مقدمة

يتسم النظام العالمي خلال العقود الأخيرة بالكثير من التغيرات، التي رغم أنها لم تمس بطبيعة النظام الدولي الذي تم إرساء أسسه بناء على مخرجات الحرب العالمية الثانية، فهي تؤثر في توازن القوى في جميع مناطق العالم، وقد كان من نتائجها أفول وصعود قوى عالمية، كما نتج منها ظهور أنماط جديدة من الحروب والصراعات بين القوى العظمى، التي يكون هدفها الأساسي هو البحث عن النفوذ والهيمنة والزيادة النسبية في القوة؛ فالولايات المتحدة لوحدها تورطت ما بين سنتي 1989 و2018 «في سبعة حروب مختلفة»[1].

ضمن هذا السياق، تندرج العملية الروسية ضد أوكرانيا التي انطلقت في شباط/فبراير 2022 [2]، حيث تعد تجليًا من تجليات الصراع الأوراسي – الأطلسي[3]، كما تعَدّ محطة فاصلة في الصراع الغربي – الروسي على طبيعة النظام العالمي الناشئ؛ روسيا التي تدافع عن التعددية القطبية وعن مكانتها كقوة عظمى بعد أن تراجع نفوذها وهيبتها بسبب تفكك الاتحاد السوفياتي وانهياره[4]، والولايات المتحدة التي تسعى إلى أن تظل الدولة الأقوى في النظام الدولي، لأن طموح القوى العظمى هو تحقيق الهيمنة الإقليمية بمجالها الجغرافي، والعمل على منع ظهور قوى مهيمنة في المناطق الإقليمية الأخرى، لهذا تحاول الولايات المتحدة «أن تكون دولة مهيمنة في نصف الكرة الغربي وألّا تكون هناك دولة مهيمنة منافسة في أوروبا أو شمال شرق آسيا»[5].

وبمعزل عن حيثيات الحرب الدائرة في شرق أوروبا، فهي لها الكثير من التداعيات، بحكم المحاولات الغربية لعزل روسيا سياسيًا ومحاصرتها اقتصاديًا ومعاقبتها بسلاح العملة واستنزافها عسكريًا. مقابل ذلك، تسعى روسيا إلى التصدي لكل ذلك بخيارات متعددة، سواء بعقوبات بديلة أو عبر استعمال ورقة الغاز والنفط أو من خلال تعزيز تحالفاتها العالمية.

هذا الانقسام سيؤثر في النسق الدولي بكامله، ولن تسلم منه البلدان العربية التي يعدّ بعضها «المورد الرئيسي للنفط»[6]، كما ستتأثر أيضًا بلدان المنطقة المطلة على البحر والمضايق وممار الملاحة العالمية، إذ رغم أن منطقة الخليج لوحدها تصنف ضمن المناطق الاستراتيجية العالمية الثلاث إلى جانب كل من أوروبا وشمال شرق آسيا، بحكم أنها «تنتج أكثر من 30 بالمئة من نفط العالم»[7]، إلا أن معظم البلدان العربية لا تقل أهمية عن الخليج.

على هذا الأساس، تحتل المنطقة العربية بكاملها أهمية استراتيجية بالنسبة إلى القوى العالمية التي تتصارع على النفوذ والقوة والهيمنة، وهذا الصراع يؤثر بصورة أو بأخرى في التوازنات والتحالفات فيها، الأمر الذي ستحاول هذه الورقة دراسته من خلال التركيز على أثر التغيرات الدولية في الوطن العربي، نموذج تأثير الحرب الروسية – الأوكرانية في النظام الإقليمي العربي.

تكمن أهمية الدراسة في إثارة النقاش الذي يمكن أن يساهم في التراكم النظري في الوطن العربي في الاتجاه الذي يؤسس لنظريات عربية قادرة على تفسير وفهم التفاعلات في المنطقة من منطلق المميزات الإقليمية؛ وفي مواكبة التحولات الجارية في النظام الدولي التي لها تداعيات على استقرار المنطقة برمّتها، بحكم طبيعة المصالح المعقدة التي تربط البلدان العربية بأحد الأطراف المتصارعة بشرق أوروبا.

تهدف هذه الورقة إلى دراسة أسس النظام الإقليمي العربي بوصفه نظامًا نشأ في سياق دولي مغاير للعصر الحالي، إذ اتسم بموجة أو حقبة الاستقلال عن الاستعمار وظهور الحركات الوطنية الداعية إلى بناء الدولة القومية المستقلة. كما تحاول تفكيك مرتكزات هذا النظام بغية إبراز مقوماته ومكامن ضعفه، حتى يتسنى معرفة ما إن كان الوطن العربي يتضمن ما يكفي من التراكمات القادرة على الدفع به إلى أن يكون أحد التكتلات الإقليمية المساهمة في إحداث التوازنات العالمية أم أنه نظام هش وضعيف في معادلة القوة العالمية.

تعالج هذه الورقة مشكلة آثار الحرب الروسية – الأوكرانية في التوازنات والتحالفات في المنطقة العربية. بعبارة أخرى، تسأل عن مدى تأثير الحرب الروسية – الأوكرانية في التحالفات وتوازن القوى الإقليمي في المنطقة العربية. وهي تجيب عن التساؤلات التالية: إلى أي حد ساهمت الحرب الروسية – الأوكرانية في التأثير في توازنات القوى فيما بين وحدات النظام العربي وبينها وبين القوى الإقليمية والدولية؟ وهل ستتأثر التحالفات العربية بالصراع الغربي – الروسي في شرق أوروبا؟ وما طبيعة التحالفات الممكنة في ظل التحديات الراهنة التي يعرفها النظام العالمي؟ هل يساهم هذا الصراع في تقوية الوحدة العربية أم أنه سيكرس المزيد من الانقسام بفعل الصراع الحاصل بين القوى العظمى؟ وهل يمكن النظام الإقليمي العربي أن يقوم بأدوار ذات شأن على مستوى السياسة الدولية أم أن هذا النظام لم ينضج بما يكفي إلى مستوى تمتعه بالاستقلالية الكاملة والقوة الكافية للقيام بدوره المنشود؟

تنطلق هذه الدراسة من فرضية أن النظام الإقليمي العربي يمثل وحدة تحليل أساسية لفهم طبيعة التفاعلات القائمة في المنطقة، وتفترض بأن هذا النظام تتأثر توازناته وتحالفاته بالتغيرات العالمية. بمعنى آخر، إن بنية النظام الدولي تؤثر في بنية النظام الإقليمي، وبالتبعية فالسياسة الخارجية للدول على مستوى المنطقة ما هي إلا نتاج لهذه التفاعلات، حيث تجد الدول العربية نفسها مرغمة على اتباع سياسات معينة لتقوية موقعها في النظام الإقليمي والدولي بوجه عام، ومرد ذلك إلى فوضوية النظام الدولي، حيث الفوضى معطى تنظيمي يحكم هذا النظام، أي الفوضى وفق الافتراض الواقعي البنيوي، فغياب حكومة عالمية فوق الحكومات أو سلطة فوق الدول، يجعل من الاعتماد على الذات أحد أسس هذا النظام.

تعتمد الدراسة المنهج النسقي بغية معالجة التغيرات الدولية المرتبطة بصراع القوى العظمى وآثارها في المنطقة العربية، مع الإشارة إلى ارتباط هذا المنهج بالمنطلق النظري لهذه الدراسة؛ كما ستتم الاستعانة بمنهج تحليل النظم بغية دراسة النظام الإقليمي العربي ومعرفة عناصر قوته ومكامن ضعفه وطبيعة التفاعلات الحاصلة بين مكوناته؛ وتسترشد هذه الورقة بالنظرية الواقعية في حقل العلاقات الدولية، وبخاصة الواقعية البنيوية (الجديدة) والمقتربات التي ظهرت ما بعد بنيوية «والتز».

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 533 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 533 تموز/يوليو 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 533 في تموز/يوليو 2023.

عبيد الحليمي: طالب باحث في سلك الدكتوراه، جامعة سيدي محمد بن عبد الله – المغرب.

[1]   John J. Mearsheimer, The Great Dulusion: Liberal Dreams and International Realities, Yale University Press, 2018, p. 5.

[2]   Jeffrey Mankoff, «Russia’s War in Ukraine: Identity, History, and Conflict,» Center for Strategic and International Studies, 22 April 2022, p. 1.

[3]  عبد الوهاب بن خليف، «أوراسيا – الأطلسي.. بين التنافس والصراع،» المجلة الجزائرية للعلوم السياسية والعلاقات الدولية، السنة 13، العدد 1 (حزيران/يونيو 2022)، ص 11.

[4]   لا بد هنا من استحضار كتابات الجيوبوليتيكي الروسي ألكسندر دوغين، حيث يعَدّ من بين المنظّرين الروس الأكثر تأثيرًا في السياسة الخارجية الروسية، ويدافع دوغين عن عالم متعدد الأقطاب يضع حدًا للهيمنة الأطلسية على العالم، وهو العالم المفترض أن تكون فيه روسيا – كونها ذات حضارة مختلفة – قطبًا من الأقطاب إلى جانب أقطاب أخرى.

[5]   John J. Mearsheimer, The Tragedy of Great Power Politics (London; New York:  W. W. Norton and Company, 2001), p. 387.

[6]   John J. Mearsheimer, «Realism and Restraint,» Horizons, no. 14 (Summer 2019), p. 17.

[7]   John J. Mearsheimer and Stephen M. Walt, «The Case for Offshore Balancing: A Superior U.S. Grand Strategy,» Foreign Affairs, vol. 95, no. 4 (July-August 2016), p. 72.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز