توطئة

بلغة غير اعتيادية، وبحضور لم يَألَفْه الجزائريون في رؤسائهم السابقين، اعتلى تبون سدة الحكم بعد فوزه في انتخابات رئاسية غير مسبوقة خاضها ومنافسوه في 12 كانون الأول/ديسمبر 2019. جاء فوزه بنسبة 58 بالمئة في انتخابات تمت تحت إشراف سلطة انتخابية مستقلة، وبعد إعلان النتائج وتلاوة خطاب الفوز تعهد تبون بتجسيد 54 تعهدًا هي حصيلة برنامجه الانتخابي.

تولَّى تبون المنصب يوم 12 كانون الأول/ديسمبر 2019، وكان أول قرار اتخذه أن يتخلى عن لقب «الفخامة» مستبدلًا إياه بلقب «السيد الرئيس» كونه جاء من رحم الشعب ومعاناته وهو الذي خاض تجربة تجمع بين السياسة والهيكل التكنوقراطي والإدارة؛ فهو الذي يحمل في رصيده مهمات والٍ سابق لولايات بشار وأدرار وتيزي وزو وتيارت، إضافة إلى شغله منصب الوزير لعدة مرات في مجال الجماعات المحلية والسكن والتعمير. ولعل الجزائريين يحتفظون بكون الرئيس عبد المجيد تبون لم تشفع له نظافة يده ومساره في خدمة الدولة وتاريخه الإداري في أن يُزاح بطريقة أقل ما يقال عنها غير أخلاقية من رأس الجهاز التنفيذي في آب/أغسطس 2017، إذ لم يمكث في منصب رئاسة الحكومة سوى مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر – من 25 أيار/مايو إلى 15 آب/أغسطس – وهي أقصر مدة يقضيها رئيس حكومة في منصبه، وهو ما جعل الأوليغارشيا السياسية والاقتصادية تبرر الإقالة بكون الرئيس بوتفليقة غاضبًا من أدائه إلى حدٍ لا يمكن تصوره، وعليه فإن على قدر الغضب يكون العقاب، وشتان ما بين أن تخرج خصمك من النافذة أو أن تخرجه من الأبواب الكبيرة.

تعامل الرجل بهدوء وتوازن وبلا ضجيج، وهو المحكوم بعقلية رجل الدولة وسَلَّم المسؤولية لخَلَفِه المسمّى في المخيال الجزائري السياسي «صاحب المهمات القذرة أحمد أويحيى» الذي يقضي محكوميته في السجن في قضايا مختلفة مرتبطة بالفساد واستغلال المال والنفوذ.

لم يشِر الرئيس خلال مدة حكمه إلى هذه الحادثة الاستثنائية إلا في حوار بسيط في إحدى القنوات التلفزيونية وعلى خجل، ومن دون إطناب، وذلك عند إجابته عن سؤال مالك إحدى القنوات الخاصة حول ما أثر فيه في طريقة الإزاحة، فما كان من الرئيس تبون إلا أن أشار إلى حادثة التهامس والسخرية والضحك التي كانت تدور بين بعض من أعضاء الطاقم الحكومي ورئيس أرباب الأعمال علي حداد وهم يتهامسون ويتضاحكون داخل مقبرة العالية في جنازة الراحل رضا مالك، السياسي الكبير وهو من هو، إذ لم تشفع قدسية المكان ولا هيبته ولا تاريخ الرجل من الاستهتار والضحك الذي كان موجهًا إلى شخص الوزير الأول تبون آنذاك، وكان لا بد من التقاط الرسالة في كون هذه الهمسات شكلت نهاية مسار الرجل على رأس الجهاز التنفيذي وهو ما تم بعد أيام قليلة.

بدأ الرئيس تبون مسار الرئاسة بعقلية الواثق الذي أسعفته ظروف دولية وإقليمية ضاغطة على التحرك في جميع الاتجاهات بأريحية كبيرة. وفي ما بدا رسالة طمأنة للمعارضة عيّن أفرادًا في توليفة الطاقم الحكومي لحكومة جراد الأولى والثانية من شخصيات عرفت بانتقاداتها الواسعة للأداء السياسي السابق وله شخصًيا ولشخص قائد الأركان الراحل. ولعل في ذلك رسالة من تبون في كونه رئيسًا لجميع الجزائريين من دون استثناء؛ معارضة كانوا أو موالاة؟

لعل ما ميّز مسار ثلاث سنوات من عهد الرئيس تبّون هو بداية التخلي عن «الوصاية» التي كانت تمارس على الشعب في مساراتها الانتخابية والسياسية. وفي أدبيات الديمقراطية تعَدّ الوصاية والديمقراطية على طرفَي نقيض[2]. وهي تكون منبعًا للانغماس في الفساد وتمثل استجابة لمغريات السلطة الكثيرة ينتقل معها الفرد الحاكم إلى الانشغال بتحقيق منافع الفرد على حساب الجماعة. لذلك تمَّت إعادة بناء دستور جزائري وفق مقاربة جماعية ساهمت فيها فعاليات سياسية كثيرة كان من نتائجها تكوين سلطة للانتخابات تتجاوز الأطر السابقة التي خلّفتها الآليات القديمة والقاصرة عن تحقيق الشفافية والحكامة، سواء تعلق الأمر باللجان السياسية التي كانت تشرف على المسارات الانتخابية المختلفة أو الهيئة العليا المستقلة للانتخابات والتي لم تعمر سوى سنتين.

لم يُظهر الرئيس تبرّمه وانزعاجه من نسبة الاقتراع المنخفضة نسبيًا، سواء في الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية، على اعتبار أن المسار السياسي الحالي له خصوصياته بعد سنوات من التصحر السياسي وتعفين الحياة السياسية، بل صرح أن النسبة لا تمثل له أي عبء سياسي، فهو يحترم خيار الذين انتخبوا والذين امتنعوا على السواء، وهي أول مرة يتحدث فيها رئيس جمهورية بهذه اللغة. لعل مردّ ذلك أن الرجل يدرك، وهو الذي اشتغل واليًا في محافظات جزائرية كثيرة، كيف يفكر هذا الشعب بشكل انتخابي، وكيف كانت تفكر الإدارة بطريقة انتخابوية على مدار عقود. وفي هذا الصدد يمكن أن نتذكر أن مكونات المواطنة الشاملة تشمل عدم حرمان المواطنين الحق في ممارسة واجباتهم ووظائفهم الانتخابية سلبًا أو إيجابًا لكون ذلك ضرورة مهمة في الأداء الفعّال للمؤسسات السياسية مستقبلًا.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 535 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 535 أيلول/سبتمبر 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 535 في أيلول/سبتمبر 2023.

[1]بوحنية قوي: أستاذ العلوم السياسية، جامعة ورقلة – الجزائر.

[2]   روبرت دال، عن الديمقراطية، ترجمة سعيد محمد الحسنية (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2014)، ص 41 وما بعدها.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز