«إن وجود دولة بأي شكلٍ من الأشكال أفضل من عدم وجود دولة»

علي الوردي

مقدمة

كان العراق تحت حكم الدولة العثمانية التي دامت هيمنتها على المنطقة ما يقارب القرون الخمسة، يتألف من ثلاث ولايات. وعندما هُزمت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، دخل الإنكليز البصرة في أقصى جنوب العراق في اتجاه بغداد، فانسحب الأتراك بعد واقعة حصار الكوت الشهيرة، لتبدأ مرحلة تأسيس دولة عراقية جديدة؛ فتألفت أول حكومة عراقية مؤقتة في تشرين الثاني/نوفمبر 1921. ومثلما هي الحال في الكثير من بلدان العالم الثالث، فإن الدولة العراقية كانت نتاجًا للحقبة الاستعمارية التي بدأت عقب الحرب العالمية الأولى. وجاء تكوين الدولة العراقية، بعد اقتطاعها من أراضي «الرجل المريض»، أي الإمبراطورية العثمانية، من تجميع ثلاث ولايات: بغداد والبصرة والموصل. كانت هذه الرقعة الجغرافية، التي قرر المستعمر البريطاني حدودها، تضم مزيجًا غير متجانس من المجموعات الإثنية والدينية والمذهبية، في حين حصل العراق على الاستقلال في الثالث من تشرين الأول/أكتوبر 1932 ليصبح عضوًا في عصبة الأمم، وبقي محكومًا بنظام ملكي حتى حدوث انقلاب تموز/يوليو 1958 الذي جاء بأول جمهورية عراقية، تبعته عدة انقلابات كان آخرها في تموز/يوليو 1968 حين استولى حزب البعث على السلطة ليستمر حتى عام 2003 حين شنت قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة هجومًا كاسحًا وقامت بتغيير النظام تغييرًا جذريًا، وكان من مخرجاته تخلخل بُنى الدولة العراقية التي كانت ما تزال تُعد حديثة النشأة.

ورث العراق فشل مشروع الدولة سياسيًا واجتماعيًا وتنمويًا وسياديًا، وانهدام بُناها بفعل الاستبداد الذي دام مدة 24 عامًا إبان العهد الصدّامي (1979-2003)، الذي تبّنت الدولة فيه التوجهات العائلية والعشائرية والمناطقية والحزبية في بناء هياكل الدولة وقيادتها وإدارتها، بعيدًا من الأسس الديمقراطية الحديثة المتبعة في بناء الدول. وفي هذه الحقبة تم المساس كثيرًا بسيادة العراق عندما فقد أجزاءً من أراضيه لمصلحة عدة دول مجاورة وكردستان العراق – قبل أن يصبح إقليمًا منذ انفصاله عام 1991 وحتى سقوط النظام عام 2003 – كما فقد السيادة على مياهه (لمصلحة إيران باقتسام شط العرب في معاهدة الجزائر عام 1975)، وسمائه (بفرض منطقة حظر الطيران في جنوب العراق وإقليم كردستان العراق من جانب قوات التحالف الدولي بعد حرب الكويت عام 1990 مباشرةً).

لعل هذه التداعيات ألقت بظلالها على واقع الدولة العراقية بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، التي سنتناولها هنا بشيءٍ من التركيز والتفصيل.

أولًا: واقع الدولة العراقية ومآلاتها بعد عام 2003

ربما يختلف مفهوم الدولة في العراق بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 عما عرّفه الفقيه السويسري بلتشيلي بأنه «جماعة مستقلة من أفراد يعيشون على نحوٍ مستمر على أرض معينة بينهم طبقة حاكمة وأخرى محكومة». وبالرجوع إلى المفكر الإنكليزي هوبز نلاحظ أن الدولة ظاهرة مدنية حضارية نشأت كثمرة لكي تخرج البشرية من حالتها البدائية، ولم تستوطن في بقعة أرض بصورة دائمة، ولا ملكية خاصة ولا سلطة سياسية، ولعلنا نتلمس هذه المقاربة في الدولة العراقية بعد الاحتلال وكأنها تسعى إلى العودة إلى هذه المراحل البدائية من أجل إعادة تأسيسها بنمطٍ صفري من جديد[2]! وهو ما سنتطرق إليه في الفقرات التالية.

1 – قانون الإدارة الدولة

بعد سقوط النظام السياسي في العراق في نيسان/أبريل 2003 حصل فراغ دستوري وسياسي في الدولة العراقية، إذ لم تكن تتوافر رؤية واضحة لدى سلطات الاحتلال في شأن اتخاذ القرارات المناسبة، ففي حين كانت تعلن أنها جاءت محررة ومنقذة للشعب العراقي، عادت واعترفت بالأمر الواقع بكونها سلطة احتلال، الأمر الذي رتبَ عليها مسؤوليات كبيرة وفقًا لمبادئ القانون الدولي وقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1483 لسنة 2003، الذي دعا المعنيين كافة إلى الوفاء بالتزاماتهم بمقتضى نصوص القانون الدولي ومعاهدة جنيف لسنة 1949 واتفاقية لاهاي 1907 .[3]

في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2003، أُعلنَ عن اتفاق بين مجلس الحكم وسلطة الائتلاف المؤقتة على وضع قانون الإدارة الدولة العراقية الذي تألف من ديباجة و62 مادة توزعت على تسعة أبواب (الباب الأول: المبادئ الأساسية؛ الباب الثاني: الحقوق الأساسية؛ الباب الثالث: الحكومة العراقية الانتقالية؛ الباب الرابع: السلطة التشريعية الانتقالية؛ الباب الخامس: السلطة التنفيذية؛ الباب السادس: السلطة القضائية؛ الباب السابع: المحكمة المختصة والهيئات الوطنية؛ الباب الثامن: الأقاليم والمحافظات والهيئات المحلية؛ الباب التاسع: المرحلة ما بعد الانتقالية)، وعُدِلَ القانون في ما بعد وأضيف إليه ملحق من ثلاثة أقسام تضمن ما يأتي:

– تأليف الحكومة العراقية المؤقتة.

– مؤسسات الحكومة العراقية وصلاحياتها.

– المجلس الوطني المؤقت[4].

ونظرًا إلى تعقّد الوضع في العراق وظهور بوادر ضعف تأييد الدول التي شاركت الولايات المتحدة الأمريكية في احتلاله كفرنسا وإسبانيا وغيرهما، ولظهور قلق حتى في أمريكا نفسها حول الوضع القانوني لسلطة التحالف المؤقتة وحول الطريقة التي جاءت بها، سارعت سلطة الائتلاف إلى وضع قانون الإدارة الدولة ومن ثم تسليم السلطة إلى حكومة عراقية من الناحية الشكلية في 28 حزيران/يونيو 2004، وذلك كون قوات الاحتلال كانت ما تزال موجودة في العراق.[5]

2 – الاستفتاء على الدستور وانتخابات مجلس النواب

يُعدّ الاستفتاء على دستور دائم للعراق بدلًا من الدستور المؤقت لسنة 1970، الذي كُتبَ إبان حكم النظام السابق، شديد الأهمية للبدء بإعادة بناء دولة حديثة تبعته انتخابات لاختيار أعضاء أول مجلس نواب للعراق بعد عام 2003، وقد سبق ذلك اختيار مجلس حكم مؤلّف من خمسين شخصية عراقية معارضة للنظام السابق من أجل تسيير شؤون البلاد بصورة وقتية إلى حين انتخاب جمعية وطنية مؤقتة مؤلفة من 275 عضوًا في 30 كانون الثاني/يناير 2005، في حين تم التحضير للاستفتاء الشعبي على الدستور الذي كُتبت مسودته من 25 عضوَا أساسيًا، أغلبيتهم من القوى السياسية الشيعية والكردية، ثم توّسعت لاحقًا بإضافة 15 ممثلًا عن العرب السنّة، أعقبه قرار آخر بإضافة ممثلين عن أقليات، كالمسيحيين والصابئة والأيزيديين والتركمان، فبلغ عددهم 55 عضوًا.

أجري الاستفتاء على الدستور في تشرين الأول/أكتوبر 2005 وحظي بقبول أغلبية المصوتين، فتم اعتماده وأعقبه بشهرين انتخاب أعضاء مجلس النواب، إذ تم انتخاب 275 عضوًا للمجلس كممثلين للشعب.

3 – الدولة في الدستور العراقي

وردَ في نصوص الدستور العراقي لسنة 2005 مصطلح الدولة في عشرين مادة تبدأ بالمادة (1) التي تنص على أن: «جمهورية العراق دولةٌ اتحاديةٌ واحدةٌ مستقلةٌ ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوريٌ نيابيٌ – برلماني ديمقراطيٌ، وهذا الدستور ضامنٌ لوحدة العراق»، وتنتهي بالمادة (67) التي تنص على أن «رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، يمثل سيادة البلاد، ويسهر على ضمان الالتزام بالدستور، والمحافظة على استقلال العراق، وسيادته، ووحدته، وسلامة أراضيه، وفقًا لأحكام الدستور»[6].

وما عدا مصطلح الدولة الذي ورد في نص المادة (67) في السلطات لم يرد هذا المصطلح مطلقًا فيما عدا في الفصلين الأول والثاني الخاص بالحقوق والحريات؛ وهذان الفصلان هما أساس العقد الاجتماعي العراقي، أي أن مصطلح الدولة في الدستور العراقي لا يمكن أن تمثله أية جهة من السلطات في العراق وأن الدستور وضّحَ مفهوم الدولة بأنها أكبر من جميع السلطات.

وإذا ما أردنا الوقوف على ماهية شكل الدولة العراقية الحالية، هل هي دولة إسلامية أم مدنية، وبالرجوع إلى الدستور، نجد أن المادة (2/أولًا) منه تنص على أن «الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر أساس للتشريع»، وهذا يعني أن الإسلام ليس دولة بل دين لا يمكن أن يصل إلى مستوى قوانين يُحكم بها العراق؛ بل يتبع للقوانين المدنية، إذ عُدّت المادة (47) من القانون المدني العراقي الرقم (40) لسنة 1951 المعدل الدولة من الأشخاص المعنوية ولها من يمثلها، أي أن السيادة هي للشعب أو الأمة[7]، في حين تتأكد معالم الدولة المدنية من خلال الفصل السادس الذي يقر بأن القانون هو الأساس، وإذا كانت الوثيقة الدستورية الجديدة حاولت أن توطّد معالم الدولة الحديثة من خلال توزيع السلطات وتقييد اختصاصات السلطة عبر مبدأ التوافقية؛ فإن السلطة الدينية للدولة ظلت هي الغالبة، ولا سيما مع تسّلم حزب الدعوة الإسلامية السلطة عام 2006، وهو الذي يستمد مبادئه من قادة الإخوان المسلمين الأوائل، إذ نجدها في فكر حسن البنا في البدايات الأولى للترويج للدعوة في أربعينيات القرن الماضي؛ إذ يرى في الإسلام «دين ودنيا، ومصحف وسيف»[8].

كما يعتقد عودة أن الدولة هي الدين والدين هو الدولة[9]. وبحسب المودودي[10] وسيد قطب، فإنّ سـواد الدين في الدولة هو حكم الله في الأرض[11].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 538 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 538 كانون الأول/ديسمبر 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 538 كانون الأول/ديسمبر 2023.

[1] وليد الزيدي: باحث من العراق.

[2]   Gregory B. Sadler, «The States of Nature in Hobbes’ Leviathan,» Fayetteville State University, 2010, p. 21, <https://t.ly/8OE3Z>.

[3]   حميد حنون، «قراءة في قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية،» مجلة العلوم القانونية، السنة 20، العدد 1 (آذار/مارس 2005)، ص 47.

[4]   قصي حبيب الحسيني، قراءات في دساتير العراق (بغداد: [د. ن.]، 2016)، ص 47.

[5]   حنون، المصدر نفسه، ص 45.

[6]   الدستور العراقي الدائم لسنة 2005.

[7]   مفردة سيادة (Sovereignty) مشتقة من الأصل اللاتيني Superanus ومعناه (الأعلى) أي صاحب القول والفصل النهائي، وحين يُقال إن الدولة صاحبة سيادة، يقصد بذلك أمران على جانب كبير من الأهمية: الأول، هو أن للدولة سلطة مطلقة في مواجهة رعاياها في الداخل؛ والثاني، أن الدولة لا تخضع لسلطة أعلى منها بين الدول، وكان المفكر الفرنسي جان بودان (Jean Bodin) هو أول من استخدم هذه الكلمة للدلالة على المعنى السياسي المتداول حتى وقتنا الحاصر. انظر: «مفهوم الدولة،» الموسوعة السياسية: <https://political-encyclopedia.org/dictionary/>.

[8]   محمد عبد القادر أبو فارس، الفقه السياسي عند الإمام الشهيد حسن البنا (عمّان: دار عمار، 1999)، ص 32.

[9]   عبد القادر عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية، ط 7 (بيروت: مؤسسة الرسالة، [د. ت.])، ص 5.

[10]   أبو الأعلى المودودي (1903-1979). أصولي باكستاني وأحد أكثر المفكرين الإسلاميين تأثيرًا في الحركات الإسلامية المتشددة وتيارات الإسلام في القرن العشرين. انظر: الموصللي، موسوعة الحركات الإسلامية في الوطن العربي وإيران وتركيا، ص 396.

[11]   أبو الأعلى المودودي، نحن والحضارة الغربية (بيروت: دار الفكر، [د. ت.])، ص 9.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز