مقدمة

يحظى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بأهمية كبيرة لدى معظم علماء الاجتماع، فهو يمثل إنجازًا كبيرًا في حقل السوسيولوجيا على مستوى النظرية الاجتماعية والأبحاث الميدانية؛ وقد أنجزت حوله دراسات متعددة حول «نظرية الممارسة»؛ وعلى هذا النحو، تُقدم أعمال بورديو طريقة مُثمرة لممارسة البحث في العلاقات الدولية، باستثمار منطق الممارسة والتنافس، ورفض التّعارض بين النظرية العامة والبحث التجريبي. فتفضيل بورديو للمنهج العلائقي، يُجنِّب من بعض المزالق الشائعة في العلوم السياسية، من خلال الازدواجية الملفقة بين البنيوية والبحث التجريبي؛ أو التعارض المطلق بين الجماعة والفرد‏[1]. فللفرد هامش من الحرية والمناورة، لكن مؤسسات الإكراه تؤطّر حرية الأفراد.

يُمثل الهابيتوس‏[2] الأرضية المادية التي تتوثق فوقها الرّوابط المتعددة بين الدّوافع الاجتماعية وأفعال الأفراد وأعمال الجماعات. بمعنى آخر، الهابيتوس هو طريقة دائمة في الإحساس والتفكير والفعل وحتى في التّعامل مع الكون والغير، تترك بصمات من نمط اجتماعي على شخصية الأفراد تحت تأثير مختلف التّشكلات في النّظام السياسي. وبالتالي يتحوَّل الهابيتوس إلى مصدر وحدة الأفعال والأفكار لدى الأفراد ويندمج بالحس العملي وبنية التصرفات العملية للأفراد. يُشير الهابيتوس إلى استعدادات وعَادات ومَهَارات عملية تُمثّل الطريقة التي يُدرك بها الأفراد العالم الاجتماعي من حولهم والتفاعل معه. وعادة ما تكون مشتركة لدى أُنَاس يتمتعون بالخلفية نفسها (كالطّبقية والدّينية والقومية والإثنية والتربوية والمهنية)‏[3]. هكذا يتحول الهابيتوس إلى نَسَق من الاستعدادات المُكتسبة (لا ترتبط بالقواعد القانونية) تتكون بالتّعود الضّمني أو المُعلن، ومن المُخططات التّوليدية يمكن أن تتطابق استراتيجياتها مع المصالح والغايات العملية للفاعلين.

يرى بورديو أن الهابيتوس نظام من الاستعدادات في الإدراك والتقييم والعمل، يسمح للأفراد بالقيام بعمليات على صلة بالمعرفة العَمَلية (…) وبتوليد استراتيجيات ملائمة ومتجددة‏[4]، وهذه الاستراتيجيات متغيّرة داخل السياقات الاجتماعية للأفراد، والبنى الرمزية للمجتمع.

يتلازم المكوّن الموروث في الهابيتوسب بحسب بورديو‏[5] مع مكوّن آخر هو مسارات الحياة العملية؛ فالحياة اليومية تدفعنا إلى اختبار استعداداتنا المستخلصة من تجارب مجتمعنا ومن التجارب السّابقة، عبر إعادة إنتاجها من جديد، وتثبيتها بوصفها مرجعًا لا يقبل المُساءَلة أو التّعديل، أو أنموذجًا أساسيًا قابلًا للإضافات. بناءً عليه، تسعى ورقتنا البحثية هذه إلى عُبُور التّخصص، إذ، كما نعلم، «قد يرتحل المفهوم العلمي من مجال علمي إلى مجال علمي آخر؛ فيكسب العَالِم قُدرة على مَفْهَمَة مجال بحثه»‏[6]؛ من هذا المنطلق يمكن إبراز العناصر الأساسية التالية:

– تتأسس الأوراق التي يتميَّز بها المفاوض الإيراني من أجل بناء الاستراتيجيات على تفوق المصلحة الوطنية والتفاعل مع الواقع الإيراني على مصلحة القوى الدولية، لكن مع مُرَاعاة الضّغوط من أجل تجنُّب الدّخول في الصراع مع هذه القوى. لذا يعلن المفاوض الإيراني مرارًا استعداده للتفاوض. لكن بعد الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران (40 يومًا) أصبحت إيران تؤمن بضرورة رفع الحصار الأمريكي قبل الانتقال إلى التفاوض على الملف النووي.

– خلق توافقات مجتمعية لإعادة تكوين سلوكيات اجتماعية معيَّنة تراعي المصالح الإيرانية، من دون الانسلاخ عن مصالح المجتمع الدولي؛ فالمفاوض الإيراني يعرف جيدًا مدى أهمية امتصاص غضب القوى الكبرى الفاعلة في بنية النظام الدولي، ومع ذلك تعرّضت إيران أثناء المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية لهجوم أمريكي – إسرائيلي.

– السياسة المتوازنة لإدارة الملف النّووي، إذ تسعى إيران دائمًا إلى التوفيق بين الصّلابة (الأمن) والمُرُونة (الدبلوماسية)، على صورة القوة الخشنة والقوة المرنة. لكن الحرب ضد إيران عام 2026 جعلتها تدلي بتصريحات تكاد تكون متناقضة، وهو ما يصعّب من معرفة متخذي القرار في النظام السياسي الإيراني في ظل الغموض الذي رافق مكانة المرشد الجديد في القرار بعد اغتيال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي.

– مُقوِّمات القوة لدى الإيرانيين، إذ يتميّز المفاوض الإيراني بالدّهاء في تدبير الأزمات؛ كما أن الهوية الفارسية أثبتت «قيمها» في التفاوض، إذ تعتمد على نَفَس طويل بتأكيد حق إيران في برنامج نووي سلمي. صحيح أن إيران لا تملك القدرات العسكرية التي تملكها إسرائيل‏[7] والولايات المتحدة الأمريكية لكنها تتميز من غيرها بإتقان لعبة الدبلوماسية واستعمال كل الوسائل والحيل التي تضمن لها التميّز؛ كما أن الموقع الجغرافي لإيران (جيوبوليتيك مضيق هرمز في تعزيز الحرب اللامتماثلة مع الولايات المتحدة الأمريكية) واستحضار تاريخ صراعها مع «الجيران» يمثل لديها قلقًا في شأن مفهومَي تعزيز البقاء وضمان التوسع في الفضاء الحيوي لتجاوز الضغوط والعقوبات الاقتصادية الأمريكية.

– يُوجد لدى المفاوض الإيراني مناعة ونفَسٌ متجدّدان واستعداد ثقافي فردي وجمعي متجذّر من أجل الدّفاع عن المصالح الوطنية الإيرانية وفي الوقت نفسه الانفتاح على الآخر‏[8]؛ ومن ثم نستطيع فهم الصمود الإيراني لتجاوز الهشاشة والاعتماد على النفس وإنشاء شبكة من التحالفات الإقليمية وشراكات عملية مع الجهات الفاعلة غير الحكومية الموالية لها (كحزب الله). وقد تعلمت إيران ضرورة الانخراط في المُفاوضات مع القوى الفاعلة وعدم الانسحاب منها من أجل تخفيف الضّغوط من الدول الأوروبية الموقعة الاتفاق نفسه (2015).

أولًا: الاتفاق النووي الإيراني: المصلحة الوطنية بين الواقعية والهابيتوس الإيراني

تُعدّ إيران‏[9]، كما يشهد برنامجها النّووي، من البُلدان الأكثر تقدّمًا من الناحية التقنية في الشّرق الأوسط (بما يتفق مع ثقافتها وسياستها)، وبالتالي فقد بَنَت الكثير من مشروعات توليد الطّاقة الكهرومائية والطّرق والسّكك الحديد في بُلدان آسيا الوسطى، التي ستُربط كل منها بإيران في يوم ما – سواء مباشرة أو من طريق أفغانستان.

وفي إجابة عن سؤال بخصوص العلاقة بأمريكا‏[10]، استعار علي أكبر هاشمي رفسنجاني (وهو كان يمثل الجناح البراغماتي في القيادة الإيرانية) عبارة من ونستون تشرتشل: بالنسبة إلينا، لا يوجد عدوّ دائم أو صديق دائم، الدائم لدينا هو مصالحنا الوطنية. فأمريكا (كما يعتقد رفسنجاني) هي القوة الأولى عالميًا، وما دامت لدول مثل الصين وروسيا حوارات وعلاقات معها، فلماذا لا يكون لنا كذلك؟ إذن فالمصلحة الوطنية العليا‏[11] هي الثابت الذي تتحدّث عنه إيران. تبعًا لذلك تَطْفُو إلى السّطح قاعدة: لا يُوجد عدوّ دائم أو صديق دائم. لكن يبدو أن مفهوم المصلحة في إيران يرتبط بالدين؛ فقد «شرح الخميني أن الحكومة الإسلامية باعتبارها «كيانًا مقدّسًا منحه الله للنبي» يُمكنها أن تُعلّق أي قوانين استنادًا إلى المصلحة (حماية المصلحة العامة) – وهو مفهوم سُنّي كان الشّيعة يُعارضونه في الماضي»‏[12].

الصفقة القادمة بين إيران وأمريكا‏[13] لا تعني بالضّرورة الوصول إلى العلاقات الحسنة، بقدر ما يمكن وصفها بالإقرار المتبادل بمصالح كل طرف. لذا تسعى إيران إلى مُمارسة حنكتها الدبلوماسية من أجل الإقرار بمصالحها، وتعبئة القوى الداخلية وحشد استعدادات الأفراد للدفاع عن مصلحتها. لكن احتمالات التصعيد والصراع بدت واضحة بعد حرب الأربعين يومًا.

تبحث إيران عن الاعتراف الاقليمي بها كقوة تساهم في فض الأزمات في سورية أو العراق أو اليمن أو حتى في لبنان وفلسطين. لذلك سيعطيها توقيع الاتفاق النووي عام 2015 هذا الامتياز وقد يُبعدها من العُزلة الدولية. ويجعلها تلتقط الأنفاس من أجل لَمّ اللّحمة الداخلية في عصر العقوبات الاقتصادية التي أنهكتها‏[14]؛ فقد استطاعت إيران‏[15]عبر خصومة دامت أكثر من ثلاثة عُقود، أن تنتزع من خُصومها الغربيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، اعترافات مهمة متعلقة بحقِّها في برنامج نووي سلمي‏[16]، بعد أن كان ذلك مُحَرّمًا قبل عام 2006، ثم الاعتراف بحقِّها في التّخصيب المنخفض، على الأراضي الإيرانية. وقد حاولت إيران في سنوات 2019 – 2021 مثلًا تخصيب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 5 بالمئة، وعُدّ ذلك خرقًا لبنود خطة العمل الشاملة المشتركة (2015)‏[17]. وهذا التصعيد خارج اتفاق عام 2015 كان محفوفًا بالمخاطر على الرغم استعدادات الأفراد والبيروقراطية والنخبة في إيران لتقبُّل التضحية والضغوط القصوى التي قد تكون منحت النظام السياسي فرصًا للتكيف والبقاء. لكن، كما يري ريجيس دوبريه‏[18]، عدم الفصل بين الديني والسياسي والعسكري كقاعدة لوظيفة الجهاز الاجتماعي، لا يمثل «علامة» على الاستقرار والتّناغم، لأن الاضطرابات كثيرًا ما تكون فُجائية وعنيفة.

فوسط تراجع وتيرة الخِطَاب الأيديولوجي في الجمهورية الإسلامية‏[19]، يَتَعَالى الحَدِيث عن ضرورة قيام إيران بمضاعفة فُرصها على صعيد سياساتها الخارجية من خلال تعزيز قُدرتها في مجال الطاقة (النفط الخامّ، والغاز الطبيعي)، وإيجاد شبكة من العلاقات العامّة على المستوى العالمي. كما أن دخول إيران في اتفاقيات دولية مع الغرب سيعمل على كبح جماح التّطرف والمعتقدات الدينية لديها، لأن الاتفاق يعني الالتزام بقواعد اللعبة الدولية‏[20].

يجب التنبيه إلى أن البرنامج النووي الإيراني هو مصدر من مصادر العزّة القومية‏[21]، وبناءً عليه لا يستطيع المسؤولون الإيرانيون إلغاء هذا البرنامج من دون مُمارسة ضغط كافٍ من الخارج أو الدّاخل، لذا ترجئ إيران مناقشة الملف النووي إلى ما بعد رفع الحصار البحري الأمريكي على موانئها. وفي أسوأ الحالات‏[22] فإن سياسة العُزلة والعقوبات خدمت فقط العِزّة القومية في إيران وحوّلت هدف البرنامج النووي كأولوية وطنية. لكن هوية البرنامج النووي تصطدم بإضفاء الغرب الطابع الأمني على سياسات إيران ككل بدلًا من الاحتكام إلى العقلانية الاقتصادية والتنافس من أجل تحقيق المصالح. كما أن الخنق الاقتصادي الأمريكي أثر في القدرة الشرائية للمواطن الإيراني.

قد تكون الأزمة الاقتصادية الناتجة من الخنق الأمريكي، أدّت دورًا مهمًا في التوصل إلى اتفاق. فقد مثّل‏ الاقتصاد عاملَ ضغط كبيرًا على الإيرانيين[23]، نتيجة تردّي حالة الاقتصاد الذي وصل إلى أسوأ حالاته عندما تسلّم الرئيس حسن روحاني السّلطة (14 حزيران/يونيو 2013)، لذا رفع شعارات الحوار والدبلوماسية ومبادئ الاعتدال والواقعية، مؤكدًا أن الحوار مع الغرب يفتح أفقًا للتّعاون في المجالات كافّة، ولرفع العقوبات، وهو ما سيجعل الأوضاع المالية والاقتصادية أفضل كثيرًا.

عمل رُوحاني على تعزيز «القواسم المشتركة» بين القوى السياسية الإيرانية، وامتلاك القدرة على صنع الأمل وتحدي كل عوامل الإحباط التي كانت قد استحكمت في النظام. وقد تعهّد روحاني بتحسين الأوضاع عبر حفز الاقتصاد، وهي مهمة أكّد أنه لا يمكن تحقيقها من دون رفع العقوبات الدولية عن بلاده، وهو ما يتطلب حلًا للملف النّووي، وهذا بدوره من المستحيل تحقيقه من دون انفتاح على العالم والحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية‏[24]. وقد انتبهت إيران إلى هذه الفجوة، فدخلت في حوار مع سلطنة عمان.

ثانيًا: سلوك الإنكار الإيراني وهابيتوس سلمية البرنامج النووي للتّعامل مع الشّيطان الأكبر

في إيران، يبقى هوس الحفاظ على النظام وتماسكه في صدارة المشهد السياسي وأهم هدف على الإطلاق، وتصبح الرئاسة مجرد عملية سياسية لتحقيق هذا الهدف وتجديد شرعية النظام من خلال عملية التصويت المباشر‏[25]. وقد قارن البرادعي بين تأكيد إيران سلمية برنامجها النووي وسُلوك التقية التي تعني حماية النفس من الأذى‏[26]. ويضيف البرادعي أنه أكد‏ للإيرانيين[27] أنه بغضّ النّظر عن مضمون هذا السّلوك، فإن الإنكار والتّستر المستمرين أَضَرّا بعمق بصدقية إيران تُجاه المجموعة الدولية، إذ حَفَرَ الإيرانيون، منذ البداية، حُفْرَة من شأنها تقويض مساعيهم الدبلوماسية، وتتمثل هذه الحُفرة بالعجز في خلق الثّقة. وتبعًا لذلك رَفَع البرادعي تقريرًا إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) يصف سلوك إيران‏[28] باتباع سياسة الإخفاء وعدم التّعاون التّام والكامل مع الوكالة الدولية.

ألحّت إيران طوال مفاوضاتها مع الدول التي تملك الفيتو + ألمانيا على سلمية ملفها النووي. وقرّر النظام السياسي‏[29] المُضيَّ في توقيع الاتفاق النووي بوصفه جزءًا من سُلوك النظام؛ من أجل تجديد شرعيته داخليًّا، وبوصفه نوعًا من الاستجابة للتحديات التي فرضتها الجغرافيا السياسية، وخصوصًا في ما يتعلق بتبعات الربيع العربي، إضافة إلى فصول الثّورة السّورية وتبعاتها أيضًا. لكن محاولة إيران مواجهة المصالح الغربية من طريق وكلائها بدأ يضعف في سورية ولبنان واليمن. وقد أكّد محمد جواد ظريف‏[30] أن فريق المفاوضات الإيراني سيقاوم كل إجراء يهدف إلى تعطيل حق إيران في التخصيب. في إشارة إلى الالتزام بالخُطوط الحمر التي وضعها المرشد الأعلى. وفي نظرنا يمكن حسبان الخطوط الحمر بمنزلة هابيتوس «ديني» يُحَدّد أُطر واستعدادات فِعل وعمل المفاوض الإيراني. ولا سيَّما مع تجديد الضغط الأقصى من إدارة ترامب التي ركّزت على حرمان إيران عائدات النفط وعلى إنهاء كل ما له صلة بتخصيب اليورانيوم، وتصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية ومنع إيران من شحن الفائض من الماء الثقيل واليورانيوم المخصب إلى الخارج‏[31]. وأثناء انتهاء حرب الـ 40 يومًا مع إيران خلال عام 2026، طالب ترامب بنقل اليورانيوم المخصَّب إلى الولايات المتحدة الأمريكية كجزء من الحل حتى لا يتم استئناف الحرب وتدمير البرنامج النووي الإيراني.

ثالثًا: مأزق هابيتوس الدّفاع عن المظلومين وضرورات الاندماج في فوضوية المجتمع الدولي

تعزّزت الهوية الإيرانية‏[32] بوصفها حضارة قديمة بسِمات ثقافية متميزة من حضارات جيرانها؛ فلم تتكون الهوية الإيرانية‏[33] عبر الميراث الشّيعي والإسلامي والجغرافيا المشتركة واللغة المُشتركة فقط، بل من طريق «معايشة التّجارب» (مع الآخرين) في القرن الماضي أيضًا، ولا سيَّما مع التّهديد الإمبريالي (إذ لم تكن إيران من صُنع الإمبريالية) والتّجربة المريرة مع العراق في حربهما المستنزفة والثورة الإسلامية والحركة الوطنية (الانقلاب ضد مصدق 1953) فقد كانت لإيران علاقات مُعقدة مع جيرانها في المنطقة وتَطَلّع الشّيعة في العراق وأفغانستان ولُبنان إلى إيران كحامية لهم ضدّ كل التهديدات. لكن في لبنان، وبعد خوض حزب الله الحرب مع إسرائيل (2024 – 2025) أخذت الدولة اللبنانية على عاتقها العمل على حصرية السلاح وأمن الحدود مع سلطة الاحتلال بها. لذلك بدأ الحديث عن إمكان أن تُفاوض الدولة اللبنانية الكيان الإسرائيلي.

وقد استفاد النّظام السياسي الإيراني‏[34] من الصورة التي ارتسمت له في الخارج عبر الدّفاع عن المُستضعفين والمظلومين، الذي جعله يحظى بالإعجاب، من منظور شُعوب عربية وإسلامية. لكن في الحرب التي شنّتها إسرائيل على غزة (2023 – 2025)، ارتفعت أصوات في البلدان العربية بأن إيران تدافع فقط عن مصالحها، فحتى الردّ العسكري على إسرائيل كان ضعيف التأثير ولم يخلق تفوقًا عسكريًا. لكن منذ 13 من حزيران/يونيو 2025 دخلت إسرائيل في حرب خاطفة مع إيران التي ردّت بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة. وقد بيَّنت حرب 2026 على إيران، أن توازن القوى يُبنى من خلال الجغرافية (مضيق هرمز) إضافة إلى عوامل القوة الاقتصادية والعسكرية.

في المقابل، كبّل الاتفاق النووي أيدي إيران ضمن سياق الالتزام بقواعد اللعبة الدولية مع الغرب. وقد يؤدي ذلك إلى إعادة النظر في بعض شعارات الجمهورية كالموت لأمريكا و«تحريم» التّعامل مع الشّيطان الأكبر والدّفاع عن المظلومين؛ فعلى «طاولة المفاوضات يتعاطى الشّيطان بأشكاله وحّجومه المختلفة مع المَلاَلِي بمرجعياتهم المختلفة»‏[35]. والتعامل مع الشيطان بدا واضحًا لدى إيران في الجولات التفاوضية مع الولايات المتحدة الأمريكية قبل تعرضها لهجوم عنيف من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل معًا في 28 شباط/فبراير 2026.

نشير إلى أن إيران قد تفنّنت في استيعاب الضغوط تاريخيًّا؛ فقد دشّن الرئيس خاتمي (1997 – 2005) مثلًا «حملة في مجال الشؤون الخارجية لتحسين العلاقات مع الخارج، وزار طوكيو وموسكو ومدريد وروما وباريس، حيث وضع أكاليل من الزهور على قبور روسو، وزولا، وفيكتور هيغو في مقبرة بلدية البانثيون (Pantin). وقد استضاف خاتمي مؤتمرًا للحوار بين الحضارات ومبعوثين لحقوق الإنسان من الاتحاد الأوروبي وأعلن أن إيران «سوف تقبل بحل الدولتين في فلسطين»‏[36]. لكن خطاب الرئيس بوش حول تصنيف إيران ضمن محور الشر‏[37] قد قوّض مساعي التقارب بين واشنطن وإيران. وعند قدوم أحمدي نجاد (2005 – 2013)‏[38] إلى الرئاسة في إيران، وصف نفسه‏[39] بنصير المُستضعفين. كما أدعى أن الجماهير قد «نُهِبَت» من الرّأسماليين الجُدُد. لذلك يصنَّف نجاد ضمن معسكر الأصوليين‏[40]، أي المعسكر الذي يرى نفسه الأقرب إلى المبادئ الأصلية للثورة. وقد تبنّى أحمدي نجاد خطابًا خارجيًا حادًّا ومتشدّدًا تجاه دول الخليج العربي، إذ أعلن عن استئناف تخصيب اليورانيوم واستخدام برنامج إيران النووي أداة سياسية لإثارة المشاعر القومية الإيرانية. وآمن بـ«ضرورة» التّصادم مع الغرب، لكنه اختار – أيضًا – التواصل والتكيُّف مع الدول الإسلامية‏[41]. وقد كانت خطة أحمدي نجاد هي إشغال الغرب والمنطقة العربية بتفاصيل البرنامج النّووي، والعمل على إنشاء قوس نفوذ إيراني يشمل كامل الهلال الخصيب، وصولًا إلى البحر المتوسط‏[42]. لكن الهجوم الأمامي لإيران (في لبنان وسورية والعراق واليمن) ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية يبدو بعيد التحقق بعد الحرب عليها منذ 28 شباط/فبراير 2026.

أكّدت إيران أن ممارسة الولايات المتحدة الأمريكية الضغط الأقصى على «الأمة الإيرانية» في المجالين السياسي والقانوني لم تفشل فقط، بل تحوّلت إلى أقصى عُزلة للولايات المتحدة‏[43]. لكن يجب الأخذ في الحسبان تخفيف الخطاب في الأوساط الفكرية الإيرانية في شأن الصراع مع الإمبريالية وبالتالي التشكيك في الحكم الإيراني الديني.

رابعًا: استراتيجية المصلحة في التفاوض الإيراني تجاه الملف النّووي: بين الإكراهات الدّاخلية والضغوط الخارجية

1 – لعبة التفاوض التدريجي والاستجابة للإكراهات والضّغوط

نظرًا إلى الخصوصية التاريخية والحضارية والعقائدية للكيان الإيراني، ينصبّ الاهتمام في الدراسات السياسية الدولية في البحث عن الكيفيات التي يمكن بواسطتها تفسير مَسَارَات التّفاوض الإيراني، ففي ظل التّطور الذي شهده برنامجها النووي، وتحدّيه لكل الضغوط الدولية، الغربية على وجه التحديد، تتأسس الأهمية المعرفية للدور الإقليمي الذي تُريد إيران تأديته، وتأثير ذلك في التّوازنات الدولية. والسّؤال هنا ما الذي يفسر زيادة قُدرة إيران على مواجهة التّحديات والضّغوط والعُقوبات التي تُمارس عليها من الغرب عمومًا، وذلك في المُضُي قُدُمًا في تطوير قدراتها النووية والعسكرية، وفي إفشال أي محاولات خارجية لإسقاط نظامها الداخلي؟

إضافة إلى مُقتضيات الأمن القومي، يسعى العقل الاستراتيجي الإيراني إلى التأثير في ميزان القوى بما يَصُبّ في مصلحة الدور الإقليمي لإيران‏[44]، من أجل موازنة التهديدين الإقليمي والدولي وتحسين وضعها التّفاوضي في ما يتعلق بعدد من الملفات، وعلى رأسها، الملف النووي. من هذا المنطلق، فالاستراتيجية التفاوضية النووية الإيرانية المتدرجة‏[45]، هي الوصول إلى تحقيق مصلحة معينة (إيران كقوة اقليمية)، إذ تقتضي هذه الاستراتيجية تصورًا عامًا مسبقًا للمَسَار الذي ستأخذه المفاوضات، للدفع في اتجاه تحقيق الأهداف الكبرى‏[46]. ولبسط ملامح الاستراتيجية التفاوضية الإيرانية في الملف النووي، يمكن توظيف الإطار النظري الذي قدمه روبرت بوتنام من أجل فهم لعبة التداخل بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية، حيث يرى أن المفاوضات تُدار على مستوى الجبهة الداخلية وعلى مستوى الساحة الدولية‏[47].

على هذا الأساس، فالضّغوط الكبيرة (الخارجية والداخلية) التي مُورست على النظام السياسي الإيراني، سوف تدفع به إلى اتباع سياسة خارجية براغماتية واقعية في التّعامل مع المجتمع الدولي للحفاظ على مكانته الإقليمية. ناهيك بأن النظام السياسي الإيراني لِما بعد عام 1979، أصبح منشغلًا بفكرة البقاء والاستمرارية بسبب التحديات التي يواجهها من المحيط الخارجي، لذلك فالهدف الأساسي من انتقال السلطة بين المحافظين والإصلاحيين يبقى هو الحفاظ على النظام من الانهيار والتّلاشي كجزء من الحفاظ على (الطابع المقدّس للسّلطة). في هذا الخصوص، تكشف الانتخابات الرئاسية الإيرانية عن توجهات العقل الاستراتيجي الإيراني وفق ما يقتضيه حُكم الوقت، بإقامة التوازن والتوافق بين الأبعاد الأيديولوجية المتشددة التي يتسم بها سلوكها السياسي الداخلي وبين التحالفات السياسية الخارجية التي تقوم على المصلحة. بالرجوع إلى ما أشار إليه روبرت بوتنام، تتكون البيئة الداخلية الإيرانية من تفاعل القوى الداخلية بعضها مع بعض، كذلك من خلال تفاعل واستجابة القوى الداخلية لضغوط الخارج وهي التهديدات والمواقف الأمريكية والأوروبية من برنامج إيران النووي مع محاولة التّقرب من روسيا والصين‏[48]. وقد تبيَّن أن الحرب على إيران (2026) كان الهدف منها هو تدمير القدرات النووية الإيرانية؛ ولا تزال تمارَس الضغوط من أجل نقل تخصيب اليورانيوم إلى خارج التراب الإيراني. والموقف الأمريكي واضح بخصوص هذه القضية.

على هذا الأساس، تتحكم العلاقة بين الداخل والخارج في شكل التوجهات الداخلية المهيمنة تجاه قضية البرنامج النووي المُدَوّلة خارجيًّا. فكيف تتأثر السياسة والمواقف الداخلية بالمفاوضات النووية؟ وإلى أي مدى نجحت السياسة الخارجية الإيرانية في ترتيب أوراقها التفاوضية بما يتوافق والتحولات الحاصلة في السياقين الإقليمي والدولي؟ فالتفكير في الهابيتوس هو تفكير علائقي بين الوُكلاء، لأن الوجود في العالم الاجتماعي «يفترض» التموقع وإعادة التموقع في فضاء متمايز، إذ يسمح هذا الفضاء «بتوزيع هابيتوس» بين المهيمنين والمهيمن عليهم‏[49].

2 – الموقف الداخلي الإيراني من البرنامج النووي

يُمثّل الموقف الداخلي الإيراني حجر الزاوية للإدارة الإيرانية للاستمرار في تبنّي موقفها لتطوير القدرات النووية الإيرانية، حيث تتكون البيئة الداخلية الإيرانية من تفاعل القوى الداخلية بعضها مع بعض ومن تفاعل واستجابة القوى الداخلية (علاقات الوُكلاء) للضغُوط الخارجية أيضًا. ومن الملاحظ أن القوى الخارجية تود الحسم في البرنامج النووي الإيراني؛ حيث ترى الولايات المتحدة أن المفاوضات مع إيران يجب أن تشمل أولا تحييد هذا البرنامج.

يمكن فهم هذا التفاعل عند بورديو من خلال أنطولوجية الروابط النّسقية، فالممارسات أو الأفعال الاجتماعية هي نتاج تلاقي مفهومَي الهابيتوس والحقل‏[50](Field)، أي الاستعدادات والمواقف/الأوضاع. فالإقرار العملي للتفاعل بين البنية والوكالة‏[51] بهدف المشاركة في «أحداث» العالم الاجتماعي وهو نتاج للاستراتيجية العملية ولا الخُضوع للقواعد والنّماذج الجاهزة وحساب المصالح بالمنطق العقلاني والحسابي‏[52]. فالحصار البحري على الموانئ الإيرانية أثر في مجموعة من القطاعات في إيران من حيث التكلفة وغلاء المعيشة إلّا أن المنطق العقلاني لا يمكن أن يسود دائمًا في الحسابات الاستراتيجية.

في الحالة الإيرانية، على الرغم من اتفاق القادة الإيرانيين على القيمة الاستراتيجية لوجود برنامج نووي، فهم انقسموا حول مدى قوة هذا البرنامج‏[53]. ففي بداية ظهور الأزمة النووية كان هناك ثلاث وجهات نظر في خصوص اتخاذ القرار تُجاه السياسة النووية داخل إيران؛ آمن كُثر بعدم وجود تعاون مطلق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، لذا يجب الخروج من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. من جهة أخرى، كانت هناك تيارات مختلفة تميل إلى تعاون دائم مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي مقام وسط، كان يوجد رأي أبدى نوعًا من التّعاون مع الوكالة الدولية لتوضيح سلمية الأنشطة النووية الإيرانية وفي الوقت نفسه دعا إلى القيام بعمل سياسي إلى جانب العمل الفني والقانوني وتكوين علاقة وطيدة مع العالم ومع القُوة المؤثرة في الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

يمكن فهم جُزء من وجهات النظر تلك في معادلة بورديو، فالهابيتوس هو نظام من الاستعدادات المستدامة والمتغيرة في بيئات/وسياقات مختلفة، ويتضمن ذلك جميع التّجارب الماضية، والهابيتوس يشتغل في كل لحظة كمصفوفة للإدراك وكمصفوفة للتّقييمات والقيام بالأفعال‏[54]. والهابيتوس هو الجمع/والتّعديل بين البنى الموضوعية من جهة أولى، والبنى التي يعيشها الفرد من الداخل. على هذا الأساس يقوم الوكلاء بإدراجها ضمن استراتيجية تطبيقية تسمح بتوجيه مجالات معينة للوجود الاجتماعي من جهة ثانية‏[55]. في الحالة الإيرانية، يدعم «معظم» الإيرانيين البرنامج النووي بوصفه مسألة أمن قومي، وسيمكّن إيران من تقوية موقفها التفاوضي في مواجهة الدول الأكثر قوة، حيث أصبح البرنامج النووي عاملًا للتماسك والتوحد الوطني لمشروع قومي يُجسد الطموحات والمصالح الوطنية لإيران. لهذا أصبح البرنامج النووي يمثل هدفًا «واضحًا» للقيادة الإيرانية وأضحى يُغذي السّلوك التّنافسي الخارجي لطهران. من هذه الزاوية، يندرج تطوير القُدرات النّووية لإيران في إطار تصور مُتكامل لسياستها الخارجية حيث تسعى السياسة الخارجية الإيرانية إلى بناء مكانة متميزة على الساحة الإقليمية، والقيام بأدوار متعددة تبدأ بالمشاركة في ترتيبات أمن منطقة الخليج، كنتيجة حتمية لاختلال معادلات القوة في منطقة الخليج، وبخاصة بعد انهيار العراق كقوة عسكرية وبشرية كبرى، ودُخُول معظم بلدان الخليج في مظلة الحماية الأمريكية عبر القواعد العسكرية. ولمواجهة تهديدات الجانب الأمريكي أو الإسرائيلي تبقى تنمية واستثمار الهابيتوس القومي والعقائدي والعزة الوطنية من خلال اكتساب القدرة النووية، رهانات جوهرية لدى العقل الاستراتيجي الإيراني، وبالتالي رفض الهيمنة وتعظيم المصلحة الوطنية. وبالرجوع إلى المظلة الأمريكية، يلاحظ في الحرب على إيران (2026) أن هذه المظلة لم تكن مجدية، لذلك طالبت أصوات متعددة بضرورة أن تتبنى البلدان العربية الخليجية تنويع الشراكات العسكرية والاستراتيجية مع حلفاء من غير الولايات المتحدة الأمريكية.

3 – عقدة الهابيتوس في سردية الاتفاق النّووي
والهروب إلى الأمام

يكون من الصعب تحديد سلوك دولة ما على وجه الدقة في بيئة شديدة التقلّب مثل البيئة السياسية في الشرق الأوسط، ويزداد الأمر صعوبة إذا كان الحديث عن دولة مثل إيران، التي تنتظم بهابيتوس‏[56] تتداخل فيه عوامل السياسة والتاريخ والجغرافيا والدين والأسطورة والثقافة الفارسية في رسم سياساتها الدولية والإقليمية. مع العلم أن إيران البلاد الواسعة والعريقة هي وارثة لثقافة وحضارة شاملة، حيث تحتل إيران المرتبة العاشرة عالميًا من حيث التنوع العرقي، وتحتوي على خمسين لغة ولهجة وثماني قوميات رسمية‏[57]. فهذه العوامل لم تساهم في إضعاف إيران خلال حربها عام 2026.

تكتنف الضبابية مصير الاتفاق النووي المبرم في 14 تموز/يوليو 2015 منذ أن انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية، برئاسة ترامب، في أيار/مايو 2018 من الاتفاق وفرضت ضد إيران وشركائها التجاريين مجددًا عقوبات اقتصادية إضافية. فمع مجيء ترامب إلى سُدّة الرئاسة الأمريكية عادت العلاقات الإيرانية – الأمريكية إلى مثلث غياب الثقة والتوتر والتّهديد. وفي خضم هذا التّصعيد تعرضت طهران لضغوط متزايدة من الدول الأوروبية التي تقول إنها تريد إنقاذ اتفاق 2015 النووي. وأشارت هذه الدول إلى استعدادها لدعم دعوة ترامب إلى إبرام اتفاق أشمل مع إيران، يضم القضايا النووية وبرنامج إيران الصاروخي والأنشطة الإيرانية في الشرق الأوسط، حيث تُصِر الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية ودول وكيانات أخرى كإسرائيل والسُّعوديَّة على أن للبرنامج النووي أبعادًا عسكرية تُضِرّ بأمن المنطقة العربية بوجه خاص، وتُضِرّ بالمصالح الاقتصادية الدولية. وقد خاضت الولايات المتحدة الأمريكية حربها على إيران (2026) انطلاقًا من هذه الخلفية.

كان من المتوقَّع أنْ تكون تصرُّفات إيران أكثر عدوانيَّة بعد إيقاف العمل بالاتِّفاق، نظرًا إلى العقيدة التوسعية التي يعتمدها نظامها السياسي، وبخاصة مع ضُعف النظام الأمني في منطقة الخليج العربي. لهذا من أجل تحقيق صفقة جديدة على هذا المستوى، اعتمد ترامب استراتيجية «الضّغوط القصوى» لحلحلة الهابيتوس الإيراني وإضعاف القناعات والعزة القومية. إذ لم يَتَرَدّد الرئيس الأمريكي «الجديد»‏[58] في التقليل من أهمية الاتفاق النووي، ووصفه في كثير من المناسبات «أسوأ اتفاق عقدته بلاده على الإطلاق، ولم تجنِ منه شيئًا»، وبخاصة أنه لن يساهم في وقف الانتشار النووي في المنطقة، ولا يراعي برنامج الصواريخ الباليستية لإيران، وهو ما يُهدد حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية ومصالحها في المنطقة، كما رأى أن الاتفاق مَكّن إيران من استرداد أموال كانت مُجمدة في البنوك الأمريكية والأوروبية، استثمرتها في تمويل «الإرهاب»، وأن الاتفاق لا يضع ضمانات لما بعد انتهاء الاتفاق في عام 2025. وأثناء الحرب على إيران، شددت الولايات المتحدة الأمريكية الضغط من أجل تحييد البرنامج النووي الإيراني.

يبدو أن القرار الأمريكي‏[59]، هو نتاج تقييم مُسبق لمدى انعكاس الاتفاق على السّلوكيات الخارجية لإيران تجاه محيطَيْها الإقليمي والدولي وتهديدها المصالح الأمريكية، إذ لم تتوقف عن التدخّل في دول المنطقة، علاوة على تقييم آخر يتصل بمدى انضباط إيران بمقتضيات الاتفاق ذاته في ما يتعلق بملفها النووي، كما لا تخلو الضغوط التي مارسها كثير من البلدان العربية من أهمية في هذا الخصوص، وبخاصة أنها عبَّرت في السابق عن ارتيابها إزاء التزام إيران ببنود الاتفاق السابق. فالقرار الأمريكي‏[60] بُنِيَ في الأساس على تقييم للسلوكيات الإيرانية المعادية تجاه محيطها الإقليمي، التي استمرّت لِما بعد الاتفاق، أكثر منه على معطيات متصلة برصد انحرافات تتعلق بالانضباط بمقتضيات الاتفاق على مستوى تحويل الإمكانيات النووية نحو المجال العسكري.

تشير معطيات جمّة إلى أن ثمة تيارين يتحكّمان في القرار الأمريكي في خصوص الملف الإيراني‏[61]، بحيث يميل التيار الأول إلى حَلّ الملف الإيراني دبلوماسيًا، فمثلًا الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، في أكثر من تصريح له أشار إلى أنه لا يريد حربًا في الشّرق الأوسط، كما أنه يعمل على إعادة الجنود الأمريكيين من الخارج. أما التيار الثاني، فيتبنى ضرورة تغيير النظام الإيراني من خلال استفزاز إيران للرد عسكريًا على العقوبات الأمريكية لمحاصرتها سياسيًا واقتصاديًا، ومن ثم إشعال فتيل مواجهة يُؤدي إلى حرب تُضعف النظام الإيراني إن لم تغيره‏[62]. ومن الملاحظ أن التيار الثاني لم يحقق أهدافه بضرب إيران (2026)، فالنظام السياسي الإيراني لا يزال متماسكا لامتصاص الضربات العسكرية، وحتى في حالة الإقرار باستمرار الحرب بعد الإعلان عن وقفها.

في هذا الإطار، بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق؛ ردّت إيران في إيران/مايو 2019 على ذلك بتقليص التزاماتها على الرغم من إعلانها أنها ترغب في الحفاظ على الاتفاق. وقد «تجاوزت إيران معظم حدود خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) بحلول كانون الثاني/يناير 2020، وهذا يعني أنها لم تعد تلتزم بالأحكام الرئيسة للاتّفاق»‏[63]. فالانسحاب التدريجي الإيراني من الاتفاق النووي، يرمي إلى زيادة الضغط على الشّركاء المتبقّين في الاتفاق للحصول على الفوائد الاقتصادية الموعودة رغم العقوبات الأمريكية المتجدّدة.

عام 2019، قرّر روحاني إصدار مبادرة: «تحالف الأمل أو مبادرة هرمز للسلام»، وقد حظيت بتأييد واسع بين نُخب السياسات الإيرانية، التي أشادت بطبيعتها الشمولية والمحلية؛ أي توصُّلها إلى فهم مشترك لجذور التّهديدات الأمنية والاقليمية وكيفية مواجهتها وتوجهها الموضوعي‏[64].

في ظل ضغوط العقوبات الأمريكية الاقتصادية على إيران، والتصعيد العسكري، واستهداف المصالح الاقتصادية والممار البحرية في منطقة الخليج وبحر عُمان، كانت أُقرت كرد فعل على الهجوم، دخل الاتفاق النووي الإيراني مرحلة معقدة، وبخاصة مع تنامي التأثيرات الأمنية في المنطقة. من هنا يتضح أن التصعيد العسكري الأمريكي – الإسرائيلي ضد إيران له تأثيراته الأمنية في المنطقة. في هذا الإطار تحول الصراع على مضيق هرمز إلى مواجهة بين مقاربتين: إغلاق مضيق هرمز (المقاربة الإيرانية)، والحصار البحري للموانئ الإيرانية (المقاربة الأمريكية).

لهذا، فإضافة إلى الصّورة الذهنية النّمطية التي تكونت لدى كل طرف عن الطرف الآخر، والتي تعدّ شديدة في السّلبية والتّشكيك وفُقدان (أو انعدام) الثقة، لا يمكن أحداثًا من قبيل مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في غارة نفذتها طائرة أمريكية من دون طيار، إلّا تغذية الهابيتوس الإيراني‏[65]. على العموم، يبدو أن إيران منذ اجتياح العراق في عام 2003، أضحت تحصد منهجيًا ثمار أخطاء الرؤساء الأمريكيين جورج بوش وباراك أوباما ودونالد ترامب، هذا الأخير (في ولايته الأولى) الذي قرر في أسوأ الأوقات التخلص من جنرال الحرس الثّوري الإيراني. وفي ولايته الثانية مهاجمة البرنامج النووي الإيراني (2026).

على هذا الأساس، يتوقف مستقبل الاتفاق النووي في ظل التصعيد الأمريكي – الإيراني وفرص تعديله ومصيره، وبخاصة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، يتوقف مرحليًا على إمكان بقاء الاتفاق بصيغته الجديدة بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية، لأن الاتفاق عَزّزَ الإجراءات والضمانات الرقابية الصّارمة على الأنشطة والمنشآت النّووية الإيرانية، إذ لم يكن من السهولة توقيع اتفاق يُجبر إيران على تقييد برنامجها النووي بما يضمن سلميته، فبالرغم من الثغر الكثيرة التي احتوت عليه بنود الإطار العام للاتفاق، فهو عُدّ خطوة تاريخية لأنه قَيّدَ البرنامج النووي الإيراني، وَوَضَعَ قُيُودًا على مستوى تخصيب اليورانيوم والبلوتونيوم. في المقابل، استفادت منه إيران في استعادة نشاطها الاقتصادي وكسر عُزلتها السياسية، من خلال تنشيط قطاعها النّفطي والمعدني وفتح أسواقها للاستثمارات الأجنبية. لكن الحرب على إيران خلال 2026 أظهرت بوضوح أن اتفاق 2015 هو في قاعة الانتظار.

أضحت عودة إيران إلى المنظومة الدولية مؤكدة بعد الاتفاق النووي مع القوى (الكبرى)، وبذلك تكون قد حققت إنجازًا تاريخيًّا يحفظ مصالحها بوصفها قوة إقليمية؛ واستطاعت أن تكسب شرعية دولية حُرِمَت منها منذ ثورة 1979. وبات واضحًا أن مسار إعادة إدماج إيران في صُلْب الاهتمام الدولي، لم يتحكم فيه تحسن العلاقات الأمريكية – الإيرانية فقط، بل تداخلت عوامل متعددة ومعقدة في إنتاجه وتحقيقه‏[66]. وما يسميه كاليفي هولستي‏[67] القيام بالدور ينطلق بصورة أساسية من طبيعة ما تحمله النّخبة السياسية (التّوتر بين العلمانية والحكم التيوقراطي) في كل بلد من تصورات للدور الوطني الذي يبقى محكومًا بعدد من الخصائص الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للكيان الدولتي.

فعلى الرغم من وجود انتقادات وسط الشعب الإيراني للاستراتيجيةَ الإقليميةَ لقادته المقسمة بين البراغماتية الواقعية للإصلاحيين وأولوية الحفاظ على إرث الثورة الإسلامية، من المُستبعد أن يرضخ حُمَاة الهابيتوس الإيراني للمطالب الأمريكية بالخصوص، والغربية عمومًا، في شأن ملفهم النّووي، وبخاصة بعد النتائج التي انتهت إليها الحرب الأخيرة ضد إيران، التي خرجت إيران منها أقوى. في الوقت نفسه تسعى الولايات المتحدة للحفاظ على الصورة الأمنية لإيران، من أجل إيلاء الأولوية للشؤون الأمنية – على حساب العقلانية الاقتصادية – بوصفها مبدأً توجيهيًا أساسيًا لعمليات صنع القرار في السياسة الخارجية لحلفائها وشركائها الإقليميين‏[68]. وشن الحرب على إيران خلال عام 2026، أريد منه تحييد البرنامج النووي قبل إدماج إيران ضمن النسيج الإقليمي للتطبيع مع إسرائيل، لكن ذلك لم ينجح حتى الآن.

خاتمة عامة

خلّف الاتفاق النووي الإيراني (2015) مواقف وردود فعل متباينة، حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، بين من عدَّه بمنزلة تجسيد لأهمية خيار التفاوض والحلول الدبلوماسية (استجابة للضغط الأقصى) لكسب معارك مهمة بتكلفة أقلّ، وبخاصة أنه يكبح الطّموحات النووية العسكرية لإيران، وبين من استقبلته بقدْر من التحفّظ والارتياب، في حين سوّقت إيران للأمر كانتصار لرؤيتها وهويتها الوطنية واستعداداتها للدّفاع عن تاريخها (كما كانت سابقًا من القوى العظمى) وثقافتها الفارسية وسلوكها المنسجم مع الرؤية الوطنية الإيرانية، من منطلق أن الاتفاق سيسمح لها بتطوير عَلاقاتها مع مُحيطيها الاقليمي والدولي، بعد رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية بمقتضاه، ويضمن استمرار برنامجها رغم الشّروط المفروضة على سلوكها الخارجي. وتأسيسًا على ما سبق، إن العدول أو تأجيل مُعَالَجة الملف النووي الإيراني، سيدفع المنطقة إلى الخيار العسكري.

وبالرّغم من الظروف الدولية الضّاغطة، تُواصل إيران تمسكها بالخيار النووي. وهو ما يستتبع منه أنه، لتحصين الداخل من أي توتّر أو تغيير سياسي أو هوياتي طبقًا للتصوّر الذاتي (Self-Perception) للملف النووي، تسعى استراتيجية المؤسسة الحاكمة الإيرانية إلى ربط الإخفاقات الداخلية للبلد (أي عدم فهم الهابيتوس في سياقاته الثقافية) بإكراهات الخارج، بُغية التّنصل من أية مسؤولية عمّا قد تصل إليه البلاد من تراجع وضعف الاستجابة للضغوط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. في هذا السياق، اكتسب النظام السياسي الإيراني خبرات من خلال التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ كما أن الاعتماد على النهج المرحلي في مناقشة الملفات أكسب إيران ربح الوقت لتنظيم صفوفها ومساراتها التفاوضية وردم القطيعة بالعالم الخارجي.

لا يقتصر هذا الأمر على مرحلة سياسية معينة، بل يرتبط بتراكمات الثقافة السياسية للطبقة الحاكمة والنخب الإيرانية، انطلاقًا من المفاهيم والتصورات التي تكونت تاريخيًا حول مفهومَي رهان الخارج ونظرية المؤامرة التي تؤثث للهابيتوس الإيراني مع مُرور الزّمن. فتحدي تطويق الداخل، يدفع ساسة إيران إلى أن يتمسكوا بحقها في امتلاك الطاقة النووية كجزء من استراتيجيتهم للحفاظ على استقلالها الوطني ودورها الإقليمي في المنطقة الشرق الأوسطية. فإيران، على خلاف كثير من دول المنطقة، ترفض بالمطلق الوجود الأمريكي، وترى أن حماية أمن الخليج يتوقف على مسؤولية دول المنطقة فقط، رغم ذلك تسعى إيران جاهدة للنفوذ الإقليمي على حساب منافستها الرياض.

استنتاجات

يمكن التوصل إلى بعض الاستنتاجات الأساسية رغم صعوبة التمرين حول تشابك/تقاطع مفهومَي الهابيتوس والمصلحة لفهم العالم الاجتماعي:

–          يصعب فصل الحقل السياسي الداخلي (الثقافة، والهوية، واللغات، والإثنيات والهابيتوس) عن حقل العلاقات الدولية الذي يتميز بالبحث عن تعظيم القوة والزيادة فيها والصراع من أجل البقاء وتحقيق المصلحة الوطنية.

–         يمكن مقاربات بورديو أن تمزج بين بارادايمات معيَّنة، فالهابيتوس والمصلحة ربما يكونان مفهومَين متعايشين لفهم البرنامج النووي الإيراني في صيغة المقتضيات المادية وغير المادية. ولن يتحقق هذا الفهم إلّا بفحص مجموعة من المفاهيم المتناقضة التي لجأ إليها بورديو كالهيمنة، وعلاقات القوة والصراع (عند كارل ماركس)؛ وسلطة الرّموز الاجتماعية (لدى إيميل دوركايم)؛ والسلطة والمشروعية (لماكس فيبر).

– يتم اللجوء إلى مفهومَي الهابيتوس والهوية أثناء تراجع قوة الكيان الإيراني وزيادة الضغوط الغربية عليه، لكن الرجوع في كل مرة إلى الاستنجاد بالهابيتوس لن يقدّم حلولًا عملية وحتمية. فشبكة الفاعلين (l’acteur réseau) ربما لا تسمح بحقن دماء جديدة في الهابيتوس، وهو ما يستدعي ضرورة التمسك بمقاربات مادية تدور حول مفهوم المصلحة والصراع من أجل البقاء في عالم يعج باللاعبين الأقوياء.

– يمكن التأكيد أن المصالح الاقتصادية والتجارية والاستثمارية تتميز بالحسابات العقلانية، لذلك يمكن حساب مستويات تأثيرها وتدفقها، وتداعياتها على الاقتصاد الوطني الإيراني لأن رفع العقوبات سيؤدي حتمًا إلى زيادة وتعظيم المنافع الاقتصادية. وعلى الضد من ذلك يصعب قياس مستويات تأثير الهابيتوس الوطني في السياسة الخارجية الإيرانية.

– من أجل تحقيق الرهانات والأهداف، تفترض «نظرية الترجمة» (La Théorie de la traduction)‏[69]، ترجمة المؤسسات والتنظيمات والأفراد للمصالح والمآسي والمشاعر والطموحات (علاقات التفاوض مثلًا) في إطار «الإجماع». وهو ما لم يتحقق في الحالة الإيرانية، ولعل التظاهرات الصاخبة التي اندلعت في إيران ضد السلطة عام 2026 تدل بوضوح على وجود «هابيتوس مُناهض» لاحتكار السلطة باسم الدين وتمرير أجندات لا تستفيد منها طبقات معيَّنة في المجتمع الإيراني. مع التأكيد أن شريحة من المجتمع الإيراني سئمت من العقوبات الاقتصادية وتأثيرها في مستوى معيشتها. والمحك الحقيقي كيف يمكن إقناع هذه الشريحة بمزيد من التضحية والصّبر ونُكران الذات لإضفاء الطابع الأمني باستمرار على علاقات طهران بواشنطن عوض العمل على حلّ سلمي للبرنامج النووي الإيراني من جانب الجهة الفاعلة الأمنية (Securitizing Actor)؟ ربما تكون الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران [2026] فرصة (ثانية) للجم الأصوات المنتقدة للنظام السياسي في إيران □

أوراق ذات صلة:

أثر التغير في القيادة الأمريكية في العلاقات الأمريكية – الأوروبية: دراسة حالة للملف النووي الإيراني

مفاوضات فيينا وآفاق الملف النووي الإيراني

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 569 في تموز/يوليو 2026.

الحسين شكراني: أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية،
جامعة القاضي عياض، مراكش – المغرب.

[1](*) من الواجب الأخلاقي تقديم الشكر الجزيل للمرحوم عبد المالك الوزاني، أستاذ علم السياسة في جامعة القاضي عياض سابقًا، الذي ساعدني – قبل مماته – بملاحظاته القيمة من أجل إنجاز هذه الورقة البحثية.

Didier Bigo, «Pierre Bourdieu and International Relations: Power of Practices, Practices of Power,» International Political Sociology, vol. 5, no, 3 (2011), pp. 225-258.

[2] الهابيتوس (Habitus) من المصطلحات الأساسية لدى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في كتابه المشترك الورثة (1964)، وحُبّ الفن (1966)، وإعادة الإنتاج (1970)، والحسّ العملي (1980)، ونَبَالة الدولة (1989)، ولا سيَّما في تأملات باسكال (Méditations pascaliennes) (2003). ويترجم مفهوم الهابيتوس في الكتب والمؤلفات العربية بالعادة أو الطّبع أو السَّمْت التي تُوجه السّلوك بطريقة تلقائية وعفوية.

[3] ر. و. كونيل وجيمس و. ميسوشميت، «الذكورية المهيمنة: إعادة نظر في المفهوم،» ترجمة ثائر ديب، عمران، السنة 8، العدد 32 (ربيع 2020)، ص 163 (الهامش).

[4] فردريك معتوق، «الهابيتوس العربي العنيد والعتيد،» عمران، السنة 3، العدد 12 (ربيع 2015)، ص 140.

[5] المصدر نفسه، ص 141.

[6] الحبيب الحباشي، «العلوم الإنسانية: إشكالية مناهج ودراسات استراتيجية لتحقيق مقاصد إنسانية،» تبين، العدد 30 (خريف 2019)، ص 115.

[7] محمود محارب، «سياسة إسرائيل تجاه المشروع النّووي الإيراني في بداية حكم الرئيس إبراهيم رئيسي،» سياسات عربية، العدد 59 (تشرين الثاني/نوفمبر 2022)، ص 48 – 60.

[8] رغم تعرض سلطنة عمان لضربات إيرانية خلال حرب 2026؛ فقد زار وزير الخارجية الإيراني سلطة عمان (أواخر نيسان/أبريل 2026) من أجل وضع ترتيبات (مشتركة) لمضيق هرمز.

[9] روبرت د. كابلان، انتقام الجغرافيا: ما الذي تُخبرنا به الخرائط عن الصّراعات المقبلة وعن الحرب ضد المصير، عالم المعرفة؛ العدد 420 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2015)، ص 330.

[10] فاطمة الصمادي، «الاتفاق النووي الإيراني: الحاجة والمصلحة وتحول الخطاب،» سياسات عربية، العدد 6 (كانون الثاني/يناير 2014)، ص 47.

[11] المصدر نفسه، ص 49.

[12] أروند إبراهيميان، تاريخ إيران الحديثة، ترجمة مجدي صبحي، عالم المعرفة، العدد 409 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2014)، ص 225 – 226.

[13] الصمادي، المصدر نفسه، ص 47.

[14] أصابت العقوبات الأمريكية إيران بالشّلل، ولا سيَّما في القطاعين النفطي والمصرفي؛ كما سببت متاعب اجتماعية واقتصادية، كارتفاع مُعدّلات التّضخم والبطالة، بل عرّضت الأمن الغذائي وفُرص الحصول على الدواء في البلاد للخطر. وأدى الوضع الاقتصادي المتردّي إلى تعاظم التذمّر الشعبي من خطّة العمل ومن حكومة الرئيس الإيراني (السابق) حسن روحاني بوجه عام. انظر: تيتي إراستو، «تنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة،» في: التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي، الكتاب السنوي 2020 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية؛ معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي، 2021)، ص 508 و531.

[15] محجوب الزويري، «إيران واتفاق جنيف: تجديد للشرعية أم استجابة لتحدّ مرحلي،» سياسات عربية، العدد 6 (كانون الثاني/يناير 2014)، ص 58.

[16] لكن الإدارة الأمريكية في عهد الولاية الثانية للرئيس ترامب تصر على ضرورة تحييد البرنامج النووي لإيران كمرحة أولى قبل رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية.

[17] إراستو، المصدر نفسه، ص 568.

[18] Yoland Sénécal, «Compte rendu de Regis Debray, «Critique de la raison politique»,» Politique, no. 3 (hiver 1983), p. 155.

[19] الصمادي، «الاتفاق النووي الإيراني: الحاجة والمصلحة وتحول الخطاب،» ص 48.

[20] إبراهيم شرقية، «الدلالات الإقليمية والدولية للاتفاق النووي الإيراني،» سياسات عربية، العدد 6 (كانون الثاني/يناير 2014)، ص 72 (بتصرف).

[21] سحيم آل ثاني، «الخطر الأخلاقي والمفاوضات الأمريكية الإيرانية،» سياسات عربية، العدد 7 (آذار/مارس 2014)، ص 130.

[22] Mohamed Elbaradei, The Age of Deception: Nuclear Diplomacy in Treacherous Times (London: Bloomsburg Publishing PLC, 2012), p. 113.

[23] علي الدين هلال، «حال الأمة العربية 2014 – 2015: الإعصار: من تغيير النظم إلى تفكيك الدول،» المستقبل العربي، السنة 38، العدد 435 (أيار/مايو 2015)، ص 16.

[24] علي الدين هلال، محرر، حال الأمة العربية، 2013 – 2014: مراجعات ما بعد التغيير (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2014)، ص 74 – 75.

[25] محجوب الزويري، «العلاقات بين إيران ومجلس التعاون لدول الخليج العربية: تداعيات إرث حسن روحاني (2013 – 2021)،» في: مجموعة من الباحثين، دول الخليج العربية وإيران: جذور التنافس في النظام الإقليمي الخليجي وتجلياته، تحرير روان قبلان (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص 250.

[26]  Elbaradei, The Age of Deception: Nuclear Diplomacy in Treacherous Times, p. 118.

[27]  Ibid., p. 118.

[28]  Ibid., p. 122.

[29] محجوب الزويري، «إيران واتفاق جنيف: تجديد للشرعية أم استجابة لتحدّ مرحلي،» سياسات عربية، العدد 6 (كانون الثاني/يناير 2014)، ص 53.

[30] آل ثاني، «الخطر الأخلاقي والمفاوضات الأمريكية الإيرانية،» ص 53.

[31] إراستو، «تنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة،» ص 513.

[32] Ervand Abrahamian, A History of Modern Iran (Cambridge, MA; New York: Cambridge Uni­versity Press, 2008), p. 113.

من المهم التأكيد أن بورديو لم يعمل على استخدام مفهوم الهوية، فعندما ناقش بورديو مفهوم الهابيتوس استند إلى مفردات علم النفس والمقصود به قُدرة الوكيل (Agent) [أي هامش من الحرية] على الفعل أو ردّ الفعل تُجاه وضع معيّن بالسّبل المُناسبة (فالمؤسسات الإكراهية هي التي تؤطر الحرية). فالهابيتوس يحدّد السلوك الذي تم بناؤه مجتمعيًا. مع تأكيد بورديو أن بعض الأفراد يعيشون في وضع أفضل من الآخرين، أو يقوم هؤلاء بتحسين أوضاعهم الاجتماعية في حقول معينة، أو تغيير بيئاتهم. لذا يتميز هؤلاء بقدرتهم على التواصل مع المؤسسات مقارنة بالأفراد الآخرين (بتصرّف). انظر: Catherine Goetze, «Pierre Bourdieu’s Toolbox: Fields, Power, Practices, and Habitus in the Analysis of Peacebuilding,» in: Catherine Goetze, The Distinction of Peace: A Social Analysis of Peacebuilding (Michigan: University of Michigan Press, 2017), p. 29.

[33]  Abrahamian, Ibid., p. 195.

[34] الزويري، «إيران واتفاق جنيف: تجديد للشرعية أم استجابة لتحدّ مرحلي،» ص 53.

[35] إبراهيم شرقية، «الدلالات الإقليمية والدولية للاتفاق النووي الإيراني،» سياسات عربية، العدد 6 (كانون الثاني/يناير 2014)، ص 72.

[36] إبراهيميان، تاريخ إيران الحديثة، ص 254.

[37] George W Bush’s First State of the Union Speech – «Axis of Evil», Iranians React to Us «Axis of Evil»,» Youtube, 27 December 2022, <https://www.youtube.com/watch?v=5KCf3g6fJxo> (accessed on 20 April 2025).

[38] كانت لسياسات الرئيس أحمدي نجاد تداعيات وعواقب وخيمة على المستويين الخارجي والداخلي لإيران. للمزيد، انظر: Azadeh Kian, «L’effervescence de l’échiquier politique en Iran,» Diplomatie, no. 65 (novembre-décembre 2013), p. 28.

[39] إبراهيميان، تاريخ إيران الحديثة، ص 260 (بتصرف).

[40] انظر مراجعة مهران كامرافا، لكتاب: «علي دارابي، فهم التيارات السياسية في إيران،» المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (20 أيلول/سبتمبر 2020)، ص 5.

[41] الزويري، «العلاقات بين إيران ومجلس التعاون لدول الخليج العربية: تداعيات إرث حسن روحاني (2013 – 2021)،» ص 230.

[42] مروان قبلان، «الصراع السعودي الإيراني: الحرب الكبرى في قلب العالم الإسلامي،» في: مجموعة من الباحثين، دول الخليج العربية وإيران: جذور التنافس في النظام الإقليمي الخليجي وتجلياته، الفصل الرابع، ص 148 – 149.

[43]  <https://president.ir/en/117371> (accessed on 14 March 2025).

[44] K. J. Holsti, «National Role Conceptions in the Study of Foreign Policy,» International Studies Quarterly, vol. 14, no. 3 (September 1970), pp. 233-309.

[45] Brian J. Dietmeyer and Rob Kaplan, Strategic Negotiation: A Break through Four Step Process for Effective Business Negotiation (New York: Kaplan Publishing, 2004), p. 25.

[46] Christophe Dupont, La Négociation: Conduite, Théorie, Application (Paris: Dalloz, 1982), p. 65.

[47] Robert D. Putnam, «Diplomacy and Domestic Politics: The Logic of Two-Level Games,» International Organization, vol. 42, no. 3 (1988), pp. 427‑460.

[48] بناء التحالفات الاستراتيجية بحسب هنري كيسنجر ناتج من إرادة الدول، لكن لا يمكن أن توجد هذه التّحالفات إلّا بين الدول التي تكون أنظمتها الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية مُتشابهة أو مُنسجمة. انظر: Diane Ethier, Introduction aux relations internationales (Montréal: Les Presses de l’Université de Montréal, 2010), pp. 30-31.

ومن المعلوم وجود تقارب مؤسسي منذ الستينيات من القرن الماضي بين دول الجنوب لتغيير قواعد اللعبة الاقتصادية العالمية والضغط على الدول الغربية لفتح الأسواق وتحريرها لفائدة هذه الدول. انظر: Sylvia Delannoy, Géopolitique des pays émergents: Ils changent le monde (Paris: Ed. PUF, 2012), p. 97.

[49] Louis Pinto, Pierre Bourdieu et la théorie du monde social (Paris: Editions Albin Michel SA, 1998), pp. 48-49 et p. 52.

[50] كِلا المفهومين، الحقل والهابيتوس، هما في الوقت نفسه، مهيكَل ومهيكِل (Structured and Structuring)، مرنان في ضوء الأفعال الجارية وقابلان للتطويع وفقًا للطريقة التي يميل بها الفاعلون في الحقل إلى التّفاعل. يجب آلّا يُفهما على أنهما بديلان لـ الفاعلية (Agency) أو البنية (Structure) على التّوالي. فالحقول لا توجد من دون أن تتكوّن من خلال أفعال وتفاعل الفاعلين، وخطاباتهم وممارساتهم؛ والهابيتوس لا يوجد من دون أن يكون مُضَمّنًا في حقل وينشأ من توقّعاته وتكويناته. أحدهما، في آن واحد، هو تاريخ الآخر وسياقه وشرط إمكانه. انظر: Goetze, «Pierre Bourdieu’s Toolbox: Fields, Power, Practices, and Habitus in the Analysis of Peacebuilding,» p. 30.

[51] Frédéric Mérand et Vincent Pouliot, «Le Monde de Pierre Bourdieu: Elément pour une théorie sociale des relations internationales,» Revue Canadienne de science politique, vol. 41, no. 3 (septembre 2008), p. 611.

[52] إلى جانب المعايير التي تعتمد الحساب العقلاني والخضوع/الإذعان للقواعد؛ توجد مبادئ مولّدة للممارسات، ولا سيَّما في المجتمعات التي لا يطغى فيها التقنين (Codification)، أي القوالب المؤطرة [التقنين كتنظيم النظام الرمزي أو الحفاظ على النظام الرمزي وهي غالبًا مسؤولية البيروقراطية]؛ ولفهم ذلك يخضع الأفراد لاستراتيجية اللعبة (Sens du jeu) كما يحصل في الرياضة. وقد بيّن الواقع أن الممارسات العملية لا تتمشى إلّا نادرًا مع المعايير. فالهابيتوس – كنظام استعدادات للممارسة العملية – هو نظام مادي يُؤسس للتصرفات/المعاملات (Les Conduites) المنتظمة، وبالتالي فالهابيتوس نظام لتنظيم هذه التّصرفات. انظر: Pierre Bourdieu, Choses dites, collection Le sens commun (Paris: Les Editions de Minuit, 1987), pp. 20, 94-95 and 99.

[53] Azadeh Kian-Thiébaut, La République islamique d’Iran: De la maison du Guide à la raison d’État (Paris: Michalon, 2005), et Jacques Andreani, Guillaume Demuth et Marc Ullmann, «Devenirs iraniens,» Commentaire, vol. 30, no. 120 (hiver 2007-2008), pp. 935-944.

[54] Mérand et Pouliot, «Le Monde de Pierre Bourdieu: Elément pour une théorie sociale des relations internationales,» p. 610.

[55]  Pinto, Pierre Bourdieu et la théorie du monde social, p. 47.

[56] فمن طريق الهابيتوس، يمزج الفرد تاريخه الفردي والجماعي، ويُعيد بناء/ترميم الهابيتوس على صورة مقتضيات توجيهية لأفعاله. وبطبيعته البينذاتية (Intersubjective)، يُمثل الهابيتوس تقاطعًا تفاعليًا ديناميًا بين البنية والفعل، وبين المجتمع والفرد (الماكرو – الميكرو) [بتصّرف]، انظر:        Mérand et Pouliot, Ibid., p. 610.

[57] إدريس بيرصاحب وخالد محمدي، «مستقبل المجتمع الإيراني: إشكاليات وقضايا،» مركز الجزيرة للدراسات، 23 آذار/مارس 2025)، ص 3،   <https://studies.aljazeera.net/ar/article/6179>.

[58] لكريني لكريني، «مستقبل الملفّ النّووي الإيراني ما بعد ترامب،» مجلة الدراسات الإيرانية، السنة 3، العدد 9 (نيسان/أبريل 2019)، ص 82 – 83.

[59] المصدر نفسه، ص 83 – 84.

[60] المصدر نفسه، ص 84.

[61] Clément Therme, «L’Iran et les Etats-Unis après l’accord sur le nucléaire: Paix froide ou réconciliation?,» Confluences Méditerranée, vol. 94, no. 3 (2015), pp. 107-117..

[62] يتزعم هذا التيار الثاني كل من وزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو (2018 – 2021)، ومستشار الأمن القومي السابق جون بولتون (2018 – 2019) في مدة ولاية ترامب الأولى.

[63] إراستو، «تنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة،» ص 531.

[64] مهران كامرافا، «المؤسسات والسياسة في علاقات إيران بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية،» في: مجموعة من الباحثين، دول الخليج العربية وإيران: جذور التنافس في النظام الإقليمي الخليجي وتجلياته، الفصل السادس، ص 206.

لكن مراجعة أدبيات بورديو تبين أن الأمر لا يرتبط بالعقلانية الأداتية، أو الانضمام إلى القواعد الاجتماعية كسلوكيات تتولد لدى الوكيل (L’agent)، فالأمر يتعلق بالاستعدادات التاريخية المدمجة (الهابيتوس) في تقاطعها مع الأوضاع المجتمعية المحدّدة (الحقل عند بورديو) التي يتم تحيينها ومن ثمة تبرز على صورة ممارسات وتطبيقات عملية. فالهابيتوس يمثل (داخل الفضاء الاجتماعي) منطق الفعل الاجتماعي. انظر: Mérand et Pouliot, «Le Monde de Pierre Bourdieu: Elément pour une théorie sociale des relations internationales,» p. 612.

[65] Clément Therme, «La Stratégie régionale de l’Iran: Entre Realpolitik et révolution,» Politique étrangère, vol. 1 (printemps 2020), pp. 33-42, et Benoît Muracciole et Asghar Hassan-Zadeh, «Le Cas symptomatique de l’Iran,» Les Cahiers de l’Orient, vol. 105, no. 1 (2012), pp. 89-115.

[66] Nader Intessar, «Avoir affaire au Léviathan: La Politique américaine au Moyen-Orient et l’Iran,» Géostratégiques, no. 10 (décembre 2005), pp. 239-259.

[67]  Holsti, «National Role Conceptions in the Study of Foreign Policy».

[68] مصطفى باكدل، «التهديد المرغوب فيه: دراسة عن تطوّر صورة إيران المُؤمننة،» وحدة الدّراسات الإيرانية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 6 أيار/مايو 2025، ص 2.

[69] نظرية الترجمة هي نظرية سوسيولوجية، فقد أدخل برينو لاتور (Bruno Latour) وميشال كالو (Michel Callon) مفهوم الجهات الفاعلة (Les Actants)، بدلًا من مفهوم الفاعل (Acteur) بخلاف إيميل دوركايم وماكس فيبر. فالعلاقة بين المجموعات والأفراد والمؤسسات لا يؤثر فيها فقط الأفراد وإنما أيضًا الجهات الفاعلة (Les Actants) الأمنية، أي العناصر غير الإنسانية (Les Acteurs non humains) التي تشمل المقتضيات المادية وغير المادية (Les Dispositions matérielles et immatérielles)؛ من مفاهيم نظرية الترجمة نذكر، الجهات الفاعلة (Les Actants)، وشبكة الفاعلين (l’acteur réseau) ومبدأ التّماثل (Le Principe de symétrie)، والجدل (La Controverse).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز