مدخل

الوطن الجزائري، وما في حكمه ومعناه، تَكوَّن من خلال صراعه وحواره مع الاستعمار الفرنسي في الجزائر وحضارته في المتروبول؛ فقد اكْتَشَفت الأمة الجزائرية واكْتَسَبت خصائصها الحديثة الموافقة لبناء وطن يستوعب كل الجزائريين في مراكزهم القانونية والسياسية والاجتماعية الحديثة والمعاصرة، أي معاصرة الإنسان الجزائري لمؤسسات دولة حديثة.

لحظة الاستعمار في الجزائر، لحظة مفصلية لتوكيد حقيقة تاريخية وسياسية وقانونية للدولة الجزائرية لما بعد الحرب العالمية الثانية وتأسيس هيئة الأمم المتحدة وبداية الشرعية الدولية.

خاض فرحات عبّاس نضالًا سياسيًّا من أجل إرساء معالم وملامح وطن جزائري حديث من داخل مؤسسات الدولة القائمة، في عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى، وزوال الإمبراطوريات والاستعمار والبرجوازية المتهرئة؛ فقد وضع فرحات عبّاس نُصْب عينيه الإدارة والتسيير والقانون والاقتصاد والمؤسسة والمرافق العامة من أجل تأطير الإنسان الجزائري وضرورة تعديل شرطه من كائن أهلي إلى كائن مواطن في وطنه. وقد أوضح كل ذلك في سياق المؤتمر الإسلامي المنعقد في حزيران/يونيو 1936، الذي دعا إليه الشيخ عبد الحميد بن باديس وتفاعل معه فرحات عباس، بكل ما أوتي من جهد واجتهاد.

خاض ابن باديس، من جهته، نضالًا أخلاقيًّا وثقافيًّا وسعى إلى بلورة الدين الإسلامي واللغة العربية بالجهد والاجتهاد من أجل أن يَصِلا إلى المجال العمومي كشرط لا بد منه لوطن لكل الجزائريين المسلمين وحتى الفرنسيين. ومن التجربتين، نَصِل إلى حقيقة يؤكدها تاريخ الجزائر حِيال الاستعمار، أن الوطن الجزائري هو حاصل تجارب سياسية وأيديولوجية وتفكير في مستقل الشَّعب الجزائري الذي يختلف عن الشعب الفرنسي. وعليه، فالوطن المراد كَشْفه هو الوعاء القانوني والسياسي الحديث الذي يليق بالجمهورية الجزائرية المرتقبة.

أولًا: الوطن الجزائري إبّان الاستعمار الفرنسي

الوطن الجزائري يحيل إلى الأمة الجزائرية. والبحث عن كيان يواجه الاستعماري، حالة حديثة مرت بها الجزائر. فالوضع الاستعماري هو الذي ألَحَّ على إشكالية وجود الأمة الجزائرية قائمة بكل مقوِّماتها، تَنَكَّر الاستعمار الفرنسي لها. وجود كيان ومجتمع وسكان وإقليم تَحْكُمه تقاليد تمْتَد في تاريخ متنَوّع ومتفاوت ومنسجَم، حقيقة لا يمكن أن يُمَاري فيها إلا استعمار بغيض يريد أن يؤكد وجوده ليس وفق المشروع الحضاري الذي ادَّعاه لحظة غزوه بجحافله وقواته المسلحة، الأرض الجزائرية، في حزيران/يونيو 1830. يمكن أن تختزل إشكالية الأمة الجزائرية في العهد الاستعماري في وجود وإنكار لكيان يمكن أو لا يمكن أن يواجه ويتصدى لوجود دولة قوية استوفت بعض شروط ومقتضيات وعناصر الدولة الحديثة، أي الدولة التي تستند إلى أمة بكل مقوماتها. وهو ما يحيل الإشكالية كلها لاحقًا إلى مسألة أهلية، ومسألة استعمارية ووطنية.

تؤكد الفقرة السابقة حالة وجود أمة جزائرية بالمعنى الأنثروبولوجي والتاريخي والثقافي والسياسي، ولا تنفي إطلاقًا حالة الضعف التي كانت عليه هذه الأمة‏[1]، كما لا تنفي قوة الاستعمار وشراسته وعنجهيته في الوقت نفسه، وهذا ما تُؤَكده أهم الوثائق الأيديولوجية والسياسية وحتى الفكرية التي تَنَاولت عهد الاستعمار الفرنسي زمن حركة المقاومة والحركة الوطنية الجزائرية، أو تاريخ المقاومة والحركة الوطنية زمن الاستعمار الفرنسي. نريد أن نشير إلى أن إشكالية الوطن الجزائري القائم على مقومات أمة، لم يأخذ منذ البداية مفردات سياسية في مواجهة الخطاب السياسي الفرنسي الحديث، أي القادم من عصر الأنوار والحداثة والمدنية الجديدة، بل أخذت هذه الإشكالية شكل المقاومة المسلحة والدبلوماسية، وأظهرت وحدة مجتمع قائم على مقومات تَأَخّر الحديث عنها إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، حيث ظهرت مؤسسة عالمية، عصبة الأمم، المرجع الأعلى في التحكيم وفي منح الشرعية الدولية. فالعضوية في العصبة أو بعدها في هيئة الأمم المتحدة، هي التي ساهمت بقوة في إضفاء الشرعية على وجود الأمة الجزائرية، وكيانها القائم على ما هو خاص ومشترك مع العالم العربي والإسلامي.

وإمعانًا في التوضيح، نقول إن وجود أمة ضعيفة، قياسًا على بداية العصر الاستعماري الحديث، لا ينفي وجودها إطلاقًا، ولا يمنح لأي جهة الشرعية لكي تحتلها تحت أي صيغة كانت، لوجود إرادة تَرْفض ذلك وقد تَلْجأ إلى فعل المقاومة بالثورات والحروب وكل مسائل الرد والرفض والاستشهاد، على ما حدث طوال القرن التاسع عشر بداية من عام 1830 إلى عام 1962. فقد دخل الحديث عن الأمة الجزائرية بدوره في اللحظة الاستعمارية من أجل أن يَنْزع لنفسه مقوِّمات الخِطاب الواضح والسَّليم والشَّرعي لمواجهة النِّظام الاستعماري واستحقاق العضوية في المجتمع الدولي الذي بدأ يتكون ضدًّا على الوجود الإمبريالي والاستعماري. وعليه، كلما زاد المنحى الحرج والشائك والغامض في الوضع الاستعماري زاد الوضوح والشرعي والخطاب السياسي البيّن في وضع المجتمع الجزائري وقوامه من الوطن والأمة والبلد والتطلع إلى إرساء معالم الدولة الجزائرية الحديثة. كل ذلك كان يجري في غمار الصراع الأيديولوجي والسياسي وفي الحياة اليومية مع المؤسسات الفرنسية أو ضدها والتصادم مع قوانينها وتشريعاتها وبخاصة المتعلقة بالسكان الأهالي.

واضح تمامًا، أننا في هذا البحث نعالج الموضوع من آخر ما توصل إليه البحث العلمي والتاريخي في مسألة الاستعمار الفرنسي والجزائر، وهي العيِّنة النموذجية التي يمكن أن تمتد إلى دراسة الاستعمار وتصفية استعمار بصورة عامة، ودراسة ومعالجة مقاومة الاحتلال بأوجهه كافة، ونأخذ دائمًا حالة الاستيطان الفرنسي في الجزائر. من هنا بالذات، عدم استقلال وانفراد وجود الأمة الجزائرية عن السياق الدولي العام والغالب فيه نزعة الأوروبيين إلى احتلال مناطق جغرافية في العالم، على خلفية صراعاتهم المحتدمة طوال تاريخ ما بعد النهضة القرن السادس عشر إلى الحرب العالمية الثانية في القرن العشرين‏[2]. ولعلنا لا نبتعد من الحقيقة إذا ما قلنا إن المقاومتين المسلحة والسياسية، سواء على صعيد الداخل الجزائري أو على صعيد الخارج، هما اللتان ساهمتا في قسط وافر في إضفاء المقومات الحديثة والمعاصرة للأمة كأفضل طريق إلى بناء وتأسيس الدولة الجزائرية، ومن شرعية الوجود في الهيئة الأممية والمجتمع الدولي على السواء‏[3]. وما يُوَضّح هذه الحقيقة الجغرافية والتاريخية في صلتها بالفعل السياسي المقاوم للاستعمار، هو ما ورد في وثيقة حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية، الكراس الأول (اعتبارات عامة): «[…] من الناحية القانونية، فقد أنكر الاستعمار الفرنسي السيادة الجزائرية التي كانت تعترف بها من قبلُ جميع الدول، بما في ذلك الدولة الفرنسية، ثم راح يحاول إحلال سيادته عليها؛ فقد ألغى الاستعمار حق المواطنة وحق الجنسية الجزائرية، وفرض بدلًا منهما – نظريًّا على الأقل – أوصافًا مثل «الأهالي» و«الفرنسيون المسلمون» ويتجنب نعتهم «الجزائريون». وهكذا، عدّت فرنسا الجزائر إقليمًا تابعًا لها، رغم الحقائق الصارخة المنافية لذلك ورغم التاريخ والجغرافيا، ورغم وجود 800 كلم تفصل بَحْرًا الجزائر عن فرنسا. وبموجب ذلك، يجري الحديث مرّة عن مقاطعات فرنسية في الجزائر، ومرّة أخرى عن امتداد فرنسا في شمال أفريقيا، وعندما سقطت كل التبريرات، عَدَّت فرنسا الجزائر واحدة من مستعمراتها لما وراء البحار…»‏[4].

في الدراسات التاريخية المعاصرة، صرْنا نَبْحث الموضوعات في إطار تاريخ شامل لا يريد أن يغفل الوقائع والأحداث، حتى تلك التي تمتد إلى الحياة اليومية والشؤون المنزلية والمحلية وكل المجالات من نظام زراعي إلى نمط اقتصادي إلى تسجيل الحياة الموسمية وعادات وتقاليد كل المجتمعات التي تركت تراثًا وتاريخًا وحضارة.. وهذا هو الذي يبيّن بالذات وجود الأمة أو كيانها مهما كانت مكانتها على سلّم التَّقَدّم والتَّطَوّر والرُّقي، لأن وجود كيان مبدئي هو الذي سوف يُرشِّحه إلى امتلاك شرعية وجود الدولة المرتقبة في القرن العشرين في ظل المؤسسات الدولية التي تَعْلو على الأمم والدول والبلدان… فقد تَطَوَّر العالم الحديث إلى تاريخ معاصر وعلامة تطوره البارز هي إنشاء هيئة الأمم المتحدة، وأعقبتها بعد عقود نظرية التاريخ الشامل التي تُوَضّح كل الحضارات والمدنيات تحت مِجهر البحث والدِّراسة والمُعالجة الموضوعية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 571 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 571 أيلول/ سبتمبر 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 571 في أيلول/سبتمبر 2026.

نور الدين ثنيو: كاتب وأكاديمي جزائري.

[1] ضعف الأمة الجزائرية، هي الحالة التي عبّر عنها المفكر الجزائري مالك بن نبي بالقابلية للاستعمار، أي حالة العفوية والتلقائية الاجتماعية والعشائرية التي كان عليها المجتمع الجزائري. أغرى الوضع الفرنسيين بغزو الجزائر، ككيان ووطن وأمة تختلف اختلافًا بيِّنًا عن الفرنسيين. لا بل عَمَدت، في أول إجراءات وتدابير التَّوسع و«التَّعمير» إلى التِمَاس كل ما يساعد على التَّمييز والتَّفرقة بين الفرنسيين والجزائريين السكان الأصليين التي أطلقت عليهم في قوانينها ومؤسساتها الإدارية «الأهالي».

[2] الصلة بين وجود الأمة الجزائرية وبين الاستعمار يشرُحها حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية في أهم وثائقه التي صدرت عام 1951، تحت عنوان «المشكلة الجزائرية»، وجاء في الكراس الأول ما يأتي: «لا مراء أن الأمة الجزائرية حقيقة، وأن عوامل وعناصر الانسجام موجودة على قدر كبير من القوة والصلابة لمواجهة كل أسباب التَّفكك والانهيار، لا بل إن هذه العوامل لا تزال تَتَمتن وبلا هوادة، في صراعها المناهض للاستعمار» «Le Problème algérien: Considérations générales, commission centrale d’information et de documentation du Mou­ve­ment pour le Triomphe des Libertés démocratiques en Algérie,» CAOM/B/233, p. 7.

[3] نعتقد أن خطاب اليساري الجزائري، وبخاصة منه الحزب الشيوعي الجزائري لما بعد تأسيس هيئة الأمم المتحدة، هو أفضل من بلور فكرة وجود الأمة ليس نوعًا من الوجود، بل ككيان واقعي لا يمكن لأي كان أن يفتئت عليه تحت أي ادعاء، وهذا الكيان على ضعفه هو الذي تفاعل مع كل الوقائع والأحداث زمن الاحتلال ليزداد قوة وأملًا في ماضيه وفي مستقبله. وهذا ما تلخصه الفقرة من دراسته حول الأمة الجزائرية: «كان يوم أول [تشرين الثاني/] نوفمبر، بمثابة صرخة صدرت من أعماق الأرض الجزائرية ومن أمة تفصح عن وجودها ومتأكدة من تحررها القادم» P.C.A, Essai sur la nation algérienne, p. 3. قدرة المناضل اليساري سواء الشيوعي أو الوطني على تحليل الواقع الجزائري زمن الاحتلال متأتٍّ في الغالب، لأنه يمتلك ثقافة النضال في سبيل الهوية الوطنية وثقافة مناهضة الاستعماري باللغة الفرنسية التي تبلور بها الفكر السياسي الحديث والمعاصر، فضلًا عن سيطرته على ملف المسألة الاجتماعية سواء أكانت في فرنسا أو في الجزائر.

[4] «Le Problème algérien: Considérations générales, commission centrale d’information et de doc­umen­tat­ion du Mouvement pour le Triomphe des Libertés démocratiques en Algérie,» p. 9.


نور الدين ثنيو

أستاذ باحث، جامعة الأمير عبد القادر،- الجزائر.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز