عنوان الكتاب بالفرنسية: Le Nettoyage ethnique de la Palestine
ترجمه من الانكليزية: بول شيملا
المؤلف: Ilan Pappé
مراجعة: عبد المجيد السخيري
الناشر: Paris: La Fabrique éditions
سنة النشر: 2024
عدد الصفحات: 396
مقدمة
إذا كان الرأي العام العالمي ظل عقودًا غير مدرك بوضوح لما عاناه الشعب الفلسطيني من تطهير عرقي وحروب التهجير والطرد القسريين من أراضيه، فإن الواجبين الأخلاقي والسياسي يفرضان اليوم تدارك الظلم الفادح الذي ارتُكب في حق هذا الشعب بتجاهل تاريخه الحديث، والاستمرار في إنكار ما تعرّض له من أفعال القتل والتشريد والذبح تندرج أوصافها ضمن التعريف الرائج اليوم للتطهير العرقي؛ إذ ليس من شك في أن الذي حدث عام 1948، أُريد «تقريبًا استئصاله من الذاكرة الجماعية العالمية ومحوه من ضمير العالم» (ص 37)، أولًا كحقيقة تاريخية تستوجب الاعتراف بها، وثانيًا كجريمة تستدعي المساءلة القانونية والعقاب، أو على الأقل الإدانة الأخلاقية والسياسية، بدل «تجاهلها كليًا» (ص 36). فما جرى من أعمال القتل بالقوة المسلحة، استكمالًا لأنشطة الترهيب والاضطهاد والترحيل القسري الممارسة من جانب الميليشيات الصهيونية، بهدف إخلاء أرض فلسطين من سكانها الأصليين لفسح المجال أمام مجموعة عرقية و/أو دينية لتحل محل المجموعة الأصلية، مع طمس عناصر هويتها الثقافية أو الدينية أو اللغوية وغيرها، يتفق تمامًا مع مفهوم التطهير العرقي، كما صار يُعرف بعد اعتماده رسميًا من جانب مجلس الأمن الدولي في قراره الرقم 771 حول يوغسلافيا السابقة بتاريخ 13 آب/أغسطس 1992.
أولًا: عن الكتاب وسياق «طوفان الأقصى»
صدرت الطبعة الجديدة المترجمة لكتاب التطهير العرقي في فلسطين بعد أشهر قليلة من عملية «طوفان الأقصى»، وبعد سنوات من صدور الطبعة الأصلية الأولى[1]، بعدما كشفت وقائع استهداف المدنيين وإجبارهم على ترك منازلهم، وتدمير مقومات الحياة والأمن والاستقرار المعيشي، عن تنفيذ سياسة تطهير عرقي تروم فرض أمر واقع شبيه بما حدث قبل أزيَد من سبعة عقود. وتعزز الاهتمام بالكتاب بقرار دار النشر الفرنسية «فايار»، التي أصدرت ترجمته الفرنسية سنة 2008، تعليق تسويقه منذ 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2023.
ولأن كتاب بابيه يسرد قصة جريمة تطهير فلسطين عرقيًا، فذلك يجعل منه عملًا خطيرًا يُهدد الرواية الرسمية في واحدة من أشد القضايا ارتباطًا بالأيديولوجية الصهيونية المتحصّنة بالأكاذيب والتشويه، وينزع عنها الحجاب ويُعرّيها أمام العالم. ولأنه قرر أن يخوض معركة الحقيقة على أرضية التاريخ بالتنقيب والحفر في الذاكرة والأرشيف، وبدايةً من تسمية الأمور بمسمياتها: ما اقترفته العصابات الصهيونية، بدعم من القوى الاستعمارية وتواطؤ الأمم المتحدة، قبل خمسة وسبعين عامًا، اسمه التطهير العرقي لا «حرب التحرير»، ببساطة لأن الذين قُذف بهم بالقوة والبطش والتذبيح إلى المجهول والمنافي والملاجئ هم أصحاب الأرض، وقد انتُزعت منهم منازلهم وطُردوا من قراهم ومدنهم، وتم تغيير أسماء بلداتهم ومحو آثارها ومعالمها ليخلو للقادمين الجدد الجو والمكان لصناعة «تاريخ» على الأهواء يتفق مع الخرافات الدينية والمزاعم الأيديولوجية. ومن ثم فالواجب المهني يقتضي استرداد قصة هؤلاء ومأساتهم من النسيان، وإعادة «كتابة تاريخ صحيح كان ينبغي أن يُكتب منذ مدة بعيدة» (ص 16)، بينما يفرض الواجب الأخلاقي التصدي لكل المحاولات والروايات المغيِّبة لهذه القصة، ومن ثم ترسيخ القناعة بأن «التطهير العرقي الذي وقع في فلسطين يجب أن يترسخ في ذاكرتنا ووعينا بوصفه جريمة ضد الإنسانية» (ص 21).
أهمية الكتاب: تتجاوز قيمة الكتاب السياقات السياسية أو الظرفية الحربية، أو حتى مجرد تسليط الضوء على واحدة من أقدم قضايا الاستعمار في عصرنا. إنه وثيقة علمية بالغة الأهمية تطلّب إنجازها جهودًا مضنية من التنقيب والبحث في الأرشيفات، فضلًا عن الالتزام الأخلاقي بالحقيقة، الذي ليس بالأمر السهل بالنسبة إلى مؤلف نشأ على سردية الإنكار وتزييف الحقائق في شأن تاريخ فلسطين وتأسيس الكيان الإسرائيلي. لذلك فهو يعلن منذ البداية أن الكتاب وُضع «أولًا وقبل أي شيء من أجل الفلسطينيين، ضحايا التطهير العرقي عام 1948»، ومن أجل نوع من التخفّف من عبء ذاكرة النكبة وقصص معاناة ضحاياها وآمالهم. وهو بقدر ما يُولّد لدى قارئه قدرًا ليس باليسير من الألم والحزن والشجن، حين يستعيد تفاصيل القتل والحرق والذبح والتهجير وتشويه التاريخ والمكان وسرقة التراث ومحاولات طمس الذاكرة، يُقدم في الوقت نفسه مساهمة عظيمة إلى أجيال الحاضر من أجل مقاومة النسيان. وقد اعتمد المؤلف على منهج توثيقي يجمع بين المقاربة الكرونولوجية والموضوعاتية، والحفر في الذاكرة الشفوية والشهادات واستثمار مواد الأرشيف الصهيوني الرسمي والبريطاني، ومذكرات قادة الكيان والهاغاناه، ما مكنه، علاوة على الشجاعة الأخلاقية، من تعقُّب عمليات التطهير العرقي منذ نهاية عام 1947 وتطور خطط قيادة العمليات التنفيذية عبر فصول الكتاب، وهو ما جعل العمل ثريًا من حيث المادة والتغذية المرجعية والشواهد الدامغة على جريمة ضد الإنسانية لا يطالها التقادم.
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 553 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 553 في آذار/مارس 2025.
عبد المجيد السخيري: كاتب، ناقد وباحث في الفلسفة والعلوم السياسية والجماليات – المغرب.
[1] Ilan Pappé, The Ethnic Cleansing of Palestine (Oxford: Oneworld, 2006), 316 p.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



