مقدمة

برزت في سنتي 2022-2023 وحتى اللحظة تشكيلات جديدة للمقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، بدأت بـ«كتيبة جنين»، وقياسًا عليها انطلقت كتيبة «مخيم عقبة جبر»، ثم «كتيبة بلاطة»، و«كتيبة طولكرم»، في حين برزت في مدينة نابلس «عرين الأسود»، مكوِّنة بذلك حالة جديدة من أنماط التشكيلات المقاومة للاحتلال الإسرائيلي.

لم تكتفِ هذه المجموعات بتنفيذ العمل المقاوم تجاه قوات الاحتلال الإسرائيلي، بل أحدثت حالة من التغيير في ثلاثة اتجاهات: الأول، المجتمع الفلسطيني في الضفة بعد قرابة 15 عامًا من حالة الانقسام السياسي الفلسطيني الذي أوجد فجوة ما بين مفهوم العمل الوطني والصراع السياسي الداخلي، أدت إلى إحداث حالة من الفتور في الحاضنة الشعبية وتفاعلها مع القضايا الوطنية. والثاني، في اتجاه وعي المواجهة، ومعادلة الخوف مع الاحتلال الإسرائيلي، الذي استطاع إعادة هندسة الحالة الميدانية في الضفة لتعزيز الوجود الاستيطاني وفق وتيرة متسارعة مقابل التسليم المجتمعي فلسطينيًا لما يحدث. أما الاتجاه الثالث فهو في إعادة ربط الحالة الوطنية الفلسطينية بالكل الفلسطيني، وهو ما بات يطلق عليه مفهوم «وحدة الساحات».

شهدت الحالة الفلسطينية بعد الانتفاضة الثانية عام 2000 فراغًا خلا لمدة زمنية من العمل النضالي المنظم ضد الاحتلال، لمجموعةٍ من الأسباب تعلق منها بجزءٍ ذاتي، وتمثل بالإنهاك الذي أصاب القوى والتنظيمات الفلسطينية بعد ما استخدمته إسرائيل من قوة هائلة لتفكيك بنى المقاومة، وضرب عناصرها، والواقع الاقتصادي الذي عاشه الفلسطينيون على مدار سنوات الانتفاضة، مؤديًا إلى ارتفاع مستويات البطالة وقلة السيولة النقدية وسوء الحالة المادية، وما تعلق بعدها بالظروف الإقليمية التي قادت إلى تهدئة الأوضاع في الحالة الفلسطينية.

بقيت الضفّة الغربية حتى عام 2011، على حافة النضال الفلسطيني رغم ما حدث من اعتداءات إسرائيلية على قطاع غزة، باستثناء الدعوة إلى مقاومة شعبية فلسطينية. لكنَّ عوامل التثوير كانت حاضرة، يتمثل أهمها بفعل السياق الاستعماري الاستيطاني الذي يرفض البقاء منطويًا على نفسه من دون الاستمرار في استخدام أدواته لإكمال مشروعه الإحلالي، في حين يتمثل العامل الثاني بضعف السلطة الفلسطينية، والركود النضالي للفصائل، وهي عوامل مهمة بدأت أولى أنماطها تتمثل بالمقاومة الفردية وتحديدًا في عام 2012، إذ أشارت إحصاءات جهاز الشاباك الإسرائيلي إلى أن ذلك العام كان بدايةَ تحوُّل في الفعل المقاوم ضد إسرائيل، وسُجل خلاله 610 أعمال مقاومة في الضفة الغربية والقدس، في حين ارتفعت أعمال المقاومة في عام 2013 إلى 1271 عملًا، ووصلت إلى 1793 عملًا عام 2014، وهو العام الذي صاحب عدوانًا إسرائيليًا آخر على قطاع غزة سمَّته المقاومة «العصف المأكول» في حين سمَّته إسرائيل «الجرف الصامد»، أما في عام 2015 فكانت «هبّة القدس» التي مثلت مسارَ تحوُّل جوهري في تغيّر أنماط المقاومة الفلسطينية وانطلاق موسعٍ للعمليات الفردية، التي كانت مصدر إلهام في تنامي الفعل وارتفاع حدة تأثيره، وهذا ما أقر به الشاباك الإسرائيلي الذي قال إن السنة تضمنت قرابة 1719 عملًا مقاومًا، حاملًا تغيرات في التنفيذ والتخطيط والتأثير[2].

تفحص هذه الدراسة، مشكلة أساسية وتحاول تفكيكها، وتتمثل بأنّ هنالك مظاهرَ تَحوُّل محددة في أنماط العمل النضالي الفلسطيني، بما في ذلك البيئة الفلسطينية، والفعل الإسرائيلي على الأرض، ومدى نجاح هذه الأشكال الحديثة في إحداث تغيير في مفهوم العمل النضالي الفلسطيني، بوصف العمل النضالي الفلسطيني عملًا يُسيّر وفق منظومته الخاصة، ولكنه ليس منفصلًا عن اعتلالات الحالة المحيطة به، والظروف الدافعة نحو تغيير أنماطه في الضفة الغربية، سواءٌ كانت تلك الظروف ذاتيةً تتعلق بالفلسطينيين أنفسهم أو موضوعية تتعلق بالأدوات المتبناة في إنجاز التغيير، أو ظروف داخلية تتعلق بالحالة السياسية الفلسطينية، أو خارجية ترتبط بالمحيط العربي والإقليمي، أو مرتبطة بالاحتلال بوصفه في سياقه الاستعماري إحدى أدوات الدفع في اتجاه وُجوب تغيير أنماط النضال أو التشكيلات الحديثة للمقاومة بما يتناسب والحالة الجارية، وعدم الاكتفاء بنمطٍ تقليدي أو نوع واحد من النضال أو المقاومة.

تسعى الدراسة إلى الإجابة عن مجموعةٍ من الأسئلة في محاولةٍ منها لتفكيك مشكلة الدراسة، وهي:

–  ما مدى قدرة هذه التشكيلات على بناء نمط جديد في المقاومة يمكن أن يُحدث حالة تغيير في النسق الاعتيادي للمواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي؟

– ما العوامل الدافعة في اتجاه تطوير تشكيلاتٍ وأنماط حديثة للمقاومة في الضفة الغربية، وما عوامل التثبيط؟

– كيف أثرت التشكيلات الجديدة في وجود لامركزيةٍ في العمل على حساب التنظيم، وكيف انعكس ذلك على حال الفصائل والأحزاب الفلسطينية؟

– ما مدى التحول الجاري في أنماط المقاومة الحديثة على إعادة تصحيح إطار الفعل الاجتماعي النضالي الفلسطيني بوصف التحولات الجارية عناصر إلهام على المستويين النظري والعملي؟

تفترض الدراسة: (1) وجود حالة اختمارٍ في الحالة النضالية الفلسطينية أدت إلى نضج الفعل المقاوم وتغيّر أنماطه، بحيث تمثل تكوين حالة الاختمار تلك بانسحاب السلطة الفلسطينية من الفعل، وتراجع الفصائل والحركات الفلسطينية إلى الداخل، وتغيُّر الشخصية الكفاحية للفلسطينيين والتي لا بُد أن تستعيد نفسها مهما تقادم الزمن وفي حال توافر الأدوات اللازمة، وهو ما حصل في الحالة الفلسطينية الراهنة. (2) وجود علاقة وثيقة بين التغير الحاصل في نمط الفعل المقاوم الفلسطيني، واستناده إلى الفكر العابر للأيديولوجيا بحسبان مثال شهداء العمليات الفردية، أو المقاومين أصبحوا  ذات دلالات رمزية عند الأجيال الموجودة، بغضّ النظر عن أيديولوجيتهم المتبناة، وهو ما سيشكل حالة إلهام للاهتمام بالتغيرات الحاصلة. (3) وجود علاقة بين التَغير الحاصل في أنماط التغيير لتشكيلات المقاومة الحديثة في الضفة الغربية من نواحٍ مختلفة، واستخدام إسرائيل كقوة احتلال أدواتٍ و/أو نظرياتٍ دفعت في اتجاه التغيير/ بل هنالك مؤشرات على أن التغيير يَزيد بزيادة استخدام إسرائيل أدواتها وتطويرها ضمن سياقات مختلفة كل مرة في الزمان والمكان.

تعتمد الدراسة مقاربةً ومنهجًا (1) منهج الاستمرارية والتغيير (Continuity and Change Approach) وهو منهجٌ يتناسب والحالة المدروسة، ويتم الاستعانة بهِ هنا لرصد التغييرات الحاصلة في تحولات أنماط المقاومة وتشكيلاتها في الضفة، من حيث رصد نوع التغيير الحاصل (إيجابي/سلبي)، ومعرفة سرعة التغيير (مفاجئ، سريع، تدريجي، ثابت، بطيء)، ورصد المدى الزمني للتغيير (طويل الأمد، متوسط، قصير)، إضافة إلى الاستمرارية في التغيير ومقارنة ذلك بالتشكيلات التقليدية للمقاومة ومعرفة الاختلافات الحاصلة وتشابهاتها في محاولة للإجابة عن الأسئلة المطروحة. (2) نظرية رالف دايرندورف (Ralf Dahrendorf) في تفسير الصراع، بوصف التغير في تشكيلات المقاومة تغيرًا في البناء الاجتماعي، من حيث إن هنالك حالة من الصراع الحاصل ما بين نفوذ جهات معينة ترى في المقاومة مع الاحتلال انحسارًا في شكل معين، بينما تتبنى أخرى كل أشكال المقاومة وطرقها، وإذا ما تم الاستعانة بنظرية الصراع يُمكن فحص ما أحدثته الأنماط الجديدة من المقاومة في الضفة بوصفه نوعًا من الصراع الناعم الحاصل في الحالة الفلسطينية، قد ينحو في اتجاه تغيير في الوعي الجمعي، تجاه ضرورة حصول انعكاس لمفاهيم الحالة المتبناة مع الاحتلال. (3) نظرية الإطار أو التأطير، التي تُستخدم في الدراسة لفهم ديناميات التغيير بوصف تشكيلات المقاومة الحديثة وتغيّر أنماطها أحد أشكال الاحتجاج الاجتماعي على مظاهر مختلفة غير مقبولة لدى الفاعلين، ومثال ذلك، فعل الاستعمار الإسرائيلي الاستيطاني في الضفة الغربية الذي يُجبر الفاعلين على تغيير نمطهم في مقاومته أو تغيير الأدوات اللازمة للتصدي إما لحرف الفعل عن مساره والحد من تأثيره، وإما لوقفه، والمعايير التي يُمكن اللجوء إليها وفق سياق ظرف معين[3].

تهدف الدراسة إلى: (1) المساهمة في فهم ميكانيزمات الفعل المقاوم فلسطينيًا، ومدى قابليته للتحول إلى فعل مؤثر تزداد حدة تأثيره بالتناسب مع تطوير أنماطه وتشكيلاته في الضفة الغربية، والقدرة على المواجهة مع الاحتلال، وذلك يتم من خلال فهم ذهنية التغير أو التحول التي تُحدد الآليات الداخلية التي تُنتج التغيير، والقواعد الناظمة لأنماط ذلك التغيير. (2) معرفة مدى استجابة المجتمع الفلسطيني للتغيرات الحاصلة، وكيفية تعاطيه معها من منظوري المواجهة أو الاستسلام.

تنبع أهمية الدراسة من كونها من الدراسات التأسيسية التي تُحاول جادةً التوصل إلى رؤية معرفية حول أنماط التغير في الفعل المقاوم فلسطينيًا ما بعد عام 2015، ومدى قدرة هذا التغير/أو التغيير على إحداث نقلة نوعية في مضمون الوعي الجمعي بأهمية الفعل المقاوم، وضرورة تحديث أدواته أو تطويرها.

تعتمد الدراسة على أدوات متبناة لإنجاز الإجابة عن ما طُرح من أسئلة، وتعتمد بصورة أساسية على المقابلات الميدانية مع الجهات قيد الدراسة لجمع المعلومات من مصادرها الأولية، كون الحالة الحاصلة حالةً حديثة، وللمزج ما بين الرأي العلمي والآخر العملي على الأرض.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 547 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 547 أيلول/سبتمبر 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 547 في أيلول/سبتمبر 2024.

[1]إياد أحمد أبو زنيط: باحث في مؤسسة يبوس للدراسات – رام الله.

سليمان بشارات: مدير مؤسسة يبوس للدراسات – رام الله.

[2]   ساري عرابي، المقاومة في الضفة الغربية.. مساراتها وآفاقها، ورقة سياسيات (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات، 2022)، ص 8، نقلًا عن: الملخص السنوي للإرهاب واتجاهاته (تل أبيب، الشاباك، 2015)، ص 15، <https://shorturl.at/deqF2>.

[3]           Erving Goffman, Frame Analysis: An Essay on the Organization of Experience (London: Harper and Row, 1974).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز