تقديم

في بادرة جديدة عن تقاليد الانتخابات في تونس أتى قانون الاقتراع على الأفراد، الذي سعى إلى تغيير الفاعلين السياسيين بالانتقال في التصويت من المؤسّسة إلى الأفراد. وأصبح للمواطن الحق في الترّشّح الفردي في نطاق ما يسمح به القانون، ومن دون إحاطة حزبيّة. وفي ذلك تحوّل نوعي في قوانين التّرشّح في تونس التّي دأبت منذ انتخابات المجلس القومي التّأسيسي سنة 1956 على الترّشح ضمن قوائم تعطي المجال للمؤسّسة الحزبيّة كي تقوم بتأليف قوائمها أو ائتلافاتها. ولم يحظ الفرد بفرصة ليترشّح من دون المؤسّسة حتى نختبر مدى قدرته على الفعل والتّحدي وتحرير طاقاته في مجالات الشّأن العام.

بعد التّحولات السياسيّة التي حدثت في تونس عام 2011، ورغم التّنقيحات التّي طرأت على القانون الانتخابي آنذاك، ما زال التّرشُّح يتمّ ضمن القوائم‏[1]، سواءٌ كانت حزبيّة أم مستقلّة. يُفرض على القوائم المترشّحة قانون التّناصف العمودي بين الجنسين في تأليف القوائم وتشريك فئات عمريّة مختلفة، وذلك ليس باليسير على الأفراد المستقلّين، لأنّ تأليف قائمة مستقلّة يواجه كثيرًا من الصّعوبات ويستدعي مجهودًا كبيرًا في الوقت نفسه لتجميع عناصرها. على خلاف القوائم الحزبيّة التّي تكون عناصرها عادة موجودة داخل الحزب، بل في بعض الأحيان يكون عدد المترشّحين للقوائم الحزبيّة أكثر كثيرًا من العدد المطلوب. وهنا يظهر عدم تكافؤ الفرص بين الفرد المستقل والمؤسسة. في عام 2022 تمت الموافقة على الدّستور الجديد الذي حُرّر في ضوء نتائج الاستمارة الشّعبيّة الإلكترونيّة‏[2] التّي قُدّمت إلى التونسيين منذ كانون الثاني/يناير حتّى آذار/مارس 2022. ومن بين موضوعات الاستشارة أدرجت أسئلة حول طريقة الاقتراع، فكانت أغلبية الأجوبة بحسب نتائج الاستمارة مع طريقة الاقتراع على الأفراد، وتم العمل بقانون الاقتراع على الأفراد‏[3] بمقتضى المصادقة على الدّستور الجديد الذي وضع للاستفتاء في 25 تموز/يوليو 2022‏[4]. قد تكون هذه النّقلة النّوعية في القانون الانتخابي فرصة أمام الفرد ليستقلّ عن المؤسّسة التي كانت تحتكر العمل السّياسي منذ القبيلة والعشيرة قديمًا وصولًا إلى الدولة والمؤسّسات في الأنظمة الديمقراطية الحديثة التّي تمارس العمل السّياسي وفق تنظيمات حزبية.

إنّ الإيمان المتزايد بقيمة الفرد، ودوره في تطوير العمل السّياسي، وقدرته على البناء والرقي بالدّولة والمجتمع، وأمام العزوف المتزايد على المؤسسّة الحزبيّة وتراجعها – الذّي يطول شرح أسبابه التّي قد نأتي على بعضها عند تحليل إشكاليّات هذا الموضوع – هو من بين الأسباب التيّ أدّت إلى تغيير القانون الانتخابي نحو تحرير إرادة الأفراد وتشجيعهم على العمل السّياسي المستقل عن سيطرة المؤسّسة، إذ يحقّ للفرد وفق هذا القانون التّرشّح طوعيًّا وفرديًّا خارج القوائم بنوعيها المستقلة والحزبيّة. يبشّر هذا القانون، ظاهريًّا، بانتهاء حقبة السّيطرة على الأفراد وتقييد قدراتهم ويحثّهّم على العمل السّياسي والاندماج في الشّأن العام خارج الغطرسة الحزبيّة وكلّ ما يشوبها من ممارسات لاديمقراطيّة. لكن إلى أيّ مدى نستطيع الإقرار بأن هذا القانون سيحوّل العمل السياسيّ من المؤسسة إلى الأفراد؟ وهل يستطيع الفرد الفعل والاندماج في الشّأن العام لتغييره نحو الأفضل بطريقة مستقلّة عن المؤسّسات بأنواعها؟

الإطار المنهجي

أحدث تغيير القانون الانتخابي جدلًا واسعًا ما بين رافض لهذا القانون ومتفائل به. قد تختلف أسباب رفض هذا القانون أو القبول به باختلاف مرجعيّة التّناول للموضوع قانونيّة أو سياسيّة أو أيديولوجيّة أو اجتماعيّة… لذلك سنتناول موضوع هذا القانون في علاقته بالفعل الاجتماعي، أي مدى تأثير هذا القانون في الفاعلين الاجتماعيين في الشّأن العام، وكيف نقرأ هذا القانون في علاقته بالمؤسّسة والفرد؟ هل هو قانون سحب الثّقة عن المؤسّسة التي كان لها دور كبير في الشّأن السّياسيّ سواء كانت قرابيّة أو أيديولوجيّة أو حزبيّة…؟ أم هو تحوّل نوعي في الفاعلين الاجتماعيين من الفعل المؤسَّسي التّشاركي داخل هياكل منظّمة نحو إعلاء قيمة الأفراد وفسح المجال للفاعل الفردي للعمل والعطاء والاندماج في الشّأن العام بصفة طوعيّة وحرّة؟ هل هو قانون مساعد على الفعل والمبادرة الفرديّة، أم أن المؤسّسة سعت إلى تغيير آليات اندماجها في الشأن العام السياسي عبر احتضانها الأفراد ودعمها إياهم؟

تفترض هذه الدراسة أن منح قانون الاقتراع على الأفراد الفرصة للفرد كي يندمج في الشّأن العام ويقوم بالمبادرات ويتحدّى ليثبت ذاته وقدرته على الفعل السّياسي بعيدًا من سلطة المؤسّسة.

اعتمدنا في هذه الدّراسة منهجًا نوعيًّا استند إلى الملاحظة بالمشاركة عند تأليف بعض القوائم حزبيّة في انتخابات تشريعيّة سابقة، واستعنّا بمنهج تحليل المضمون لبعض التّدوينات الفيسبوكية حول الانتخابات التشريعية 2022، واستندنا كذلك إلى منهج كميّ يعتمد على بعض نتائج استمارة الكترونيّة أنجزت حول ترشّح المرأة التونسية للانتخابات التّشريعيّة 2022 بما يفيدنا في هذا البحث كما سنستعين ببعض النتائج النهائية لهده الانتخابات التشريعية.

قد تأخذ المشاركة السياسيّة منحىً مؤسسيًّا فيصبح التّواصل والفعل في المجال السّياسيّ، هو فعل كلياني ينطلق من المؤسّسة وينتهي إليها وما الفرد سوى تابع لها ولا وجود له خارج المؤسّسة التّي تحدّد سلوكه وتقيّده وتصفه بالحتمي. لكن إلى أي مدى نستطيع الإقرار بذلك، وبخاصة عندما رأى ماكس فيبر أنّ السّوسيولوجيا هي علم الفعل الاجتماعيّ، ودعا إلى عقلنة الحياة الاجتماعيّة، لأن جوهر الفردانيّة هي العقلانيّة وما المجتمع إلا نتاج لفعل الأفراد الذين يتصرّفون وفق قيم ودوافع وحسابات عقليّة. فالفرد الفاعل يؤمن بقدرته على الفعل والمبادرة والتغيير ويسعى جاهدًا لإثبات ذاته بالانفصال عن المؤسسة ليتحرّر من قيودها. ويعدّ المجال السياسي فرصة للفرد لإثبات ذاته والعمل من أجل التغيير نحو الأفضل، وبخاصة مع قانون الاقتراع على الأفراد الذي يراهن على الفرد ويحرره من سلطة المؤسسات، لأنّ المشاركة السياسية وجدت لتعبّر عن مدى انشغال الفرد بالشّأن العام وتوقه إلى الاندماج فيه والمشاركة في تناول إشكالاته المختلفة. في هذا الإطار يندرج بحثنا، فهل الفرد مخيّر في سلوكه وفعله السياسي أم مسيَّر من طرف المؤسسات؟ وهل تنتفي المؤسسة عندما نتحدث عن الفرد الفاعل أم أنهما يكملان بعضهما وقد يتبادلان فيه الأدوار من دون أن ينفي أحدهما الآخر بداعي أن الفرد جزء من المجتمع يؤثر فيه ويتأثّر به، وفي ذلك تأكيد لمنطق التّرابط والتّشابك الذي يعكس جوهر المجتمع الذي يصبح مجموعة من التنظيمات والشبكات المتفاعلة تنتظم فيها الهويّة والسّياسة والاقتصاد وتعمل معًا في صورة شبكة‏[5].

المفاهيم

– قانون الاقتراع على الأفراد[6]: جاء بمقتضى المرسوم الرقم 55 لسنة 2022 مؤرخ في 15 أيلول/سبتمبر 2022 يتعلّق بتنقيح القانون الأساسيّ لسنة 2014 المؤرّخ في 26 أيار/مايو 2014 المتعلّق بالانتخابات والاستفتاء وإتمامه. أهم ما في هذا القانون أن التّصويت يجرى على الأفراد حسب الفصل 7 في دورة واحدة أو دورتين في دوائر انتخابيّة ذات مقعد واحد، وكل مترشّح يجب أن يجمع 400 تزكية موزعة على الجنسين بالتّناصف وعلى الفئات العمريّة بما يتطابق مع قانون التّزكيات وتمويل الحملة الانتخابيّة هو تمويل ذاتي ويعاقب كل من يتلقّى تمويلات مشبوهة. ويمكّن هذا القانون الناخبين من سحب الوكالة إذا تبيّن لهم أن النائب تخلّى عن وعوده الانتخابيّة.

– المؤسسة: لمصطلح مؤسّسة في علم الاجتماع معانٍ متعدّدة وأشكال مختلفة، فهناك من يشير إلى المصنع، والمنظّمة، والمنشأة، والنّسق. يتمّ إحداث المؤسّسة لتحقيق نوع ما من الأعمال. وتسعى كل مؤسّسة لتحقيق هدف معين قد يكون علميًّا أو ثقافيًّا أو اجتماعيًّا أو سياسيًّا. تسعى كل مؤسّسة لتكون مشاريعها منتجة ومربحة وهو ما تؤكّده المدرسة الكلاسيكيّة التقليديّة والمدرسة السّلوكية والبنائيّة والوظيفيّة‏[7]. وتوجد مؤسّسات فرديّة وأخرى مشتركة. وتعدّ العائلة والحزب مؤسّسات لها قوانينها وهياكل تنظّمها، ولهذه المؤسّسات علاقة بالشّأن العام السياسيّ تؤثّر فيه وتتأثّر به. سنتناول في بحثنا التّالي علاقة هذه المؤسّسات بالفرد وبالعمليّة السياسيّة، وبخاصّة دورها في الانتخابات التّشريعية وكيف تنشط وتمارس هذا الدور.

– الفرد: هو شخص أو إنسان مفرد (Individual)، وهو كينونة مستقلّة بذاتها غير قابلة للانقسام والتّجزئة، فيعامل ككلّ واحد. مجموع لفظة فرد هي أفراد وتشير إلى أشخاص ويمثل الأفراد نواة المجتمع‏[8]. يتأثّر الفرد بالمجتمع ويسلك وفق ما تنتظره المجموعة التي يعيش بينها التي لها علاقات تأثير وتأثّر مع الفرد إذ لا يتطوّر المجتمع إلا بتطوّر أفراده والعكس صحيح.

– الانتخابات التشريعية (Legislative elections): الانتخاب هو إجراء دستوري لاختيار فرد أو مجموعة أفراد لمنصب معين. والتّرشح لهذه الانتخابات هو حق يكفله الدّستور لكل مواطن توافرت فيه شروط الترشّح بحسب ما يمليه القانون. أما الانتخابات التشريعيّة فهي اختيار شخص من بين عدد من المترشّحين ليكون ممثلًا عن الجماعة التي ينتمي إليها‏[9]. والانتخابات التشريعيّة 2022 هي انتخابات سابقة لأوانها بعد تجميد ثُم حلّ البرلمان السّابق الذي انتخب في سنة 2019. ينظّم هذه الانتخابات القانون الانتخابي الذي صدر في 15 أيلول/سبتمبر2022 والذي ينصّ بخاصة على أن الاقتراع يتم على الأفراد.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 554 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 554 نيسان/أبريل 2025

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 554 في نيسان/أبريل 2025.

سامية بوعبيد: دكتورة في علم الاجتماع وأستاذة في المعهد
العالي للعلوم الإنسانية في مدنين – تونس.

[1] القانون الأساسي العدد 16 لسنة 2014، المؤرخ في 26 أيار/مايو 2014 يتعلق بالانتخابات والاستفتاء، على الرابط التالي <https://bit.ly/3w18i04> (تاريخ الدخول 13 كانون الثاني/يناير 2023).

[2] الاستشارة الوطنية، كل المراحل والأسئلة الموجهة وأهم الملاحظات: موزاييك آف أم، على الرابط التالي <https://bit.ly/3ZB2IyU> (تاريخ الدخول 13 كانون الثاني/يناير 2023).

[3] القانون الانتخابي في تونس 2022، على الرابط التالي <https://bit.ly/3GEsDgx> (تاريخ الدخول 13 كانون الثاني/يناير 2022).

[4] نتائج الاستفتاء على الدستور الجديد بحسب تصريح الهيئة العليا المستقلة للانتخابات على الرابط التالي <https://bit.ly/3WaKCRv> (تاريخ الدخول 13 كانون الثاني/يناير 2022).

[5] دارن بارني، المجتمع الشبكي، ترجمة أنور الجمعاوي (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات، 2015)، ص 10.

[6] القانون الانتخابي في تونس 2022، مصدر سابق.

[7] زينب شنوف، «تحليل سوسيولوجي للمؤسسة من الإنتاج إلى إعادة الإنتاج،» مجلة آفاق للبحوث والدّراسات (المركز الجامعي ايليزي)، العدد 3 (كانون الثاني/يناير 2019)، ص 1.

[8] ويكيبيديا: تعريف الفرد على الرابط التالي: <https://bit.ly/3ZQkZIX> (تاريخ الدخول 15 كانون الثاني/يناير 2022).

[9] الموسوعة السياسيّة: تعريف الانتخابات، على الرابط التالي: <https://bit.ly/3CPGek3> (تاريخ الدخول 15 كانون الثاني/يناير 2022).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز