عند اندلاع أي صدام عسكري في الشرق الأوسط بين العرب وإسرائيل، يعاد من جديد إلى الواجهة طرح نقاش طبيعة الصراع في المنطقة، وتطفو على السطح الكثير من المكبوتات التاريخية والدينية، ويفتح مرة أخرى نقاش دور الدين في تأجيج الصراع الهوياتي في الشرق الأوسط، لكون المنطقة مهد الرسالات والكتب السماوية الثلاث. وبالنظر إلى دور اليهودية في تكوين بنية الفكر الديني في إسرائيل، في مواجهة الفكر الإسلامي في سائر أقطار الوطن العربي، فإن المسألة الدينية تطرح نفسها بقوة وعلى نحوٍ متجدد، وهي ما عُبِّر عنها بالمسألة اليهودية.

اشتعلت المنطقة عقب قيام إسرائيل على أرض فلسطين، بعد مخاض فكري وسياسي وعسكري عسير، خلَّف ملايين القتلى والجرحى والمهجّرين العرب، وعبر الكثير من المجازر التي لا تزال مستمرة إلى حد الآن. فبالنسبة إلى المخاض الفكري، فهو المسمى المسألة اليهودية، الذي كان يناقش في أوروبا تحت لافتة التحرر والانعتاق اليهودي في مرحلة من المراحل. اتخذت تلك المسألة عدة حلول وإجابات مختلفة، كان آخرها الحل الصهيوني للمسألة اليهودية. فماذا نعني أولًا بالمسألة اليهودية، وكيف تناولها الفلاسفة اليهود، وبخاصة سبينوزا[1]؟ وهل النقد التاريخي للكتب المقدسة الذي اشتغل عليه سبينوزا فشل في تركيب هوية تقدمية ومتسامحة لليهود؟

أولًا: ماذا نعني بالمسألة اليهودية؟

راجت عبارة المسألة اليهودية كثيرًا بين أهل الفكر والفلسفة في أوروبا الحديثة والمعاصرة، وكان أبرز من طرحها كعنوان لكتابه هو برونو باور في القرن التاسع عشر، الذي كان يريد أن يقدم حلًا للمسألة اليهودية، بهدف تمكينهم من الانعتاق الديني من الاضطهاد المسيحي الذي لاحقهم، كون اليهود هم من قتلوا المسيح، فطرح حلًا متمثلًا بالتخلي عن اليهودية، أي أن اليهودي لينعتق من الاضطهاد الديني والقومي، وجب عليه أن يتحرر من يهوديته. وهو ما يترجم انشغال الفلاسفة بقضية اليهود داخل الدول والقوميات في أوروبا. فرد عليه كارل ماركس في كتاب لا يقل عنه شهرة بعنوان حول المسألة اليهودية، رأى فيه أن انعتاق اليهود يمر حتمًا عبر انعتاق المجتمع من سلطة البرجوازية والرأسمالية والجشع.

يُترجَم ذلك السجال على أن هناك فئة من المجتمعات الأوروبية لم تندمج بعد، وتودّ الانعتاق والتحرُّر وتحقيق الذات. إذًا، معنى الانعتاق الذي يطمحون إليه هو أن يصبح اليهودي مواطنًا، يتمتع بالحقوق نفسها مع بقية المواطنين، لا عضوًا في جماعة إثنية أو دينية، وأن يكون ولاؤه السياسي للدولة وحدها، وغير مُجبر على التخلي عن دينه، لكنه يبقى في حدود الفردية، فالدولة يجب أن تكون مفصولة عن الدين، أي دين، يهوديًا كان أو غيره. يقول كارل ماركس: «الانعتاق السياسي لليهودي، للمسيحي، بكلمة للمتديّن، هو انعتاق الدولة من اليهودية، من المسيحية، من الدين بوجه عام»[2].

فالمسألة اليهودية معناها في النقاش الفكري: البحث عن سبل تُمكِّن من انعتاق اليهود، والوصول إلى حل لهذه الفئة، التي كان يعيش أفرادها تمزقًا فظيعًا، موزعًا بين الاندماج الكامل في الدولة القومية التي تأسست في أوروبا ذات الطابع المسيحي، والعيش كمواطنين، وبالتالي التخلي عن مجموعة من العادات والطقوس الدينية، أو الولاء والانغلاق داخل الغيتو[3] والطائفة، بغرض تحصين الذات من رياح الحضارة والتقدم، والأمل الدائم في أرض تحقق حلم ما فوق وطني يتمثل بالعودة إلى أرض الميعاد. وهذا يعني الخروج من التاريخ. فالمسألة اليهودية في السياق الأوروبي هي ترجمة مفاهيمية لمشكلة الهوية التي عاشتها الطوائف اليهودية في أوروبا: «ما يعبَّر عنه بالمسألة اليهودية، هو في جانب أساسي منه، مشكلة خاصة بالهوية اليهودية، في التشكيل الحضاري الغربي»[4].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 572 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 572 تشرين الأول/أكتوبر 2026

مصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 572 في تشرين الأول/أكتوبر 2026.

سعيد السعدي: طالب دكتوراه – المغرب.

[1] يعَدّ سبينوزا يهوديًا مرتدًّا عن اليهودية، أو اليهودي اللايهودي بتعبير إسحاق دوتشر، الذي ينقل لنا عبارة تلمودية تقول: «إن اليهودي يبقى يهوديًا حتى وإن ارتكب الخطيئة» (ص 9). غير أن قيمة سبينوزا تبقى في أنه ناقش التراث اليهودي وفككه من داخل اليهودية، فهو على الأقل يهودي ثقافيًّا. يقول سيلفان زاك عن سبينوزا: من المؤكد أن سبينوزا من أصل وثقافة يهوديين، لكنه ليس فيلسوفًا يهوديًا. انظر: Sylvain Zac, «Spinoza, critique de Maïmonide,» Les Études philosophiques, no. 3 (1972), p. 427.

[2] كارل ماركس، حول المسألة اليهودية، ترجمة إلياس مرقص (مراكش: مكتبة الملتقى، [د. ت.])، ص 59.

[3] تجمع يهودي يمثل حيًا خاصًا باليهود ظهر في أوروبا، كما كان عند المغاربة الملاح، وعند المصريين حارة اليهود، وهذا يدل على حرص اليهود على الانعزال.

[4] عبد الوهاب المسيري، من هو اليهودي؟، ط 3 (القاهرة: دار الشروق، 2002)، ص 59.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز