مقدمة

عاش اليهود في الوطن العربي وسكنوا في أمكنة مختلفة: المدن والأرياف ومارسوا مهنًا مختلفة وأقاموا طقوسهم الدينية بحرية في كنسهم التي انتشرت بجوار الكنائس والمساجد.

كانت لليهود معاهدهم ومدارسهم وتجارتهم التي برعوا فيها وكذلك أحياؤهم وحاراتهم.

ففي لبنان الذي يتميز بتعدد طوائفه التي سمح نظامه السياسي والاقتصادي بوجودها وتفاعلها واستمرارها، وكذلك أتاحت الحرية لوجود الكثير من أصحاب الرأي والفكر.

فالطائفة اليهودية في لبنان موجودة في اللوائح والسجلات الرسمية، ولكن ليس لها نشاط اجتماعي أو اقتصادي أو ديني في العقود الأخيرة.

من هنا يطرح السؤال: أين هي الطائفة اليهودية؟ وكيف اختفت؟

إن ما تفعله الدولة العبرية في فلسطين من الإيذاء والإجرام بحق الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين يطرح عدة أسئلة؟ هل واجه اليهود قمعًا وتضييقًا وحربًا خلال وجودهم في البلاد العربية؟

تكمن أهمية هذه الدراسة في معالجة أحوال طائفة من زوايا مختلفة يعَدّ تسليط الضوء عليها من المحرمات.

تهدف الدراسة إلى: (1) إظهار أوضاع اليهود التعليمية في لبنان خلال العصر الحديث؛ (2) شرح المهن والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والتوزّع الجغرافي لليهود في المدن المختلفة: بيروت، وطرابلس، وصيدا؛ (3) إيضاح مظاهر التعايش والسلام الذي عاشه اليهود في بيئة عربية: لبنان؛ (4) تبيان مدى المساعدة التي قدمتها الطائفة اليهودية إلى الكيان الصهيوني في مجالات: تهريب اليهود، والمال، والسلاح…؛ (5) استقطاب الكيان الصهيوني لليهود اللبنانيين والتأثير فيهم واستمالتهم.

تتساءل إشكالية الدراسة: كيف كانت أوضاع اليهود في لبنان خلال العصر الحديث؟ ويتبع ذلك أسئلة فرعية: (1) كم بلغت نسبة اليهود في تلك الحقبة في لبنان؟ (2) ما الدور الذي أدّته الطائفة اليهودية في المدن اللبنانية؟ (3) كيف أثر الكيان الصهيوني في اليهود في لبنان؟ (4) ما المساعدة التي قدمها يهود لبنان إلى الكيان الصهيوني؟

تفترض الدراسة أن اليهود (1) قاموا بممارسة نشاطهم الاقتصادي والاجتماعي دون عوائق؛ (2) كان لليهود مدارسهم وكنسهم وتجارتهم وحاراتهم؛ (3) اشترك اليهود في أنشطة اجتماعية ودينية وسياسية؛ (4) كان للكيان الصهيوني أثر في يهود لبنان؛ (5) وقف يهود لبنان موقفًا محايدًا من الكيان الصهيوني.

استخدمنا في هذه الدراسة المنهج الوصفي التحليلي وقسمنا البحث إلى مبحثين: الأول، أوضاع اليهود في لبنان؛ والثاني، إنشاء الكيان الصهيوني وأثره في يهود لبنان.

مدخل عام

سمح العثمانيون لاستمرار العقائد غير الإسلامية في إدارة غير المسلمين، ومنحت البراءات والتعهدات لأهل الذمة، ممثَّلين بالبطاركة والحاخامات.

تركت السلطنة العثمانية لرجال الدين من غير المسلمين، الحرية الكاملة لإدارة شؤونهم الأُسرية والميراث لتابعيتهم، فلم تتدخل في شكل تكوين الأسرة، أو توزيع الميراث، وأوضحت ذلك على نحو صريح في البراءات والفرامانات التي كانت تصدرها عند تعيين البطاركة والحاخامات.

أتاحت الدولة لغير المسلمين ممارسة كل شعائرهم الدينية والحفاظ على أماكن ممارسة هذه الشعائر الدينية وأمنت لهم كل الوسائل التي تيسِّر لهم ذلك‏[1].

ما بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر جاء اليهود موجاتٍ، أُولاها كانت من الأندلس مع العرب، فجاء بعضهم إلى سورية واستقروا في صفد والخليل ودمشق وحمص وحلب وحماه وبعلبك وفي جبل الشوف ووادي التيم وفي بعض المدن الساحلية مثل بيروت وطرابلس وصيدا وحيفا، وأطلقت عليهم تسمية «السفارديم» وهؤلاء كانوا يتكلمون لغة «اللادينو» ثم أصبحت العربية لغة مشتركة بينهم وبين اليهود.

ومع بداية القرن التاسع عشر جاءت موجة يهودية أشكنازية من أوروبا الشرقية، كانوا يتكلمون لغة «اليديش»، وهي لغة الثقافة ليهود أوروبا الشرقية‏[2].

استقر اليهود في نواح مختلفة من أرجاء السلطنة، فقد كان هناك أقلية يهودية مستقرة في منطقة الخليج العربي قبل القرن التاسع عشر، كما انضمت إليها مجموعات أخرى في حقب مختلفة من القرن التاسع عشر لظروف وعوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية. جاءت أغلبيتها من العراق وبلاد فارس والهند واليمن وأفراد وأسر قليلة من كردستان وأرمينيا وأفغانستان‏[3].

انتشر اليهود في ليبيا أيضًا، وضمت مدينة طرابلس حارتين استقر فيهما أغلب يهود ليبيا «الحارة الكبيرة» و«الحارة الصغيرة». كما وجدت هذه الحارات في كل المدن الليبية التي وجد فيها اليهود ومنها حارة الزاوية، وحارة زليتن، وحارة مسلاته، وحارة أمواطين، وحارة بدر في مصراتة‏[4].

وقد سمح السلطان محمد الفاتح لليهود بالاستقرار في إسطنبول وعين لهم «حاخام باشي» أو حاخام أكبر، وخلع عليه سلطات واسعة، شبيهة بتلك التي كان يمارسها بطريرك طائفة الروم على كل يهود الإمبراطورية‏[5].

كانت معاملة السلطات العثمانية لليهود أفضل كثيرًا من معاملتها للمسيحيين‏[6]؛ والكثير من الوقائع التي توردها سجلات المحاكم الشرعية تثبت تلك المعاملة يوم كانت الدولة العثمانية تمثّل قوة عظمى يترامى عليها ملوك أوروبا لنيل رضاها‏[7].

حتى إن اليهود كانوا يلجأون إلى المحاكم الإسلامية (الشرعية) التي تمنحهم حقوقًا لا تتوافر في المحاكم المذهبية لليهود، علمًا بأنهم لم يكونوا ملزمين بذلك. وجدير بالذكر أن اليهود كانوا كثيرًا ما يلجأون إلى المحاكم الإسلامية في قضايا الإرث لجميع أفراد الأسرة والأقارب واليهود يخشون حرمانهم هذه الحقوق فيلجأون إلى الشرع الإسلامي لإنصافهم‏[8].

أما في لبنان فيجمع المؤرخون على أن اليهود استقروا في المناطق اللبنانية بعد مجيئهم من إسبانيا مطلع القرن السادس عشر، هربًا من الاضطهاد المسيحي، وقد سكنوا الشوف في حماية الموحدين الدروز، قبل أن ينتقل قسم منهم إلى بيروت في منتصف القرن التاسع عشر، للعمل في التجارة‏[9]، وقد سكنوا عاليه‏[10] وطرابلس وصيدا وحاصبيا‏[11] ودير القمر‏[12] وبحمدون‏[13].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 554 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 554 نيسان/أبريل 2025

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 554 في نيسان/أبريل 2025.

سليم هاني منصور: أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في الجامعة اللبنانية – الفرع الأول.

إبراهيم أنور الحوت: رئيس قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية – الفرع الأول.

[1] خالد عبد القادر الجندي، الأقليات الدينية في الدولة العثمانية، المسيحية – اليهودية – الأرمنية (أنقرة: منشورات IKSAD، 2020)، ص 133 – 134.

[2] انظر: يوسف نعيسة، «يهود بلاد الشام في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين،»  التراث العربي، العدد 113 (2009)، ص 98.

[3] يوسف علي المطيري، اليهود في الخليج (دبي: دار مدارك للنشر، 2011)، ص 502.

[4] مصطفى أحمد الشعباني، يهود ليبيا (بنغازي: دار الكتب الوطنية، 2006)، ص 87.

[5] عبد العزيز محمد عوض، الإدارة العثمانية في ولاية سورية (1864 – 1914)، تقديم أحمد عزت عبد الكريم (القاهرة: دار المعارف، 1969)، ص 307.

[6] نعيسة، «يهود بلاد الشام في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين،» ص 96.

[7] أكرم حسن الحلبي، يهود الشام في العصر العثماني من خلال سجلات المحاكم الشرعية في مركز الوثائق التاريخية بدمشق، 991هــــ – 1336هــــ/1583 – 1909م (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2011)، ص 8.

[8] انظر: الجندي، الأقليات الدينية في الدولة العثمانية، المسيحية – اليهودية – الأرمنية، ص 165.

[9] عصام محمد شبارو، عين المريسة: صفحة مشرقة من تاريخ بيروت ودور وطني قومي لا يموت (بيروت: دار مصباح الفكر، 2000)، ص 128.

[10] لا يزال الكنيس الذي بناه عام 1895 عزرا تزاروت في عاليه قائمًا. انظر: دلفين درامنسي، «بالصور: ما تبقى من المعابد اليهودية في لبنان،» رصيف 22، 2 آب/أغسطس 2017،    <https://rebrand.ly/65​65f6>.

[11] Nagi Gergi Zeidan, Juifs du liban: d’Abraham à nos jours, histoire d’une communauté disparue (Versailles: V.A Editions, 2020), p. 117.

[12] في دير القمر، لديهم عقار واحد هو كنيس صغير يعود تاريخه إلى القرن السابع عشر أصبح اليوم المعهد الفرنسي، في حين وردت أسماء خمسة أفراد ذكور من عائلة سنونو في لوائح الشطب لعام 2009، وهم ألياهو وأديب وسليم وماركو ونسيم سنونو. انظر: ربيع دمج، «يهود لبنان حكاية الطائفة المختفية،» الرأي (الكويت)، 30/5/2017.

[13] أما في بحمدون المحطة، قضاء عاليه، فيوجد كنيس كبير مهجور منذ سنة 1975 ومجموعة من العقارات، وليس لليهود أي حضور فعلي أو مدون في دائرة نفوس المنطقة. وكان الشخص الأخير قد غادر المنطقة في عام 1978 وهو رجل مسن ليست هناك أي معلومات حوله. انظر: المصدر نفسه.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز