مقدمة

لم يكن الاستعمار مجرّد فصل عابر في التاريخ، بل مثّل البنية التحتية التي شُيّد عليها القانون الدولي منذ نشأته. فقد ارتبط تبلور هذا القانون ارتباطًا وثيقًا بمسار التوسّع الإمبريالي الأوروبي، إذ صيغ ليكون أداة لتنظيم العلاقات بين القوى المهيمنة، وفي الوقت نفسه لتبرير سيطرتها على الشعوب المستعمَرة. يُعدّ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي أحد أبرز المظاهر المستمرة لهذا الإرث الاستعماري، حيث شكّل الانتداب البريطاني على فلسطين، الذي فُرض بعد الحرب العالمية الأولى بموجب نظام الانتداب التابع لعصبة الأمم، لحظة تأسيسية لهذا الصراع. خلال تلك الحقبة، أصدرت بريطانيا «وعد بلفور» الذي تعهّدت فيه بدعم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وهو تعهّد جسّد تدخلًا استعماريًا مباشرًا تجاهل الحقوق السياسيّة والوطنية للشعب الفلسطيني‏[1]. وقد استُخدم القانون الدولي حينها لتقنين هذا التهميش، عبر قمع حق تقرير المصير للفلسطينيين ومنح امتيازات سياسية واقتصادية لليهود الوافدين، وهو ما مهّد الطريق لاحقًا لتبنّي إسرائيل نهج الاستعمار الاستيطاني، وسعيها لإحلال شعب محلّ آخر، ولا سيَّما في قطاع غزة، عبر سياسات عنف ممنهج‏[2].

على الرغم من أن حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية شهدت ولادة نظام قانوني دولي جديد، أُرسيت معالمه بتأسيس منظمة الأمم المتحدة وإقرار اتفاقيات جنيف، حيث أُعلنت مبادئ السلم وحقوق الإنسان ومساءلة مرتكبي الجرائم الدوليّة الكبرى كأساس لهذا النظام، فإنّ التطبيق العملي لهذا الإطار القانوني سرعان ما كشف عن مفارقات جوهريّة. فقد اتضح أن الالتزام بقيَم القانون الدولي يظلّ انتقائيًّا ومحكومًا بموازين القوى، إذ تتحكّم الدول النافذة، ولا سيَّما في الشمال السياسي بقيادة الولايات المتحدة، في توجيه السياسات الدوليّة ومؤسساتها، بما يخدم مصالحها الجيوسياسيّة‏[3].

جاءت أحداث السابع من أكتوبر 2023 والحرب التي أعقبتها على غزة لتفضح هذه التناقضات على نحو غير مسبوق. فرغم حجم الدمار والقتل الذي بلغ حدّ الإبادة الجماعيّة، بدت منظومة القانون الدولي عاجزة أو متواطئة، مع تبرير الكثير من الدول الغربيّة للعدوان أو صمتها عنه. لقد بدا القانون الدولي، لا كحاجز في وجه العنف، بل كأداة مرنة قابلة للتطويع لتبرير الجرائم بدل مساءلتها، وهو ما عرّى هشاشة السرديّات الرائجة عن العالم الحر وأسقط آخر الأقنعة الأخلاقيّة التي يستتر خلفها‏[4].

لا يستقيم فهم هذه الأحداث إلّا بوضعها في سياقها الاستعماري الأعمق، فهي ليست مجّرد مواجهة عسكريّة، بل هي تجلٍّ حديث لمنطق استيطاني قديم، يعيد إنتاج خطاباته القانونيّة وأيديولوجياته السياسيّة وتكتيكاته العسكريّة التي تعود إلى المراحل الكلاسيكيّة للاستعمار. من هنا، فإنّ ما يحدث في فلسطين اليوم لا يمكن فصله عن البنية الهيكليّة للقانون الدولي نفسه، ولا عن علاقته التاريخية بالمشروع الإمبريالي.

يسعى هذا البحث إلى قراءة الحرب التي اندلعت في غزة في السابع من أكتوبر من خلال التاريخ الاستعماري، لأنّ تجاهل جذور هذه الحرب وإغفال الإطار التاريخي العام قد يبرّر نزع الشرعيّة عن الفلسطينيين ويجعلهم غير مرئيين في السرديات السائدة، سيكون ذلك عبر العدسة التاريخيّة ليتمّ استيعاب المعاناة الفلسطينية بوصفها نتيجة لبنية استعماريّة ممتدّة لا مجرّد حوادث معزولة‏[5].

كما يسعى هذا البحث إلى تتبّع تطوّر مفاهيم الاستعمار واستخدام القانون الدولي في الصراعات الحديثة من خلال تحليل التحوّل من العدسة الاستعماريّة، التي ترى النزاعات الحديثة مثل غزة امتدادًا لأنماط تاريخيّة من السيطرة الاستعماريّة كالتي نظّر إليها فيتوريا وغيره في القرن السادس عشر، إلى العدسة الإمبرياليّة التي ترى النزاعات الحديثة مرتبطة أكثر بالبنى العالميّة الإمبريالية الجديدة، مثل تحكّم القوى الكبرى والأنظمة العالمية والتحالفات الجيوسياسيّة وليس مجرّد استعمار مباشر‏[6].

بمعنى آخر، لم يعد الإطار التفسيري القائم على العدسة الاستعماريّة الذي يقدّم إسرائيل كمشروع استيطاني استعماري والفلسطينيين كشعب خاضع للاحتلال كافيًا بمفرده لفهم تعقيدات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وبخاصة بعد أحداث 7 أكتوبر 2023. فرغم أهمية هذا التحليل في إلقاء الضوء على الجذور التاريخية للصراع، فهو يُنتج أحيانًا اختزالًا مفرطًا في ثنائيّة مستعمِر ومستعمَر، وهو ما يغفل التداخل العميق بين المحلي والدولي. من هنا تبرز الحاجة إلى تبنّي العدسة الإمبريالية، كذلك، التي تتيح مقاربة أكثر شمولًا للصراع، بوصفه نتيجة لتشابك قوى محليّة مع بنى إمبريالية عالميّة‏[7]. فالصراع العربي – الإسرائيلي لا يمكن فهمه اليوم من دون النظر في تفاعلات القوى الكبرى كالولايات المتحدة وروسيا والصين، وموقع إسرائيل وفلسطين ضمن النظام الجيوسياسي العالمي، وتأثير هذه العوامل في إجهاض الحلول المحلية. فالعدسة الإمبريالية تسمح بكشف ديناميات الهيمنة المستمرة، لا عبر الاحتلال فقط، بل عبر أنظمة الدعم السياسي والعسكري والتحالفات العابرة للحدود، التي تُسهم في إعادة إنتاج العنف وتطويع القانون الدولي لخدمة توازنات القوة بدلًا من مبادئ العدالة‏[8].

انطلاقًا مما سبق، يهدف هذا البحث إلى الإجابة عن سؤال محوري: كيف كشفت الحرب على غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 عن استمراريّة المنطق الاستعماري وإعادة إنتاجه داخل منظومة القانون الدولي المعاصر؟

ومن خلال هذا السؤال المركزي، يسعى البحث إلى معالجة مجموعة من الأسئلة الفرعيّة التي تفتح أفقًا لفهم أعمق للتحولات الجارية، من بينها: كيف أعادت أزمة غزة إحياء مفاهيم استعمارية راسخة مثل «تفوق الحضارة الغربية» و«الشعوب المتحضِّرة» التي مثّلت الأساس النظري لتوسّع القوى الاستعمارية منذ القرن السادس عشر؟ وما أوجه التشابه بين الخطابات المستخدمة لتبرير العدوان على غزة وتلك التي رافقت الحملات الاستعمارية الكلاسيكية؟ وكيف امتدّ خطاب «الحرب على الإرهاب» الذي رسّخته الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر؟ وكيف بات يُستخدم لتقويض الحقوق الجماعيّة وتبرير العنف الممنهج؟ وفي النهاية كيف تبرز ازدواجية تطبيق قواعد القانون الدولي، وبخاصة في سياق الحرب، بما يكشف عن التوظيف الانتقائي لهذه القواعد خدمة لموازين القوى لا لمبادئ العدالة؟

سيعتمد هذا البحث على مقاربة منهجيّة متعدّدة الأدوات تجمع بين التحليل التاريخي المقارن والتحليل النقدي للخطاب والتحليل القانوني النقدي؛ فمن جهة، سيتناول البحث مقارنة بين الحقبة الكلاسيكية للاستعمار والحقبة المعاصرة، بهدف تتبّع أوجه الاستمرارية بين نظريات تبرير الاستعمار التقليدي والخطابات الحديثة المرتبطة بعبء الحضارة والحرب على الإرهاب، ومن جهة ثانية، سيُوظّف التحليل النقدي للخطاب لفهم الديناميات السياسية والإعلاميّة والقانونيّة التي تكونت حول الحرب على غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، عبر تفكيك خطابات الدول الفاعلة وتحليل مواقفها وسلوكياتها وأجنداتها الداعمة للعدوان. وأخيرًا، سيُستعان بالتحليل القانوني النقدي لتفكيك المفاهيم القانونية المستخدمة في السياق الراهن، مثل «حق الدفاع عن النفس» و«مكافحة الإرهاب»، وبيان كيفية توظيفها على نحوٍ انتقائي لتبرير انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.

تكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة من ناحيتين، فهي من جهة، تسدّ فجوة واضحة في الأدبيات، إذ لم تحظ أحداث غزة منذ 7 أكتوبر 2023 بتحليل نقدي معمّق يربط الخطاب المستخدم حاليّا بالمنطق الاستعماري الممتدّ عبر القرون. ورغم غنى الدراسات السابقة، لا تزال هناك حاجة إلى فهْم كيف تعيد الخطابات السياسية والقانونيّة الراهنة إنتاج سرديات الهيمنة والتفوق الحضاري داخل أطر القانون الدولي، ومن جهة أخرى، هي تسعى إلى تفكيك البنية الاستعماريّة الكامنة في هذا القانون، الذي يبدو ظاهريا متطوّرا، لكنه لا يزال يحمل في طياته استمرارية منطق السيطرة والإقصاء. ومن خلال الربط بين الخطاب الاستعماري التاريخي والممارسات القانونية والسياسية المعاصرة، تكشف الدراسة آليات إعادة إنتاج اللامساواة باسم الشرعيّة القانونيّة. كما تُقدّم تحليلًا نقديًا لحالة القانون الدولي في ظل أزمة إنسانية كبرى، متمثلة بالحرب على غزة، وتُبرز التناقضات البنيوية في تطبيق قواعده ومفاهيمه، مثل «الدفاع عن النفس» و«مكافحة الإرهاب». بذلك، تفتح الدراسة أفقًا لإعادة التفكير في هياكل النظام الدولي، بما يضمن تفكيك الإرث الاستعماري والسعي نحو قانون دولي أكثر عدالة وشمولًا.

ولإبراز التجليات المعاصرة للمنطق الاستعماري في حرب غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وقع تقسيم البحث إلى مبحثين رئيسيين. يتناول المبحث الأول هذه التجليات من خلال إحياء منطق الحرب العادلة عبر ثنائية الدفاع عن النفس والحرب على الإرهاب؛ أمّا المبحث الثاني فهو يكشف عن هذه التجليات من خلال إعلاء الفوارق الحضاريّة لتبرير العنف والإقصاء.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 566 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 566 نيسان/أبريل 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 566 في نيسان/أبريل 2026.

يلدز الورتاني: باحثة في مجال القانون وحقوق الإنسان
في معهد الدوحة للدراسات العليا.

[1] Dalal Iriqat, «Legacy of the Britch Mandate: Eliminating the Palestinian Right to Self Determina­tion,» Middle East Policy (23 July 2024), p. 113.

[2]    Ibid.

[3] نزار صاغية ونور كلزي، «معارك حول القانون الدولي أو مساع لأبلسة الإنساني،» مجلة تونس، العدد 28 (خريف 2023)، ص 14.

[4] المصدر نفسه.

[5] Raef Zreik, «War and Self-Defence: Some Reflections on the War on Gaza,» De Gruyter Oldenbourg (27 May 2024), pp. 192-195.

[6] Michal Frenkel, «The October 2023 War: From a Colonial to an Imperial Analysis,» Palestine/Israel Review, vol. 1 (April 2024), pp. 250-251.

[7]    Ibid.

[8]    Ibid.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز