المؤلف: فاروق الشرع

مراجعة: محمد العربي العياري

الناشر: الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

سنة النشر: 2015

عدد الصفحات: 495

 

أولًا: في الزمن البيوغرافي‏[1]، أو الذاكرة السياسية بوصفها تشفيرًا وتخزينًا واستعادة

صدر هذا الكتاب في زمن مُضمّخ بالدم السوري الذي تقاطر بسلاح الميليشيات والتشكيلات العسكرية المحلية والدولية، والتي تداعت جميعها نحو مطلب واحد وهو إسقاط الدولة السورية بمؤسساتها وديمغرافيتها وجغرافيتها. في هذا السياق، تحول التجييش في البنيان السياسي والاجتماعي للدولة السورية إلى حرب بالوكالة استعرت نيرانها بتدخلات دول إقليمية وقوى عالمية وشخصيات أكاديمية ومرتزقة أوجدوا لسردياتهم واستراتيجياتهم موطئ قدم داخل النسيج السياسي للدولة السورية. وضمن هذا التقاطع بين زمن العنف المُعولم في سورية وزمن ظهور سردية فاروق الشرع، أو روايته الخاصة لما يعدّه أهم الأحداث والتفاصيل السياسية والدبلوماسية والعسكرية في سورية ومنطقة الشرق الأوسط والعالم، يصبح ممكنًا، من وجهة نظر تحليلية، فهم «كيفيّة تشكيل الماضي لأبنية الحاضر»‏[2] في الجزء المتعلق بالملفات السياسية والدبلوماسية والصراعات الراهنة، وميكانيزمات اشتغال الأدوات السياسية والدبلوماسية للدولة السورية، واكتشاف منبت التنافس الجيوسياسي في الشرق الأوسط وبعض دول العالم، ومُبررات الحروب «الناعمة» و«الخشنة». وفي السياق نفسه، تُعبّر الفصول التسعة عشر للكتاب عن إمكان إعادة تركيب الذاكرة السياسية بما هي «أحداث قابلة للاستعادة وللكتابة حولها»‏[3]. فمن خلال مُعاينة الشرع الأحداث ومشاركته فاعلًا مُؤثّرًا وصانعًا لبعض التفاصيل السياسية والدبلوماسية السورية، فإنه يستعيد جزءًا مهمًا من أحداث «مفقودة» أو مرويّة من زوايا نظر مختلفة، ليعرضها في صورة «ذاكرة مُحصَّلة»‏[4] أثّرت تفاصيلها في شخصه، وفي الدولة السورية ومؤسساتها إبّان إشرافه على ملف الدبلوماسية، وفي إطار مهمات أخرى. تكتسي هذه المذكرات أهميتها من كونها تصدر عن شخصية مثّلت ركنًا من أركان النظام السياسي في سورية؛ فبحكم انتمائه إلى النخبة السياسية للدولة السورية، ومنصبه وزيرًا للخارجية طوال عقدين من الزمن ونائبًا لرئيس الدولة‏[5] وأحد المنتمين إلى «الحرس القديم»، يستعيد كاتب المذكرات أحداثًا وتفاصيل وممارسات أراد من خلالها أن يبحث عمّا سمّاه «القيمة المضافة» (ص 12) للذاكرة والحدث، ويُعيد استثمارها ضمن بناء كرونولوجي يُفسر، من وجهة نظر اجتماعية – سياسية، دلالات المعنى الذي يُضفيه الفاعلون على أفعالهم، ويشرح مكامن تأثير «المجموعات الكيانيّة»‏[6] في إنتاج السلوك السياسي والتصرف وفقًا للقاعدة التي أنشأتهم. وعلى الرغم من رفضه «استعمال هذه المذكرات كسرد تاريخي أو تسجيل وثائقي للأحداث السياسية بالمعنى الحرفي للكلمة» (ص 11)، فإنها وثّقت لمراحل مهمة ومفصليّة، يتداخل فيها الحقل السياسي بالحقل الاجتماعي، والحقل الثقافي بالحقل الدبلوماسي، لتبدو تلك الأحداث وما ترتب عليها لاحقًا «مُحدّدة بالتاريخ»‏[7]، ومن الممكن شرحها والتعليق عليها بأدوات معرفية مختلفة.

يعتمد الشرع في كتابة مذكراته على أسلوب سردي لتفسير الوقائع ونتائجها. ويُراوح في روايته الأحداث بين عالم التجربة الذاتية وعالم المشترك السياسي الذي تتقاطع فيه السلطة لكونها ميزان قوى، مع التأثير الذي يُمارسه الفرد في أفراد آخرين‏[8]. واعتمد الشرع على هذه الأطروحة (حول السلطة والتأثير) ليُقدّم نوعًا من التبرير والإثبات لنتائج، أو مُتلاحقات متتالية، وذلك وفق نموذج «مونولوجي» للذات الراوية. فتجيب الأحداث المروية في المذكرات عن أسئلة، من قبيل لماذا حصل ذلك؟ وكيف حصل؟ ومتى؟ وفق سردية الراوي – الفاعل، ومن خلال استناده إلى الوقائع السوسيولوجية والسياسية للمجتمع السوري، وملامح السياسة العالمية في منطقة الشرق الأوسط والعالم.

تُحقق الرواية المفقودة هدفين رئيسين: يتمثّل الأول بتوفير وثيقة عربية بقلم فاعل سياسي ودبلوماسي واكب ماجريات الأحداث، وأْتُمِن على أسرار بعضها؛ لتكون أرشيفًا مرجعيًا قد يساعد على تفسير أسباب أهم الأحداث الراهنة وتداعياتها، مثل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي والتنافس الدولي على منطقة الشرق الأوسط. أما الهدف الثاني، فيتعلّق بما هو علمي – بحثي، يهمّ توفير أطروحة أو سردية جديدة للأحداث المعروضة في المذكرات، والتي يمكن دراستها من وجهة نظر تاريخية وسياسية، ومقارنتها بالسرديات الأخرى التي تعاملت مع الأحداث نفسها، وفي الحقبة التاريخية نفسها، حتى يضمن الاستقصاء التاريخي مسافةً بين الصرامة العلمية ومنطق الرواية الوحيدة والأحادية. تعمل هذه الثنائيّة التي يُوفرها الكتاب على إحياء الماضي «بتواريخه الخاصة […] وتأويلاتنا لذواتنا»‏[9]؛ والمراوحة بين الذاكرة بما هي تواريخ يُعاد تركيب أحداثها، والسياسة بما هي سردية مُوزّعةٌ تفاصيلها بين فاعلين متعددين، لتُحدّد – من جهة التاريخ  – فضاء الذاكرة المشتركة، لكوننا مشاركين بالنيابة في الأحداث التي يرويها الشرع في مذكراته بحكم الانتماء المشترك من جهة الهوية والثقافة والماضي، وربما المستقبل.

كتب فاروق الشرع فصول روايته المفقودة قبل اندلاع الأحداث في سورية بسنة ونيف؛ وهو ما يُعفيه أدبيًا من استباق حدث النقد وواجب التصدي لسرديات التدمير المُمنهج الذي عاشته الدولة السورية إلى حدود 8 كانون الأول/ديسمبر 2025؛ ولكن بين تاريخ صدور الكتاب (2015) وزمن الانتهاء من بناء الرواية التي تضمنته (2011)، يفصل بين زمن الانتهاء من الكتابة وتاريخ نشر الكتاب أربع سنوات كانت حافلة بالأحداث والروايات الأخرى التي تجنب الشرع واجب سردها ولو بصفة «الملحق» كفصل إضافي للجزء الأول من مذكراته. ولعل بُنية المذكرات وموضوعها في جزئه الأول، يرفع عنه بعضًا من الحرج العلمي ليستبدله في الجزء الثاني من مذكراته، بأجزاء مفقودة من تاريخ سورية بين سنة 2000 وسنة 2014.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 565 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 565 آذار/مارس 2026

المصادر:

نُشرت هذه الورقة في مجلة المستقبل العربي العدد 565 في آذار/مارس 2026.

محمد العربي العياري: باحث في الفلسفة السياسية – تونس.

[1]الزمن البيوغرافي (Biographical) هو الزمن المتّصل بسيرة شخص ما.

[2] المولدي قسومي، في مواجهة التاريخ: صدى الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة في مسار الإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي في تونس (تونس: دار محمد علي الحامي، 2021)، ص 23.

[3] David Middleton and Steven D. Brown, The Social Psychology of Experience: Studies in Remembering and Forgetting (London: Sage, 2005), p. 2.

[4] يُميّز عالم الاجتماع جيفري أوليك بين الفهمين الفردي والجمعاني للذاكرة الجمعية. فمن ناحية، يكتب عن «الذاكرة المُحصّلة التي تقوم على مبادئ فردانية»؛ ومن ناحية أخرى، يُحيل على «دلالات الذاكرة الجمعية». انظر: Jeffrey K. Olick, «Collective Memory: The Two Cultures,» Sociology Theory, vol. 17, no. 3 (November 1999), pp. 333-348.

[5] وُلد فاروق الشرع في 10 كانون الأول/ديسمبر 1938، في مدينة درعا. حصل على إجازة في الأدب الإنكليزي من جامعة دمشق في عام 1963، ثم التحق بجامعة لندن ودرس القانون الدولي في عام 1971. عُيِّن سفيرًا لبلاده في إيطاليا في عام 1976، ثم وزير دولة للشؤون الخارجية (1980 – 1984)، وخلال عمله وزيرًا للشؤون الخارجية، تسلّم منصب وزير العدل، ووزير الإعلام بالوكالة عدة مرات، ثم عُيّن وزيرًا للخارجية في 11 آذار/مارس 1984، ثم نائبًا لرئيس الجمهورية في عام 2006.

[6] يُميّز ماكس فيبر بين الطبقات والمجموعات الكيانية والأحزاب السياسية، حيث تضم المجموعات الكيانية ما سمّاه البنية الاجتماعية، إضافة إلى تمايُزها من حيث الحظوة والمكانة الاجتماعية بفضل عوامل موضوعية، مثل المهنة ونمط التربية والثقافة والمعايير الثقافية.

[7] Alain Touraine, Un nouveau paradigme, pour comprendre le Monde d’aujourd’hui (Paris: Fayard, 2005), p. 186.

[8] للمزيد حول فكرة السلطة والفرد، انظر: ماكس فيبر، الاقتصاد والمجتمع، ترجمة محمد التركي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2015)، الفصل العاشر.

[9] انظر:         Michael Billig, Banal Nationalism (London: Sage, 1995).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز