كثيرًا ما أدّت التكنولوجيا دورًا محوريًا في حياة الإنسان، إذ دخلت في مختلف المجالات مثل الطب، والهندسة، وحتى في تفاصيل الحياة اليومية. ولم يكن القانون بمنأى عن هذا التطور، حيث أصبحت الجريدة الرسمية تُنشر إلكترونيًّا، وصار بإمكان الباحثين الوصول إلى مختلف التشريعات عبر الإنترنت بدلًا من الاعتماد على الكتب الورقية.

أخيرًا، أحدث الذكاء الاصطناعي ضجّةً واسعة في العالم، حيث أصبح أداة لا غنى عنها في الكثير من المجالات، نظرًا إلى قدراته المتطورة وسرعته في تحليل البيانات واتخاذ القرارات. ومع ذلك، أثار هذا التطور جدلًا قانونيًا واسعًا، وبخاصة في ما يتعلق بالمسؤولية القانونية عن أفعال الذكاء الاصطناعي.

على سبيل المثال، في حادثة أثارت اهتمام الرأي العام، قام أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي بتحريض شخص على الانتحار، وهو ما أثار تساؤلات جوهرية: من المسؤول قانونيًا في مثل هذه الحالات؟ هل تتحمل الشركة المطورة لهذا الذكاء الاصطناعي المسؤولية؟ أم أن الذكاء الاصطناعي نفسه يجب أن يُعامل ككيان قانوني مستقل؟

في هذا المقال، سنتناول آراء الفقهاء حول هذه المسألة، ونستعرض آخر التطورات القانونية المتعلقة بمحاسبة الذكاء الاصطناعي.

أولًا: الإدراك والإرادة

لا شك في أن الذكاء الاصطناعي، رغم تطوره الهائل، لا يمتلك إدراكًا أو إرادة حرة بالمعنى القانوني، فهو في النهاية مجرد خوارزميات وبرمجيات تعتمد على معالجة البيانات وفقًا للأوامر المدخلة (Prompts) والتعلم من الأنماط السابقة. بناءً على ذلك، اتجه بعض الفقهاء إلى حسبان أن الشركة المطورة هي المسؤولة عن أفعال الذكاء الاصطناعي، بوصفها الجهة التي صممت النظام وأدارته.

لكن في المثال الذي ذكرناه في المقدمة، حيث قام نظام ذكاء اصطناعي بتحريض شخص على الانتحار، يبرز إشكال قانوني معقّد؛ فالشركة المطورة لم تكن تملك إرادة أو نية ارتكاب هذا الفعل، كما أن الذكاء الاصطناعي نفسه يعتمد على بيانات متغيرة باستمرار، وهو ما يجعل تحميل الشركة المسؤولية الجنائية أمرًا صعبًا، لغياب القصد الجرمي لديها.

من هنا ظهر رأي قانوني آخر، وهو تحميل الشركة المسؤولية التقصيرية (Civil Liability) عن الضرر الناجم عن أفعال الذكاء الاصطناعي. وفقًا لهذا الرأي، حتى لو لم تكن الشركة تنوي ارتكاب الفعل، فهي تظل مسؤولة عن أي ضرر ناتج من تقصيرها في تصميم أو مراقبة النظام.

بالرغم أن هذا الرأي هو الأقرب من الناحية القانونية، إلا أنه يواجه انتقادًا أيضًا، إذ قد تتخذ الشركة جميع الاحتياطات الممكنة لمنع الذكاء الاصطناعي من ارتكاب الأخطاء، ومع ذلك، بسبب قدرته على التعلّم الذاتي وتحديث بياناته باستمرار، فربما يقع الخطأ دون أي تدخل من الشركة.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 556 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 556 حزيران/يونيو 2025

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 556 في حزيران/يونيو 2025.

أنس الطوالبة: كاتب ومهتم بالقضايا القانونية المعاصرة.

الصورة من Gettyimages


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز