تمهيد

يتفق الدارسون على أن العلاقة بين المجتمع والدولة في الوطن العربي علاقة متأزمة منذ زمن طويل، وبخاصة مع حرص الدولة القُطرية العربية على تكريس كيانها واستخدامها للسلطوية والحكم الاستبدادي في استدامة فرض النخب الحاكمة هيمنتها على المجتمع والسياسة. ومع أن أزمة العلاقة بين الدولة والمجتمع بدت أكثر وضوحًا منذ انطلاق عصر العولمة الحالي الذي أدى دورًا بارزًا في تراجع الدولة على المستوي العالمي، أو الحد من دورها على الأقل، فإن الدولة العربية بدت وكأنها بمأمن من تلك التأثيرات بما أحيا الأفكار والتصورات الاستشراقية في شأن الاستثنائية العربية والإسلامية كما في الأطروحات المتعلقة بموجات الديمقراطية وصمود أو قدرة نظم الاستبداد على الاستمرار في مواجهة الضغوط مسنودة بثقافة وآليات مختلفة. فلقد تمكنت الدولة العربية رغم ضعفها الهيكلي أو أصولها الأجنبية، كما حاجّ الكثير من الدارسين، من مواصلة التأثير والديمومة في فرض النظام في المجتمعات العربية[1].

وفي حين كان الربيع العربي تعبيرًا عن فشل تلك المقاربة وارتفاع منسوب الرفض الشعبي المطالب بالتمكين والديمقراطية والشفافية والمحاسبة والعدالة، فإن ما يمكن ملاحظته بوضوح هو أن ارتدادات الربيع العربي قادت إلى اتجاه مناقض للدعوات إلى الديمقراطية؛ فلقد عمقت الأزمات التي عمت المنطقة بعد الربيع العربي من الإحساس بالإحباط والفشل إلى درجة باتت قطاعات عريضة من السكان إما تتحسر على زمن ولى وعهد مضى، وإما صارت تفضل أن يحكم البلاد رجل قوي يخلصها من الفوضى[2]. صحيح، هناك مطالبات مستمرة بالعدالة والديمقراطية، لكن المطالبة الأبرز بعد اثنتي عشرة سنة من الربيع العربي تتجه اليوم نحو الرغبة في وجود دولة قوية فاعلة. ولا يقلل من شأن تلك المطالبة، في إطار فهم التحول في علاقة المجتمع بالدولة، ارتباطها بالدعوة إلى الشفافية والمحاسبة، وبخاصة أن هذه الأخيرة لا تقدم إلا على أنها سبيل لفاعلية الدولة نفسها، أي أن المطالبة بها هي بغرض استعادة قوة الدولة وربما هيمنتها لا من أجل تلك المعايير وقيم الديمقراطية لذاتها.

هكذا يبدو المشهد العربي للعلاقة بين المجتمع والدولة اليوم، حيث لا تحظى أفكار تمكين المواطنين والأطراف غير الرسمية كالمجتمع المدني بالأولوية على الدعوة إلى دولة فاعلة، فالاستقرار والمحافظة على الكيان والعامل الاقتصادي هي المحددات الأكثر أهمية على ما يبدو. لذلك يمكننا القول إن الاستجابة لهذه التحديات تستدعي نموذجًا جديدًا للدولة وللعلاقة بينها والمجتمع على نحو أكثر تعقيدًا وشمولية مما كان سائدًا في الماضي، وهي ليست بالضرورة تلك الصورة الليبرالية الحالمة التي انتشرت أثناء الربيع العربي.

أولًا: الفكر العربي والعلاقة بين المجتمع والدولة

واجه الفكر السياسي العربي منذ بداية الربع الأخير من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين إشكالية العلاقة بين المجتمع والدولة، وتميزت مساهماته بتنوع وتعدد كبيرين عبّرت عنهما عدة اتجاهات رئيسية. فلقد نوقشت مسألة العلاقة بين الدولة والمجتمع على نحوٍ مكثف في حقبة ما بعد الربيع العربي، ومثلت الانتفاضات الشعبية التي اجتاحت المنطقة منذ عام 2010 تحديًا لشرعية وسلطة وقدرة الأنظمة القائمة، وأثارت مطالب وتوقعات جديدة من المواطنين. يُجمع المثقفون والدارسون على استمرار حالة الانفصال بين المجتمع والدولة التي لم تتمكن من استيعاب الكيان الاجتماعي بما فيه من تنوع وتعدد، فلم تتجاوز الحدود الشكلية والسلطوية، ولم تتمكن من معظم مقومات الحداثة السياسية الضرورية لمشروع الدولة الوطنية المتسلحة بالمفاهيم الأخلاقية اللازمة للاستمرار والازدهار والاستقرار. والنتيجة المترتبة على ذلك هي عدم تحقق إنجاز الدولة الوطنية بالاندماج في أمة حديثة تفارق الحدود التي رسمتها المفاهيم الأوسع للأمة أو غيرها من التصورات لنزعات مرتبطة بكيانات أو تصورات تاريخية أو جغرافية أو عرقية أو مذهبية واستمرار العناصر والعوامل والقوى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ما قبل الدولة الحديثة لتجعل من مسألة الهوية التحدي الأبرز أمام الدولة العربية.

باختصار غير مخلّ، يمكن التمييز بين اتجاهين في ما يتعلق بالربيع العربي وإعادة تشكيل العلاقات بين الدولة والمجتمع. الاتجاه الأول: يمكن وصفه بالاتجاه المتعلق بالدولة ومؤسساتها، وقد تجلى في ما قادت إليه الاحتجاجات الواسعة النطاق من تشكيك في أداء الدولة وقدرة وأداء مؤسساتها على تقديم خدمات مثل سيادة أو حكم القانون والخدمات الاجتماعية والأساسية.

أعاد الربيع العربي والحركات الاجتماعية اللاحقة طرح الأسئلة عن العلاقة بين الدولة والمجتمع في المنطقة حيث طالبت هذه الحركات بمشاركة سياسية أكبر وعدالة اجتماعية ومساءلة من الدولة. ومثلما حلل آصف بيات، فإن الحركات الشعبية والفعل الاجتماعي تؤدي دورًا في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع بكيفية قيام الناس العاديين بإحداث التغيير السياسي من خلال حياتهم اليومية وأفعالهم[3]. وقد وصل هذا الاتجاه إلى ما يمكن عدّه توقفًا أو جمودًا حركيًا واضحًا وبخاصة مع الفشل الظاهر في بلدان الربيع العربي في تحقيق قدر معقول من المطالب التي كانت وراء الاحتجاجات. بل إن ما تعرضت له بعض بلدان الربيع العربي كليبيا وسورية واليمن، ثم ما تتعرض له تونس، التي كان يُنظر إليها حالة استثنائية إيجابية، ومعاناتها هو أسوأ من ذي قبل.

أما الاتجاه الثاني، فهو ذو طابع سياسي – اجتماعي وله مسحة أيديولوجية إن شئت. يركز الاهتمام هنا على التحدي الأكبر لكثير من البلدان العربية، المتمثل بالأصولية المتشددة والمتسلحة بدعاوٍ وأفكار تدعو إلى إقامة دولة تستند إلى مرجعية تاريخية إسلامية تشكك في الدولة العربية، بل في الدولة نفسها كفكرة علمانية وتستعيض عنها بفكرة الأمة التاريخية.

وفي حين أن الاتجاه الأول يعبر أساسًا عن السخط الشعبي إزاء العلاقة المختلة بين الدولة والمجتمع، وهو ما يمكن المجادلة بأنه تحدٍ يقع ضمن إطار الدولة وفكرتها ويمكن معالجته، نظريًا على الأقل، بتحسين أداء الدولة وما يمكن أن يرافقه من إصلاحات سياسية واقتصادية، فإن الاتجاه الثاني أعمق ويصيب الجذور معبرًا عن تيار أيديولوجي نجا من تأثيرات الأيديولوجيات العلمانية العابرة للحدود الوطنية التي استندت إلى أفكار وأطروحات كالقومية العربية والاشتراكية والتقدمية وغيرها. ولعل الأهم عندما يتعلق الأمر بهذا الاتجاه أو التحدي هو ما يثيره من ردود فعل على مستويات مختلفة ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تحريك نزعات مختلفة ارتبطت بالأقليات ثم الإثنيات وما شاب علاقتها بالمجموع، وبالتالي بالدولة ذاتها وبما يعوق بقوة محاولات استعادتها أو بنائها على أسس غير إقصائية.

هكذا آلت محاولة تقويض الاستبداد إلى ضرب لقدرة الدولة على توحيد الولاءات الاجتماعيَّة. وفي خضم الصراع الفكري الذي ميّز مرحلة الربيع العربي تم تحميل التيارات الإسلامية مثلًا المسؤوليةَ عن الأزمة بدفعها مقولتها المركزية عن الهوية لتكون محتوى التنظيم الاجتماعي والسياسي ضمن تصور ماضوي للذات لينتج تعارضًا بين الهوية والمواطنة، كمفهوم لا تقوم الدولة من دونه، ويهدد أسس الدولة في الصميم[4]. وفي خضم ما يمكن وصفه جدلًا متواصلًا بين الاتجاهين، تبدو العلاقة بين المجتمع والدولة واقعة ضمن إشكالية كبرى تتمثل بهشاشة المجتمع وهشاشة الدولة معًا، وهي هشاشة ناجمة عن التداخل بين الاجتماعي والسياسي منذ تكونت الدولة والسلطة السياسية في المجال العربي الإسلامي[5].

هكذا رأينا كيف أصبحت مسألة الأقليات، مثلًا، تطرح بقوة وبدعم خارجي مكشوف على المستويات الإثنية والمذهبية والثقافية واللغوية في صيغ سياسية تناقض الدولة في أساسها وجوهرها كفكرة ومؤسسات تسمو على ما قبلها من هويات لتصوغ هوية وطنية جامعة. هذا يفسر لنا، جزئيًا على الأقل، كيف تواجه الدولة بعد الربيع العربي تحديات وجودية حيث «الأقليات» قوى ضغط سياسي تطالب بالتمثيل والحصص والاستقلال الذاتي والفدرالية والتقسيم، وغير ذلك من الصيغ التي تجعل الدولة الوطنية كفكرة ومشروع في مأزق حقيقي.

يجري ذلك في الوقت الذي تغرق دول وتترشح أخرى للصراعات والحروب الأهلية إضافة إلى الصراعات الهوياتية المختلفة المستويات بما فيها تلك العابرة للحدود التي لا تعترف بالدولة الوطنية ولا تقبل تعايش الهويات المحلية أو الأقلوية. عبَّرت هذه عن نفسها بحركات التطرف وممارسات الارهاب الذي وصل مداه المتوحش كما رأينا في ما سُمي تنظيم الدولة الإسلامية، داعش. ظهور القوى أو الفاعلين اللادولتيين وقيامها بأدوار ووظائف كانت تقليديًا ضمن مجال احتكار الدولة العربية الحديثة ساهم في إضعاف الدولة وهشاشتها كما هي الحال في لبنان واليمن وليبيا مثلًا. ولا يمكننا تجاهل أن ما يجري منذ الربيع العربي أظهر هذا العوار التاريخي والاجتماعي، وبخاصة ما يتعلق بالعصبيات التي لا يمكن لاشتغالها سوى أن تثير الأزمات وتكون داعش أو غيرها من الفاعلين فيه مجرد مشروع سياسي عصبوي كما يبين فرديريك معتوق[6].

‏ ثانيًا: إرث تكوّن الدولة العربية
وإشكاليات العلاقة بين المجتمع والدولة

إن نظرة فاحصة ولو سريعًا لإرث حقبة تكوين الدولة ستظهر لنا عددًا من أوجه القصور الدولتي التي كان لها تأثير قوي ساهم في تقويض صدقية وشرعية مؤسسات الدولة العربية. وغني عن القول أن فكرة الدولة العربية ذات السيادة تعتمد على التنافس بين مفاهيم الوحدة والهوية والولاء. وبصرف النظر عما إذا كانت وافدة أو أن لها جذورها المحلية والتمايز بينها وبين الدولة في الغرب من حيث نشأتها وتطورها، فقد كان لظروف الولادة المتأخرة للدولة العربية، ورغم توظيف الدولة والنخب الحاكمة وداعميها لوسائل متعددة ماضيًا وحاضرًا، أن فشلت في تحقيق الدولة بالمفهوم المعاصر فأنتجت دولة «وطنية» ضعيفة في الداخل ومنكشفة أمام الخارج[7]. ولعل ذلك يفسر لنا لماذا يحفل تاريخ الدولة العربية المعاصرة بتجارب سعت من خلالها لتوظيف رؤى وأيديولوجيات وسياسات لتقوية موقفها وتعزيز مناعتها في مواجهة الداخل والخارج ولو على المستوى الإقليمي فقط.

لقد قادت الهزيمة عام 1967 إلى إثارة الحاجة إلى النقد الذي تجاوز نقد السياسة والحكومات إلى نقد الهوية والثقافة والمجتمع، إلا أن هذا التفكير النقدي ظل محدودًا محاصرًا بالقيود، وبخاصة ما فرضته الدولة التي أصبحت أكثر تسلطًا وقدرة على جعل التفكير النقدي أقل قيمة. وحتى عندما اندلعت الثورات والاحتجاجات عاد الصراع إلى ثنائية الدين والقومية والعلمانية والإسلام وغيرهما من ثنائيات زمن الفكر النهضوي التي لم تكن من مقومات النهضة الممكنة، بل كانت مجرد ردود فعل أو خطابات انفعالية في مواجهة التحدي الخارجي، ولم تكن نابعة من إدراك للدافع وإرادة تنتج فكر النهضة والتغيير. ولا بد لنا من أن نسجل أن أزمة العلاقة بين الدولة والمجتمع العربي ليست مجرد تعبير عن إشكالية العلاقة ذاتها بين الطرفين، بل هي في الحقيقة تعبير أو انعكاس لأزمة لا يمكن تجاهلها تقع ضمن كلا طرفي هذه العلاقة: المجتمع والدولة. فلا جدال في أن تراجع الأمة والخلل الذي أصاب العلاقة بين مكوناتها المختلفة يؤسس في أحد جوانبه لأزمة الدولة العربية عبر تاريخها وسيكون أيضًا حاكمًا لمستقبلها. وكما لاحظ أحد الكتّاب بجدارة فإن «استمرار الفجوة والتوتر بين الدولة والأمة في المجالين العربي والإسلامي، يجعل الأمة تحارب نفسها، وتعوق مسيرة نهضتها، وتحول دون الانطلاق في رحاب البناء والتنمية»[8].

لكن مع حصول التنافس حول الدولة نفسها كأداة للهيمنة على عدة مستويات، فإن علاقة المجتمع بالدولة تميل إلى التوتر، وهو ما يجعل العقد الاجتماعي في حاجة دائمة إلى إعادة التفاوض[9]. ويمكن القول بأن الدولة العربية لا تزال تتكوّن وتتحدد بصورة قوية من خلال هياكل وبنى القوة الموروثة، وطبيعة وممارسات الدول البوليسية التي امتدت إلى عقود من الزمان، والفساد المستشري على مستوى عال. هكذا لم تفلح محاولات ضبط العلاقة عبر الإصلاحات التي تبنتها النظم المختلفة سوى في تأجيل حسم قضايا الخلاف بين المجتمع والدولة أو الاختلال الوظيفي والعقد الاجتماعي بينهما. هكذا توسعت الهوة بين الدولة وممثليها، والمجتمع ككل. وعندما تحول العنف، الذي يتجاوز الإكراه الرمزي المرتبط بفكرة الدولة عمومًا، إلى سمة حقيقية ومنتظمة الحدوث بين الدولة والمجتمع، اكتمل فشل الدولة ولم تعد علاقة الخوف القائمة سوى جذر متقد متواصل لعلاقة متجددة من انعدام الثقة وانهيار العقد الاجتماعي ثم التصادم كما عبرت عنه احتجاجات الربيع العربي، بل إن هناك من يعدّ دوام المطالبة والدعوة إلى الديمقراطية دليلًا قويًا على أنه تأكيد لانفصام الدولة عن مجتمعها[10]. ‏

يبدو واضحًا أن المسائل التي قادت إلى التوتر والاضطراب ثم الانفجار لا تزال بعيدة من المعالجة، وتبدو الدولة والنخب التي سيطرت عليها عقب الربيع العربي عاجزة عن اجتراح الحلول لها. ويمكن القول إن مسألة العمل وتوفير فرص الحياة الكريمة لملايين الشباب مثلًا لن تتحقق ضمن المدى المنظور؛ فوفقًا للاتجاهات الديمغرافية الحالية، ستحتاج منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى خلق 300 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2050. هذا تحدٍّ بعيد المدى، إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن حاجة هذه المنطقة إلى البدء في خلق 800 ألف وظيفة شهريًا، فقط لمواكبة دخول العمال الجدد إلى السوق[11]. هكذا تبدو العلاقة بين المجتمع والدولة، وبخاصة استمرار نمط اقتصاد الريع وسياسات الدعم المستندة إلى القطاع العام، عناصر فاعلة ستحدث هزات قادمة بلا شك.

وبقدر ما كانت مطالبات المحتجين في الربيع العربي تتمحور حول الكرامة، والحرية، والعدالة، فإن المناداة بإسقاط النظام لخصت كنه العلاقة والترابط بين الأداء الضعيف للدولة ومسار اختطافها من قبل نخب فاسدة أساءت استخدام قدرات الدولة من أجل مصالحها الخاصة، وهو ما رفع وتيرة الاختلال الحاصل في العقد الاجتماعي المختل وظيفيًا أصلًا. ولكن كما أشار نزيه الأيوبي، فإن العلاقة بين الدولة والمجتمع ليست لعبة صفرية. فإذا كان الانقسام بين الدولة والمجتمع لم يتغير بعد الربيع العربي، فإن كل المحاولات وإن عدلت بعض شروط التعاقد أو خففت من وطأة القمع الهيكلي، لن تؤدي إلا إلى تأجيل حسم قضايا الخلاف بين المجتمع والدولة لتكون فتيل إشعال نيران جديدة.

ثالثًا: آفاق العلاقات بين الدولة والمجتمع في الوطن العربي

بصرف النظر عما إذا كانت احتجاجات وانتفاضات الربيع العربي والعنف والتدمير التي أعقبتها محاولة أو تعبير من المجتمع عن فشل الدولة التسلطية والسعي في محاولة تصحيح العلاقة مع الدولة التي عملت على اختزال كل شيء في السلطة، فإن ما حدث وما يجري اليوم هو في الحقيقة هو انعكاس للخلل في البنية التأسيسية للدولة العربية المعاصرة التي أصبحت تعبيرًا عن التناقض مع المجتمع بدل أن تكون تعبيرًا عنه.

خصص جويل مجدال (Joel S. Migdal) قدرًا من الاهتمام لدراسة وتحليل العلاقات بين الدولة والمجتمع في بلدان العالم النامي انطلاقًا من قناعته بأن الدول في الحقيقة ليست سوى كيانات مجزأة ومحل تنازع أو صراع وتنافس. الدولة وفقًا لذلك، ليست كيانات متجانسة أو متماسكة، بل مادة للتنازع بين منظمات أو قوى اجتماعية مختلفة الطبيعة والمصالح والقيم والمعايير. وفقًا لمجدال، تواجه الدول تحديين رئيسيين: اختراق المجتمع وتنظيم السلوك الاجتماعي. يشير الاختراق إلى مدى وجود مؤسسات الدولة وفعاليتها في مختلف أجزاء المجتمع، وبخاصة في المناطق النائية والريفية. وبينما يشير التنظيم إلى مدى إطاعة سياسات الدولة وقوانينها وإنفاذها من جانب السكان، يجادل مجدال بأن كلًا من الاختراق والتنظيم يعتمدان على توازن القوى بين الدولة والمنظمات الاجتماعية الأخرى، مثل العشائر والقبائل والجماعات الدينية والأحزاب السياسية وجمعيات الأعمال… إلخ. وغالبًا ما يكون لهذه المنظمات الاجتماعية مصادرها الخاصة للسلطة والشرعية والموارد، ويمكنها مقاومة الدولة أو التعاون معها اعتمادًا على مصالحها واستراتيجياتها[12].

يوفر كلا الخيارين حلًا قويًا لإشكالية العلاقة بين الدولة والمجتمع، لكن أيًا منهما لا يوفر لسكان المنطقة مستقبلًا أكثر تفاؤلًا. يؤكد الخيار بين التطرف العنيف والاستبداد ضرورة وجود شكل أكثر ديمومة وأصالة من الحكم من أجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة. لكن تبنّي أيٍ من الخيارين ينطوي أيضًا على تحدًّ مباشر ينبع من حقيقة أن الدولة العربية ولدت وتعيش في سياق من التكوّن والتفكك في آن واحد. فالدولة في السياق العربي تعيش التكوّن حيث هي لم تكتمل بعد حتى ضمن المفهوم الفيبري أو الويستفالي بتركيزهما على الشرعية والاعتراف، ولا هي أنجزت البناء المؤسساتي الذي يقتضي وفقًا لمفاهيم علم الاجتماع التاريخي عدم مقايضة بناء النظام وتمتينه وصلابته بالبناء المؤسسي الذي يمكن من تحقيق إنجاز تاريخي ببناء دولة تصمد في وجه التحديات[13].

ينبهنا عبد الإله بلقزيز إلى ما يمكن وصفه بالخصوصية عندما يتعلق الأمر بالعلاقة بين الدولة والمجتمع العربيين وذلك بإشارته إلى ما يسميه «الحقيقة المزدوجة» المتمثلة بهشاشة المجتمع، وهشاشة الدولة معًا. فالأزمات التي مر بها وطننا العربي، وآخرها ما ترتب عن الربيع العربي أو ما سبقه من احتلال اجنبي كما في حالة العراق في 2003، سرعان ما تقود إلى حدوث أزمات أعمق يمكن عدّها بنيوية أو هيكلية؛ فعلى المستوى الاجتماعي نجد أن البنيان أو التماسك الاجتماعي يتعرض للاهتزاز والتصدع وتبرز فيه مظاهر ومفاعيل الشرخ والانقسام التي يمكن أن تتحول إلى صدام أو صراع تتواجه فيه «جماعات اجتماعية تبدأ في التعبير عن خلافاتها بمفردات سياسية قبل أن تفصح عن مخزونها العصبوي»[14]. وبمجرد حدوث ذلك الصدام الأهلي تتعرض الدولة أيضًا لصدمة تفقدها القدرة أو سلطة إدارة السياسية أو تفقد سلطانها السياسي فتدخل طور الأزمة المستفحلة التي تعبّر عن نفسها في افتقاد الدولة تماسكها وتصبح غير قادرة على أداء وظائفها، وقد تنهار تمامًا عندما لا تصبح معبرة وممثلة للجميع، بل مجرد صورة لقوة أو نفوذ وسيطرة قوى مجتمعية أو طائفية وعلى هيئة سلطات أهلية أو ميليشيات تستولي على الدولة وتجعلها تعبيرًا مباشرًا عنها. وفي الحالة العربية يبدو واضحًا كيف تعتمد الهشاشتان بعضهما على بعض وتتغذيان من بعضهما فينتج من ذلك حدوث ما هو أخطر في تفتيت الكيان الاجتماعي والسياسي معًا.

إن آفاق العلاقات بين الدولة والمجتمع في الوطن العربي في المستقبل القريب والمتوسط لن تكون سوى استمرار لعلاقة بين دولة ضعيفة ومجتمعات ضعيفة أيضًا[15]، إذ يعتمد مستقبل العلاقة على عوامل مختلفة، مثل استجابات الأنظمة والمعارضة، ونتائج الصراعات والتحولات الجارية، وآثار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، والكوارث الطبيعية والتحديات البيئية أيضًا. كما لا ينبغي لنا إغفال دور الخارج، فتأثير التحديات والتدخلات الخارجية التي شكلت تاريخ وسياسات العالم العربي، مثل الاستعمار والإمبريالية يبدو أكثر وضوحًا في بلدان مثل ليبيا وسورية واليمن، كما لا ينبغي لنا تجاهل دور الكيان الصهيوني وقوى العولمة وآلياتها ومفاعيل وتمظهرات صراع القوى العظمى والمنافسات الإقليمية. وفي كل الأحوال ورغم ما يبدو من صخب الحركات الإسلامية، فإنه لا مجال للتغاضي عن تصاعد العلمنة حيث أصبحت المجالات الاجتماعية والسياسية أكثر علمانية، كسبب ونتيجة للربيع العربي وما سيؤول إليه من تحد لاستخدامات الدين كمصدر للشرعية والهوية والقيم والأعراف والتعبئة، ولكن أيضًا كآلية للسيطرة والتحريض والمصالحة في المجتمعات العربية، وبخاصة مع فشل وتراجع شعبية الأحزاب الإسلاموية في إدارة السلطة وعدم الوفاء بوعودها في مجالات الديمقراطية والعدالة[16]. في الوقت نفسه، فإن الضغط المستمر والمطالبة بالديمقراطية غذى، ويغذي، الإيمان بالمواطنة المتساوية ويفتح آفاقًا جديدة لمجتمع مدني فاعل وأكثر تنوعًا وشمولية وتعددية كمساحة للمشاركة الاجتماعية والنشاط والمناصرة والمقاومة.

أوراق ذات صلة:

الطائفية في المجتمعات العربية.. وانشطار الدولة

النخب والسلطة والأيديولوجيا في الجزائر: بين بناء الدولة والتغيير السياسي

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 539 في كانون الثاني/يناير 2024.

يوسف محمد الصواني: أستاذ السياسة والعلاقات الدولية، جامعة طرابلس – ليبيا.

الصورة من موقع pexels.

[1]    في الأصل ورقت قدمت إلى: ندوة مؤسسة الفكر العربي بمناسبة إطلاق تقرير «الفكر العربيّ في عَقْدَين 2000-2020: التحوّلات، التحدّيات، الآفاق»، القاهرة، أيلول/سبتمبر 2023.

عقب اندلاع الربيع العربي ظهر عدد من الأعمال البارزة ضمن المناقشات الجارية حول العلاقة بين الدولة والمجتمع في الوطن العربي وحللت المشهد السياسي المتطور والديناميات المعقدة للحكم والتفاعلات المجتمعية. من هذه الأعمال:  Larbi Sadiki, The Search for Arab Democracy: Discourses and Counter-Discourses (New York: Columbia University Press, 2004); Asef Bayat, Revolution without Revolutionaries: Making Sense of the Arab Spring (Stanford, CA: Stanford University Press, 2017); Ibrahim Fraihat, Unfinished Revolutions: Yemen, Libya, and Tunisia after the Arab Spring (New Heaven, CT: Yale University Press, 2016); Marwan Muasher, The Second Arab Awakening and the Battle for Pluralism (New Heaven, CT: Yale University Press, 2014), and Nathan J. Brown and Amr Hamzawy, Between Religion and Politics (Washington, DC: Carnegie Foundation for International Peace, 2010).

[2]   Peter Seeberg, «First Strengthening the Centrist Political Platform in Libya and Then Holding Elections: Difficult Political Processes in a Failed State,» Videnscenter om det moderne Mellemøsten (Journal) (November 2017), p. 4, <https://findresearcher.sdu.dk/ws/files/144999841/Seeberg_article_Nov_2017_.pdf> (accessed 6 October 2023).

[3]   Asef Bayat, Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East (Amsterdam: Amsterdam University Press, 2010), pp. 5-14.

في هذا الكتاب يسلط بيات الضوء على أبعاد الحياة الاجتماعية الحضرية والنضالات اليومية ودور عامة الناس التي نادرًا ما تتلقى اهتمامًا جديًا في الأدبيات العلمية الاجتماعية.

[4]   سهيل الحبيب، «الهويَّة والدولة والمواطنة،» مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، أيار/مايو 2017، <https://rebrand.ly/xqerzxw> (تم الاطلاع بتاريخ 3 أيلول/سبتمبر 2023).

[5]   عبد الإله بلقزيز، الدولة والمجتمع: جدل التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث، 2008)، ص 51 و57.

[6]   فريدريك معتوق: صدام العصبيات العربية: مقاربة سوسيو-معرفية (بيروت: منتدى المعارف، 2017)، ص 196-19، ومجتمعات ودو

[7]   حول الدولة العربية والجدل بشأن أصولها، انظر: نزيه الأيوبي، تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط، ترجمة أمجد حسين (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010)، ص 38 و875-882.

[8]   محمد محفوظ، «المجتمع والدولة في المجال العربي وسياقات التحول،» شبكة النبأ المعلوماتية، 17 أيلول/سبتمبر 2020، <https://annabaa.org/arabic/authorsarticles/24548>.

[9]    لمناقشة أكثر عمقًا، انظر: يوسف محمد الصواني، «الهوية والأمة والمستقبل: تساؤلات،» المستقبل العربي، السنة 43، العدد 506 (نيسان/أبريل 2021)، ص 76-90.

[10]   مصطفى كامل السيد، «علاقة الدولة في الوطن العربي بمجتمعها،» ورقة قدمت إلى: أزمة الدولة في الوطن العربي: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظّمها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع مركز كارنيغي للشرق الأوسط والجمعية العربية للعلوم السياسية، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2011)، ص 101-104.

[11]   Ferid Belhaj, «MENA Unbound: Ten Years after the Arab Spring, Avoiding Another Lost Decade,» The World Bank, 14 January 2021, <https://rebrand.ly/4mlbc8m> (accessed 27 August 2023).

[12]   Joel S. Megdal: Strong Societies and Weak States: State-Society Relations and State Capabilities in the Third World (Princeton, NJ:  Princeton University Press, 1988), pp. 24-33, and State in Society: Studying How States and Societies Transform and Constitute One Another (New York: Cambridge University Press, 2001).

[13]   انظر مناقشة تفصيلية عن الأقطار العربية المختلفة في: محمد حمشي ومراد دياني، محرران، الدولة العربية المعاصرة: بحوث نظرية ودراسات حالة (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023).

[14]   بلقزيز، الدولة والمجتمع: جدل التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر، ص 57.

[15]   Ji-Hyang Jang, «Weak State: Weak Civil Society: The Politics of State-Society Relations in the Arab World,» Journal of International and Area Studies, vol. 16, no. 1 (June 2009), pp. 81-92.

[16]   Mohamed-Ali Adraoui, «How the Arab Spring Changed the Middle East and North Africa Forever,» The Conversation, 26 May 2021, <https://theconversation.com/how-the-arab-spring-changed-the-middle-east-and-north-africa-forever-161394> (accessed 18 September 2023).


يوسف محمد الصواني

أستاذ السياسة والعلاقات الدولية، جامعة طرابلس- ليبيا. ومدير قسم الدراسات سابقاً في مركز دراسات الوحدة العربية.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز