مقدمة

عُقدت في نيودلهي في الهند يومَي 9 و10 أيلول/سبتمبر 2023 قمة دول مجموعة العشرين برئاسة رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي. بحثت القمة في عدد من النقاط الرئيسية ومن ضمنها التنمية الخضراء، وتمويل المناخ، والحياة، ودعم نمو سريع وشامل ومرن، وتسريع التقدم في أهداف التنمية المستدامة والتحول التكنولوجي والبنية التحتية العامة الرقمية وتدعيم المؤسسات المتعددة الأطراف للقرن الحادي والعشرين ودفع عملية التنمية التي تقودها المرأة[1]. وكان لافتًا للنظر الحضور الكثيف للقادة الغربيين في مقابل غياب كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جينبينغ عن القمة، وهو ما أشّر إلى عدم رضى عن محاولات الهند التقارب مع الغرب على حساب علاقاتها مع دول الكتلة الأوراسية والبريكس.

كان ضم منظمة الاتحاد الأفريقي كعضو دائم في مجموعة الدول العشرين من أهم نتائج القمة، وهو ما يعَدّ ردًا على قمة البريكس الأخيرة التي عقدت في جنوب أفريقيا والتي أطلقت مبادرات لشراكات واسعة بين المنظمة التي تقودها الصين وروسيا مع الدول الأفريقية، إضافة إلى إطلاق منظمة جديدة تسمى التحالف العالمي للوقود الحيوي، لتشجيع تطوير واعتماد الوقود الحيوي المستدام، ووضع المعايير وإصدار الشهادات ذات الصلة واعتماد إعلان قادة نيودلهي بتوافق الآراء، والأهم هو إبرام اتفاقية بين مجموعة من الدول لبناء ممر لسكك الحديد والشحن يربط الهند بالشرق الأوسط وعبره بأوروبا ويسمى الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، وهو يضم الهند والسعودية والإمارات والأردن والكيان الصهيوني والاتحاد الأوروبي[2].

أولًا: مسار الممر

الممر الهندي – الشرق الأوسطي – الأوروبي هو ممر اقتصادي يهدف إلى تعزيز الاتصال بين المناطق الثلاث[3]. وقد أعلن زعماء الولايات المتحدة والهند والسعودية والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي عن مذكرة تفاهم لتطوير النظام الجديد (الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)). الذي يهدف إلى ربط المراكز الاقتصادية في أوروبا وآسيا، مع التركيز على إنتاج وتصدير الطاقة النظيفة، ومد الأسلاك تحت الماء، وربط شبكات الطاقة وخطوط الاتصالات لتوفير وصول موثوق به للكهرباء. يهدف المشروع أيضًا إلى تشجيع الابتكار في تقنيات الطاقة النظيفة وإنشاء اتصالات إنترنت آمنة ومرنة لربط المجتمعات. وسيحتوي الممر على فرعين رئيسيين: الممر الشرقي الذي يربط الهند بالخليج العربي، والممر الشمالي الذي يربط الخليج العربي بأوروبا. ستشمل هذه الممار، عند اكتمالها، مشاريع سكك الحديد لإنشاء شبكة عبور عبر الحدود من سفن إلى سكك حديد يمكن الاعتماد عليها وفعالة من حيث التكلفة، لتكمل طرق النقل البحري والبري الحالية. سيؤدي ذلك إلى تسهيل النقل السلس للسلع والخدمات بين الهند والإمارات العربية المتحدة والسعودية والأردن و«إسرائيل»، وأوروبا مع تعزيز التجارة الإقليمية والتصنيع والأمن الغذائي وسلاسل التوريد. ويحرص المشاركون على جذب استثمارات جديدة من الشركاء، بما في ذلك القطاع الخاص، وخلق فرص عمل عالية الجودة[4].

يضم الممر المتعدد الوسائط خطوط سكك الحديد والشحن، والكابلات البحرية للكهرباء والاتصالات، وأنابيب لصادرات الهيدروجين النظيف. ومن المتوقع أن يربط الممر بين الهند والإمارات والسعودية والأردن و«إسرائيل» وبعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. سيؤدي ذلك إلى تحسين الاتصال وتعزيز التكامل الاقتصادي عبر هذه المناطق، حسبما جاء في اتفاقية الدول المشاركة، ويأتي ذلك وسط تعزيز علاقات الهند الاستراتيجية مع بلدان غرب آسيا[5].

ثانيًا: أهداف الولايات المتحدة الجيوسياسية

جاء أول رد فعل على الممر من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي اعترض على تجاوز الخط لتركيا[6]. وقال أردوغان خلال قمة العشرين إنه لا يمكن أن يكون هنالك ممر من دون تركيا التي «تشكل قاعدة إنتاجية وتجارية مهمة والخط الأكثر ملاءمة لحركة المرور من الشرق إلى الغرب يجب أن يمر عبر تركيا»[7]. وعلى الرغم من ترحيب الصين بمبادرة الممر إلا أنها حذرت من أن يكون له «أجندة سياسية»[8]. جدير بالذكر أن مبادرة الممر، التي تقدَّم على أنها ذات طابع اقتصادي بحت ما هي إلا الترجمة الاقتصادية لاتفاقية التنسيق الأمني التي عقدت بين الولايات المتحدة و«إسرائيل» والإمارات والهند والمعروفة بـ«أي تو يو تو»، وهي شراكة جديدة بين حكومات الهند و«إسرائيل» والإمارات والولايات المتحدة تهدف إلى تعزيز جهود الولايات المتحدة لاحتواء نفوذ الصين في آسيا والشرق الأوسط. تعدّ هذه المبادرة مشروعًا مصاحبًا للرباعية، وهي شراكة رباعية تضم أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة التي تأسست جزئيًا لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد في المحيط الهادئ[9].

يرى مراقبون أن مبادرة الممر تتعارض مع مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين قبل عقد من الزمن والتي تستند إلى ممر بري ينطلق من شرق الصين عبر وسط آسيا إلى إيران ويتفرع إلى خطين، ينطلق أحدهما إلى البصرة وشبه جزيرة الفاو في جنوب العراق في حين يمتد الثاني باتجاه شرق الأناضول فمرسين مع تفرع خط منه إلى سورية حيث سيصب في ميناء اللاذقية السوري قبل أن ينطلق إلى شرق أوروبا. أما الخط البحري فينطلق من جنوب شرق الصين عبر جنوب بحر الصين فالهند ثم سلطنة عمان فاليمن والبحر الأحمر فمصر قبل أن يصب في شرق المتوسط. وقال إيان هول، نائب مدير الأبحاث في معهد غريفيث آسيا، لـمجلة سكرول الهندية إنه من الواضح أن هذا الممر ينطلق من مواجهة مبادرة الحزام والطريق، التي تتجاوز الهند حاليًا. من الواضح أن الفائدة التي تعود على أوروبا والولايات المتحدة من هذا الممر تكمن في ضمان عدم هيمنة الصين على التجارة عبر الإقليمية. وقال مايكل كوغلمان، مدير معهد جنوب آسيا التابع لمركز ويلسون في واشنطن، إنه في الوقت الذي تريد واشنطن أن يتعارض المشروع مع مبادرة الحزام والطريق، فإن بعض المشاركين الخليجيين، وربما حتى بعض الدول الأوروبية، ربما لا يرغبون في طرحه بهذه الطريقة لأنهم يقدرون روابطهم التجارية مع بكين. وأضاف كوغلمان: «قد يكون من الأفضل النظر إليها كبديل لاستثمارات الصين في البنية التحتية». «لقد وصف المسؤولون الأمريكيون المشروع بالفعل بأنه شفاف وغير قسري، وهو ما يتناقض بصورة واضحة مع الطريقة التي تنظر بها الولايات المتحدة إلى مبادرة الحزام والطريق. لذا، سيكون الهدف من المشروع، جزئيًا على الأقل من وجهة نظر الولايات المتحدة، توفير نموذج بديل للاستثمار في البنية التحتية[10]. ويأتي هذا بموازاة إعلان إيطاليا عزمها الانسحاب من مبادرة الحزام والطريق بعد تعرضها لضغوط أمريكية، وهو ما قد يحرج موقف الصين[11].

بالنسبة إلى واشنطن، فإن تطوير قوس من الاتصال التجاري من ساحل بحر العرب الهندي إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​​​الإسرائيلي مع الإمارات كمركز لها يوفر ثقلًا جيوسياسيًا موازنًا للوجود التجاري الصيني المتوسع عبر منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الشرق الأوسط [12].

يهدف الممر من وجهة نظر واشنطن إلى إبطاء انجذاب منطقة الخليج نحو التكامل الأوراسي ومجموعة البريكس وعزل مصر وإيران وتركيا التي تتقارب على نحو متزايد مع روسيا، وجعل ميناء حيفا قابلًا للحياة من خلال توليد الأعمال وجعله مركزًا للنقل بين غرب آسيا وأوروبا، وتعزيز المحور الإسرائيلي – اليوناني في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​وربطه بأمن الطاقة في أوروبا، وتوفير الدعم لحلف شمال الأطلسي في مرحلة تؤكد تركيا فيها استقلالها الاستراتيجي وتقليل الاعتماد على قناة السويس، لأن الدول المطلة على البحر الأحمر – اليمن والصومال وجيبوتي وإثيوبيا وإريتريا والسودان – لم تعد مستعدة لخدمة المصالح الغربية[13]. جدير بالذكر أن تهميش قوى مثل العراق ومصر وتركيا وإيران ودمشق يمثل تهميشًا للأقطار العربية والإقليمية التي أدت دورًا رئيسيًا ورياديًا في سياسات المنطقة منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا. وهذا يدلل على رغبة الولايات المتحدة في تهميش الأدوار الاقتصادية وبالتالي الجيوسياسية لهذه الأقطار في منظومة الشرق الأوسط الذي تريد واشنطن إقامته حتى تضمن تبعية النظام الإقليمي لها. وهذا يأتي تطبيقًا لمفهوم تحالف الأطراف الذي أطلقه مؤسس الكيان الصهيوني دايفيد بن غوريون في عام 1958 والذي يقوم على تحالف الكيان الصهيوني مع قوى غير عربية، مثل تركيا وإيران وإثيوبيا، لتطويق البلدان العربية ومنعها من تأدية دور إقليمي فاعل، وهو ما عدّه في رسالة إلى الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور (1953 – 1961) أنه يضمن ولاء الشرق الأوسط للنفوذ الأمريكي[14]. لكن انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وتمردها على الهيمنة الأمريكية من جهة، وتمرد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على الهيمنة الأمريكية على تركيا بعد عام 2013 من جهة أخرى يبدو أنها جعلت الأمريكيين يعدلون هذه المقاربة ويضيفون إيران وتركيا إلى قائمة الدول التي يجب تهميشها في أي نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط، على أن تعتمد واشنطن على «إسرائيل» بالدرجة الاولى، وعلى عواصم عربية أو إقليمية – مثل الإمارات والسعودية والاردن وقبرص – لم يكن لها تاريخيًا دور ريادي في العالم العربي والإسلامي. لذا فإن الجزء الشرق الأوسطي من العمود الفقري ليس لخط تجاري فقط، بل هو لمنظومة إقليمية أيضًا تقوم على دور محوري وريادي لـ«إسرائيل» في قيادة المنظومة الشرق الأوسطية التابعة للولايات المتحدة، وذلك بالتعاون مع الأردن والسعودية والإمارات، أما ربطه بأوروبا فهو لضمان تتبيع هذا النظام الشرق الأوسطي إلى الغرب، وفي ما يتعلق بالعلاقة بالهند فهو لربطه بطرف آسيوي منافس للصين لإبعاده من التقارب مع القوى الأوراسية البرية التي تعد امتدادًا للنفوذ الصيني.

ثالثًا: أهداف الهند الجيوسياسية

إذا كانت أهداف الولايات المتحدة من رعاية الممر الهندي – الشرق الأوسطي – الأوروبي واضحة لجهة مواجهة تصاعد نفوذ الصين في العالم فإن موقف الهند بحاجة إلى مزيد من التمحيص. فأول وهلة يمكن النظر إلى الهند على أنها شريك للصين وروسيا في منظمة شنغهاي للتعاون التي أطلقت في عام 2001 وفي مجموعة البريكس التي أطلقت في عام 2009، إلا أن هنالك أسبابًا تدعو الهند إلى عقد تحالفات مع الولايات المتحدة ومع أوروبا لموازنة النفوذ الصيني داخل المنظمتين الآنفتي الذكر. فوفقًا للبنك الدولي بلغ الناتج المحلي القائم للهند 3.4 تريليون دولار أمريكي في عام 2023 [15] في مقابل نحو 18 تريليون دولار للصين[16]، مع العلم أن عدد السكان متساوٍ تقريبًا بين البلدين، وهو ما يعطي أفضلية كبيرة للصين، وخصوصًا إذا أخذنا في الحسبان نسبة النمو المتوازن وتنمية البنى التحتية وعملية التحول والتحديث المجتمعي.

مع اشتداد المنافسة بين الهند والصين على النفوذ في جنوب آسيا، يصبح الاستثمار الأجنبي أكثر أهمية في تكوين النتائج الإقليمية. تكتسب هذه المناقشة أهمية خاصة مع استمرار مبادرة الحزام والطريق الصينية في التوسع، حيث وصلت إلى حدود كل دولة في جنوب آسيا تقريبًا. لذا إن مبادرة الممر تساعد الهند على الاستفادة من المساعدات والاستثمارات الأجنبية لتحقيق هدفها المتمثل بأن تصبح لاعبًا رائدًا في جنوب آسيا[17]. يعمل الممر الهندي – الشرق الأوسطي – الأوروبي على تعديل السطح الجيوسياسي للاتصال البحري من خلال توفير طريق ثالث من آسيا إلى أوروبا كبديل لـ «طريق الحرير البحري» في القرن الحادي والعشرين الذي أطلقته الصين («طريق» مبادرة الحزام والطريق المتمحور حول بكين) وممر العبور الدولي بين الشمال والجنوب (المتمركز في إيران)[18].

الجدير ذكره أن طريق الحرير البحري الصيني يتكون من سلسلة من منشآت الموانئ التي بنتها الصين وتمتد غربًا من جنوب شرق آسيا. ومع وجود موانئ تدعمها الصين في ميانمار وبنغلادش على الجانب الشرقي للهند، وفي سريلانكا على الجانب الجنوبي للهند، وفي باكستان على الجانب الغربي، وهذا يجعل بعض القادة في نيودلهي ينظر إلى طريق الحرير البحري في بكين بوصفه مشروعًا يؤدي إلى التطويق البحري للهند[19]. لذا فإن رد نيودلهي كان في إنشاء ممر متعدد الوسائط للوصول إلى أوروبا عبر إيران وآسيا الوسطى وروسيا من خلال بناء ميناء حديث في البحر العميق على الساحل الإيراني في تشابهار وخطوط الطرق وسكك الحديد الممتدة شمالًا من تشابهار عبر إيران وأفغانستان إلى آسيا الوسطى. إلا أن هذا الخط واجهته العقوبات الغربية المفروضة على إيران[20].

رابعًا: القوى المستفيدة من الخط
في الشرق الأوسط

تعدّ «إسرائيل» أكثر دولة ستستفيد من الممر الهندي – الشرق الأوسطي – الأوروبي. فهذا الخط يجعلها حلقة الربط الرئيسية بين الهند من جهة وأوروبا من جهة أخرى. وقد وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إطلاق الممر بأنه من أهم التحولات بالنسبة إلى الإسرائيليين، مشيرًا إلى أنه «أكبر مشروع تعاون في تاريخ «إسرائيل»» من شأنه أن يؤثر في الشرق الأوسط و«إسرائيل» والعالم كله. ورأى نتنياهو أن «إسرائيل» ستكون هي مركز هذا المشروع العالمي الرائد الذي سيربط البنية التحتية من آسيا إلى أوروبا[21]، مشيرًا إلى «أن هذا الارتباط سيحقق أيضًا رؤية متعددة السنوات ستغير وجه الشرق الأوسط و«إسرائيل» وستؤثر في العالم أجمع»[22].

سيستفيد الأردن من هذا الممر أيضًا، وخصوصًا أنه سيمثل جسر العبور له من «إسرائيل» إلى الدول العربية الخليجية. وفي ما يتعلق بالسعودية فقد أعلن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، خلال اجتماع مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي – الهندي المشترك في نيودلهي، أن السعودية تعمل على تنفيذ ممر اقتصادي مع الهند، وأن المشروع يتطلب عملًا دؤوبًا لتحقيقه. مشيدًا بالشراكة الاستراتيجية بين الهند والمملكة التي حققت انطلاقة قوية مع إنشاء الممر التاريخي[23].

بالنسبة إلى بلدان مجلس التعاون الخليجي لا يتعارض هذا الممر مع مبادرة الحزام والطريق، إذ إن كليهما يعطيان منطقة الخليج ميزة رئيسية لدفع الأعمال قدمًا. ومن شأن الممر الهندي – الشرق الأوسطي – الأوروبي أن يعزز الدور الجيوقتصادي والجيوستراتيجي للسعودية والإمارات في طرق التجارة العالمية والأمن العالمي. ويساهم الممر في زيادة الفرص الاقتصادية والاستثمار في الطاقة السعودية والإماراتية، وهو ما يوفر لهما فرصًا جديدة للتنويع في مرحلة ما بعد النفط مفيدة لتنفيذ برامج رؤية المملكة 2030 ورؤية الإمارات 2030، ويجعل الرياض وأبو ظبي لاعبتين دوليتين رئيسيتين[24]. يعتمد مشروع الممر على مدى الاستقرار في الشرق الأوسط واتجاه التعاون الاقتصادي فيه. لذا فهو استند إلى حدٍّ كبير على خفض التصعيد بين أبو ظبي والرياض وعلى الاتفاقات الإبراهيمية بين عدد من البلدان العربية و«إسرائيل»، مع وجود محادثات تطبيع بين الرياض وتل أبيب برعاية أمريكية[25].

بالنسبة إلى السعودية والإمارات، يجمع مشروع الممر على نحوٍ مثالي الموقف المتعدد الأقطاب الذي تبنته الدولتان، وبخاصة أن إعلانه يأتي عقب دخول السعودية والإمارات مؤخرًا إلى مجموعة البريكس كعضوين. ويسمح مشروع الممر للرياض وأبو ظبي بإظهار درجة استقلاليتهما أيضًا في ما يتعلق بالصين. ويدعم كل من «الحزام» و«الممر» خطط التنويع في مرحلة ما بعد النفط في دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يضع الخليج في مركز خطط الاتصال المتنافسة[26].

بالنسبة إلى أبو ظبي يجعل الممر من الإمارات مركزًا لخريطة جيوقتصادية جديدة. فوفقًا لمسار الممر تصبح أبو ظبي مركزًا لممر تجاري هندي – عربي – متوسطي سيعيد تكوين أنماط التجارة بين منطقة المحيط الهندي والشرق الأوسط وأوروبا[27]. ويوفر الممر المذكور التوازن الاستراتيجي لدولة الإمارات؛ فهي لكونها في قلب طرق التجارة الجديدة وسلاسل القيمة الإماراتية – الإسرائيلية – الهندية، يساعد التعاون بين الدول الثلاث على ضمان مستوى معزز من مرونة التجارة الدولية المتنامية لها[28]. وتعدّ الإمارات فائزًا استراتيجيًا في هذا المشروع، إذ إن هذا الخط يعزز ويرسخ الدور المحوري الذي تؤديه موانئ دبي العالمية وغيرها من الشركات الإماراتية. فهذا الخط يمتد على طول الحافة البحرية الجنوبية لأوراسيا، حيث تعمل موانئ الإمارات كنقطة اتصال بالمحيط الهندي. وسيتم بعد ذلك نقل البضائع التي تصل إلى الإمارات من الساحل الغربي للهند من طريق خط سكك الحديد الذي يتم إنشاؤه من الإمارات عبر السعودية والأردن إلى ميناء حيفا على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​​​في فلسطين المحتلة عام 1948 («إسرائيل»)[29]. ومن خلال الرابط البحري عبر البحر الأبيض المتوسط ​​من حيفا إلى البر الرئيسي الأوروبي في ميناء الشحن الضخم في اليونان في بيرايوس أو الموانئ الإيطالية الرئيسية من تارانتو إلى تريستا، تقع دولة الإمارات في المركز البحري لقوس من الارتباط التجاري يمتد من الهند إلى أوروبا لن تتجاوز مدة النقل فيه من طرف إلى الآخر أكثر من عشرة أيام، ما يختصر كثيرًا المسافات وتكاليف النقل[30].

خامسًا: القوى المتضررة من الممر في الشرق الأوسط

من المتوقع أن يوجه الخط ضربة قوية لكل من إيران والعراق وسورية وحتى تركيا ومصر، وخصوصًا أن الممر الهندي – الشرق الأوسطي – الأوروبي يتجاوز هذه الدول ولا يمر فيها، بل يمثل ضربة قوية لمشاريع طرق ربط تمر فيها. فكما أشرنا سابقًا يهدف هذا الممر إلى تجاوز قناة السويس ومنطقة البحر الأحمر بهدف تهميش مصر وتجاوز منطقة مليئة بالتوترات. ويلاحظ أن الممر يتجاوز تركيا ولا يمر فيها وهو ما يدفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الاعتراض على الخط[31].

الجدير ذكره هنا أن هنالك عددًا من المبادرات الإقليمية التي أطلقت برعاية أمريكية وتم خلالها تجاوز تركيا ومن ضمنها مبادرة البحار الثلاثة (3SI) التي تقوم على التعاون بين اليونان و«إسرائيل» وقبرص في شرق البحر الأبيض المتوسط، ومنتدى الهند و«إسرائيل» والولايات المتحدة والإمارات (I2U2) الذي يدعم التعاون بين البلدان الأعضاء في المجالات الاقتصادية والعسكرية. نُفذت هذه المبادرات إما بتوجيه من الولايات المتحدة وإما بتشجيع منها قبل هذا الممر. تهدف الولايات المتحدة، بوصفها قوة عالمية وقائدة النظام الدولي القائم على القواعد، إلى إقامة شراكات إقليمية من شأنها إعادة هيكلة العلاقات الاقتصادية على نطاق عالمي. يهدف هذا الممر إلى ربط هذه الشراكات الإقليمية للحفاظ على النظام القائم على القواعد، كما يهدف إلى مواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية، التي تسعى إلى ربط آسيا بأفريقيا وأوروبا من خلال الشبكات البرية والبحرية، وتعزيز التكامل الإقليمي، وزيادة التجارة، وتحفيز النمو الاقتصادي. إضافة إلى ذلك، تهدف الولايات المتحدة إلى عزل الجهات الفاعلة التي تهدد النظام القائم على القواعد، مثل روسيا وإيران. وتؤدي دول مثل بولندا واليونان و«إسرائيل» والإمارات والهند دورًا حاسمًا في هذه الاستراتيجية التي تسعى الولايات المتحدة إلى تنفيذها. لذا سيؤدي استبعاد تركيا من مشروع الممر الهندي – الشرق الأوسطي – الأوروبي إلى زيادة التوتر في العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، وخصوصًا أن استبعاد تركيا يشكل انتكاسة كبيرة لاقتصاد تركيا وطموحاتها الاستراتيجية[32].

يُتوقع لهذا الممر أن يمثل ضربة قوية لخط التنمية العراقي الذي أُطلق في حزيران/يونيو 2023 والذي يلقى دعمًا من تركيا وقطر. وهو يعد خطة طموحة بقيمة 17 مليار دولار أمريكي تقدم بها القادة العراقيون لتحويل العراق إلى مركز إقليمي للنقل من خلال تطوير البنية التحتية للطرق وسكك الحديد، التي تربط أوروبا بالشرق الأوسط. يمتد هذ المشروع الذي يبلغ طوله 1200 كم، المعروف باسم «طريق التنمية»، من الحدود الشمالية مع تركيا إلى الخليج في جنوب العراق. وتخطط حكومة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني لاستكمال هذا المشروع الضخم خلال مدة زمنية تراوح بين ثلاث إلى أربع سنوات، إلا أن المشروع يواجه تحديات كبيرة. وكان قد تم الإعلان عن إطلاق المشروع في 27 أيار/مايو 2023 في مؤتمر بحضور ممثلين عن وزارات النقل من إيران والأردن والكويت وعمان وقطر والسعودية وسورية وتركيا والإمارات. وهو يعد أحد المشاريع التي ينوي العراق اعتمادها لتنويع الاقتصاد المعتمد حتى الآن على عائدات النفط.

يقوم هذا المشروع على إعادة تأهيل شبكات الطرق المتداعية وإقامة خطوط سكك حديد جديدة مجهزة بقطارات فائقة السرعة وشاحنات لنقل البضائع من المفترض أن تنطلق من ميناء الفاو على شواطئ الخليج إلى شمال العراق فتركيا ومن ثم أوروبا. ويتضمن المشروع أيضًا بناء نحو 15 محطة قطار على طول الطريق المار بالمدن العراقية الرئيسية وعلى رأسها البصرة وبغداد والموصل وحتى الحدود مع تركيا. لذلك استقر الرأي على الاستعانة بخبرات الشركات العالمية المشهورة لضمان تنفيذ المشروع وفقًا لأعلى المواصفات العالمية. ويعد هذا الخط الجزء العراقي من خط طريق الحرير أو مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين في عام 2013 والمفترض أن تكتمل في عام 2049، والتي ستربط 130 دولة في جميع أنحاء آسيا وأوروبا وأفريقيا من خلال طرق المواصلات البحرية والبرية[33].

لكن هذا المشروع يواجه صعوبات جمة، ومن ضمنها وجود خلافات سياسية بين العراق وتركيا، وخصوصًا لجهة وجود قوات احتلال تركية في شمال العراق وتنفيذ هذه القوات ضربات عسكرية داخل الأراضي العراقية، إضافة إلى عدم وجود اتفاقات مع الدول المفترض أن تكون معنية بهذا الخط، وخصوصًا السعودية، عدا عن النزعة الانفصالية لدى أكراد العراق، وهو ما يؤدي إلى عدم استقرار شمال العراق، إضافة إلى الفساد الذي تعانيه البلاد حيث يحتل العراق المرتبة 157 عالميًا في مؤشر الفساد من أصل 180 دولة[34]. يضاف إلى كل هذه العقبات بقاء القوات الأمريكية كقوات احتلال في العراق، إضافة إلى الهيمنة السياسية التي تفرضها الولايات المتحدة على قادة البلاد ما يمنعهم من اتخاذ مبادرات ذات طابع استراتيجي يمكن أن تسهم في تخفيف القبضة الأمريكية على البلاد.

من شأن الممر الهندي – الشرق الأوسطي – الأوروبي كذلك أن يأتي على حساب خط الربط البري المزمع إنشاؤه انطلاقًا من إيران مرورًا بالعراق وصولًا إلى سورية فشرق المتوسط، مع احتمال وجود فرع لهذا الخط يمتد إلى لبنان. وكان وفد إيراني رفيع المستوى زار دمشق في 27 نيسان/أبريل 2023 لمناقشة مشروع هذا الخط. جدير بالذكر أن الفكرة تعود إلى عام 2019 حين تم اقتراح مد خط سكة حديد من ميناء الخميني في محافظة خوزستان في جنوب غرب إيران إلى مدينة اللاذقية السورية على البحر الأبيض المتوسط إضافة إلى خط سكة حديد يربط مدينتي الشلامجة الإيرانية والبصرة العراقية ووصلها بسكة حديد الأردن التي تعود إلى الحقبة العثمانية[35].

أُطلق الجزء الأول من هذا المشروع في 2 أيلول/سبتمبر 2023 حين تم وضع حجر الأساس لمشروع خط سكة حديد البصرة – الشلامجة عند منفذ الشلامجة الحدودي في محافظة البصرة، إيذانًا ببدء هذا المشروع. وأكد رئيس الوزراء العراقي محمد السوداني، في كلمة له، أهمية مشروع الربط السككي لنقل المسافرين والزوار إلى العتبات المقدسة من إيران ودول آسيا الوسطى، بحسب بيان الوزارة العراقية. ويبلغ الطول الإجمالي لمشروع سكك الحديد مع إيران 36 كم وسيتضمن 4 محطات، بحسب تصريحات الوزارة لوكالة الأنباء العراقية. سيكون الخط لأغراض نقل الركاب فقط. وتهدف الخطة إلى مد هذه الروابط إلى مدينتي النجف وكربلاء المقدستين في المستقبل[36].

سادسًا: العقبات التي تواجه مشروع الممر

على الرغم من الآفاق الواعدة بالنسبة إلى المشروع، على الأقل بالنسبة إلى الأطراف المنخرطة فيه، فإن هنالك عقبات متعددة تعترض تنفيذه. أولى هذه العقبات المعارضة التي ستنشأ من جانب الدول التي ينوي المشروع تهميشها، ومن ضمنها إيران والعراق وسورية. لكن هذه القوى هي بحكم المحاصرة وتواجه حروبًا تشن ضدها عدا عن الأزمات الاقتصادية؛ وهو ما سيحد من حرية حركتها. لذا من المتوقع أن يواجه المشروع عرقلة بالدرجة الأولى من تركيا ومصر اللتين تعدّان قوى إقليمية فاعلة ستقاوم محاولات تهميشها. كذلك يُفترض أن يمر الخط في الأردن وصولًا إلى الكيان الصهيوني عبر الضفة الغربية أو عبر منطقة قريبة منها. وفي ظل تصاعد المقاومة الفلسطينية في الأراضي المحتلة فقد يمثل هذا تهديدًا أمنيًا للخط.

في الجانب التقني سيواجه المشروع تحديًا رئيسيًا يتعلق بوجود حلقات مفقودة في البنى التحتية التي يجب إتمامها قبل أن يصبح المشروع جاهزًا للانطلاق. فهناك «حلقات مفقودة» في أنظمة سكك الحديد في منطقة الخليج. وبالتالي، فمن إجمالي طول السكك الحديد البالغ 2915 كم الممتدة من ميناء الفجيرة في الإمارات إلى حيفا، هناك أجزاء مفقودة يبلغ طولها نحو 1100 كم. كذلك خط السكة الحديد المقترح بطول 2565 كم من ميناء جبل علي إلى حيفا ينقصه جزء بطول 745 كم. وفي ما يتعلق بخط السكة الحديد الذي يبلغ طوله 2449 كم من ميناء أبو ظبي إلى حيفا لا يزال ينقصه جزء بحاجة إلى تمديد بطول 630 كم. وبالمثل، فمن أصل 2149 كم من الطريق الطويل من ميناء الدمام إلى حيفا هنالك حاجة إلى بناء حلقة وصل بطول 290 كم، علمًا أن خط السكة الحديد الطويل من ميناء رأس الخير إلى حيفا عبر بريدة متقادم ويعود تاريخ بنائه إلى القرن التاسع عشر وفيه حلقة مفقودة بطول 270 كم[37].

من بين الموانئ التي يمكن ربطها على الساحل الغربي للهند هناك موانئ موندرا وكاندلا (غوجارات)، وجواهر لال نهرو بورت تراست (نافي مومباي). وفي الشرق الأوسط، تم إدراج ما لا يقل عن خمسة موانئ في القائمة المختصرة لربطها بالموانئ الهندية التي تشمل الفجيرة وجبل علي وأبو ظبي في الإمارات إضافة إلى موانئ الدمام ورأس الخير في السعودية. ستواجه عمليات ربط خط السكة الحديد بهذه الموانئ عدة مشكلات، إضافة إلى الوقت والجهد وتكلفة نقل البضائع من السفن إلى الموانئ ومن ثم تحميلها على عربات القطارات إلى حيفا ثم إفراغها في حاويات تنقل إلى سفن في البحر المتوسط في طريقها إلى أوروبا حيث ستخضع مجددًا لعمليات إعادة إفراغ وتحميل في الموانئ على عربات القطارات التي ستخترق البلدان الأوروبية. وحاليًا، تتم كل أعمال التجارة بين الهند وأوروبا عن طريق البحر، عبر قناة السويس، التي تسيطر عليها مصر، وهو يبقى الخيار المفضل لشركات النقل البحري التي تجد فيه وسيلة نقل أفضل وأنجع وأقل تعقيدًا وتكلفة من الممر الهندي – الشرق الأوسطي – الأوروبي[38]. ووفقًا للخطط الأولية للخط المنطلق من حيفا إلى أوروبا بدءًا بميناء بيريوس اليوناني وميسينا الإيطالي ومرسيليا الفرنسي فإن التقديرات الأولية تشير إلى أن تطوير مسارات الجزء الشمالي من الممر الهندي الشرق – الأوسطي – الأوروبي قد يكلف ما بين 3 و8 مليارات دولار[39].

يضاف إلى ذلك أن هذا الخط يُفترض أن يقف سدًا منيعًا أمام مبادرة الحزام والطريق التي تعدّ امتدادًا لنفوذ الصين المتصاعد في العالم. لكن يبدو أنه لا يمكن أن يكون هنالك مفر للممر من أن ينال رضى الصين كونه سيمر في عدد من المرافئ والمناطق التي تستثمر فيها شركات صينية. على سبيل المثال سيمر هذا الممر عبر ميناء بيريوس اليوناني، الذي يمثل محطة رئيسية بالنسبة إلى الحزام والطريق الصيني، ويخضع لسيطرة شركة China Ocean Shipping (Group) وهي شركة صينية مملوكة للدولة. كما أن الشركات الصينية مثل Power China وشركة China State Construction Engineering Corporation وما إلى ذلك، قد تأهلت للحصول على حزم متعددة للمرحلتين الأولى والثانية من شركة الاتحاد للقطارات[40].

كذلك يدعم مشروع الممر موقع مضيق هرمز الاستراتيجي، وهذا يعني أن مضيق هرمز وأمن خليج عمان سيقفان أكثر على رأس المخاوف الأمنية العالمية. وإذا كان من أهداف مشروع الممر الهندي - الشرق الأوسطي – الأوروبي تهميش إيران، فإن مجرد مروره غرب مضيق هرمز يجعله تحت رحمة طهران. ويتناسب مشروع الممر مع منطق التكامل الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقه مع شركائها في مجلس التعاون الخليجي أيضًا في بناء التحالفات خطوة بخطوة لتحديد التحديات الإقليمية وإدارتها معًا. من المرجح أن يؤدي مشروع الممر إلى تسريع عملية التكامل الدفاعي بين واشنطن ودول الخليج[41]. لذلك، فإن مشاركة الجهات الفاعلة الدولية الجديدة من خارج منطقة الخليج في الأمن البحري الإقليمي آخذة في الارتفاع. وسيعمل المشروع على تعزيز هذا الاتجاه. وفي السنوات الأخيرة، انضم عدد متزايد من الدول الجديدة إلى التدريبات البحرية في منطقة الخليج. وفي عام 2021، أجرت الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا إضافة إلى فرنسا والإمارات، لأول مرة، مناورات بحرية بين الخليج العربي وخليج عمان. وفي عام 2023، أجريت أول مناورات بحرية بين «إسرائيل» والإمارات والهند والإمارات، خارج السواحل الإماراتية، وعُقدت النسخة الأولى من تمرين الشراكة البحرية الإماراتية – الهندية – الفرنسية في خليج عمان[42].

خلاصة

في النهاية، لا يعد خط المرور الهندي – الشرق الأوسطي – الأوروبي خطًا تجاريًا بحتًا، بل إنه يحمل في طياته أبعادًا جيوسياسية تهدف الولايات المتحدة من خلالها إلى احتواء نفوذ الصين في منطقة غرب آسيا كونها منطقة مهمة للصين للوصول إلى شرق المتوسط ومنها إلى شمال أفريقيا، إضافة إلى حاجة الصين إلى نفط منطقة الشرق الاوسط. لذا فإن واشنطن تبغي من وراء ذلك تقديم بديل من الصين إلى قوى عربية مثل الإمارات والسعودية، وخصوصًا بعدما كانت ابو ظبي والرياض قد بدأتا في السنوات الأخيرة بالتقارب مع بكين.

كما أن هذا الخط يمثل العمود الفقري لنظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط يقوم على دور محوري لـ»إسرائيل» من جهة ولعواصم عربية تابعة للولايات المتحدة من جهة أخرى لضمان ولاء هذا النظام الإقليمي لواشنطن التي تسعى لتحقيق ذلك حتى تتمكن من التركيز على تحديات تواجهها في مواجهة الصين وكذلك روسيا في شرق آسيا وفي أوكرانيا وحتى في أفريقيا. ولضمان ذلك فإن الولايات المتحدة حيدت قوى عربية إقليمية لها تاريخ طويل في أداء دور ريادي في الشرق الأوسط وخصوصًا الشرق الأدنى مثل العراق ومصر وسورية وإيران وتركيا. وهذا يأتي تطبيقًا لمفهوم تحالف الأطراف الذي أطلقه مؤسس الكيان الصهيوني ديفيد بن غوريون في عام 1958 والذي يقوم على تحالف الكيان الصهيوني مع قوى غير عربية مثل تركيا وإيران وإثيوبيا لتطويق البلدان العربية، مع تعديل أحدثته دوائر القرار الأمريكية بإضافة تركيا وإيران إلى قائمة القوى الواجب تهميشها بنتيجة الثورة الاسلامية في إيران وتمرد رجب طيب أردوغان على الهيمنة الأمريكية وتقاربه مع روسيا وإيران والصين.

إلا أن خط المرور الهندي – الشرق الأوسطي – الأوروبي يواجه عدة عقبات، أولاها عدم قبول قوى إقليمية نافذة مثل مصر وتركيا وسورية والعراق وإيران، أن يتم تهميشها وهو ما عبر عنه عدد من قادة هذه الدول وعلى رأسهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. كذلك يواجه هذا الخط عقبات تقنية مرتبطة بتكاليف إقامته وتكلفة عمليات الربط بين أجزائه والتي تمت الإشارة إليها. أما العقبة الرئيسية فتتمثل بتصاعد المقاومة الفلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967 وخصوصًا في الضفة الغربية، وهو ما يمكن أن يضرب حلقة وصل رئيسية في خط سكة الحديد الواصل بين الكيان الصهيوني من جهة والأردن من جهة أخرى.

دراسة ذات صلة:

العلاقات العراقية – الهندية: الروابط المتجذرة والفرص المتاحة

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 537 تشرين الثاني/نوفمبر 2023.

جمال واكيم: أستاذ تاريخ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية.

الصورة عن موقع “العربية”.

[1]   Ananth Krishnan and Suhasini Haidar, «New Delhi G-20 Summit: How PM Modi Turned an Annual Diplomatic Event into a Grand Political Spectacle,» The Hindu, 14/9/14, 2023, <http://rb.gy/iv384> (consulted on 18 September 2023).

[2]   «G20 New Delhi Leaders’ Declaration,» New Delhi, India, 9-10 September 2023, <http://rb.gy/uzldl> (consulted on 18 September 2023).

[3]   Nachiket Deuskar, «What the India-Middle East-Europe Economic Corridor Means for India and the World,» The Scroll, 17 September 2023, <http://rb.gy/5ubim>. (consulted on 18 September 2023).

[4]   Fatih Yurtsever, «The Geopolitical Impact of IMEC on Turkey,» Turkish Minute, 15 September 2023, <http://rb.gy/9j4xs> (consulted on 20 September 2023).

[5]            Ibid.

[6]   «Erdogan Says India-Gulf Transport Corridor Won’t Work with Turkey Exclusion,» The New Arab, 12/9/2023, <http://rb.gy/k07ny> (consulted on 18 September 2023).

[7]            Ibid.

[8]   «China Says it Welcomes India-Middle East-Europe Economic Corridor So Long It Doesn’t Become a Geopolitical Tool,» India Express, 12/9/2023, <http://rb.gy/of53l> (consulted on 18 September 2023).

[9]   Patrick Kingsley, «What is the I2U2?,» The New York Times, 14/7/2022, <http://rb.gy/dkdvs> (consulted on 18 September 2023).

[10]   Deuskar, «What the India-Middle East-Europe Economic Corridor Means for India and the World».

[11]   «China Says it Welcomes India-Middle East-Europe Economic Corridor So Long It Doesn’t Become a Geopolitical Tool».

[12]   Michaël Tanchum, «The India-Middle East Food Corridor: How the UAE, Israel, and India are Forging a New Inter-regional Supply Chain,» Middle East Institute, 27 July 2022, <http://rb.gy/80y5l> (consulted on 19 September 2023).

[13]   M.K. Bhadrakumar, «India-Middle East-Europe Economic Corridor is a Geopolitical Pipe Dream,» Newsclick, 19 September 2023, <http://rb.gy/3gq91> (consulted on 19 September 2023).

[14]   Eyal Zisser, «Israel and the Arab World: Renewal of the Alliance of the Periphery,» Athens Journal of Mediterranean Studies, vol. 5, no. 4 (2019), pp. 225-240.

[15]   World Bank India, <https://data.worldbank.org/indicator/NY.GDP.MKTP.CD?locations=IN> (consulted on 18 September 2023).

[16]   World Bank Chin, <https://data.worldbank.org/country/CN> (consulted on 18 September 2023).

[17]   Radhey Tambi, «India Pushes Back against China’s Economic Influence,» East Asia Forum, September 9, 2023, <http://rb.gy/d2eph> (consulted on 18 September 2023).

[18]   Michaël Tanchum, «A Commercial Corridor Involving the UAE Could Reshape Eurasia,» The National News, 18 August 2022, <http://rb.gy/yykeu> (consulted on 19 September 2023).

[19]           Ibid.

[20]          Ibid.

[21]   Shashwat Sankranti, «India-Middle East-Europe Economic Corridor to Change the Face of the Middle East: Israel PM,» WION, 13 September 2023, <http://rb.gy/fh36u> (consulted on 19 September 2023).

[22]          Ibid.

[23]   «Saudi Crown Prince: Kingdom Working to Implement an Economic Corridor with India,» Arab News, 11 September 2023, <https://www.arabnews.com/node/2371261/saudi-arabia> (Consulted on 19 September 2023).

[24]   Eleonora Ardemagni, «The Belt and the Corridor: Gulf States Capitalize on Competing Economic Projects,» Italian Institute for International Political Studies, 12 September 2023, <http://rb.gy/nj5zx> (consulted on 20 September 2023).

[25]           Ibid.

[26]          Ibid.

[27]           Tanchum, «A Commercial Corridor Involving the UAE Could Reshape Eurasia».

[28]           Ibid.

[29]           Ibid.

[30]           Ibid.

[31]           «Erdogan Says India-Gulf Transport Corridor Won’t Work with Turkey Exclusion».

[32]           Yurtsever, «The Geopolitical Impact of IMEC on Turkey».

[33]   Dana Taib Menmy, «“Route of Development»: Is Iraq’s $17 Billion Road and Rail Mega-Project Feasible?,» The New Arab, 27/6/2023, <http://rb.gy/wrdo0> (consulted on 18 September 2023).

[34]           Ibid.

[35]   «Iranian Delegation in Damascus for Iran-Iraq-Syria Railway Talks,» The New Arab, 28/4/2023, <http://rb.gy/iybem> (consulted on 18 September 2023).

[36]   Esther Geerts, «New Iran-Iraq Railway to Move Pilgrims from Road to Rail,» Railtech, 8 September 2023, <http://rb.gy/j61ga> (consulted on 18 September 2023).

[37]   Bhadrakumar, «India-Middle East-Europe Economic Corridor is a Geopolitical Pipe Dream».

[38]   Maitri Porecha and Suhasini Haidar, «India-Middle East-EU Corridor to Have Multiple Routes, but Hurdles Remain,» The Hindu, 16/9/2023, <http://rb.gy/rddxl> (consulted on 20 September 2023).

[39]        Ibid.

[40]        Ibid.

[41]        Ardemagni, «The Belt and the Corridor: Gulf States Capitalize on Competing Economic Projects».

[42]        Ibid.


جمال واكيم

باحث وكاتب لبناني، أستاذ في الجامعة اللبنانية، متخصص في تاريخ العلاقات الدولية وفي الصراع العربي - الإسرائيلي. حائز شهادة الدكتوراه في تاريخ العلاقات الدولية من الجامعة اليسوعية في بيروت (2004)، تابع برنامج ما بعد الدكتوراه في جامعة مكغيل (كندا)، مع التركيز على الاقتصاد السياسي والتاريخ الاقتصادي الاجتماعي (2005-2006). حائز شهادة الماجستير في التاريخ العربي المعاصر من الجامعة اليسوعية، بيروت (1999)، والماجستير في العلوم السياسية في العلاقات الدولية والسياسة المقارنة من الجامعة الأميركية في بيروت (1998).

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز