مقدمة:

امتدت في عام 2011 تطورات ما يُعرف بالربيع العربي إلى ليبيا، وتبع ذلك انتفاضة مسلحة دُعمت عسكريًا من جانب القوات الجوية التابعة لحلف الناتو؛ انتهت بسقوط نظام العقيد معمر القذافي، الذي حكم ليبيا قرابة الاثنين والأربعين عامًا. فتح سقوط النظام الباب أمام تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية كبرى داخل ليبيا، ومع استمرار التنافس على السلطة بين القوى المحلية المختلفة؛ تحوّلت ليبيا تدريجًا إلى دولة مختلة وظيفيًا أو فاشلة. علاوة على أن تبعات فشل الدولة في ليبيا لم تنحصر داخل الحدود الوطنية فقط، بل عبرها ليصل إلى دول الجوار الإقليمي (العربي، والأفريقي، والأوروبي)[1].

ظهرت مصطلحات من قبيل «الدولة الفاشلة»، و«الهشة»، و«المضطربة»، و«المارقة»، كنتيجة لاهتمام صانعي السياسات الدولية، وبالأخص دوائرها الأمنية، بالمخاطر الناجمة عن تفكّك الدولة كمحتكر للعنف بالدرجة الأولى. كما أحدثت هذه المفاهيم منذ نشوئها جدلًا كبيرًا داخل الأوساط الأكاديمية[2]. يعود بروز مثل هذه المسميات إلى الحقبة التي تلت نهاية الحرب الباردة في بداية التسعينيات من القرن العشرين، عندما اندلعت مجموعة من الحروب الأهلية ذات الطابع العرقي، والطائفي، والقبلي، والديني في يوغوسلافيا، ورواندا، والصومال، وغيرها.

اكتسبت هذه المفاهيم أهمية أكبر بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر عام 2001؛ وذلك عندما تصدرت قائمة الأجندة لدى الإدارة الأمريكية بقيادة جورج بوش، التي رأت أن انهيار الدولة في أفغانستان بات يُمثّل خطرًا على المصالح الأمريكية في العالم، بسبب تحولها إلى أرض خصبة «للإرهابيين» ومنصة لانطلاق عملياتهم[3]. عبّرت عن ذلك بوضوح استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الصادرة عام 2002 بالقول «أمريكا الآن مهددة بالدول الغازية أقل من تهديدها بالدول الفاشلة»[4].

نالت دول ما بعد الاستعمار، نصيبها الأكبر من هذه التوصيفات التي – غالبًا – لا تراعي المسار التاريخي لتكوّن الدولة في العالم الثالث مقارنة بالدولة الحديثة في أوروبا. وكون كثير من هذه الدول، وبخاصة في أفريقيا، أخفقت في أداء الأدوار المتوقّعة منها من جانب القوى الدولية والمؤسسات التابعة لها اقتصاديًا (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي)، والمُتحكّمة في مُعظم اقتصادات دول العالم الثالث، فقد استمر حضور المفاهيم المرتبطة بفشل الدولة قائمًا في خطابات التنمية والتحديث بخاصة في تسعينيات القرن العشرين[5].

ستناقش هذه الورقة، بناءً على ما سبق، ظاهرة فشل الدولة بعامة، وستركّز على نحو خاص على فشل الدولة في ليبيا من خلال دراسة الإرث الذي خلّفه نظام القذّافي على مؤسسات الدولة الليبية التي أصبحت أكثر ضعفًا في عهده. من خلال الإجابة عن السؤال البحثي التالي: كيف أدى الإرث التاريخي لنظام القذّافي دورًا في فشل الدولة الليبية بعد عام 2011؟ وتفترض الدراسة بأن الأنظمة السلطوية الشخصية على غرار نظام القذافي هي الأكثر إلحاقًا للضرر بمؤسسات الدولة؛ نظرًا إلى عدم قدرة النخبة الحاكمة على تقييد سلوكيات وقرارات الزعيم السلطوي التي غالبًا ما تهدف إلى منع وجود أي مؤسسات حقيقية قد تحدّ من قدرته على ممارسة السلطة، خلافًا للأنواع الأخرى من الأنظمة السلطوية (ملكية، وعسكرية، وأحادية الحزب) التي تحتفظ بقواعد مؤسسية لإدارة شؤون الحُكم وخلافة السلطة. كما تعتمد الورقة منهجية دراسة الحالة، عبر تتبّع المسار التاريخي لنشوء الدولة الليبية الحديثة، حتى انهيارها عقب انتفاضة السابع عشر من شباط/فبراير 2011.

أولًا: مفهوم فشل الدولة

بوجه عام، تُسيطر على تعريفات الدولة الفاشلة المقاربات المعيارية المتمثّلة بما يأتي: أولًا، المقاربة المؤسسية والوظيفية التي تنظر إلى الدولة بوصفها مُقدّمًا للخدمات في المقام الأول. ثانيًا، مقاربة السيادة القانونية التي تركز على الدولة بصفتها كيانًا مسؤولًا أمام القانون الدولي عن احتكار العنف داخل حدودها ومنع انتشار الأنشطة الإرهابية والاقتصادية خارجها[6].

بحسب شتاين إيريكسين، يُمثّل كل من روبرت روتبرغ، وويليام زارتمان المقاربة الأولى[7]. يضع روتبرغ التعريف التالي: «تحتوي الدول الفاشلة على مؤسسات ضعيفة أو معيبة في حال فقط كانت المؤسسات التنفيذية تعمل. إذا كانت الهيئات التشريعية موجودة، فهي آلات ختم مطاطي. النقاش الديمقراطي غائب بصورة ملحوظة. القضاء تابع للسلطة التنفيذية بدلًا من أن يكون مستقلًا عنها، ويعرف المواطنون أنهم لا يستطيعون الاعتماد على نظام المحاكم في الإنصاف بدرجة كبيرة، بالأخص ضد الدولة. لقد فقدت البيروقراطية منذ مدة طويلة إحساسها بالمسؤولية المهنية وهي موجودة فقط لتنفيذ أوامر السلطة التنفيذية، وبطرق تافهة، لقمع المواطنين. ربما يكون الجيش هو المؤسسة الوحيدة الباقية من النزاهة، لكن القوات المسلحة للدول الفاشلة غالبًا ما تكون مسيسة إلى حد كبير»[8]. في حين يرى زارتمان أن الدول تنهار عندما تفقد قدرتها على أداء وظائفها الرئيسية كفرض القانون والنظام والحكم الرشيد، إضافة إلى عجزها كمؤسسة صنع قرار في اتخاذ القرارات وتنفيذها[9].

يمثّل المقاربة الثانية منظرو العلاقات الدولية، مثل روبرت جاكسون الذي يُعرّف الدول الفاشلة على أنها «الدول التي لا تستطيع أو لن تصون الحد الأدنى من الشروط المدنية، أي السلام والنظام والأمن»[10]. بينما يربط ستيفن كراسنر في المقابل فشل الدولة بغياب المؤسسات المتعلّقة بالسيادة، سواء الداخلية، أو الخارجية؛ وذلك بالنظر إلى الدولة بوصفها صاحبة أعلى سلطة سياسية داخل أراضيها والتي ينبغي أن تكون مستقلة عن جميع هياكل السلطة الخارجية[11].

تشير الأدبيات التي عرضناها في الفقرات السابقة، إلى أن قوة أي دولة تعتمد بصورة أساسية على قوة مؤسساتها، بالأخص تلك المسؤولة عن احتكار العنف وتحقيق الأمن والاستقرار، وهو ما يقود بالضرورة إلى اعتماد الدولة الفيبيرية في الغرب كنموذج يُقاس عليه نجاح الدول أو فشلها.

قد تبرز محدودية مثل هذه الأدبيات عند محاولة تفسير الأسباب التي تؤدي إلى انهيار كثير من الدول النامية، بسبب تجاهلها المتكرّر للمسار التاريخي لتمثّل هذه الدول؛ فالدولة الأوروبية الحديثة التي تعود نشأتها إلى القرن السادس عشر، وبعد صلح ويستفاليا تحديدًا عام 1648، استكملت مراحل تأسيسها التاريخي بالانتصار على الترتيبات البديلة لها كالأرستقراطيات القائمة على القرابة، ونظام الإقطاع وشبكاته التجارية، وحتى الكنيسة. حدث ذلك كتتويج لعملية مؤسسية معقّدة شجعت من خلالها النُخب الحاكمة الاستيلاء الجشع على الموارد لإنشاء جيوش دائمة، إضافة إلى إنشاء بيروقراطية فعّالة لإدارة الضرائب والموارد المستخرجة في تمويل الحروب التي هدفت القضاء على التهديدات الخارجية واستبعاد المنافسين المحليين[12].

مع ترسّخ نظام الدولة في أوروبا، وعبر التوسّع الاستعماري تحديدًا، أصبح النموذج المؤسسي للدولة الأوروبية الحديثة يفرض نفسه على بقية الترتيبات التقليدية للسلطة في العالم. وبالنظر إلى تكوّن دول العالم الثالث مع بعض الاستثناءات، نجد أن عملية تأسيس الدولة فُرضت بشكل قسري من الخارج، بدلًا من أن تكون نتيجة لسيرورة تاريخية محلّية[13]؛ بدءًا من الحدود ومرورًا بمؤسسات الدولة الأخرى) بيروقراطيات، محاكم، جيوش، إلخ…)، وبخاصة أن معظم المؤسسات التي أُنشئت في دول العالم الثالث، أُنشئت لغرض الحفاظ على السيطرة واستخراج الموارد لمصلحة دول الاستعمار، وليس لتعزيز استقرار ورفاهية السُكّن المحليين[14].

كانت الآثار المترتبة عن الفرض القسري لنموذج الدولة الأوروبية الحديثة على دول العالم الثالث كارثية في ما يتعلّق بعلاقة المجتمعات مع دولها، التي نظرت إليها على أنها «فاقدة الشرعية»، أو «خادمة للمصالح الاستعمارية». وهذا ما يُفسر عدم اكتمال تبلور فكرة السيادة الشعبية، أي سلطة الدولة المنبثقة من الشعب في الكثير من دول ما بعد الاستعمار. من هنا، تعدّ أزمة الشرعية التي هي من أبرز المؤشرات على هشاشة الدولة حاليًا، مرتبطة مباشرة بظهور الهويات الفرعية المناهضة للدولة القومية الحديثة (الإثنية، والقبلية، والدينية، والطائفية)، على الضد من الهوية الوطنية الأكثر رسوخًا في الدول القوية.

بقيت عوامل إضعاف الدولة موجودة في العالم الثالث حتى مع نهاية الحقبة الاستعمارية بعد الحرب العالمية الثانية، ومواصلة قطبي الحرب الباردة (أمريكا، والاتحاد السوفياتي) انتهاك معايير النظام الدولي الجديد المبني ظاهريًا على مبدأ احترام الدولة ذات السيادة. إلا أن القوتين العظميين استمرتا في التلاعب بالسياسات المحلية لدول ما بعد الاستعمار، من خلال تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية للنخب الحاكمة فيها، من أجل ضمان مصالحها السياسية. وهو ما جعل حكّام معظم دول العالم الثالث مسؤولين أكثر فأكثر أمام القوى الخارجية الداعمة لهم، بدلًا من أن يكونوا مسؤولين أمام مجتمعاتهم[15].

أفصحت نهاية الحرب الباردة عن نتائج أكثر سوءًا بالنسبة إلى دول ما بعد الاستعمار بعد ظهور نتائج الإصلاحات الاقتصادية والسياسية المدفوعة بالأيديولوجيا النيوليبرالية خلال الثمانينيات، وبخاصة برامج التكيّف الهيكلي التي أجبرت الكثير من الدول صاحبة البُنى الاقتصادية الضعيفة أساسًا، على خفض الإنفاق الحكومي، وتحرير التجارة الخارجية، والخصخصة. ومع تقييد الصادرات وارتفاع الديون الخارجية، انخفضت معدّلات نصيب الأفراد من الناتج القومي، وارتفعت مستويات الفقر أكثر فأكثر، وهو ما أدّى بعدد من الدول إلى الاعتماد على مصادر تمويل بديلة وتقوية الاقتصاد الموازي، المزدهر بفضل العولمة والقائم على التهريب، وتجارة المخدّرات والسلاح[16].

وضعت تأثيرات الإصلاحات النيوليبرالية قادة الدول الضعيفة في مأزق حقيقي أمام مجتمعاتها، التي شعرت بأنها فقدت الرعاية الاجتماعية وتعرّضت للتهميش والحرمان، وعبّرت عن ذلك بالتعبئة المناهضة ضد الدولة عبر انتشار المعارضة المسلحة، وجماعات التمرّد التي خاضت حروبًا أهلية في الكثير من الدول وبخاصة الأفريقية، التي حوّلتها إلى دول منهارة بالكامل[17].

من هنا، فنحن ندعو في بحثنا هذا إلى عدم الاكتفاء، بوصف دولة ما على أنها فاشلة أم لا، من دون أن يشمل التحليل المسار التاريخي المصاحب لتكوّن كل دولة على حدة، ونخبها الحاكمة، ومدى تأثّرها بالبيئة الإقليمية أو الدولية التي تتفاعل ضمنها هذه الدولة أو تلك.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 540 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 540 شباط/ فبراير 2024

كتاب ذات صلة:

دراسات في تاريخ ليبيا المعاصر

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 540 في شباط/فبراير 2024.

علي بن موسى: طالب دراسات من معهد الدوحة للدراسات العليا.

[1]  Wiesław Lizak, «Libya  – Road to Dysfunctionality,» Politeja, vol. 15, no. 5 (2018), p. 23.

[2]   Natasha Ezrow and Erica Frantz, «Revisiting the Concept of the Failed State: Bringing the State Back in,» Third World Quarterly, vol. 34, no. 8 (2013), p. 1323.

[3]   Charles T. Call, «The Fallacy of the «Failed State»,» Third World Quarterly, vol. 29, no. 8 (2008), p. 1493.

[4]   The National Security Strategy of the United States of America (Washington, DC: The White House, 2002), p.1, <https://rebrand.ly/1a9e3a>.

[5]   Eghosa E. Osaghae, «Fragile States,» Development in Practice, vol. 17, nos. 4-5 (August 2007), pp. 691-692.

[6]   Shahida Aman and Shagufta Aman, «Understanding «Failed States» and «State Failure»: Discourses and Limitations,» Pakistan Horizon, vol. 68, no. 2 (April 2015), pp. 97-98.

[7]   Stein Sundstøl Eriksen, «“State Failure» in Theory and Practice : The Idea of the State and the Contradictions of State Formation,» Review of International Studies, vol. 37, no. 1 (January 2011), p. 230.

[8]   Robert I. Rotberg, «The New Nature of Nature-state Failure,» The Washington Quarterly, vol. 25, no. 3 (Summer 2002), p. 87.

[9]   I. William Zartman, Collapsed States the Disintegration and Restoration of Legitimate Authority (Boulder, CO: Lynne Rienner 1995), p. 6.

[10] Robert H. Jackson, «Surrogate Sovereignty? Great Power Responsibility and Failed States,» Working Paper, no. 25, Institute of International Relations, The University of British Colombia, November 1998, p.2.

[11]   Stephen D. Krasner, «Sharing Sovereignty: New Institutions for Collapsed and Failing States,» International Security, vol. 29, no. 2 (Fall 2004), pp. 85-120.

[12]   Lisa Anderson, «Antiquated before They Can Ossify States that Fail before they Form,» Journal of International Affairs, vol. 58, no. 1 (Fall 2004), p. 4.

[13]   Roland Dannreuther, «War and Insecurity: Legacies of Northern and Southern State Formation,» Review of International Studies, vol. 33, no. 2 (April 2007), p. 316.

[14]   Eriksen, ««State Failure» in Theory and Practice: The Idea of the State and the Contradictions of State Formation,» p. 240.

[15]        Anderson, «Antiquated before They Can Ossify States that Fail before they Form,» p. 9.

[16]        Eriksen, Ibid., p. 244.

[17]        Shahida Aman and Shagufta Aman, «Understanding «Failed States» and «State Failure»: Discourses and Limitations,» Pakistan Horizon, vol. 68, no. 2 (April 2015), p. 96.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز