ويعيد إلى اليمن دوره العربي الفاعل. ليست المهمة بالأمر السهل بأي حال، لكن الحفاظ على الوطن يستحق كل التضحيات.
ويجب التأكيد ثانيًا، أنه لا يمكن فصل ما يجري في اليمن عمّا تواجهه الأمة العربية من مخاطر هائلة تتمثل أولًا بتهديد كثير من كيانات الدول الوطنية العربية، فليس اليمن وحده من يعاني مخاطر التفكك والتقسيم. فلقد نجحت هذه المخاطر من قبلُ في فصم وحدة الصومال والسودان، وتدق أجراس الخطر، إضافة إلى اليمن، في سورية وليبيا والسودان مجددًا، وهو ما يلفتنا إلى الحلقة المفرغة للتفكك، وهي بالمناسبة قابلة للتكرار لو كانت محاولة فصل جنوب اليمن قد نجحت، ولا ننسى أنه كان يعاني التجزئة قبل التحرُّر من الاحتلال البريطاني إلى قرابة العشرين كيانًا، ومن ناحية أخرى فإنه لا يمكن فصل ما يجري في اليمن عن تغوُّل المشروع الصهيوني الذي تجاهر قياداته علنًا الآن بمشروع «إسرائيل الكبرى» على حساب عدد من كيانات البلدان العربية، وبالشرق الأوسط الجديد الذي لا يعلو فيه صوت على صوت إسرائيل. ومن المهم التذكير في هذا السياق بتصريحات عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، أثناء زيارته الولايات المتحدة في أيلول/سبتمبر الماضي لصحيفة The National الأمريكية، ومفادها أن استعادة دولة جنوب اليمن المستقلة سوف توفر البيئة المواتية للانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية، وهو موقف لا يمكن فصله عن اعتراف إسرائيل مؤخرًا بأرض الصومال كدليل جديد أكيد على ما يحاك للأمة العربية من مؤامرات.
حفظ الله اليمن وأمته العربية.
هذه المقالةهي افتتاحية مجلة المستقبل العربي العدد 564، احصلوا عليها من خلال الرابط:
مجلة المستقبل العربي العدد 564 شباط/فبراير 2026
كتب ذات صلة:
المصادر:
هذه هي افتتاحية العدد 564 من مجلة المستقبل العربي لشهر شباط/فبراير 2026.
أحمد يوسف أحمد: أستاذ العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،
جامعة القاهرة، ورئيس اللجنة التنفيذية لمركز دراسات الوحدة العربية.
أحمد يوسف أحمد
أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، ورئيس اللجنة التنفيذية في مركز دراسات الوحدة العربية.
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



