مقدمة

أصبحت النفايات قضية رئيسية في مجتمعاتنا المعاصرة واتخذت وجهًا سياسيًا بامتياز[1] إذ تعَدّ إدارة النفايات جزءًا من التبادل بين السكان والدولة ويمكن عدُّها أداة لبناء وإعادة إنتاج شرعية الأنظمة. وتمثل هذه الخدمة، إلى جانب الخدمات الحضرية الأخرى، أحد العناصر المركزية في الميثاق الاجتماعي بين الدول ومواطنيها.

يعَدّ كل من لبنان وتونس من أهم الأمثلة التي يمكن دراستها في هذا السياق؛ فلأكثر من عشر سنوات، أدّت النفايات ونظافة الأماكن العامة في هذين البلدين دورًا سياسيًا رئيسيًا من خلال انقطاع الخدمات العمومية من جمع ودفن للنفايات (جربة ​​عام 2012، بيروت عام 2015، صفاقس عام 2021)، أو من خلال استيراد النفايات من الخارج («قضية النفايات الإيطالية» في تونس عام 2019)، وهو ما ساهم في بروز أزمات سياسية كبرى. في حالة بيروت، فسّر معظم المراقبين إغلاق المكب الرئيسي للبلدية من دون توفير موقع بديل لطمر النفايات وتكدّس أطنان الفضلات في الفضاءات العامة والخاصة على أنه أحد علامات غياب الدولة وفشل السلطات العامة في القيام بمسؤولياتها الأساسية، حيث هيمنت على لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية نخبة سياسية طائفية فاسدة تقاسمت السلطة والمقاعد السياسية وسيطرت على الخدمات العمومية من خلال نظام قائم على مصالح المحسوبية والزبونية[2]، وقد ساهمت أزمة النفايات في تعبئة الشارع اللبناني ضد نظام المحاصصة الطائفية من خلال حملة «طلعت – ريحتكم».

في تونس، تفاقمت أزمة النفايات خلال مرحلة الانتقال السياسي (2012 – 2014) تحت تأثير متلازمة «Nimby» [3] وانسحاب الدولة في غياب الاستقرار السياسي. الحلول المقترحة من السلطات يتم التخلي عنها بسرعة إما تحت الضغط المدني وإما لأنها مكلفة جدًا وذات أولوية منخفضة بالنسبة إلى الدولة. وعمومًا أدت أزمة النفايات إلى تحليلات سياسية تشدد على دور الفساد المستشري، والخلل الوظيفي للدولة، وتندد بالانقسامات السياسية المسؤولة عن التعطل التام على مستوى المؤسسات، إذ تعَدّ الدولة متهمًا رئيسيًا بسوء الإدارة وانعدام الشفافية في معالجة النفايات، وبخاصة بعد أزمة الاستيراد غير القانوني لمئات من حاويات النفايات المنزلية من إيطاليا، من جانب شركة «لإعادة التدوير»، أسقطت أكثر من خمسة عشر شخصًا من كبار المسؤولين المتهمين بالفساد (وزير البيئة نفسه تم عزله وسجنه)[4].

يقوم هذا البحث على فرضية رئيسية ترى أن أزمة النفايات هي أزمة سياسية نابعة من ناحية أولى من فشل السياسة النيوليبرالية في حسن سير الخدمات العامة. ومن ناحية ثانية هي نابعة من الفساد المستشري وعجز الدولة على القيام بمسؤولياتها.

تتمثل أهمية البحث بتناول وتصور مسألة النفايات من خلال قراءة سياسية للأزمة بكل من لبنان وتونس. يدرس البحث النفايات كقطاع له أهمية سياسية تؤثر في رسم علاقات القوة التي لها تأثير في الشؤون العامة وفهم عمليات التسييس في هذا المجال.

يهدف البحث إلى فهم المدلول السياسي لمشاكل الخدمات الحضرية من خلال موضوع التصرف في النفايات. كما يهدف إلى المساهمة في المؤلفات العلمية والنقاش السياسي من خلال لفت الانتباه إلى المسؤوليات السياسية المرتبطة بقضية التصرف في النفايات. يبني البحث فرضياته وأهدافه من منظور أوسع للدراسات الحضرية حول البنية التحتية واللامركزية في البحر الأبيض المتوسط​، في سياق ما بعد الربيع العربي. ويُعَدُّ البحث متعدد التخصصات حيث يتضمن جوانب درست من جانب تخصصات أكاديمية مختلفة[5].

ينطلق البحث من سؤال: هل أن أزمة النفايات هي أزمة أيديولوجيا سياسية وأزمة تحول ديمقراطي أم هي أزمة بنيوية نابعة من عدم مقدرة الدولة النيوليبرالية على التسيير وتأمين الخدمات العامة؟

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 532 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 532 حزيران/يونيو 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 532 في حزيران/يونيو 2023.

مهى بوهلال عبيد: أستاذة مساعدة في كلية الآداب والفنون والإنسانيات، قسم الجغرافيا، جامعة منوبة – تونس.

[1](*)      في الأصل ورقة قدّمت إلى: المؤتمر السنوي الثاني للعلوم الاجتماعية والسياسية للمؤسسات العربية البحثية المستقلة بعنوان: «التغيرات الدولية وتأثيرها على المنطقة العربية» الذي نظّمه مركز دراسات الوحدة العربية مع منتدى البدائل العربي للدراسات و«دار الخبرة» (العراق) و«مجلة قضايا سياسية» (كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين – العراق) و«المرصد التونسي للانتقال الديمقراطي» في تشرين الثاني/نوفمبر 2022.

Claudia Cirelli et Fabrizio Maccaglia, «Penser le politique par les déchets,» Géocarrefour, vol. 95, no. 1 (2021).

[2]   Ziad Abu-Rish, «Garbage Politics,» Middle East Report, no. 277 (Winter 2015), and Bassel Salloukh [et al.], Politics of Sectarianism in Postwar Lebanon (London: Pluto Press, 2015).

[3]    «Not in My Back Yard» ليس في حديقتي الخلفية. يرفض السكان فكرة إنشاء مكبّ نفايات بالقرب من منزلهم، حيث سيتعين عليهم تحمل عواقبه الضارة. ويستخدمون خطابًا طبيًا لتقديم النفايات على أنها «خطر» على الصحة أكثر من كونها مصدر إزعاج.

[4]   Maha Bouhlel and Jamie Furniss, «La Déchétisation de la politique en Tunisie,» Chapter Book, Leipzig Universit, 2022).

[5]   Abu-Rish, Ibid.; Valeria Bonatti, «Mobilizing around Motherhood: Successes and Challenges for Women Protesting against Toxic Waste in Campania, Italy,» Capitalism Nature Socialism, vol. 26, no. 4 (2015), pp. 158-175; Siad Darwish, «Balad el-Ziblé (Country of Rubbish): Moral Geographies of Waste in Post-revolutionary Tunisia,» Anthropological Forum, vol. 28, no. 1 (2018), pp. 61-73; Carmen Geha, «Politics of a Garbage Crisis: Social Networks, Narratives, and Frames of Lebanon’s 2015 Protests and their Aftermath,» Social Movement Studies, vol. 18, no. 1 (2019), pp. 78-92, and Maha Bouhlel, «Les Problèmes de la gestion des déchets et la décentralisation dans le monde arabe,» Revue de littérature (mars 2020).

انظر أيضًا: سمر خليل، «التأثير بالسياسات العامة: إدارة النفايات والمناصرة في لبنان،» مبادرة الإصلاح العربي، 16 حزيران/يونيو 2022، ص 33، <https://bit.ly/3LQC2UW>.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز