مقدمة

عرفت الساحة الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر 2023 منعطفًا حادًا تمثَّل بالعملية العسكرية التي نفذتها الفصائل الفلسطينية ضد جيش الاحتلال ومستوطنيه في المنطقة المحاذية لقطاع غزة، وأحدثت تلك العملية صدمة استراتيجية كبيرة في منظومة الأمن القومي الإسرائيلي. وردًا على تلك العملية التي فاجأت دولة الاحتلال وباغتتها، سعت هذه الدولة إلى تجديد عقيدتها العسكرية، سواءٌ من خلال توسيع هامش القوة العسكرية المستخدمة ضد الخصوم، أو من خلال تعزيز أدوات السيطرة والسيادة الأمنية، أو إعادة رسم العلاقة بقطاع غزة على المدى الطويل. في هذا الإطار تسعى الدراسة إلى استكشاف التغير في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، وتحليل محدداتها، والتحديات التي تواجهها، مع التركيز على سبل مواجهتها فلسطينيًا وعربيًا ضمن رؤية شاملة.

تشهد العقيدة العسكرية لجيش الاحتلال الصهيوني منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 تحوُّلات تتمثل بإرســاء مبادئ قواعد متجددة استجابة لتطورات العلاقة بالإقليم والعالم‏[1]، وتطرح تلك التحولات تساؤلات حول محددات العقيدة العسكرية المتجددة لجيش الاحتلال، ومستوى تكيُّفها مع صدمة السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وسبُل مواجهتها فلسطينيًا وعربيًا. فما مدى التحول في العقيدة العسكرية لجيش الاحتلال في ضوء حرب السابع من أكتوبر 2023؟ وبالتالي ما هي أبرز محددات العقيدة العسكرية المتجددة لجيش الاحتلال الداخلية والخارجية؟ وما هي أبرز ملامح التغير في العقيدة العسكرية المتجددة لجيش الاحتلال في ضوء حرب السابع من أكتوبر 2023؟ وكيف يمكن مواجهة العقيدة العسكرية المتجددة لهذا الجيش فلسطينيًا وعربيًا؟

أولًا: محددات العقيدة العسكرية الإسرائيلية
عقب السابع من أكتوبر 2023

1 – الصدمة الاستراتيجية

أحدثت عملية طوفان الأقصى عاصفة من الجدل والمناقشات التي أصابت دوائر صنع القرار الاستراتيجي والعسكري في «إسرائيل»، وتَركّز الجدل حول محتوى نظرية الأمن الإسرائيلي التي أخفقت في التنبؤ بما كانت تخطط له الفصائل الفلسطينية التي أوقعت الاحتلال في مأزق استراتيجي يصعب الخروج منه، وكان ذلك واضحًا للعيان من خلال متابعة تصريحات كبار القادة العسكريين والسياسيين، كتصريح رئيس هيئة الأركان لجيش الاحتلال هرتسي هليفي، الذي أعلن فيه أن السابع من أكتوبر 2023 كان نقطة تحوّل في الأمن الإسرائيلي، «وقد بدأنا التحقيق في ملابسات الأحداث المركبة التي حصلت في يوم السابع من أكتوبر وما تلاه، وسنتعلم، ونتخذ القرارات، وأكد أنه يتحمل المسؤولية كاملة [من] جرّاء ما حدث»‏[2]. ومن جانب آخر عبّر نتنياهو عن غضبه من إعلان جيش الاحتلال عن فشله في منع الهجوم كاشفًا عن تفاصيل وقائع جديدة عن الهجوم‏[3].

أظهرت عملية السابع من أكتوبر تحولًا مفاجئًا وعميقًا في جرأة الفصائل الفلسطينية في مواجهة الاحتلال، وفرضت تحديًا جديدًا لاستراتيجية الأمن القومي، فضلًا عن أن معادلة الردع الراهنة لم تعد تُمثل قيدًا على الرغبة في مواجهة المحتل، وهو ما يعني أن ركيزة الردع لدى جيش الاحتلال كجزء من العقيدة العسكرية الإسرائيلية لم تعد تُمثل مانعًا يردع الخصوم في مواجهة المحتل‏[4].

2 – الاستخبارات والمفاجأة

تمكنت الفصائل الفلسطينية من تنفيذ عملية عسكرية غير مسبوقة، وهو ما عُدَّ  تجسيداً للفشل الأمني والاستخباري، من حيث: (1) اختراق ردع الاحتلال، إذ أظهرت العملية العسكرية التي نفذتها الفصائل الفلسطينية تآكل الجهد العسكري والأمني في إرساء مفهوم الردع الذي تعوِّل إسرائيل عليه؛ و(2) التحول الاستراتيجي في مسار الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، نظراً إلى ما أحدثته من صدمة في الأمن والسياسة والاقتصاد في «إسرائيل» هزت الركائز الاستراتيجية للعقيدة العسكرية التي تعتمد «إسرائيل» عليها في تأكيد مفهوم الردع للخصوم؛ و(3) ظهور مساحات عميقة من الضعف والخلل في المنظومات الاستخباراتية والعسكرية ، ولا سيَّما في ظل إعداد الفصائل الفلسطينية خططًا سرية وخداعًا استراتيجيًّا وتنسيقًا عملياتيًّا بعيداً من أعين رقابة الاحتلال[5].

3 – تراجع ردع جيش الاحتلال التقليدي

يُشير تراجع ردع جيش الاحتلال إلى اهتزاز الصورة النمطية للجيش الذي طالما اعتمد عليها في تحقيق الردع تجاه خصومه، وبخاصة تجاه ما أُطلق عليه محور المقاومة. ويعني هذا أن أطراف المحور لم تعد تتردد في مواجهة «إسرائيل» عسكريًا‏[6]، وإعلان حزب الله بدء عملية الإسناد للفصائل الفلسطينية‏[7]، وكذا إعلان جماعة أنصار الله اليمنية بدء عملية إسناد الفصائل الفلسطينية‏[8]. وتتضح مظاهر تراجع ردع جيش الاحتلال التقليدي في الآتي:

– صمود الفصائل الفلسطينية في غزة: على الرغم من العمليات العسكرية لجيش الاحتلال المتكررة منذ السابع من أكتوبر 2023، فإن الفصائل الفلسطينية ما تزال قادرة على إطلاق الصواريخ، وتكبيد جيش الاحتلال مئات القتلى والجرحى. وقد اعترفت إسرائيل بأنها خسرت 1152 عسكريًا، وأصيب 6313 آخرين في غزة ولبنان والضفة الغربية، في حين أفاد معهد دراسات الأمن القومي عن إصابة نحو 20 ألف عسكري، وتقدم 119 ألفًا تقدموا بطلبات للحصول على تعويضات نتيجة تضرر ممتلكاتهم إثر الحرب، و164500 نزحوا من منازلهم، وما يزيد على 60 مليار دولار من النفقات المباشرة ستضاف إليها عشرات المليارات في السنوات المقبلة لتغطية ميزانية الدفاع المتنامية وسداد الديون‏[9].

– مثلت ضربة قاسية لصورة الجيش الإسرائيلي، وكشفت ضعف الجبهة الداخلية والجهوزية العسكرية والاستخباراتية.

الردع مقابل حزب الله: على الرغم من تفوق الاحتلال التكنولوجي، فإن حزب الله يُبقي ميزان الردع قائمًا منذ حرب 2006 وبات يُهدد بإحداث ضرر كبير في حال اندلاع حرب شاملة.

انكشاف أمام تهديدات إقليمية، بالرغم من ضربات الاحتلال والولايات المتحدة للمواقع النووية في إيران، فإن ذلك لم يثنِها عن المضيّ قدمًا في مشروعها النووي الذي يرى فيه الاحتلال تهديدًا وجوديًا.

– مع اتساع رقعة التهديدات أظهرت الضربات المتكررة من اليمن والعراق قدرة الخصوم على إضعاف ردع جيش الاحتلال.

تآكل صورة ردع جيش الاحتلال واعتماده المفرط على القوة الجوية والتكنولوجيا، مقابل صعوبات في المواجهات البرية.

تراجع الثقة الشعبية والدولية في أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وبخاصة بعد فشل استعادة جنوده الأسرى أو إنهاء التهديدات من غزة.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 566 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 566 نيسان/أبريل 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 566 في نيسان/أبريل 2026.

ياسر نمر أبو حامد: مدرس العلوم الأمنية في جامعة الاستقلال – فلسطين.

[1] رائف زريق، «إسرائيل: خلفية أيديولوجية وتاريخية،» في: دليل إسرائيل العام 2020، رئيس التحرير منير فخر الدين؛ هيئة التحرير أحمد خليفة ومحمود سويد وخالد فراج (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2020).

[2] «رئيس أركان الجيش الإسرائيلي: مهمة إعادة الرهائن هي الأهم والأكثر إلحاحًا،» عرب 48، 7 نيسان/أبريل 2024، <https://tinyurl.com/yu4n22yz> (تاريخ التصفح 5 تموز/يوليو 2025).

[3]    (28/2/2025https://www.aljazeera.net/news)

[4] Ronen Bergman, «The Oct. 7 Warning That Israel Ignored,» The New York Times, podcasts, 1/12/2023.

[5] Rob Geist Pinfold, Udi Dekel, «The Day after the Islamic State: The Problem of Power Vacuums,» Strategic Assessment, vol. 21, no. 1 (2018).

[6] «جيش الاحتلال يكشف نتائج تحقيقه حول أحداث 7 أكتوبر2025،» الجزيرة.نت، 11 حزيران/يونيو 2025، <https://rebrand.ly/e01b33> (تاريخ التصفح 18 تموز/يوليو 2025).

[7] «حزب الله فتح جبهة الإسناد في 8 أكتوبر قرار إلى جانب الحق ودفاعًا عن لبنان،» موقع المركز الفلسطيني للإعلام، 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، <https://palinfo.com/news/2024/10/07/917906/> (تاريخ التصفح 19 تموز/يوليو 2025).

[8] «إسناد جماعة أنصار الله اليمنية لقطاع غزة: أبعاد الدعم وخطاب المقاومة في مواجهة الاحتلال،» الرسالة، 14 كانون الثاني/يناير 2025، <https://rebrand.ly/730c28> (تاريخ التصفح 19 تموز/يوليو 2025).

[9] عادل رؤوف أرناؤوط، «بالأرقام: خسائر إسرائيل خلال عامين من الإبادة في غزة،» موقع وكالة الأناضول، 7 تشرين الأول/أكتوبر 2025، <https://rebrand.ly/b405d9> (تاريخ التصفح 10 أيلول/سبتمبر 2025).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز