مقدمة

بُعيد اندلاع الحرب الإسرائيلية ضد قطاع غزة في إثر هجوم السابع من أكتوبر 2023 الذي قادته على نحو مباغت فصائل المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس[1]، اجتاحت في الأشهر الأخيرة من السنة نفسها موجة من الاحتجاجات العارمة في الكثير من بلدان العالم رغم محاولات حظرها وقمعها[2]، وتم تسجيل أكبر عدد من التظاهرات العالمية كرد فعل على أوامر الجيش الإسرائيلي لسكان غزة بإخلاء النصف الشمالي من القطاع في 13 تشرين الأول/أكتوبر. وخلال المدة بين السابع والسابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر لوحدها سُجّل عالميًا ما يقارب 4200 تظاهرة، كانت معظمها، أي 3700 تًظاهرة تقريبًا مُؤيدة لغزة ولفلسطين ومناهضة للحرب[3]. وقد رفعت هذه التظاهرات مجموعةً من المطالب، من بينها: وقف الحرب على غزة وهو الهدف الأبرز للاحتجاجات، ورفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني من خلال المطالبة برفع الحصار الإسرائيلي على القطاع المُستمر منذ سنوات، وتوفير المساعدات الإنسانية لساكنة القطاع، وإدانة الهجوم الإسرائيلي، والمطالبة بتغيير السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وبإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وحل الدولتين. ومن ثم أكد حجم هذه التظاهرات أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة لا تحظى بدعم شعبي عالمي. وقد استمرت هذه التظاهرات حتى في النصف الأول من سنة 2024 [4].

ويُعدّ جزء كبير من المشاركين في هذه التظاهرات المُناهضة للحرب من جيل شبابي جديد ومتنوع عرقيًا، إلى جانب أجيال شابّة من عرب المهجر، كما يظهر ذلك بصورة أكثر وضوحًا في ديناميات الاحتجاج في الولايات المتحدة، التي شهدت عالميًا أكبر عدد من الاحتجاجات المُناهضة للحرب ضد غزة، المتنوعة كمًّا وكيفًا[5]، وهذا ما يذكرنا باحتجاجات مشابهة لها شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر عام 2019 وتواصلت في عام 2020 بعد قتل الشرطة الأمريكية جورج فلويد وانتقلت بعد ذلك إلى عدة دول عبر العالم[6].

وقد ظهر من خلال أهداف التظاهرات ومطالبها أن الديناميات الاحتجاجية الجديدة  في الغرب هي أكثر من مجرد تحدٍّ شبابي لنخب حاكمة في دول غربية مُحددة لم تلتقط الرسالة الإنسانية لهذا الحراك الاحتجاجي أو لم ترغب في ذلك، وفضَّلت الاستمرار في سياسة الكيل بمكيالين، مكيال التشديد على الحق في «الدفاع عن النفس» مهما بلغت الخسارة البشرية والأخلاقية، ومكيال تهمة معاداة السامية والتزام صمت مصلحي عن جرائم الحرب ومحاولة نسيانها رغم أنها قد وُثّقت من طرف وسائل الإعلام، كلاسيكية كانت أم جديدة[7]، ذلك بأن ما تمت مُعاينته منذ السابع من أكتوبر من زخم احتجاجي غير مسبوق من خلال مجموعة من مظاهر التضامن الإنساني، يجعلنا نجادل في هذه الورقة أن ما شهدناه هو انبعاث عالمي لذاكرة فلسطين[8]، يقوده نشطاء الذاكرة من حركات شبابية احتجاجية، زاد من زخمها مشاركة حركات يهودية شبابية مُساندة للحق الفلسطيني ومناهضة للاحتلال، وهي بهذا تُعد امتدادًا ديناميًّا لتظاهرات سنة 2019 – 2020 التي كانت أيضًا ذات طابع ذاكري بنَفَسٍ احتجاجي.

هنا تُطرح التساؤلات التالية نفسها:

هل لدى الحراك الاحتجاجي الجديد طبيعة ذاكرية؟ وما وظائفها؟

ما الوسائط والرموز الذاكرية التي عزّزت ولا تزال حراك التضامن مع قطاع غزة؟

ما طبيعة العلاقة التي تربط الحراك الاحتجاجي الجديد بموجة الاحتجاجات العالمية سنة 2019 – 2020 ضد العنصرية؟

كيف يُنظر إلى هذا الحراك الاحتجاجي والذاكري في سياق سياسات الذاكرة التي انتهجتها الأنظمة السياسية الغربية؟

تسعى هذه الورقة للإجابة عن هاته التساؤلات من خلال اعتماد مفاهيم وأدوات مفتاحية من حقل دراسات الذاكرة الجمعية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، التي تتعاطى مع الأبعاد الجمعية للتذكر والنسيان ووظائفهما في مختلف السياقات السوسيوثقافية[9].

أولًا: احتجاجات غير مسبوقة ومظاهر تضامن مبتكرة

منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، شهدت مراكز المدن الكبيرة والعواصم الغربية تجمعات ومسيرات هائلة الأعداد، رفع فيها المشاركون شعارًا شبه موحد، وهو: «أوقفوا الحرب الآن». تميزت هذه الديناميات الاحتجاجية ضد الحرب على غزة بنَفَس ابتكاري غير مسبوق؛ ففي شهر تشرين الأول/أكتوبر نفسه، نجح ناشطون من حركات معارضة للصهيونية، إلى جانب حركات شبابية ويهودية داعمة للقضية الفلسطينية، في الاحتجاج داخل مبنى الكابيتول، المقر الرسمي للكونغرس الأمريكي في واشنطن. وكانت مطالبهم تركز على «وقف إطلاق النار الآن»، وهي العبارة الأشهر التي ميّزت تلك التظاهرات[10]. وفي الشهر نفسه، شهدت العاصمة البريطانية لندن احتجاجات حاشدة تضامنًا مع قطاع غزة وسكانه، حيث بلغت أعداد المشاركين مستويات غير مسبوقة. أدت هذه الأحداث إلى اتهام وزيرة الداخلية البريطانية، سويلا برافرمان، للشرطة البريطانية بالتعاطف مع المتظاهرين، وهو ما أدى إلى إقالتها في النهاية من جانب رئيس الوزراء، ريشي سوناك[11]. وفي شهر تشرين الثاني/نوفمبر من السنة نفسها، شهدت العاصمة الأمريكية بدورها، ما قيل بأنها أكبر تظاهرة مؤيدة للقضية الفلسطينية في تاريخ الولايات المتحدة، حيث شارك فيها نحو 300 ألف شخص[12]. وفي الشهر نفسه سُجلّت 46 تظاهرة ضخمة في مدن أوروبية وأمريكية وكندية مختلفة، شارك فيها مُجتمعة أكثر من خمسة ملايين متظاهر وفق تقديرات غير رسمية[13]. كما حاول نشطاء ونقابات عُمّال في الولايات المتحدة وبريطانيا عرقلة شحنات الأسلحة المتجهة إلى إسرائيل[14].

ولعل ذُروة هذا التضامن العالمي كانت الدعوة إلى إضراب عالمي شامل تضامنًا مع قطاع غزة، جرى فعليًا في الحادي عشر من شهر كانون الأول/ديسمبر، حيث كان الهدف منه المطالبة بإنهاء الحرب على قطاع غزة والاحتجاج على الفيتو الأمريكي أيضًا الذي أفشل مشروع قرار في مجلس الأمن الذي جاء في الشهر نفسه، دعت إليه المجموعة العربية يُطالب بوقف إطلاق نار إنساني في قطاع غزة[15]. وفي هذا السياق، تم تذكُّر حجم التأثير الذي خلّفه إضراب عام 1936 في فلسطين، الذي استمر لأكثر من ستة أشهر، ويُعَدّ واحدًا من أطول الإضرابات التي جرت ضد الانتداب البريطاني والهجرة اليهودية غير الشرعية إلى الأراضي الفلسطينية. وفي هذا السياق، طُرح تساؤل حول ما إذا كان هذا الإضراب يمثّل خطوة نحو تأسيس حركة احتجاج عالمية أكبر[16].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 546 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 546 آب/أغسطس 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 546 في آب/أغسطس 2024.

زهير سوكاح: باحث في مجال دراسات الذاكرة الجمعية ومحاضر، جامعة دوسلدورف الألمانية.

الصورة من غيتي.

[1]   أدى هذا الهجوم المباغت إلى سقوط 1400 قتيل واحتجاز ما لا يقل عن 240 شخصًا، جرى، ضمن اتفاقيات تبادل الأسرى، إطلاق سراح عدد منهم.

[2]   راغدة بهنام، «انتقادات لدول أوروبية لحظرها مظاهرات مؤيدة للفلسطينيين،» الشرق الأوسط، 24/10/2023، <http://tinyurl.com/2p9dwhbr> (تاريخ الزيارة 13 كانون الثاني/يناير 2024).

[3]   «الحرة: أين كانت ومن ناصرت؟ 4 آلاف تظاهرة بالعالم منذ اندلاع حرب غزة،» الحرة، 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، <http://tinyurl.com/4a84m7mt>  (تاريخ الزيارة 8 كانون الثاني/يناير 2024).

[4]   «مظاهرات بمدن وعواصم عالمية دعمًا لغزة وتنديدًا بحرب الإبادة «الإسرائيلية»،» بوابة اللاجئين الفلسطينيين، 7 كانون الثاني/يناير 2024، <http://tinyurl.com/kezabzbc> (تاريخ الزيارة 8 كانون الثاني/يناير 2024).

[5]  «أكبر مظاهرة بواشنطن منذ بدء الحرب على غزة وانتقادات لاذعة لبايدن،» الجزيرة.نت، 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، <http://tinyurl.com/3j3ue7kc>  (تاريخ الزيارة 8 كانون الثاني/يناير 2024).

[6]   «جورج فلويد: 11 وفاة أشعلت احتجاجات ضد «وحشية» الشرطة الأمريكية،» بي بي سي عربي، 29 أيار/مايو 2020، <https://www.bbc.com/arabic/world-52835001>  (تاريخ الزيارة 8 كانون الثاني/يناير 2024).

[7]   «بايدن وقادة غربيون يؤكدون دعمهم «لإسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها،» فرانس 24، 23 تشرين الأول/أكتوبر 2023، <http://tinyurl.com/msb8pxye>  (تاريخ الزيارة 8 كانون الثاني/يناير 2024).

[8]   زهير سوكاح، «الثقافة الألمانية: لماذا ترى بعين واحدة؟،» العربي الجديد، 21/12/2023، <http://tinyurl.com/294sx8vb> (تاريخ الزيارة 8 كانون الثاني/يناير 2024).

[9]   للمزيد، انظر: زهير سوكاح، مدخل إلى دراسات الذاكرة في العلوم الإنسانية والاجتماعية (تلمسان، الجزائر: منشورات مدارج ـ 2021).

[10]   «ناشطون يدخلون مبنى الكونغرس احتجاجًا على حرب غزة،» الحرة، 19 تشرين الأول/أكتوبر 2023، <http://tinyurl.com/4cbbedkb>  (تاريخ الزيارة 9 كانون الثاني/يناير 2024).

[11]   «بريطانيا: إقالة وزيرة الداخلية بعد اتهامها الشرطة بـ»محاباة» متظاهرين مؤيدين للفلسطينيين،» الحرة، 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، <http://tinyurl.com/44chy9kp> (تاريخ الزيارة 9 كانون الثاني/يناير 2024).

[12]   «أكبر مظاهرة بواشنطن منذ بدء الحرب على غزة وانتقادات لاذعة لبايدن،» مصدر سابق.

[13]  «أكثر من 5 ملايين متظاهر في أوروبا وأميركا تنديدًا بالعدوان على غزة،» الجزيرة، 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، <http://tinyurl.com/5fsz4f9y> (تاريخ الزيارة 13 كانون الثاني/يناير 2024).

[14]  «نشطاء ونقابات عمال يحاولون عرقلة شحنات الأسلحة المتجهة إلى إسرائيل،» بي بي سي عربي، 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، <https://www.bbc.com/arabic/articles/cg3pykvgl3ko>. (تاريخ الزيارة 9 كانون الثاني/يناير 2024).

[15]  «كيف كان التفاعل مع دعوات الإضراب الشامل لوقف الحرب في غزة،» 11 كانون الأول/ديسمبر 2023، <https://www.bbc.com/arabic/articles/c1r2r207dlqo>  (تاريخ الزيارة 9 كانون الثاني/يناير 2024).

[16]   «الإضراب من أجل غزة: هل يؤسس لحركة احتجاج عالمية أكبر؟،» الخليج أونلاين، 13/12/2023، <https://khaleej.online/qwkKVv> (تاريخ الزيارة 9 كانون الثاني/يناير 2024).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز