في دراسة قانونية – سياسية قيّمة ومُحكمة تُمثّل ركيزةً صلبةً في حقل دراسات القانون النقدي والمالي الدولي، يغوص الدبلوماسي اللبناني والباحث في القانون المالي الدولي أحمد سويدان بجُهد ألمعي وموضوعيّة عميقة في مقاربة علمية تُضيء على سبل امتثال القواعد والإجراءات المالية الدولية والأجنبية في القانون المالي الدولي، والأسباب التي توجب على المؤسسات المالية في بلد ما أن تمتثل القوانين والإجراءات المالية التي تقرّها دولة أخرى، وما يمكن أن ينتج من عدم الامتثال، والوقوف عند المسؤوليات المترتبة عليه، فضلًا عن موقع «الإجراءات» في القانون الدولي.

تبحث الدراسة في أصل الإجراءات المالية الأمريكية وشكلها وقوّتها القانونية وتداعيات عدم امتثالها، سواء كإجراءات وطنية أم إجراءات دولية. وتُعين في فهم أُسس الحروب المالية وأدواتها وسلاحها ومآلاتها، كما تُعين في رسم خريطة مواجهة علمية لهذه الحروب والتخفيف من تداعياتها. إزاء ذلك، يؤكّد الباحث أحمد سويدان أننا «لو كنّا أحسنّا إدارة مواردنا لكانت حالنا أفضل بكثير من الخضوع لمعادلة الامتثال». ويحلّل لبنان كنموذج عن المعادلة.

قد «يُفهم» أنّ الدراسة تنحاز بخُلاصاتها أو تعكس تفهّمًا أو حتى تعطي مبرّرًا لبعض السياسات والإجراءات الأمريكية بحقّ دولٍ وكياناتٍ وأسواقٍ وأطرافٍ مختلفة. فالقراءة التي تحتاج الدراسة إليها تستوجب الدقّةً بعيدًا من «أهواء» السياسة، ومن نظريات المؤامرة، ولا سيما في مقاربة مفهوم الهيمنة المالية – السياسية ومآلات التبعية النقدية، ومفهوم الحروب المالية التي تشهد الكثير من «التمييع» و«الشعبوية».

أولًا: التهويل على «السُمعة المالية» والخضوع للقوانين الفدرالية الأمريكية

تستفيض الدراسة المعنونة «الحروب المالية الأمريكية»، في قسمها الأول، في شرح مفهوم السيادة النقدية في ظلّ العولمة المالية، وتُناقش بعمقٍ أثر هذه العولمة في ممارسات السلطات السيادية، وصولًا إلى هيمنة الدولار في التعاملات المالية وسيطرة الولايات المتحدة على العالم سياسيًا واقتصاديًا. وفي السياق، يأتي الحديث عن حيثيات تمثّل «السُمعة المالية» لأيّ سوق مال في العالم وآليات تعرّضها لـ«الإساءة» وخطر مواجهتها لحكم «الإعدام»، بما يعني بكل بساطة، منع «مؤسسات مالية» من التعامل مع السوق الأمريكية، وبالتالي، تعرّضها للفصل الكامل عن النظام المالي الدولي.

فلا يُخفى على أحد أنّ وزارة الخزانة الأمريكية، وتحديدًا مكتب ضريبة الدخل في الوزارة، تمتلك حق وسم المصارف العاملة في الولايات المتحدة بتهمة التواطؤ في عمليات تبييض الأموال – من جُملة الجرائم المالية. وسمٌ من شأنه إحداث عزل شبه كامل، وكامل في الأغلب، بحق مؤسسات مالية عن النظام المالي العالمي. وعادة، يتمّ وضع تلك المؤسسات بين خيارين: إمّا الالتزام بمنحى الشمول المالي وإمّا اتخاذ «إجراءات عقابية» بحقّها. وبالتالي، فإنّ الخوف من وصمة العار التي تأتي من وراء البحار، والتهديد المُبطّن بـ«تلطيخ» السُمعة المالية، والخوف من فصلٍ عن السوق المالية العالمية، هو الذي يُخضع لقواعد «الامتثال» حتى من دون «مضبطة اتهام»، نتيجة الإفراط بالهلع واستسهال فكرة الإذعان. ولا سيما أنّ سلطات الخزانة الأمريكية لديها «سلطة مطلقة» على العالم المالي، فضلًا عن أنّ القانون الوطني الأمريكي في القانون المالي الدولي إنّما هو قانون دولي.

في هذا السياق، تُلفت الدراسة إلى أنّ الولايات المتحدة الأمريكية، تمتلك على مستوى أسواق المال، وتحديدًا في ولاية نيويورك، أكبر البورصات وأحسنها سُمعةً على مستوى العالم، وهي لذلك توصف بأنّها «عاصمة رأس المال». وعليه، فإنّ المؤسسات المالية العالمية من بنوك وشركات استثمارية وسواها، الباحثة عن التمويل، لا تجد خيارات أخرى كثيرة أمامها أفضل من التعامل مع هذه الأسواق، مع ما يستتبعه ذلك من خضوع للقوانين الفدرالية الأمريكية وقوانين هذه الولاية التي تتحوّل بذلك لتكون قوانين واقعية بالنسبة إلى جميع المؤسسات. «خضوع» هو بمنزلة ترخيص تناله المؤسسات الاستثمارية الأجنبية من الهيئات المشرفة على السوق المالية الوطنية من أجل إدراج منتجاتها المالية في بورصاتها، وهو الترخيص الذي لا يصدر إلّا بعد التأكّد من التزام هذه المؤسسات بمختلف القواعد التنظيمية المعتمدة في هذه السوق.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 538 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 538 كانون الأول/ديسمبر 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 538 كانون الأول/ديسمبر 2023.

ياسمين قعيق: باحثة سياسية لبنانية.

[1] تعتمد هذه الدراسة أساسًا على كتاب: أحمد سويدان، الحروب المالية الأميركية: الامتثال للقواعد والإجراءات المالية الدولية والأجنبية في القانون المالي الدولي (بيروت: دار الفارابي، 2021).


ياسمين قعيق

باحثة سياسية لبنانية.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز