مقدمة

تُعَدّ الجمعية العامة للأمم المتحدة أحد الأعمدة الأساسية للنظام الدولي المتعدِّد الأطراف، إذ تضم في عضويتها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة كافة، وعددها 193 دولة. تستند الجمعية في بنيتها إلى مبدأ المساواة السيادية بين الدول كما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة الثانية لميثاق الأمم المتحدة، الذي يمنح كل دولة صوتًا واحدًا بصرف النظر عن حجمها أو قوتها أو نفوذها[1]. وقد أُنشئت الجمعية العامة لتعكس روح التعددية والديمقراطية، وتكون منبرًا شاملًا لمناقشة القضايا المشتركة واتخاذ قرارات تعبِّر عن الإرادة الجماعية للدول الأعضاء[2]. إلا أن الممارسة الفعلية داخلها تكشف عن وجود فجوة بين هذا البناء القانوني القائم على المساواة الشكلية، وبين واقع النفوذ غير المتكافئ الذي تمارسه الدول الكبرى، ولا سيَّما الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن[3].

ورغم أن قرارات الجمعية غير ملزمة قانونًا، فإن الدول الكبرى تسعى باستمرار إلى توجيه مسارات التصويت والتحكم في مخرجات الجمعية من خلال أدوات متنوِّعة تشمل الضغط الدبلوماسي، وتقديم المساعدات المشروطة، وبناء التحالفات السياسية، والتأثير في جداول الأعمال. يثير هذا التأثير تساؤلات جوهرية حول فاعلية الجمعية العامة، ومدى توافر العدالة في نظامها ومخرجاتها، بوصفها مؤسسة تمثل المجتمع الدولي[4].

تكمن الأهمية النظرية لهذه الدراسة في سعيها إلى تفسير التباين بين المساواة القانونية والنفوذ الفعلي داخل الجمعية العامة التي يفترض أن تجسد التعددية. كما تساهم في تطوير فهم أعمق للعلاقات الدولية داخل الأطر المؤسسية، من خلال تحليل أدوات النفوذ غير المباشر وحدوده. ومن الناحية العملية، تبرز أهمية الدراسة في تقديم رؤى نقدية تسهم في مناقشات إصلاح نظام الأمم المتحدة، وتقديم توصيات تعزز استقلالية الجمعية العامة، وقد تنعكس على تعزيز التعددية. وتظهر أهميتها أيضًا في معالجتها موضوعًا متعلقًا بالجمعية العامة قليلَ التناول مقارنة بوفرة الأدبيات التي تركز على هيمنة الدول الكبرى في مجلس الأمن، رغم أن الجمعية أوسع تمثيلًا وأكثر قدرة على التعبير عن الإرادة الدولية الجماعية. تعتمد الدراسة على مزيج من التحليل النظري والتطبيقي، وهو ما يمنحها قوة تفسيرية مزدوجة تسمح بتوسيع دائرة الفهم النقدي لطبيعة العلاقات الدولية داخل الأطر المؤسسية[5].

تتألف الدراسة من ثلاثة أقسام؛ يتناول القسم الأول خلفية الدراسة ونشأة الجمعية العامة، والبنية القانونية والمؤسسية لها، مفسِّرًا كيفية اتخاذ القرار فيها، كما يتناول الإطار النظري، ويناقش مفاهيم النفوذ الدولي والمؤسسات المتعددة الأطراف، ويحدد المنهج التحليلي المستخدم. ويركز القسم الثاني على تحليل الأدوات التي تعتمدها الدول الكبرى لممارسة النفوذ، بما في ذلك الضغوط الدبلوماسية، والمساعدات الاقتصادية المشروطة، والتأثير الإعلامي، والتحالفات المؤقتة التي تُبنى لضمان تمرير قرارات أو تعطيل أخرى. يتطرق هذا القسم أيضًا إلى كيفية توظيف هذه الأدوات بأساليب غير مباشرة تُبقي على الطابع الرسمي للمساواة، مع تقويضه فعليًّا. ويخصص القسم الثالث للتحليل التطبيقي من خلال دراسة حالات واقعية مختارة تتعلق بعمليات تصويت حاسمة داخل الجمعية العامة، مثل القضايا الفلسطينية، والأزمة الروسية – الأوكرانية، وقضية الإيغور في الصين؛ وهو ما يتيح فهمًا عمليًّا لحجم النفوذ الذي تمارسه الدول الكبرى، وحدوده في ظل تنامي مقاومة الدول النامية وتكتلات الجنوب العالمي. وتختتم الدراسة بالاستنتاجات والتوصيات.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 570 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 570 آب/أغسطس 2026

دراسة ذات صلة:

تعليق العضوية والفصل من الأمم المتحدة: حالة إسرائيل

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 570 في آب/أغسطس 2026.

محمد صالح الـمسفر: أستاذ العلوم السياسية في جامعة قطر – الدوحة.

[1] محمد صالح المسفر ودينا محمد أبو رمان، المنظمات الدولية العالمية: التاريخ، السياسة، الاقتصاد، القانون، الإدارة، ط 2 (الدوحة: جامعة قطر، 2023)، ص 90.

[2] Bardo Fassbender, «The United Nations Charter as Constitution of the International Community,» Columbia Journal of Transnational Law, vol. 36, no. 3 (1998), p. 529.

[3] Thomas G. Weiss, What’s Wrong with the United Nations and How to Fix it (Boston, MA: Polity Press, 2009), p. 99.

[4] S. Patrick, «The UN Security Council and the Politics of International Authority,» in: Thomas G. Weiss and Sam Daws, eds., The Oxford Handbook on the United Nations, 2nd ed. (Oxford: Oxford University Press, 2015), p. 237.

[5] انظر على سبيل المثال: Martin Binder and Monika Heupel, «The Legitimacy of the UN Security Council: Evidence From Recent General Assembly Debates,» International Studies Quarterly, vol. 59, no. 2 (June 2015), p. 338; David Bosco, Five to Rule Them All: The UN Security Council and the Making of the Modern World (Oxford: Oxford University Press, 2009), p. 10, and Stephen Browne and Thomas G. Weiss, Rethinking the United Nations: A New Global Politics (Boston, MA: Polity Press, 2020), p. 151.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز