مقدمة

شهد العقد الماضي ظهور الكثير من الدراسات في العلوم الإنسانية والاجتماعية التي تعيد فهم تاريخ فلسطين وحاضرها في سياقها الاستعماري[1] . ينطبق هذا أيضًا على الأبحاث في الاقتصاد، إذ يسير هذا الظهور جنبًا إلى جنب مع نقد النظام الاقتصادي الفلسطيني الذي أُنشئ بعد اتفاقيات أوسلو عام 1993 والسياسات التي اتبعت في هذا السياق، فضلًا عن الإطار النظري والمفاهيمي الذي يقوم عليه. يدل هذا النقد على المأزق الحالي للمشروع الوطني الفلسطيني وكذلك على «فشل حل الدولتين»، وينعكس هذا في البحث الصريح عن أطر تحليلية جديدة[2].

إن الهدف من البحث عن أطر تحليلية جديدة هو القطع مع الكتابات السائدة في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، التي كانت لها السمة البارزة المتمثلة بتحييد الصراع مع الكيان الصهيوني للتركيز على النمو الاقتصادي الفلسطيني والتنمية. كان مؤلفو هذه الدراسات قد جددوا أطروحة «الثنائية» التي تفترض وجود مجتمعين، فلسطيني و«إسرائيلي»، لهما مسارات اقتصادية خاصة ويتطوران معًا جنبًا إلى جنب. يعود تاريخ هذا الإطار التحليلي والعملي إلى زمن الانتداب البريطاني، عندما كان الهدف هو تشجيع نشوء اقتصاد يهودي منفصل في فلسطين متميز عن الاقتصاد العربي[3] . ومع ذلك، فإن الترسيم التصوري – التعبوي – والتمييز بين الاقتصادين لا يفسر تشابكهما المتزايد في نظام معقد من العلاقات القائمة على نزع الملكية والسيطرة والاستغلال. تعكس هذه المقاربة قراءة اقتصادوية «لاسياسية» ليست بريئة على الإطلاق، إذ تساعد على إخفاء الهيمنة الإسرائيلية والتفكك المستمر للمجتمع الفلسطيني في مجال الاقتصاد نفسه[4].

ولكن يبدو من الصعب اليوم الاستمرار في التسليم بفكرة اقتصاد فلسطيني متكامل، يمثل كلًا متجانسًا أو حتى متماسكًا، إلى جانب اقتصاد «إسرائيلي» بحدود راسخة على قدم المساواة[5]. بهذا المعنى، فإن الأخذ في الحسبان الواقع الاستعماري في عمل الاقتصاديين يعكس تساؤلات عميقة، مشتركة بين التخصصات العلمية الأخرى، حول كيفية التفكير في ماضي هذه المنطقة وحاضرها ومستقبلها. إضافة إلى التساؤل حول مسألة الحدود الاقتصادية الوطنية (اقتصاد واحد أم اقتصادان)، هناك أيضًا تساؤل حول التمييز الأنطولوجي الذي يسود عادة بين المجالين الاقتصادي والسياسي. لقد نصّب علم الاقتصاد نفسه تاريخيًا على أنه علم حديث يدّعي أن له نهجًا تقنيًا بحتًا، وهو ما يعني أنه غير سياسي، لكن علاقات القوة والنزاعات التي تكمن وراء كل نشاط وفعل اقتصادي لا تظهر أبدًا بوضوح كما هي الحال في لحظات الصراعات والأزمات، عندما ينهار نظام مؤسسي أو يعاد تشكيله[6] . الحالة الفلسطينية مثيرة للاهتمام من حيث إنه لا يوجد نظام قائم بصفة دائمة، وأن ما هو اقتصادي أو سياسي ليس بديهيًا على الإطلاق.

تعرض هذه الدراسة الأسس المعرفية والمقاربات النظرية للدراسات الاقتصادية لفلسطين، مع الانتباه إلى مواقعها في علاقات القوة التي تمارس في السياق الاستعماري[7]، وتعرض وصفًا غير شامل، بل نقديًا، للأبحاث حول الاقتصاد الفلسطيني، إذ إن تحديد ما هو «الاقتصاد الفلسطيني» بحد ذاته أمرًا إشكاليًا ومتقلبًا، وهو ما يؤدي إلى فتح نقاش لا يزال غائبًا إلى حد كبير عن مجال الدراسات الفلسطينية حول عملية إنتاج المعرفة الاقتصادية وعلاقتها بالصراع القائم على الأرض.

الفرضية التي يتم الدفاع عنها هنا تتمثل بكون كل من «الثنائية» و«الاقتصادوية»، اللتين لا تزالان سائدتين حتى اليوم، هما جزء من التصور نفسه، وإحدى خصائصهما تكمن في تحييد الصراعات وعلاقات القوة التي تحدث في الاقتصاد ومحيطه المباشر. تصور يحيّد على وجه التحديد الواقع الاستعماري، ويحجب وجهات نظر الفلسطينيين المستعمَرين. وسأشير في هذا الصدد إلى أن خطر التعتيم على الأصوات الفلسطينية ما زال مستمرًا، بما في ذلك الأعمال التي تراعي الواقع الاستعماري[8].

يمثل العرض في القسم الأول، الإطار التحليلي الثنائي، وهو فرصة للعودة إلى زمن الانتداب البريطاني في فلسطين، عندما تم رسميًا أول مرة، تأكيد الرغبة في إنشاء مجتمع يهودي منفصل عن المجتمع العربي. بالفعل كان الاقتصاد في ذلك الوقت، أحد المجالات لتجاوز السياسة، وهو ما نشير إليه باسم «الاقتصادوية»، الذي أصبح واضحًا وشائعًا بوجه خاص بعد اتفاقيات أوسلو، بين الباحثين الإسرائيليين والغربيين وحتى بين الباحثين الفلسطينيين. كما تتجسد هذه «الاقتصادوية» تمامًا في عمل البنك الدولي، وهو موضوع القسم الثاني.

يتم تقديم هذه الأعمال ومناقشتها هنا وفقًا لتسلسل تاريخي يراعي السياق التاريخي، إضافة إلى ممارسات القوة التي تمارس داخل مجال البحث نفسه. كما تشير الأسطر الافتتاحية لهذه الدراسة، تتوافر الآن جهود نظرية ودراسات ميدانية مختلفة لاقتراح اقتصاد سياسي بديل يأخذ الحقيقة الاستعمارية على محمل الجد، لا يقوم بها الاقتصاديون فقط، وإنما علماء الاجتماع والتاريخ والأنثروبولوجيا والسياسة أيضًا، الذين يتناولون الاقتصاد الفلسطيني وإقامة المستوطنات، وتشكيل الطبقات الاجتماعية، وتحولات علاقات العمل، ودور المساعدات الدولية، ونشاط المنظمات غير الحكومية، كموضوعات للبحث. سيكون تقديم هذه الأعمال موضوع القسم الثالث.

أولًا: النهج الثنائي في قلب المشروع الاستعماري
منذ حقبة الانتداب

ظهر مبدأ الفصل بين الاقتصادين العربي (الفلسطيني) واليهودي (الإسرائيلي) أول مرة في الأدبيات أثناء الانتداب البريطاني على فلسطين. تشير الدراسات والإحصاءات التي تعود إلى تلك الحقبة، بوجه عام، إلى وجود مجتمعين مختلفين يعيشان معًا في المنطقة نفسها، أحدهما عربي والآخر يهودي. وبالمثل، فإن المنتجين الرئيسيين للبيانات الإحصائية؛ إدارة الانتداب البريطاني والوكالة اليهودية ونقابة الهستدروت، يفصلون بصرامة بين «اليهود» و«العرب» في جداولهم. غذى هذا الفصل النزعة إلى مقارنة الأداء الاقتصادي للمجتمعين، وعكس التنافس المتصاعد بينهما للسيطرة على البلاد[9].

هذا الفصل الإحصائي ليس عرضيًا، فهو يرسخ نص التفويض الذي أقرّته عصبة الأمم، والذي يطلب من إدارة الانتداب تسهيل إنشاء وطن قومي لليهود مع ضمان الحقوق المدنية والدينية لسكان البلاد «غير اليهود». تشير الكتابات البريطانية والغربية في تلك الحقبة إلى هذه المهمة بوصفها «التزامًا مزدوجًا» لتصوير «التحكيم» الذي أجرته سلطة الانتداب وكذلك عصبة الأمم في فلسطين، وبالتالي فإن هذه الأدبيات قد حجبت الطبيعة غير المتكافئة وغير المتماثلة أبدًا للالتزام الذي تم التعهد به تجاه المجتمعين[10]. يشير مثل هذا الإسقاط أيضًا إلى حجب حقيقة أن الإدارة البريطانية كانت تعمل في ذلك الوقت كقوة إمبريالية لها طموحاتها ومصالحها الخاصة[11] .

إن الفصل الإحصائي والتحليلي آنذاك، وفوق كل شيء، يعبر عن رؤية وإرادة الحركة الصهيونية التي كانت تسعى إلى إقامة مجتمع يهودي مستقل في فلسطين يتميز عن المجتمع العربي. كان إنتاج البيانات التفصيلية عن «القطاع الاقتصادي اليهودي» يعَدّ أداة رئيسية للوكالة اليهودية في مناشدتها الإدارة البريطانية والشتات اليهودي للحصول على مزيد من الدعم. تُستخدم هذه البيانات أيضًا لتنفيذ سياسات اقتصادية تتكيف بصورة أفضل مع حاجات المجتمع اليهودي، فقد كانت بعض البيانات متحيزة – مثل عدد العاطلين من العمل بين المهاجرين اليهود، الذي يتم التقليل من شأنه[12] – أو مهملة – مثل أداء «القطاع العربي»[13].

لم تكن هذه الإرادة الانفصالية مجردة، فقد وجدت تطبيقها العملي في بداية القرن العشرين في عمل المنظمات الصهيونية عبر الترويج لشعارات «الأرض اليهودية» و«العمل اليهودي». الشعار الأول تضمّن إنشاء صناديق مخصصة لشراء الأراضي، سُحبت من السوق وعُدّت ممتلكات أبدية لـ«الشعب اليهودي». والثاني تضمّن تشجيع إقامة التعاونيات الزراعية، ودفع جميع أرباب العمل اليهود في مختلف القطاعات إلى مقاطعة العمال العرب، لإعطاء الأولوية لتوظيف العمال اليهود من أجل تسهيل «استيعابهم» واستيطانهم في فلسطين[14] . استمر اتباع هذه الشعارات بعد عام 1948 في الاقتصاد «الإسرائيلي» الذي لا يزال يحركه حتى اليوم جهود الاستيطان واستقبال المهاجرين اليهود الجدد[15].

وبالتالي فإن عمل الاقتصاديين يقع في قلب المشروع الاستعماري بوصفه تصورًا للواقع وكمعرفة عملية تحدد فعل الاستعمار نفسه[16] . حتى قبل عام 1948، نشر دايفيد هورويتز دراسات اقتصادية لمصلحة الوكالة اليهودية دافع فيها عن الاستعمار. ووفقًا له، أدى الاستعمار إلى تحول إيجابي للبلاد من ولاية عثمانية مهملة وبدائية إلى دولة حديثة رأسمالية وشبه صناعية. يميز المؤلف الصهيوني أيضًا ما بين قطاعَي الاقتصاد، أحدهما يهودي والآخر عربي/مسلم[17] . ويؤكد التأثير المفيد للأول في الثاني. إن هجرة المستوطنين اليهود – المعتادين مستويات المعيشة الأوروبية والمدربين على تقنيات الإنتاج الحديثة – إضافة إلى استيراد رأس المال اليهودي، كان من شأنه تمكين فلسطين من التقدم على دول الشرق الأوسط الأخرى من حيث التنمية. وبحسب هورويتز، يجب أن يمكّن هذا الوضع البلاد من احتلال موقع مركزي في المستقبل في إقامة علاقات أكثر ربحية ما بين هذه المنطقة وبين اقتصادات أوروبا وأمريكا[18] .

عمل الأكاديميون الإسرائيليون[19] – الاقتصاديون والمؤرخون وعلماء الاجتماع – بعد ذلك على التنظير حول هذا التصور من خلال النظر في التنمية الاقتصادية اليهودية داخليًا، أي بصورة مستقلة عن الصراع والعلاقات التي كانت تُقام في ذلك الوقت مع المجتمع الفلسطيني. من خلال اتباع نظرية آرثر لويس[20] للاقتصاد المزدوج في ما يتعلق بالدول النامية، يرسم هؤلاء الأكاديميون ملامح قطاع يهودي، رأسمالي وحديث، يحافظ على علاقات هامشية فقط مع الوسط العربي، وهو القطاع الذي عفّى عليه الزمن. ينطبق هذا التصور مع الحجج نفسها التي تم تطويرها في دراسات هورويتز، إذ ينظرون إلى سياسات الانتداب وكذلك إلى تنمية القطاع اليهودي على أنهما أمران مفيدان إلى حد كبير للمجتمع الفلسطيني، سمحا من وجهة نظرهم، بإدخال رأس المال والتقنيات الجديدة وإصلاحات الضرائب ونظام الأراضي في فلسطين.

تعرضت المقاربة الثنائية للنقد وإعادة النظر في «إسرائيل» بدءًا من الثمانينيات، إذ قدم المؤرخ الاقتصادي جاكوب ميتزر[21]  قراءة متجددة لها، يعترف فيها بالدينامية الخاصة للقطاع العربي، كما يعترف بأن العلاقات بين القطاعين اليهودي والعربي كانت مهمة حتى الثورة الفلسطينية 1936-1939. لذلك، فإن «تقسيم» اقتصاد فلسطين الانتدابية يحدث بالفعل في مرحلة لاحقة فقط، تحت تأثير الرغبات الانفصالية والاشتباكات بين المجتمعين، وهذا لا يمنع، بحسب ميتزر، أن هذين القطاعين لا يزالان يتنافسان في بعض الأسواق المشتركة، وكلاهما يخضع لنظام سياسي موحد في ظل الإدارة البريطانية. ومع ذلك، ليس هناك شك في ذهنه أن كلًّا من القطاعين اتبع مساره الخاص، وهو فقط ما يفسر الفجوة المتزايدة بينهما في التنمية. كما يعزو النمو الكبير نسبيًا في القطاع العربي إلى التطور الأسرع للقطاع اليهودي وتراكم رأس المال الذي يسمح به.

لكن هذه القراءة لا تكاد تفسر عمليات المصادرة وسلب وسائل الإنتاج المفروضة على المنتجين الفلسطينيين في ذلك الوقت[22]. كما أنه يتجاهل إلى حد كبير السياق التاريخي الذي تم فيه الاستيلاء التدريجي على البلد وموارده من جانب سلطة الانتداب والمنظمات الصهيونية، بما في ذلك استخدام القوة[23]. من خلال التركيز على العوامل الداخلية لتطور القطاع اليهودي، يقلل هؤلاء الباحثون الثنائيون أيضًا مما يدين به هذا القطاع لعلاقاته مع السكان العرب[24]. أخيرًا، وللمفارقة، تستمر هذه الكتابات عمومًا في إنكار أي ديناميات خاصة بالمجتمع الفلسطيني، الذي يُنظر إليه أساسًا من منظور علاقاته بالإمبراطورية البريطانية والحركة الصهيونية ولاحقًا بـ«إسرائيل»[25] .

تقدم الكتابات الفلسطينية والعربية منظورًا مختلفًا تمامًا، وهو منظور يتأثر أيضًا بالاعتبارات الاجتماعية والسياسية لمؤلفيها، فقد كان هؤلاء قلقين في وقت مبكر من آثار الحكم البريطاني والاستعمار اليهودي في اقتصادهم. طعن جورج منصور، سكرتير اتحاد العمال العرب في يافا[26]، في نصّه الموجّه إلى الرأي العام البريطاني، في الحجج القائلة بأن الاستعمار اليهودي كان مفيدًا للعمال العرب في البلاد. من ناحية أخرى، قام سعيد حمادة بتقديم نظرة شاملة ووصفية بالأساس عن الاقتصاد الفلسطيني، إذ تم مراجعة الموارد والقطاعات المختلفة وتنظيم الأسواق والنقل والأنظمة المصرفية والضريبية، وهو ما يعوض نوعًا ما غياب الدراسات عن القطاع العربي الفلسطيني في ذلك الوقت[27]. في الوقت نفسه، شهد التأريخ الفلسطيني، والعربي بوجه عام، نشر الكثير من الأعمال التي تتناول التحولات الاجتماعية والاقتصادية الجارية على نطاق إقليمي، ولا سيما تلك المرتبطة بالتحضر والتصنيع. وقد تميزت هذه الأعمال بالرغبة في تسجيل تاريخ البلاد والحفاظ على تراثها، أو إنتاج سردية بديلة من السردية الصهيونية والاستشراق الأوروبي[28] .

استمرت بعد ذلك الجهود، في كل من فلسطين والوطن العربي، وفي المجال الأكاديمي الدولي الذي كان غالبًا باللغة الإنكليزية، لفهم العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي سبقت وأدت إلى النكبة. فقد نشر غسان كنفاني، في عام 1972، دراسة عن الثورة الفلسطينية عام 1936، أوضح فيها وركز على الوضع الاقتصادي والاجتماعي للفلاحين والعمال الذين شكلوا خلفية «النضال الوطني»[29]. وقدم كل من طلال أسد[30]، ونهلة الزعبي[31]، وعيسى خلف[32]، ومحمود يزبك[33]  أيضًا قراءات عن كيفية تغلغل الرأسمالية في فلسطين، من نهاية الحقبة العثمانية إلى نهاية الانتداب البريطاني، وكذلك عملوا على فحص عواقب إصلاحات الأراضي والزراعة على تحولات المجتمع الفلسطيني، في تلك الحقبة. وهم بذلك يسلطون الضوء على حقيقة أن إفقار الفلاحين وظهور البروليتاريا الفلسطينية يمثلان عاملًا أساسيًا في الانتفاضات الفلسطينية في النصف الأول من القرن العشرين.

ثانيًا: تجاوز وإخفاء السياسة
في خطاب اقتصاديي أوسلو

ما يزال هذا الإطار التفسيري القومي/الثنائي يؤثر بعمق في الدراسات الفلسطينية كما الإسرائيلية حتى يومنا هذا. وما دام تطور الاقتصاد «الإسرائيلي»، والآن الاقتصاد الفلسطيني أيضًا، يُفهم ويُبحث على نحو منفصل، فإن العلاقات المتبادلة بينهما تُفسَّر في سياق تبادلات السوق وحدها. وبذلك، فإنه ينشئ ما يشبه التكافؤ والتماثل بينهما، ويضع الأساس للتعاون لتحقيق «المصالح المشتركة». شكل هذا المنظور أسسًا لـ «عملية السلام» التي بدأت في أوائل التسعينيات بهدف تحقيق «حل الدولتين».

في مقال نُشر عام 1990، كان جورج العبد – الاقتصادي السابق في صندوق النقد الدولي - على الأرجح من أوائل الاقتصاديين الفلسطينيين الذين ناقشوا شروط الجدوى الاقتصادية لقيام دولة عربية مقتصرة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 [34] . ويشير العبد إلى أن تبني هذه الرؤية السياسية لا يعكس بالضرورة تبنيًا شخصيًا من طرفه، بل هي تلك الرؤية التي تبناها المجلس الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية في الجزائر العاصمة عام 1988، عند إعلان استقلال دولة فلسطين. يصر العبد أيضًا على الإشارة إلى أن توصياته لا تؤثر، بأي حال من الأحوال، في المداولات السياسية الجارية، وأن التنمية الاقتصادية الفلسطينية ستكون مسألة تطبيقية بحتة، سيتم ممارستها وتنفيذها «بعد الاستقلال» فقط[35] .  وهكذا يكرر بلغة جديدة الأطروحة الثنائية لاقتصادين منفصلين، فلسطيني و«إسرائيلي»، يعملان بالتوازي وبمعزل عن السياسة. كان الكاتب نفسه قد نشر مقالًا قبل عام من نشره هذا المقال، بنبرة مختلفة تمامًا. واستنادًا إلى زخم الانتفاضة الأولى الجارية، دعا إلى برنامج تنموي تحرري متجذر في النضال التاريخي للشعب الفلسطيني من أجل تقرير المصير الوطني[36] . يعكس هذا التطور في خطاب العبد تأثير التغيير السياسي الذي كان يحدث في ذلك الوقت في توجه المعرفة الاقتصادية.

بعد اتفاقيات أوسلو، تولى أغلبية الاقتصاديين الفلسطينيين والدوليين، الذين هم في جوار البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وهيئات الأمم المتحدة والسلطة الفلسطينية، مهمة فحص شروط نمو وتطور الاقتصاد الفلسطيني، الذي كان منذ ذلك الوقت فصاعدًا مقتصرًا على الضفة الغربية (غالبًا ما تستثنى القدس) وقطاع غزة. وفي الوقت نفسه، فإنهم يتساءلون عن شروط تكامل أفضل مع الاقتصاد الإسرائيلي ويتكهنون بالإصلاحات التي يتعيّن تنفيذها من أجل إنجاحه[37] . تلاحظ ليلى فرسخ في هذا الصدد أن هذا العمل يختلف عن «عمل نظرائهم الإسرائيليين في السبعينيات والثمانينيات»، الذين ركزوا على «الخصائص الفلسطينية الفريدة» و«آثار التجارة غير المتكافئة» مع إسرائيل لـ «إظهار التخلف» الاقتصادي في الأراضي المحتلة. في المقابل، فإن الاقتصاديين في عهد أوسلو، على الرغم من أن معظمهم من ذوي التوجه الكلاسيكي الجديد في نهجهم، «يدركون أهمية السياسة في شرح الوضع الخاص للتنمية الفلسطينية». ولكن هنا يتم فهم «السياسة» على أنها منفصلة تمامًا عن النشاط الاقتصادي في حد ذاته[38] .

وهكذا، بالنسبة إلى آري أرنون[39]،  تسبب احتلال «الدولة الإسرائيلية» للضفة الغربية وقطاع غزة في تخريب وتدمير أدواتهما الإنتاجية، عن قصد أو عن غير قصد، وخلّف آثارًا وتطورًا غير متكافئ، لخدمة حاجات اقتصادها. وبالمثل، يجادل إسحاق ديوان ورضوان شعبان[40]  بأن الاقتصاد الفلسطيني يتبع نمط تنمية «متحيزًا» و«مقيّدًا» بسبب «العقبات» و«القيود» التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي. وعلى المنوال نفسه، يقوم الاقتصاديون في الأونكتاد[41]  والمعهد الفلسطيني ماس[42]  بتقييم تكلفة الاحتلال الإسرائيلي في تقاريرهم الدورية، مع الأخذ في الحسبان الضرر المادي وخسارة الأرباح.

ينصبّ التركيز دائمًا على العقبة التي تفرضها «السياسة» على النشاط الاقتصادي الفلسطيني. وبهذه الطريقة، يتم التمييز الصارم – وفقًا للتصور النظري الاقتصادي السائد – بين ما يمكن أن يكون اقتصادًا خالصًا، ولا يُنظر إليه إلا من خلال السوق، وبين ما يُنظر إلى السياسة. وهكذا يظهر الاقتصاد الفلسطيني وكأنه فضاء شكلي وإجرائي له مساحة محددة ثابتة ومعروفة، وله عدد من الموارد ويواجه مجموعة من القيود والتحديات. فلا يأخذ الصراع مع «إسرائيل» و«حله» سوى مكانة عامل خارجي، من بين عوامل أخرى. وكذلك إنتاج البيانات التفصيلية عن الاقتصاد الفلسطيني يخدم بدوره مناشدة السلطة الفلسطينية وشركائها للمجتمع الدولي للحصول على مزيد من الدعم والتمويل. كما تُستخدم هذه البيانات أيضًا لتنفيذ سياسات اقتصادية مساندة لـ «عملية السلام» والتحرير الاقتصادي.

تعد الدراسات التي نشرها البنك الدولي لأكثر من خمسة وعشرين عامًا دليلًا واضحًا على هذا النهج في الاقتصاد، فهو يعمل على تقييم التكاليف وخسارة الأرباح الناتجة من «العوائق» الإسرائيلية المختلفة المفروضة على الاقتصاد الفلسطيني، وكذلك «الفرص» المتمثلة بـ«تخفيف القيود»، أو «تسهيل المرور» أو حتى «تعزيز التآزر» مع «الاقتصاد الإسرائيلي»[43] . تتقلب هذه «المتغيرات» من شهر إلى آخر، فهناك أحيانًا دور ضار لـ «إسرائيل»، وأحيانًا مفيد على النشاط الاقتصادي الفلسطيني[44] . هذا التضارب نمطي لخطاب البنك الدولي، ويعكس موقفًا لاسياسيًا وغير واقعي، وغالبًا ما يتم لومه في أماكن أخرى. في معظم الأوقات، يؤدي استخدام مفردات تقنية وملطفة وخارجة عن السياق من جانب البنك الدولي إلى تحييد الظروف الخاصة التي تتطلب منه التدخل فيها[45]  .

إن البنك الدولي يتجاهل تمامًا ما الذي يشكل ويقود النشاط الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.[46] ومع ذلك، لا يزال يؤدي دورًا مركزيًا في توجيه إنفاق المساعدات الدولية منذ اتفاقيات أوسلو، وبالتالي في التأثير في خيارات السياسة العامة للسلطة الفلسطينية[47]. بين عامي 1993 و2017، تم ضخ 36.2 مليار دولار أمريكي كمساعدات في الأراضي الفلسطينية المحتلة من خلال قنوات مختلفة، سواء كانت حكومية أو غير حكومية أو خاصة. والهدف من ذلك هو جعل «عائد السلام» ملموسًا للفلسطينيين من خلال تعزيز التنمية الاقتصادية[48]. إن البنك الدولي مسؤول بوجه خاص عن تحديد وإنشاء الإطار الذي سيستخدم فيه هذه المساعدة الدولية. وهكذا فإن البنك الدولي يمضي في المعالجة الفنية لقضايا سياسية بارزة، كونها في قلب العلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، من دون أن تطرح على أنها سياسية على الإطلاق. بمعنى آخر، من دون أي اعتبار للحل النهائي للمفاوضات، أو للمطالب الوطنية للفلسطينيين، أو حتى لسيادة دولتهم. بدلًا من ذلك، تأخذ المؤسسة المالية على عاتقها مهمة تحديد «الحاجات الاقتصادية» التي ستتيح التعاون «الفعال» و«الفوري» بين جميع الأطراف[49].

من الواضح أيضًا أن هذا البرنامج هو نيوليبرالي بامتياز، إذ يتم التركيز على نمو القطاع الخاص، وجذب رأس المال الأجنبي، والتحرير المالي والتقشف في الميزانية. إن إنشاء وتقوية المؤسسات الفلسطينية ليس له غرض آخر سوى تهيئة المناخ الملائم للنشاط الاقتصادي. كما يدفع البنك الدولي باتجاه مزيد من التكامل بين الاقتصادين الفلسطيني والإسرائيلي، الذي يشمل تعزيز العلاقات التجارية، وزيادة حركة العمالة، والاستثمار في الصناعات المشتركة، وبناء البنية التحتية المشتركة[50].

بهذا المعنى، فإن «اللاسياسة» أو «الاقتصادوية» الملحوظة في خطاب البنك الدولي لا علاقة لها بالرغبة في التسوية بين الطرفين، بقدر ما هي ناتجة من موقف أيديولوجي. وينعكس هذا كذلك في نظرته الذرائعية المحضة على دوره ودور «المساعدة» المالية الدولية، كلاهما ليس لهما غرض سوى خدمة حاجات الاقتصاد الفلسطيني. لم تتم مناقشة أي تحيز، سواء كان سياسيًا أو اقتصاديًا. هذا النقص في النقد الذاتي يتجلى في عدم قدرة البنك الدولي على مساءلة نفسه ومراجعة سياساته على الرغم من الفشل الواضح لتدخله في الأراضي الفلسطينية المحتلة[51]. كما لم يُقَل أي شيء عن الفهم المتباين لدى البعض حول أنماط التنمية وأساليبها، وهو أمر غير عبثي إذا نظر المرء إلى تاريخ هذه الممارسة في فلسطين على مدى القرن العشرين.

إن محاولات إقناع الفلسطينيين بالفصل بين تطلعاتهم الاقتصادية وتطلعاتهم السياسية ليست جديدة في الواقع؛ فخلال حقبة الانتداب، تعهدت الإدارة البريطانية بدعم النشاط الاقتصادي للفلسطينيين هنا وهناك وتحسين ظروفهم المعيشية على أمل تهدئة غضبهم[52]، وكان الهدف هو تقليل التكلفة، السياسية والمالية، الناجمة عن حالة التمرد شبه الدائمة. وهكذا تم اتخاذ خطوات لوقف صعود طبقة الفلاحين المعدمين، وبهدف واضح بالفعل وهو الحدّ من التوترات السياسية المتزايدة. كانت آثار هذه السياسات محدودة جدًا[53]، ولكنها تدل على الجهود التي كانت تبذلها القوة الانتدابية لنزع الطابع السياسي، وبالتالي تجريد النضال الفلسطيني من طابعه التحرري المصيري، من خلال العمل على جبهة الاقتصاد.

وقد تبنت السلطات الصهيونية سياسة مماثلة فيما بعد تجاه الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 وعام 1967، إن تعزيز التنمية الاقتصادية هنا لا يزال هو وسيلة لعدم التنازل أمام مطالبهم المتعلقة بسيادتهم السياسية. كما تسمح هذه الخطوات للإسرائيليين بالتغلغل اقتصاديًا داخل «المناطق العربية» على جانبَي الخط الأخضر وإلحاقها بالاقتصاد الإسرائيلي[54].  من الضروري أيضًا منع تطوير أي اقتصاد فلسطيني مستقل يمكن أن يمثل حاضنة لنشاط سياسي معادي للاحتلال. أخيرًا، يهدف الأمر إلى تشجيع ظهور نخبة فلسطينية أكثر مساومة، في حين أن أولئك الذين يعارضون الاحتلال تتهمهم السلطات الصهيونية (والفلسطينية لاحقًا) بالإضرار بالتنمية والاقتصاد.

ثالثًا: نحو اقتصاد سياسي
بديل مضاد للاستعمار؟

ما تزال المقاربة الثنائية سائدة في الدراسات الاقتصادية حول فلسطين حتى يومنا هذا، ولكنها واجهت نقدًا متزايدًا منذ الثمانينيات. في ذلك الوقت، ظهر اتجاه بحثي جديد في إسرائيل وعلى الصعيد الدولي، يرغب في تجاوز وجهات النظر الانفصالية لإلقاء الضوء على التطور المتشابك للمعسكرين «القوميين». هذه المقاربة، المعروفة باسم «العلائقية»، تنوي إعادة النظر في التاريخ على افتراض أن القطاعين الاقتصادين اليهودي والعربي – وبعد ذلك الاقتصادين الإسرائيلي والفلسطيني – قد تطورا في تكوين وقالب مشتركين، يتميزان بوجه خاص بدمج فلسطين في النظام الرأسمالي العالمي منذ منتصف القرن التاسع عشر، والخضوع لنظام القانون العثماني وكذلك للسياسات البريطانية أو حتى الإسرائيلية[55].

وكما هي الحال مع المؤرخين الإسرائيليين الجدد – من بينهم شخصيات مشهورة مثل إيلان بابيه أو بيني موريس أو شلومو ساند – أصبح ظهور هذا النهج العلائقي ممكنًا لسبب توافر الأرشيفات الإسرائيلية التي كان يتعذر الوصول إليها حتى ذلك الحين، وهو ما جعل من الممكن التشكيك في الرواية الصهيونية للآباء المؤسسين. لكن هذا يرجع أيضًا إلى الاضطرابات الجيوسياسية والاجتماعية والثقافية في «إسرائيل»، المرتبطة باحتلال الأراضي العربية في 1967 و1982 [56]، واندلاع الانتفاضة الأولى في عام 1987، والتقارب مع الولايات المتحدة منذ السبعينيات، إذ أدى استمرار الصراع، والتقارب الجديد مع عدد كبير من العرب، و«تحرر» المجتمع الإسرائيلي نتيجة التأثير الأمريكي، إلى زعزعة الإجماع حول الصهيونية «العمّاليّة» أي التحرر من الرواية الصهيونية الرسمية[57].

لذلك، يتعلق الأمر بالنسبة إلى منظري هذه المقاربة العلائقية، بإعادة تأكيد أن الاستيطان اليهودي في فلسطين الانتدابية لم يحدث في فراغ، بل على الضد من ذلك في «بيئة مختلطة كان فيها اليهود والعرب مترابطين»[58]. وهكذا فإن شروط تحقيق سياسات الفصل والتمييز التي مارستها الحركة الصهيونية أصبحت موضع تساؤل، وكذلك الأشكال المتعددة للتفاعل، بل والتعاون، بين المجتمعين. وهكذا، على سبيل المثال، يقترح شافير أن التوجه السياسي العمالي لهذا المجتمع الاستيطاني وتأسيس الكيبوتس أو اتحاد الهستدروت، ليست نتيجة لـ«للقيم التقدمية» المستوردة من أوروبا بقدر ما هي نتيجة الصعوبات التي واجهها المستوطنون اليهود في وقت مبكر في الصراع ما بينهم وبين «السكان الأصليين»[59].

ومع ذلك، فإن هذه الكتابات غالبًا لا تأخذ في الحسبان المصادر الفلسطينية ولا تزال تعيد إنتاج التباين في قوة السرد من خلال إخضاع السرد التاريخي السائد للاعتبارات الغربية أو الإسرائيلية وحدها[60]. من ناحية أخرى، فإن التشكيك في الرواية القومية الصهيونية – إضافة إلى الفشل الواضح لـ«حل الدولتين» – مهد الطريق أمام التفكير واقتراح «حل الدولة الواحدة» التي تدمج اليهود والعرب معًا، متجاوزًا جميع الاعتبارات للسيادة الوطنية، لكل من الإسرائيلي والفلسطيني. نافذة فُتحت من خلال المقاربة «العلائقية»، التي قفز إليها بعض المفكرين الفلسطينيين أيضًا.

كما دخلت فلسطين والفلسطينيون والحركة الصهيونية مؤخرًا في مجال الدراسات المقارنة المتعددة التخصصات حول الاستعمار الاستيطاني (Settler Colonial Studies)، الأمر الذي يساهم بدوره في إعادة إدخال هذا الإطار التحليلي في الدراسات الفلسطينية. لقد أعيد إدخاله لأن توصيف الصهيونية على أنها «استعمار استيطاني» كان راسخًا بالفعل في الأدبيات الفلسطينية في الستينيات والسبعينيات[61].  إن المسألة في هذا المجال تتعلق بطرح تصور أكثر تماسكًا قادرًا على تفسير بنية العلاقات بين المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني، بما في ذلك المستوى الاقتصادي[62].  يتمتع هذا المجال بميزة ملحوظة تتمثل بمعالجة تجزئة الدراسات الفلسطينية، التي تتناول عادةً التجزئة التاريخية (ما قبل وما بعد 1948، 1967، 1993 …) والتجزئة الجغرافية (الضفة الغربية، قطاع غزة، أراضي 1948، القدس…). تعَدّ أيضًا المقارنة ما بين تجارب أمريكا الشمالية وجنوب أفريقيا وأستراليا والجزائر وفلسطين مثيرة للاهتمام من حيث إنها تحد من المعاملة الاستثنائية التي يتم تطبيقها غالبًا عند دراسة إسرائيل أو فلسطين.

كما أدى اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000 والفشل الواضح على نحوٍ متزايد لـ «عملية السلام» التي بدأت قبل عقد من الزمان، إلى نشر عدد متزايد من الدراسات التي سعت إلى إلقاء الضوء على أوجه الشذوذ والقصور والأخطاء في تلك «العملية» وكذلك في بناء الدولة الفلسطينية. إضافة إلى عمل الاقتصاديين حول تبعية الاقتصاد الفلسطيني المستمرة للاقتصاد الإسرائيلي[63]، هناك دراسات أخرى حول الآثار الضارة للتعاون الاقتصادي أو المساعدات المالية الدولية للأراضي الفلسطينية المحتلة. تُظهر هذه الدراسات جانبًا آخر من جوانب الأسر الاقتصادي الفلسطيني المتنامي، هذه المرة تجاه المانحين الدوليين، من خلال الفساد والعلاقات الزبائنية والسلوك الريعي [64]  . 

هناك أعمال أخرى في الاقتصاد السياسي، ذات توجه أكثر ماركسية، تتعارض أيضًا مع المقاربة اللاسياسية لاقتصاديي أوسلو. درس شمشون بيشلر وجوناثان نيتسان[65]   تطور عملية تراكم رأس المال في «إسرائيل» وربطه بالشروط التاريخية لتشكيل الدولة وطبقتها الحاكمة، إذ يتم ربط السياسة التوسعية الإسرائيلية بتشكيل الشركات المملوكة للدولة، ثم فيما بعد بالتكتلات الصناعية العسكرية الكبيرة. بالنسبة إلى شير هيفير[66]، فإن تحديد «الفائزين» في سياسة الاحتلال يوفر أيضًا فهمًا أفضل لسلوك الدولة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وعلى الرغم من كونها حاسمة في أوقات معينة، إلا أن ربحية الاحتلال لـ «إسرائيل» أو طبقتها الحاكمة لا يمكن أن تكون السبب الوحيد لاستمرار الصراع والاحتلال.

تشير سارة روي[67] إلى أن للسياسات الإسرائيلية بُعدًا متعلقًا بالسيطرة على الأرض قبل أن يكون اقتصاديًا. ساهم الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة في عام 1967، وكذلك إنشاء المستوطنات «الإسرائيلية»، ومصادرة الأراضي والموارد، والسيطرة على الحدود، وعقود متعددة من السياسات الاقتصادية التي فرضتها الإدارة الصهيونية، في تآكل وإعادة تشكيل النسيج الاقتصادي لهذه المناطق. عملية وصفتها روي بأنها «لاتنمية» (de-development)، أي عملية إعاقة التنمية. ونتيجة لذلك أصبح الاقتصاد الفلسطيني الآن أسير الاقتصاد «الإسرائيلي» إلى حد كبير.

عرف الفكر الاقتصادي الفلسطيني أيضًا مساره الخاص، الذي يبدو أنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ حركته الوطنية[68]؛ فقد اكتسبت هذه الحركة، في الستينيات والسبعينيات، ترسانة اقتصادية كبيرة (أطر جماهيرية، شركات، مؤسسات… إلخ) استخدمتها لتمويل النضال وتقديم الخدمات الاجتماعية في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في المنفى. اضطرت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى مغادرة الأردن عام 1970 ولبنان عام 1982، وأعادت توجيه جهودها لاحقًا نحو الداخل الفلسطيني المحتل (أراضي 48 و67)، وتنفيذ برامج لدعم الصمود[69].  ويرافق هذا التحول الاستراتيجي تحول في عمل الاقتصاديين، الذي بدأ بالتركيز على مقاومة الاحتلال اقتصاديًا وعمرانيًا، والحفاظ على الأرض وسكانها. يشير رجا الخالدي[70]   في هذا الصدد إلى «القومية الاقتصادية الفلسطينية»، التي تفكر في التنمية لاستمرارية النضال التحرري الوطني.

يشدد هؤلاء الاقتصاديون، الذين تأثر الكثير منهم بنظريات «التبعية»، على العلاقات غير المتكافئة التي تنتج من عملية دمج اقتصادي غير متماثل بين مركز «إسرائيلي» مهيمن ومحيطه الفلسطيني. تلك العملية التي ينظم المركز من خلالها تنميته على حساب المحيط مستغلًا موارده وقواه العاملة وأسواقه. يرفض يوسف صايغ[71] – الذي ربما يكون الاقتصادي الفلسطيني الأكثر نفوذًا في ذلك الوقت – وأنطوان منصور[72]، النظر إلى المشكلة من الناحية الاقتصادية فقط، مشيرَين إلى أن الفلسطينيين قبل أي شيء محرومون إمكان استقلالهم السياسي. وبحسب كلا الباحثين، فإن المشكلة التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني لا تكمن في تدهور الأوضاع المعيشية للفلسطينيين، بل في الانعكاسات على السيادة والاستقلال الوطني وحتى على بقاء المجتمع الفلسطيني نفسه[73].  تم تهميش هذه القومية الاقتصادية عندما انخرطت منظمة التحرير الفلسطينية في عملية أوسلو واعتمدت من دون تحفظ مبادئ الليبرالية واقتصاد السوق[74].

بالنسبة إلى الاقتصاديين ذوي الخلفية الماركسية مثل عادل سمارة[75] وآدم هنية[76]،  فإن تشكيل طبقة قيادية فلسطينية وعربية مندمجة في العولمة يسير جنبًا إلى جنب مع تحول الموقف السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية نحو قبول تسوية مع «إسرائيل». يؤثر هذا التحول أيضًا في توجُّه سياسات الطبقة القيادية الفلسطينية الاقتصادية مع تنفيذ برامج اقتصادية أكثر وأكثر ليبرالية في الأرض الفلسطينية المحتلة. وبالفعل، ظهر عدد من الدراسات مؤخرًا التي اتسمت بتقييم نقدي لسياسات التنمية و«بناء السلام» التي يروج لها المجتمع الدولي والتي أقرتها السلطة الفلسطينية[77]. وقد ساهمت هذه السياسات، وفقًا لمؤلفيها، في إضعاف المجتمع الفلسطيني ولم تتحدَّ على الإطلاق النظام الاستعماري الإسرائيلي، بل أعطته فرصة لمواصلة سياسته وتجديد نفسه[78].  يعمل بعض هؤلاء الكتاب أيضًا على إعادة دراسة فلسطين في سياقها الإقليمي والعالمي، وبالتالي إخراجها من عزلتها المعرفية، من خلال ربط فهم الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي مع فهم تطور الرأسمالية المعولمة[79].

بالتوازي مع ذلك، فإن تطوير «مقاومة اقتصادية» هو موضوع عمل متنامٍ في مجال الدراسات الفلسطينية. استكمالًا لنقد «اقتصاد أوسلو»، يفحص الباحثون شروط وأسس نموذج بديل للتنمية الاقتصادية الفلسطينية. إن تحقيق «المقاومة الاقتصادية» له هدف معلن وهو دعم الفلسطينيين في كفاحهم ضد الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي[80]. على النقيض من القراءة اللاسياسية المتجسدة في النموذج النيوليبرالي للتنمية الاقتصادية، يعود هؤلاء الباحثون إلى فهم أكثر سياسي للتنمية الفلسطينية، كما ظل موجودًا لحقبة نهاية الثمانينيات. كما أنهم يعيدون النظر في تجربة الانتفاضة الأولى، ويستلهمون منها، كونها تقدم نموذجًا محليًا للتعبئة الجماهيرية ومحاولة فك الارتباط عن النظام الاستعماري وأنماط إنتاجه[81].

تحظى الزراعة لدى هؤلاء الباحثين باهتمام خاص، إذ إن هذا القطاع هو أول من يتأثر بسلب الأراضي والموارد من قبل الاحتلال. إن تطويره، بهدف اكتفاء ذاتي حازم ومدروس، سيسمح بتغطية الحاجات الغذائية للسكان على نحوٍ أفضل، وتوليد الدخل وضمان الوظائف. إن سياسة «المقاومة» الزراعية – بخلاف سياسة الليبرالية الزراعية[82]  التي لا تزال تمارسها السلطة الفلسطينية وما نحوها - من شأنها أن تقلل الاعتماد على الاقتصاد الإسرائيلي وتزيد من صمود الفلسطينيين في ظل الاحتلال وفي مواجهة الاستعمار[83].

خاتمة

تعدّ هذا المقالة مراجعة نقدية للأدبيات المتعلقة بدراسة الاقتصاد في فلسطين، وتعرض المقاربات التحليلية المختلفة وكيفية معالجتها للواقع الاستعماري. من بين هذه المقاربات، تعد كل من «الثنائية» و«الاقتصادوية» جزءًا من تصور واحد – لا يزال سائدًا حتى اليوم – يختزل العلاقات الاقتصادية في حدود السوق فقط، ويتجاهل الصراعات والقوى التي تنشأ في الاقتصاد نفسه. وبرغم ذلك، تقدم أعمال أخرى لعلماء الاقتصاد والتاريخ والاجتماع والأنثروبولوجيا مقاربات بديلة ومواد قيمة للتفكير على نحوٍ مختلف حول الاقتصاد في هذا السياق – وهو أمر لا يزال غير مدروس نسبيًا في مجال الدراسات الفلسطينية. تناقش هذه الدراسة الأسس المعرفية التي تقوم عليها الدراسات الاقتصادية كما تحدد موقعها العملي في علاقات القوة المستمرة، وهي تفتح المجال للاقتصاد للمساهمة في التفكير العام حول تجديد الأدوات النظرية والمنهجية لرواية وقراءة الواقع الفلسطيني. ومنذ ما يقرب من عقد من الزمان، شهدت هذه الأعمال انتعاشًا خصبًا، إذ ألقت بعدًا جديدًا على قضية التنمية الفلسطينية.

الحالة الفلسطينية مثيرة للاهتمام من حيث إن محركات الصراع وعلاقات القوة أكثر وضوحًا، حيث يسهل رؤية التحيزات المعرفية والسياسية المختلفة في الخطاب الأكاديمي. لذلك، تبين أن اللاسياسة لدى الخطاب الاقتصادي ليست مجردة بأي حال من الأحوال وتمثل نمطًا من أنماط العنف الذي يخفي نفسه[84].  وبالتالي يجب أن يؤخذ على محمل الجد الغرض الإرشادي والمعياري لخطاب البنك الدولي، وعلى نطاق أوسع أي خطاب حول التنمية الفلسطينية، كما يجب أن يؤخذ بعناية سعيه إلى تجاوز أي وجهة نظر، إضافة إلى محاولاته الدؤوبة لتحقيق التوافق التام بين جميع الأطراف. يتجاهل هذا الخطاب على نحو كبير ليس عدم تساوي العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين فقط، بل يتجاهل أيضًا عدم التساوي بين أولئك الذين يتحدثون ويعملون باسم التنمية في فلسطين وبين أولئك الذين هم هدفها وغايتها.

بهذا المعنى، فإن الأعمال المعروضة في القسم الثالث تمثل تحديًا لنهج المعرفة السائد الذي – بخلاف الأدبيات الاقتصادية وحدها – يدّعي إنتاج معرفة موضوعية ومحايدة بحتة. ربما تكون هذه إحدى الفوائد الرئيسية لإعادة إدخال الحقيقة الاستعمارية في أبحاث العلوم الإنسانية والاجتماعية في فلسطين. تفتح هذه المجموعة من الأعمال، بمحتوياتها المتنوعة، الطريق أمام نظرية المعرفة «لوجهات النظر الجزئية» التي تذكرنا «دائمًا ما نتحدث/نعبر عنه، هو من موقع معين في علاقات القوة»[85].  إضافة إلى الاعتراف بالصراعات والقوى التي تنشأ في الاقتصاد، هناك دعوة إلى مراجعة فكرية جادة لشروط إنتاج المعرفة الاقتصادية في السياق الفلسطيني، والمشاريع والمصالح التي تخدمها هذه المعرفة.

كتب ذات صلة:

الاقتصاد الصهيوني الغاصب والاقتصاد الفلسطيني الأسير

الاقتصاد الفلسطيني: تحديات التنمية في ظل احتلال مديد

أوراق ذات صلة:

المعرفة الاستعمارية وتاريخ فلسطين

المخيلة الاستعمارية تقتلع مدينة من ماضيها وحاضرها: القدس العربية نموذجاً

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 530 في نيسان/أبريل 2023.

طاهر اللبدي: باحث في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى – القدس.

الصورة من رويترز.

[1]   لتعريف هذا «المنعطف الاستعماري» والمناقشات التي تدور حوله، انظر: Anaheed Al-Hardan, «Decolonizing Research on Palestinians: Towards Critical Epistemologies and Research Practices,» Qualitative Inquiry, vol. 20, no. 1 (2014), pp. 61–71; Francesco Amoruso, Ilan Pappé and Sophie Richter-Devroe, «Introduction: Knowledge, Power, and the «Settler Colonial Turn» in Palestine Studies,» Interventions, vol. 21, no. 4 (2019), pp. 451-463; Rana Barakat, «Writing/Righting Palestine Studies: Settler Colonialism, Indigenous Sovereignty and Resisting the Ghost(s) of History,» Settler Colonial Studies, vol. 8, no. 3 (2018), pp. 349–363; Rachel Busbridge, «Israel-Palestine and the Settler Colonial «Turn»: From Interpretation to Decolonization,» Theory, Culture and Society, vol. 35, no. 1 (2018), pp. 91–115; Jamil Hilal, «Rethinking Palestine: Settler-colonialism, Neo-liberalism and Individualism in the West Bank and Gaza Strip,» Contemporary Arab Affairs, vol. 8, no. 3 (2015), pp. 351–362; Nur Masalha, The Palestine Nakba: Decolonising History, Narrating the Subaltern, Reclaiming Memory (London; New York: Zed Books, 2012); Areej Sabbagh-Khoury, «Tracing Settler Colonialism: A Genealogy of a Paradigm in the Sociology of Knowledge Production in Israel,» Politics and Society, vol. 50, no. 1 (2021); Omar Jabary Salamanca [et al.], eds., «Past is Present: Settler Colonialism in Palestine,» Settler Colonial Studies, vol. 2, no. 1 (2012); Lorenzo Veracini, «The Other Shift: Settler Colonialism, Israel, and the Occupation,» Journal of Palestine Studies, vol. 42, no. 2 (2013), pp. 26–42, and Raef Zreik, «When Does a Settler Become a Native? (With Apologies to Mamdani),» Constellations, vol. 23, no. 3 (2016), pp. 351-364.

انظر أيضًا: أباهر السقا، «نحو إعادة التفكير في الأطر المفاهيمية لتحليل السياق الفلسطيني الاستعماري،» عمران، السنة 10، العدد 39 (شتاء 2022).

[2]   انظر: سامية البطمة، «نموذج التنمية الفلسطيني واستراتيجيات التغيير في الأراضي الفلسطينية المحتلة،» ورقة قدمت إلى: المؤتمر السنوي الثاني: التجمعات الفلسطينية وتماثلاها ومستقبل القضية الفلسطينية (رام الله: المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية – مسارات، 2013)، ص 33-54؛ Sai Englert, «Settlers, Workers, and the Logic of Accumulation by Dispossession,» Antipode, vol. 52, no. 6 (2020), pp. 1647-1666; Toufic Haddad, Palestine Ltd.: Neoliberalism and Nationalism in the Occupied Territory (London; New York: I. B. Taurus and Co. Ltd., 2016); Adam Hanieh, «Development as Struggle: Confronting the Reality of Power in Palestine,» Journal of Palestine Studies, vol. 45, no. 4 (2016), pp. 32-47; Raja Khalidi, «Twenty-First Century Palestinian Development Studies,» Journal of Palestine Studies, vol. 45, no. 4 (2016), pp. 7-15; Taher Labadi, «Economie palestinienne: De quoi parle-t-on (encore)?,» Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée (REMMM), no. 147 (2020); Sara Roy, «Reconceptualizing the Israeli-Palestinian Conflict: Key Paradigm Shifts,» Journal of Palestine Studies, vol. 41, no. 3 (2012), pp. 71-91; Omar Shweiki and Mandy Turner, dirs., Decolonizing Palestinian Political Economy: De-development and Beyond (New York: Palgrave Macmillan, 2014); Linda Tabar [et al.], Critical Readings of Development under Colonialism: Towards a Political Economy for Liberation in the Occupied Palestinian Territories (Ramallah: Rosa Luxemburg Foundation/Center for Development Studies, 2015), and Patrick Wolfe, «Purchase by Other Means: The Palestine Nakba and Zionism’s Conquest of Economics,» Settler Colonial Studies, vol. 2, no. 1 (2012), pp. 133-171.

في هذا الصدد، يقدّم كل من الخالدي وفرسخ قراءة لتطور الفكر الاقتصادي الفلسطيني، والتي توضح في سياقها التحولات الفكرية التي حصلت. انظر: Leila Farsakh, «Palestinian Economic Development: Paradigm Shifts since the First Intifada,» Journal of Palestine Studies, vol. 45, no. 2 (2016), pp. 55-71, and Raja Khalidi «The Rise and Decline of Palestinian Economic Thought and Practice in the Age of National Liberation,» Assafir Al-Arabi, 8/10/2014, <http://assafirarabi.com/en/3790/2014/10/08/the-rise-and-decline-of-palestinian-economic-thought-and-practice-in-the-age-of-national-liberation/>.

[3]   Barbara J. Smith, The Roots of Separatism in Palestine: British Economic Policy, 1920-1929 (New York: Syracuse University Press, 1993).

[4]   Taher Labadi: «De la dépossession à l’intégration économique : économie politique du colonialisme en Palestine,» (Thèse de doctorat en science économique, Paris, Université Paris-Dauphine, 2015), et «Economie palestinienne: De quoi parle-t-on (encore)?».

[5]   Stéphanie Latte Abdallah et Cédric Parizot, dirs., Israël/Palestine: L’illusion de la séparation (Aix-en-Provence: Presses universitaires de Provence, 2017), and Raja Khalidi, «What Is the «Palestinian Economy»?,» in: Gülistan Gürbey, Sabine Hofmann and Ferhad Ibrahim Seyder, dirs., Between State and Non-State: Politics and Society in Kurdistan-Iraq and Palestine (New York: Palgrave Macmillan, 2017), pp. 123-139.

[6]   Frédéric Lordon, dir., Conflits et pouvoirs dans les institutions du capitalisme (Paris: Presses de Sciences Po, 2008).

[7]   Ramَn Grosfoguel, «Les Implications des altérités épistémiques dans la redéfinition du capitalisme global: Transmodernité, pensée-frontalière et colonialité globale,» Multitudes, vol. 26 (2006), pp. 51-74, and Walter Mignolo, «Géopolitique de la sensibilité et du savoir: (Dé)colonialité, pensée frontalière et désobéissance épistémologique,» Mouvements, vol. 73, no. 1 (2013), pp. 181-190

[8]   Barakat, «Writing/Righting Palestine Studies: Settler Colonialism, Indigenous Sovereignty and Resisting the Ghost(s) of History».

[9]   Rashid Khalidi, Palestine: Histoire d’un Etat introuvable (Paris: Actes Sud, 2007).

[10]     Smith, The Roots of Separatism in Palestine: British Economic Policy, 1920-1929.

[11]   Evan Bradley Gabe, «The Great White Umpire in Palestine: British Economic Policies and Arab Grievances, 1920-1936,» (A Thesis – Master degree of Arts, Department of History, University of Utah, 2013), and Jacob Norris, Land of Progress. Palestine in the Age of Colonial Development,1905–1948 (Oxford: Oxford University Press, 1993).

[12]     Smith, Ibid.

[13]   Sa’id B. Himadeh, ed., Economic Organization of Palestine (Beirut: American University of Beirut Press, 1938).

[14]   Gershon Shafir, Land, Labor and the Origins of the Israeli-Palestinian Conflict, 1882-1914 (Cambridge, MA: Cambridge University Press, 1989), and Wolfe, «Purchase by Other Means: The Palestine Nakba and Zionism’s Conquest of Economics».

[15]   Joel Beinin, «Political Economy and Public Culture in a State of Constant Conflict: 50 Years of Jewish Statehood,» Jewish Social Studies, vol. 4, no. 3 (1998), pp. 96-141, and Aziz Haidar, On the Margins: The Arab Population in the Israeli Economy (New York: St. Martin’s Press, 1995), and Elia Zureik, «The Economics of Dispossession: the Palestinians,» Third World Quarterly, vol. 5, no. 4 (1983), pp. 775-790.

[16]   Pascal Clerc, «La «Géographie coloniale» en France: Une catégorie à déconstruire,» Terra Brasilis, no. 8 (2017).

[17]   الصفتان قابلتان للتبادل في عمل المؤلف.

[18]  David Horowitz: Economic and Social Transformation of Palestine (Jerusalem: Central Zionist Archives, Jewish Agency, 1937), and Jewish Colonization and Arab Development in Palestine, Central Zionist Archives, Jewish Agency, 1945).

[19]  انظر: Shmuel Eisenstadt, Israeli Society (New York: Basic Books, 1967); Simha Flapan, Zionism and the Palestinians (London: Croom Helm, 1979); Dan Horowitz and Moshe Lissak, Origins of the Israeli Polity: Palestine under the Mandate, translated from the Hebrew by Charles Hoffman (Chicago, IL: University of Chicago Press, 1978); Rafael N. Rosenzweig, The Economic Consequences of Zionism (Leiden: E.J. Brill, 1989), and Zeev Sternhell, Aux origines d’Israël: Entre nationalisme et socialisme (Paris: Fayard, 2004).

[20]  Arthur Lewis, «Economic Development with Unlimited Supplies of Labour,» The Manchester School, vol. 22 (1954), pp.139-191.

[21]   Jacob Metzer, The Divided Economy of Mandatory Palestine (Cambridge, MA: Cambridge University Press, 1998).

[22]   Nahla Zu’bi, «The Development of Capitalism in Palestine: The Expropriation of the Palestinian Direct Producers,» Journal of Palestine Studies, vol. 13, no. 4 (1984),  pp. 88-109.

[23]   Khalidi, Palestine: Histoire d’un Etat introuvable, and  Wolfe, «Purchase by Other Means: The Palestine Nakba and Zionism’s Conquest of Economics».

[24]  Shafir, Land, Labor and the Origins of the Israeli-Palestinian Conflict, 1882-1914, and Zachary Lockman: Comrades and Enemies Arab and Jewish Workers in Palestine, 1906–1948 (Berkeley, CA: University of California Press, 1996), and «Land, Labor and the Logic of Zionism: A Critical Engagement with Gershon Shafir,» Settler Colonial Studies, vol. 2, no. 1 (2012), pp. 9-38.

[25]   Ibrahim Abu-Lughod et Baha Abu-Laban, Settler Regimes in Africa and the Arab World: The Illusion of Endurance (Wilmette, Ill: Medina University Press International, 1974).

[26]   George Mansour, «The Arab Worker under the Palestine Mandate (1937),» Settler Colonial Studies, vol. 2, no. 1 (2012), <http://www.tandfonline.com/doi/pdf/10.1080/2201473X.2012.10648832>.

[27]   Himadeh, ed., Economic Organization of Palestine.

[28]   Beshara Doumani, «Rediscovering Ottoman Palestine: Writing Palestinians into History,» Journal of Palestine Studies, vol. 21, no. 2 (1992), pp. 5-28, and Tarif Khalidi, «Palestinian Historiography: 1900-1948,» Journal of Palestine Studies, vol. 10, no. 3 (1981), pp. 59-76.

[29] Ghassan Kanafani, «La Révolte arabe de 1936-39 en Palestine (1972), » disponible en ligne en langue française, <http://fcgk44.free.fr/img/Kanafani_La revolte.pdf>.

[30]   Asad Talal, «Class Transformation under the Mandate,» MERIP Reports, no. 53 (1976).

[31]   Zu’bi, «The Development of Capitalism in Palestine: The Expropriation of the Palestinian Direct Producers».

[32]   Issa Khalaf, «The Effect of Socioeconomic Change on Arab Societal Collapse in Mandate Palestine,» International Journal of Middle East Studies, vol. 29, no.1 (1997), pp. 93-112.

[33]   Mahmoud Yazbak, «From Poverty to Revolt: Economic Factors in the Outbreak of the 1936 Rebellion in Palestine,» Middle Eastern Studies, vol. 36, no. 2 (July 2000), pp. 99-113.

[34] Farsakh, «Palestinian Economic Development: Paradigm Shifts since the First Intifada».

أشارت ليلى فرسخ أيضًا إلى أن جورج العبد كان أول من استخدم مصطلح «الاقتصاد الفلسطيني» للإشارة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة في كتابه الذي نشره عام 1988. إلا أن هذه الملاحظة تبدو متسرعة من حيث حرص العبد في مقدمته على عدم التطرق إلى مسألة الحدود، كما يحتوي الكتاب فصلًا عن التنمية الاقتصادية خلال حقبة الانتداب البريطاني وفصل عن اقتصاد «العرب الفلسطينيين في إسرائيل». ومع ذلك، فإن الأهمية والتركيز على الأراضي المحتلة عام 1967 في هذا الكتاب ليست موضع شك. انظر: George T. Abed, The Palestinian Economy: Studies in Development under Prolonged Occupation (London: Routledge, 1988).

[35]   George T. Abed, «The Economic Viability of a Palestinian State,» Journal of Palestine Studies, vol. 19, no. 2 (1990), pp. 4-5.

[36]   George T. Abed, «The Political Economy of Resistance in the Occupied Territories,» Journal of Refugee Studies, vol. 2, no. 1 (1989), pp. 55-63.

[37]   انظر: David Cobham and Nu’man Kanafani, dirs., The Economics of Palestine: Economic Policy and Institutional Reform for a Viable Palestinian State (London; New York: Routledge, 2004); Ishac Diwan and Radwan A. Shaban, Development under Adversity: The Palestinian Economy in Transition (Washington, DC: World Bank, 1999), and Stanley Fischer [et al.], Securing Peace in the Middle East: Project on Economic Transition, MA: MIT Press, Cambridge, 1994).

[38]   Farsakh, «Palestinian Economic Development: Paradigm Shifts since the First Intifada,» p. 63

[39]   Arie Arnon [et al.], The Palestinian Economy: between Imposed Integration and Voluntary Separation (Leiden: Brill, 1997).

[40]      Diwan and Shaban, Development under Adversity: The Palestinian Economy in Transition.

[41]   مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) هو وكالة دولية مفوضة، بدء العمل في الأرض الفلسطينية المحتلة في عام 1979 لرصد والتحقيق في سياسات الاحتلال الإسرائيلي وأثرها في الظروف المعيشية للشعب الفلسطيني.

[42]   تأسس معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) في عام 1994 بهدف «مساعدة صناع القرار والمؤسسات التي تعمل في مجال التنمية الاقتصادية في فلسطين».

[43]   Taher Labadi, «De la Banque mondiale et du développement économique palestinien,» La Revue nouvelle, no. 3 (2018), pp. 7-13.

[44]   World Bank, Unlocking the Trade Potential of the Palestinian Economy: Immediate Measures and a Long-Term Vision to Improve Palestinian Trade and Economic Outcomes (Washington DC: The Bank, 2017).

[45]   Béatrice Hibou, Économie politique du discours de la Banque mondiale en Afrique subsaharienne, du catéchisme économique au fait (et méfait) missionnaire, coll. «Les Études du CERI» (Paris: CERI, 1998).

[46]   يشير هذا تحديدًا إلى أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة التي احتلتها إسرائيل عام 1967. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن القدس مستبعدة فعليًا من نطاق عمل البنك الدولي وتحليله.

[47]   Labadi, «Economie palestinienne: De quoi parle-t-on (encore)?».

[48]   Marcus E. Bouillon, The Peace Business, Money and Power in the Palestine-Israel Conflict (London; New York: I.B. Tauris and Co Ltd., 2004).

[49]   World Bank, Developing the Occupied Territories: An Investment in Peace, volume 1: Overview (Washington DC: The Bank, 1993), p. vii.

[50]   Ibid., p. 14

[51]   Alaa Tartir and Jeremy Wildeman, «Persistent Failure: World Bank Policies for the Occupied Palestinian Territories,» Al-Shabaka -The Palestinian Policy Network, Policy brief (9 October 2012).

[52]    Khalidi, Palestine: Histoire d’un Etat introuvable.

[53]   Yazbak, «From Poverty to Revolt: Economic Factors in the Outbreak of the 1936 Rebellion in Palestine».

[54]   Haidar, On the Margins: The Arab Population in the Israeli Economy, and Antoine Mansour, Palestine: Une économie de résistance en Cisjordanie et à Gaza (Paris: L’Harmattan, 1983).

[55]   Deborah Bernstein, Constructing Boundaries: Jewish and Arab Workers in Mandatory Palestine (New York: State University of New York Press, 2000); Roza I.M. El-Eini,  Mandated Landscape: British Imperial Rule in Palestine, 1929–1948 (New York: Routledge, 2006); Lockman,Comrades and Enemies Arab and Jewish Workers in Palestine, 1906–1948, and Amos Nadan, The Palestinian Peasant Economy under the Mandate: A Story of Colonial Bungling (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2006).

[56]   أدت حرب حزيران/يونيو 1967 إلى احتلال إسرائيل لسيناء المصرية ومرتفعات الجولان السورية وأراضي الضفة الغربية (التي ضمتها الأردن عام 1949) وقطاع غزة (الخاضعة للسيطرة المصرية عام 1949)، ومنطقة جنوب لبنان التي احتلت عسكريًا عقب الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982.

[57]   Beinin, «Political Economy and Public Culture in a State of Constant Conflict: 50 Years of Jewish Statehood».

[58]   Bernstein, Constructing Boundaries: Jewish and Arab Workers in Mandatory Palestine, p. 5.

[59]   Shafir, Land, Labor and the Origins of the Israeli-Palestinian Conflict, 1882-1914

[60]   Khalidi, Palestine: Histoire d’un Etat introuvable, and Masalha The Palestine Nakba: Decolonising History, Narrating the Subaltern, Reclaiming Memory.

[61]   Abu-Lughod et Abu-Laban, Settler Regimes in Africa and the Arab World: The Illusion of Endurance; Jamil Hilal, «Imperialism and Settler–Colonialism in West Asia: Israel and the Arab Palestinian Struggle,» Utafiti, vol. 1, no. 1 (1976); George Jabbour, Settler Colonialism in Southern Africa and the Middle East (Beirut: Palestine Liberation Organisation Research Centre, 1970), and Fayez Sayegh, Zionist Colonialism in Palestine (Beirut: The Palestine Liberation Organization, Research Center, 1965).

[62]   Salamanca [et al.], eds., «Past is Present: Settler Colonialism in Palestine,» and Veracini, «The Other Shift: Settler Colonialism, Israel, and the Occupation».

[63]   انظر على وجه الخصوص تقارير الأونكتاد ومعهد ماس.

[64]    Bouillon, The Peace Business, Money and Power in the Palestine-Israel Conflict.

[65]   Shimshon Bichler and Jonathan Nitzan, The Global Political Economy of Israel (London: Pluto Press, 2002).

[66]   Shir Hever, The Political Economy of Israel’s Occupation: Repression beyond Exploitation (London: Pluto Press, 2010).

[67]   Sara Roy, The Gaza Strip: The Political Economy of De-development (Beirut: Institute for Palestine Studies, 1995).

[68]   Khalidi, «The Rise and Decline of Palestinian Economic Thought and Practice in the Age of National Liberation».

[69]   Khalil Nakhleh, The Myth of Palestinian Development: Political Aid and Sustainable Deceit (Jerusalem: PASSIA, 2004).

[70]    Khalidi, Ibid.

[71]   Yusif A. Sayigh, «The Palestinian Economy under Occupation: Dependency and Pauperization,» Journal of Palestine Studies, vol. 15, no. 4 (1986), pp. 46-67.

[72]    Mansour, Palestine: une économie de résistance en Cisjordanie et à Gaza.

[73]  باستثناء زريق، يركز الباحثون اهتمامهم على الضفة الغربية وقطاع غزة، انظر: Abed, «The Political Economy of Resistance in the Occupied Territories»; Adel Samara, The Political Economy of the West Bank 1967-1987: From Peripheralization to Development (London: Khamsin, 1988), and Zureik, «The Economics of Dispossession: the Palestinians».

انظر أيضًا: عادل سمارة وعودة شحادة، التنمية بالحماية الشعبية (دمشق: دار كنعان للدراسات والنشر، 1988).

[74]  انظر القسم السابق.

[75] Adel Samara, «Globalization, the Palestinian Economy and the «Peace Process»,»», Journal of Palestine Studies, vol. 29, no. 2 (2000), pp. 20-34.

[76]   Adam Hanieh, «The Internationalisation of Gulf Capital and Palestinian Class Formation,» Capital and Class, vol. 35, no. 1 (2011), pp. 81-106.

[77]   Raja Khalidi et Sobhi Samour, «Neoliberalism as Liberation: The Statehood Program and the Remaking of the Palestinian National Movement,» Journal of Palestine Studies, vol. 40, no. 2 (2011), pp. 6-25.

[78]   خليل نخلة، فلسطين: وطن للبيع (رام الله: مؤسسة روزا لوكسمبورغ، 2011)، و Shweiki and Turner, dirs., Decolonizing Palestinian Political Economy: De-development and Beyond.

انظر أيضًا العدد الخاص «حول التنمية الاقتصادية الفلسطينية،» مجلة الدراسات الفلسطينية، السنة 45، العدد 4 (صيف 2016).

[79]   Haddad, Palestine Ltd.: Neoliberalism and Nationalism in the Occupied Territory, Adam Hanieh, Lineages of Revolt: Issues of Contemporary Capitalism in the Middle East (Chicago, IL: Haymarket Books, 2013), and Tabar [et al.], Critical Readings of Development under Colonialism: Towards a Political Economy for Liberation in the Occupied Palestinian Territories.

[80]   البطمة، «نموذج التنمية الفلسطيني واستراتيجيات التغيير في الأراضي الفلسطينية المحتلة»؛ سمارة وشحادة، التنمية بالحماية الشعبية؛ علاء الترتير، «نحو رؤية تنموية فلسطينية،» مجلة الدراسات الفلسطينية، السنة 27، العدد 105 (كانون الأول/ديسمبر 2016)؛ Khalidi, «Twenty-First Century Palestinian Development Studies»; Stéphanie Latte Abdallah, «L’économie de la résistance: Un engagement holiste contre l’occupation en Palestine,» in: Sainseaulieu Ivan [et al.], dirs., Où est passée la justice sociale?: De l›égalité aux tâtonnements (Villeneuve d’Ascq: Presses Universitaires du Septentrion, 2019).

[81]    Tabar [et al.], Ibid.

[82]   بوصفه أحد مكونات الانفتاح الاقتصادي والتجاري لأي بلد على العولمة، يسير التحرير الزراعي جنبًا إلى جنب مع تعزيز النشاط الزراعي الموجَّه أكثر نحو الصادرات، والذي يُعَدّ أكثر ربحية من ذلك الموجه للسوق المحلي.

[83]   Alaa Tartir, Rami Zurayk and Samer Abdelnour, «Farming Palestine for Freedom,» Al-Shabaka Policy Brief (July 2012); Tariq Dana, «A Resistance Economy: What Is It and Can It Provide an Alternative?,» PAL Papers (Rosa Luxemburg Stiftung) (November 2014);  Rayya El Zein, «Developing a Palestinian Resistance Economy through Agricultural Labor,» Journal of Palestine Studies, vol. 46, no. 3 (2017), pp. 7-26, Helmut Krieger, ed., «Food Sovereignty and Alternative Development in Palestine,» Journal für Entwicklungspolitik (Austrian Journal of Development Studies), vol. 34, no. 1 (2018), and Vivien Sansour et Alaa Tartir, «Palestinian Farmers: A Last Stronghold of Resistance,» Al-Shabaka Policy Brief (July 2014).

[84]    Pierre Bourdieu, Langage et pouvoir symbolique, points (Paris: Seuil, 2001).

[85]   Grosfoguel, «Les Implications des altérités épistémiques dans la redéfinition du capitalisme global: Transmodernité, pensée-frontalière et colonialité globale,» pp. 51-74.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز