مقدمة

لا يزال الصراع قائمًا في تونس، منذ القدم، بين مركز متمركز صلب الدولة – منذ تبلورها بالمفهوم الحقيقي للكلمة – محتكرًا سلطة القرار وقرار السلطة، وبين هامش مهمّش يسعى للظفر بحقوقه يلقي بظلاله إلى اليوم. شهد هذا الصراع جولات متكرّرة ما زالت متواصلة، وستظل في هذا الإطار، نظن أن ما جرى من 17 كانون الأول/ديسمبر 2010 إلى اليوم هو إحدى هاته الجولات. هذه الثورة، أو الانتفاضة، أو هذا الحراك، بقطع النظر عن المفهوم، إن هو إلا عملية مواصلة ومراكمة لصراع هذين الخطين الذي انطلق تقريبًا منذ عام 1864 وما بعده، والذي لن ينتهي إلا بالاستجابة للحد الأدنى من المطالب التي رفعها الهامشيّون في كل مناسبة مع تغيير طفيف في هذه المطالب استجابة لمتغيرات الزمن. سنحاول في هذا المقال، القيام بمقارنة بين انتفاضة علي بن غذاهم سنة 1864 وما جرى في تونس خلال الحقبة الممتدة بين 17 كانون الأول/ديسمبر 2010 و14 كانون الثاني/يناير 2011.

أولًا: انتفاضة 1864: الأسباب والتطورات والنتائج

كانت الإيالة التونسية خلال بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر تتبع لنظام الحكم العثماني، وكانت تحت حكم البايات الذين اتسمت مدة حكمهم بسيطرة المماليك على الحياة السياسية واحتكارهم إيّاها في مقابل الإقصاء المتعمّد لأغلبية التونسيين الذين كانوا يعيشون أوضاعًا اقتصادية واجتماعية سيئة جدًا، بسبب تراكم الأزمات وارتفاع الأسعار وتتالي الأوبئة وارتفاع الضرائب‏[1]، وتتالي عنف الدولة وإجرامها في حق القبائل، إذ تتحدّث المصادر والمراجع عن عمليات عنف فظيعة مورست على عدة قبائل في عدة مجالات من أجل إرغامها على الخضوع للسلطة المركزية، ودفع الضرائب المرتفعة رغم وضعها الاجتماعي المتردي على غرار قبائل وسلات وغيرها‏[2]. وقد اضطلع المماليك بدور شديد الأهمية في الحياة السياسية والاقتصادية في الإيالة، وذلك منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، إذ استحوذوا على المراتب المدنية والعسكرية، ومنحهم الباي السلطات الواسعة حتى صاروا يتصرّفون في شؤون الإيالة كما يشاؤون ووفق ما يخدم مصالحهم‏[3].

لا بد من التذكير أن هؤلاء المماليك ينحدرون من مناطق مختلفة من آسيا الصغرى وبلاد الشرق والبلقان والقوقاز، وكان بايات تونس يشترونهم في سن مبكرة من أسواق الشرق، وفي قصور البايات يتعلّمون بعض المبادئ الأولية للغة العربية ويتلقّون بعض المعارف. وكان هذا الوضع في أغلب الأحيان هو ما يمكّنهم من الامتزاج بالأمراء الصغار للعائلة الحاكمة‏[4] .

تحوّلت الروابط الشخصية التي أرساها المماليك مع البايات إلى روابط دموية جعلت الأمراء يتوخّون سياسة «متريمنيالية» تمثّلت بتزويج أميرات العائلة الحسينية لعناصر من المماليك وفي انتداب وزرائهم من بين هؤلاء الذين كانوا في ما مضى خدمًا‏[5]. تسبب هؤلاء المماليك في انتشار الفساد صلب الإيالة وأصبحوا يرسمون سياساتها العامة وتوجهاتها الكبرى، وهو ما تسبب في نفور الأهالي وامتعاضهم من إقصائهم المقصود والمتزايد وتحكّم الأجانب فيهم وتزايد فساد هؤلاء حيث انتشر الفساد والسرقة ونهب المال العام والاعتداء على الأهالي. كما كانت تمثيلية الأهالي في المجلس التي أفرزها دستور عهد الأمان محدودة جدّا، بل تكاد تكون منعدمة. فمن بين عشرين عضوًا يتكوّن منهم المجلس الأكبر لا نجد سوى عنصرين من الأهالي، كما استأثر المماليك – دون غيرهم – بمجلس الحرب وبرئاسة المحاكم وإدارتها وتسييرها‏[6].

كان على رأس هذه الأوليغارشية المملوك مصطفى خزندار، وهو من أصول يونانية يتميز بالانتهازية والتملّق وكثرة المجاملة والخداع والتسلّط حتى النخاع، والافتقار إلى الكفاءة الإدارية‏[7]. تصرفت هذه الأوليغارشية بحريّة مطلقة في موارد البلاد وثرواتها وعاثت فيها فسادًا وعاشت حياة الترف والبذخ، فأنشأت القصور واستوردت الجواري والغلمان من الشرق في ظرف كان فيه الأهالي يعانون الجوع والفقر والأوبئة وكانت البلاد تعاني ارتفاع نسبة التداين، وبالتالي الارتهان للخارج وتردّي الأوضاع الاقتصادية للإيالة. أدى استحواذ هؤلاء الغرباء على دواليب الإيالة واحتكارهم السلطة إلى انتشار الفساد والجور والظلم والنهب وإفقار الأهالي واستنزاف طاقاتهم وزادتها إصلاحات أحمد باي ومحمد باي سوءًا بتوريط الدولة في مـأزق الإرهاق الجبائي للرعية والتداين الخارجي الذي سوف يستغلّه المقرضون والقوى الأوروبية (وبخاصة فرنسا وإنكلترا وإيطاليا) فيما بعد لتوجيه السياسة الاقتصادية للإيالة بما يخدم مصالحهم لا بما يخدم مصالح الأهالي‏[8].

كما أن انخفاض إصدار النقود الذهبية والفضية المستعملة أدى إلى حصول أزمة نقدية، إذ يؤكد أحمد بن أبي الضياف أن مأتاها عائد أصلًا إلى نقل الأموال خارج الإيالة لدفع ثمن البضائع والمشتريات المستوردة‏[9]. وقد كان من نتائج ما أصدرته الحكومة بكثرة فاحشة من النقود النحاسية أن أدى إلى حصول أزمة نقدية أفضت إلى انخفاض الريال الذي نزلت قيمته من  1.10 فرنك سنة 1851 إلى 0.60 فرنك تقريبًا سنة 1860. كما أن أثمان الحبوب أصبحت في تزايد مطّرد بعد ضعف المحاصيل الزراعية سنة 1861، وربما سيق المئات من المدنيين الفقراء والمعدمين إلى السجن في كل يوم‏[10]. وكما رأينا سابقًا، فإن كل هذه المداخيل لم تكن تتغيّا إلا تحقيق الرفاه لأناس بعينهم ابتكروا الحيل المتنوعة لتحقيق الثراء الفاحش على حساب الطبقات الشعبية من عموم التونسيين.

نتيجةً لذلك، سقطت الإيالة التونسية في مأزق المديونية والتبعية تجاه الدول الأوروبية؛ ذلك أن أرباب الأموال من الأوروبيين فتحوا آفاقًا لم تكن متوقّعة في وجه الباي لطلب قروض ذات بال من رجال البنوك في لندن وباريس الذين يهتمّون كثيرًا بالشؤون المالية التونسية، فجعلوا يكرّرون عروضهم في هذا الصدد. ولما كانت سنة 1864 على الأبواب كانت البنوك الأوروبية تعير تونس اهتمامًا بالغًا على أن سياسة القروض التي توخّاها الباي بتشجيع من القناصل الأوروبيين ستقود الإيالة سريعًا نحو الإفلاس، حيث يؤكّد ابن أبي الضياف أنّ هذا الأمر كان من أهم أسباب انتفاضة علي بن غذاهم سنة 1864، إذ إنه «تعين من دخل المملكة قدر عظيم لفائدته وأصله في كل سنة لا يقبل التأخير عند حلول أجله ومقدار أكثر من ثلث دخل المملكة بجميع أنواعه»‏[11]. كما يذهب ابن أبي الضياف إلى أنه رغم ما سقطت فيه الإيالة من ديون فإنّ رجال السلطة السياسية لم يتخلّوا عن مصاريفهم التي تتجاوز الضروريات إلى الكماليات‏[12].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 564 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 564 شباط/فبراير 2026

كتب ذات صلة:

تونس فرادة عربية

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 564 في شباط/فبراير 2026.

محمد ذويب: تاريخ العالم المتوسطي وحضارته اختصاص
تاريخ معاصر وراهن، جامعة منوبة – تونس.

[1] توفيق البشروش، ربيع العربان أضواء عن أسباب ثورة علي بن غذاهم سنة 1964، وثائق من الأرشيف الوطني التونسي، (تونس: بيت الحكمة قرطاج، 1991)، ص 22.

[2] عبد الواحد المكني، شتات أهل وسلات بالبلاد التونسية مقاربة في الأنثروبولوجيا التاريخية (تونس: دار سحر للنشر، 2020)، ص 168.

[3] البشروش، المصدر نفسه، ص 18.

[4]  Mustapha Kraiem, La Tunisie précoloniale (Tunis: Société Tunisienne de diffusion, 1973), tome 1, p. 127.

[5]         Ibid., p. 127.

[6]         Ibid., p. 132.

[7] Jean Poncet, «Notes sur la situation de la Tunisie à la suite des événements de 1864- 1868,» Les Cahiers de la Tunisie, no. 78 (1954), tome 1, p. 13.

[8] Habib Attia, «Evolutions des structures sociales et économiques dans les hautes steppes,» Revue tunisienne des sciences sociales, no. 6 (1966), p. 15.

[9] أحمد بن أبي الضياف، إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان (تونس: المكتبة التاريخية، 1963)، ج 5، ص 113.

[10] Narcisse Faucon, La Tunisie avant et depuis l’occupation Française Histoire et Colonisa­tion (Paris: Challamel, 1893), tome 1, p. 213.

[11] ابن أبي الضياف، المصدر نفسه، ج 5، ص 127.

[12] المصدر نفسه، ص 128.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز