مقدمة

يعَدّ مصطلح الحوكمة من الاقترابات ذات البعد المركّب قانونيًا وسياسيًا واجتماعيًا، فقد مثل محور اهتمام الكثير من الباحثين الأكاديميين، بوصفه مفهومًا متعدد الاستعمال والتوظيف، نظرًا إلى تعدد أوجه تناوله، فقد ارتبط بالمجال الاقتصادي كمرحلة أولى، ومن ثم اعتماده في مجال العلوم الإدارية والقانونية، ويشير بوجه عام إلى الأسلوب الرشيد لممارسة السلطة.

اقترن مفهوم الحوكمة بالمجال السياسي منذ بداية التسعينيات من القرن العشرين من طرف المنظمات الدولية كهيئة الأمم المتحدة، إضافة إلى المنظمات الدولية المتخصصة كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وتم ربطه بالمشروطية السياسية، أي ضرورة تطبيق حزمة من الإصلاحات السياسية الهادفة إلى تحقيق جوهر الحوكمة المتمثل بالشفافية والمشاركة والصدقية والمساءلة مقابل الحصول على مساعدات ذات طابع اقتصادي.

تشير الحوكمة إلى الطريقة الجيدة والمثلى في التسيير، إذ تزايد الوعي بأهمية ربط الحوكمة بالديمقراطية من طريق خلق أليات تسمح بتفعيل دور المواطن في الحياة السياسية والحدّ من إقصائه، سمح هذا الارتباط بمحاولة توظيف الحوكمة في مجال العملية الانتخابية، رغم حداثة مصطلح الحوكمة الانتخابية في الأدبيات السياسية المقارنة، وقد أخذ أهمية خاصة كونه يقدم مقاربة جديدة لتعزيز صدقية العملية الانتخابية ونزاهتها.

ومن أجل تحقيق قيم النزاهة والصدقية والشفافية في إدارة وتسيير العملية الانتخابية، فقد شهدت العملية الانتخابية في الكثير من دول العالم الكثير من التعديلات التنظيمية والإجرائية في طريقة تنظيمها حيث بدأ الاهتمام المتزايد باستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة لتقديم الخدمات الانتخابية، وكذا فسح المجال لاستقلالية الإدارات القائمة على تنظيم الانتخابات والعمل على تحقيق مستويات التمثيل المحتفلة.

في هذا السياق، ومن أجل عودة مستويات الثقة العامة في نزاهة ومهنية الإدارة الانتخابية وفاعليتها، قامت الجزائر بجملة من الإصلاحات على الصعيدين السياسي والقانوني، حيث تم التأسيس لعدد من القوانين التنظيمية لعدة مجالات تتعلق أساسًا بتنظيم المنافسة السياسية، وإصلاح العملية الانتخابية بعد سنوات عجاف تميزت بغياب الأخلقة في الحياة السياسية، وسيادة درجة عالية من التصحر السياسي، ناهيك بهيمنة السلطة التنفيذية على بقية السلطة بشكل أفقد العملية التشريعية والسياسية جوهر وجودها.

شهد عام 2021 اعتماد قانون انتخابي جديد يتمثل بالأمر 21-01، المؤرخ في 26 رجب عام 1142 الموافق لـ 10 آذار/مارس 2021، المتضمن القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، الذي تضمن مجموعة من الضمانات لأجل تنظيم وإدارة جديدة للعملية الانتخابية كمحاولة من السلطة الجزائرية لأجل إعادة ثقة الناخبين بالعملية الانتخابية؛ في ظل ما شهدته التجارب الانتخابية السابقة من ممارسات أخلّت بالوظيفة الجوهرية للانتخابات.

ستعمل هذه الورقة، من هذا المنطلق، على معالجة مجموعة من التساؤلات؛ من أهمها: ما المقصود بالحوكمة الانتخابية؟ وما مستوياتها؟ وإلى أي حد التزمت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بمبادئ الحوكمة الانتخابية المتعارف عليها دوليًا في تشريعيات 12 حزيران/يونيو 2021، ومحليات 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2021؟ وما أهم الاختلالات المرتبطة بالحوكمة الانتخابية المسجلة في الانتخابات السالفة الذكر؟

منهجيًا، تستعين هذه الدراسة بالاقتراب النسقي الذي يقوم على فكرة النظام المفتوح الذي يتلقى مجموعة من المدخلات ويترجمها في شكل مخرجات ثم تعود إلى النظام في إطار التغذية العكسية. من هذا المنطلق، سيتم اعتماد هذا المقترب في تحليل مدى تطبيق مؤشرات الحوكمة الانتخابية في الجزائر بعد صدور القانون العضوي 21/01 من خلال قراءة في بنية المنظومة الانتخابية في الجزائر، على أساس العملية الانتخابية بنظام مفتوح يتلقى مجموعة من المدخلات من البيئة الداخلية متمثلة بالإطار القانوني والتنظيمي للمراحل التمهيدية للعملية الانتخابية والتي يجب أن تتأسس وفقًا لمعايير وضوابط الحوكمة الانتخابية، والتي ستنعكس بدورها على مخرجات العملية الانتخابية من حيث طبيعة المشاركة الانتخابية وصدقية العملية الانتخابية، ومن ثم في شكل تغذية عكسية تتضمن توجهات المواطنين تجاه العملية الانتخابية.

تأسيسًا على ذلك، وللإجابة عن التساؤلات المطروحة، ارتأينا تقسيم الدراسة إلى ثلاثة محاور أساسية:

يتعلق المحور الأول بالإطار النظري للحوكمة الانتخابية حيث نتطرق إلى مفهوم الحوكمة الانتخابية ومستوياتها.

نتطرق في المحور الثاني إلى مسار إدارة الحوكمة الانتخابية في الجزائر من خلال الإرادة الرئاسية وحوكمة الشأن الانتخابي وسؤال الحوكمة من خلال التعديل الدستوري 2020 والسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات كهيئة دستورية لإدارة العملية الانتخابية.

أما المحور الثالث والأخير فقد خصص لتقييم مدى تطبيق مؤشرات الحوكمة الانتخابية من خلال تحليل مجريات الانتخابات التشريعية في 12 حزيران/يونيو 2021، والانتخابات المحلية في 27 تشرين الثاني/نوفمبر2021.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 540 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 540 شباط/ فبراير 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 540 في شباط/فبراير 2024.

الصورة من Getty Images.

[1]بوحنية قوي: أستاذ العلوم السياسية، جامعة ورقلة – الجزائر.

[2]هواري العابد: كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة أحمد دراية، أدرار- الجزائر.

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز