مقدمة

يصف إيلان بابيه في كتابه أكبر سجن على الأرض قطاع غزة بـ«السّجن المشدّد الحراسة»[1] ففي حلول عام 2007 حاصرت إسرائيل هذه البقعة، التي تُعَدّ المنطقة الأعلى من حيث الكثافة السّكّانيّة في العالم، حصارًا تربيعيًّا: برّيًّا وبحريًا وجوّيًّا ورقميًّا، ومارست عليه سياسة جسدية «بيو-بوليتيكس» Bio-Politics))، تهدف إلى إدارة جسد الإنسان الغزّي (أي حجزه وتعذيبه وقتله)[2]، كما التّحكّم في حصّته من السّعرات الحراريّة والغذاء الذي يصله من المعابر (المصريّة والإسرائيليّة)، وهو ما يجعله «يشكّل مصفوفة موت في ظلّ الحصار الأكثر تركيبًا وتعقيدًا على وجه الأرض»[3]. كما تتأثر هذه المنطقة بالفاعلين الميدانيين والمباشرين عليها، وهم: السّلطات المصريّة والسّلطة الفلسطينية، وحركة حماس. ولا يمكن تقييم أداء الفاعلين بمعزل عن اتفاقيات أوسلو عام 1993، إذ إن إدارة دفة الحكم في القطاع كانت أحد مخرجاته الأساسية والمباشرة، وبالتالي أدى تأسيس السلطة الفلسطينية دورًا في التحولات الديمغرافية والسوسيولوجية لسكان القطاع.

خلال كل تلك المدّة، لم يتمكّن من مغادرة القطاع إلّا بضعة آلاف، وبعد شدّ الخناق الذي تَلا التحول السياسي مصر في حزيران/يونيو 2013 واستمرّ حتى منتصف عام 2018، فُتح معبر رفح البرّي – المنفذ الوحيد على القطاع – بناءً على جملة تفاهماتٍ بين الجانب الفلسطيني (متمثّلًا بـ«حكومة حماس» في غزّة) والسّلطات المصريّة، فهاجر عبره منذ قرار إعادة فتحه وحتّى الآن – رغم العوائق المصريّة – عشرات آلاف الغزّيّين[4]، ونُشرت بالتّوازي عشرات التّقارير الصّحافيّة والأوراق التي أشارت – بناءً على تقديرات متباينة لأعداد المهاجرين – إلى وجود ظاهرة هجرةٍ جماعيّةٍ من القطاع، وظاهرة هجرة غير شرعيّة للغزّيّين إلى أوروبّا عبر تركيا، كما شاعت في عددٍ من وسائل الإعلام تقارير مصوّرة مع بعض هؤلاء المهاجرين، ومع عائلات ضحايا الغرق في البحر[5]. وبيّنت مصادر أن الشّريحة الكبرى من المغادرين تنتمي إلى الفئة الشّابّة (سن 15-30 عامًا)، وتضمّ عددًا كبيرًا من خرّيجي الجّامعات والكفاءات[6].

ترصد هذه الدراسة الحركة السّكّانيّة للقطاع، وما طرأ عليه من تحوّلات بين عامَي 2007 و2022 لتبيّن أنّه شهد خلال الحقبة المدروسة ظاهرة هجرةٍ جماعيّة غير قابلةٍ للمعالجة خارج سياق الترانسفير وآليات التطهير العرقي، حيث توظف منظومة الاستعمار الاستيطانيّ الإسرائيليّ الحصار كأداة ضبطٍ فاعلة، تُعيد توجيه مواقف السّكّان إزاء أوضاعهم وأرضهم، وتمثّل لديهم منظومة قيمٍ وتوجّهات ورغبات ونقمات جديدة كما لو أنّهم سُجناء يُعاد ضبطهم.

نحلّل أيضًا أوضاع القطاع سياسيًّا واجتماعيًّا ونفسيًّا، وندرس عوامل الجذب والطّرد المتعلّقة بالهجرة منه في أعوام 2007 – 2022 بناءً على إحصاءاتٍ وبياناتٍ رسميّة اقتصاديّة، مُركّزةً على الهبة الدّيمغرافيّة التي يعيشها، وآخذةً في الحُسبان مسألة التّحوُّل الجيليّ.

فخلال خمسة عشر عامًا من الحصار ولد من يمكن تسميتهم «السجناء الجدد»، ممن عايشوا خمسة حروب شاملة وعشرات العمليات العسكرية محدودة النطاق، وأوضاعًا اقتصادية واجتماعية متردية جدًا، فضلًا عن انعدام الأفق السياسي، واستبعاد الجيل الشاب الناشئ عن مرافق الحياة كافة. ففي السجن تنشأ آلام وأحلام جديدة مكبوتة، يقرر في إثرها السجين حين يُفتح باب السجن فجأة الهرب بالضرورة. ونحاول مفهمة هذا الوصف – أي «السجناء الجدد» – للتدليل على الجيل الذي نشأ وعيه تحت سطوة الحصار والفاعلين المباشرين، وأصبحت الحرب جزءًا من حياته بأبعادها المادية والنفسية، ففئة الشباب في غزة اليوم (15-30 سنة) هم جميعًا ممن عاش جزءًا مهمًا من حياتهم تحت الحصار، بل إن الفئة العظمى منهم لم يعرفوا غير الحصار.

تقدم الدراسة بيانات رسميّة وحصريّة حول أعداد المهاجرين من قطاع غزة، توضح تضخم ظاهرة الهجرة في سنوات ما بعد الحصارـ الأمر الذي لم يتم الإعلان عنه بصفة رسمية وبالأرقام من جانب الدوائر الرسمية الحكومية (الفلسطينية)، والدولية والإنسانية. نستند في ذلك إلى مجموعة قواعد بيانات، أولًا، قاعدة بيانات رسمية مسرّبة، نشرها مؤخرًا التلفزيون العربي في فيلم وثائقي (25 دقيقة) من برنامج عين المكان[7]، ويوثق أعداد المهاجرين الغزيين على نحو دقيق، وإلى جانبها مجموعة بيانات رسمية غير منشورة حول الخصائص السكانية للمهاجرين، تمكن الباحثون من الوصول إليها، حيث قدمت إلينا أحد المصادر الفلسطينية ذات الصلة المباشرة بعملية السفر في قطاع غزة البيانات المتعلقة بالخصائص السكانية للغزيين المهاجرين، وأضاف أنها ممنوعة من النشر رسميًا بناءً على اتفاق مصري – إسرائيلي – فلسطيني، اشترط الموظف عدم ذكر اسمه في الورقة مقابل تقديم هذه البيانات. تضم هذه البيانات حجم ظاهرة الهجرة من القطاع، والبلدان التي هاجروا إليها، وأعمارهم، وحالتهم الاجتماعية، منذ بداية الحصار عام 2007 حتى نيسان/أبريل 2022. ثانيًا، بيانات خام لمسوحات تابعة للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تشمل (مسح الهجرة 2010، ومسح الشباب الفلسطيني 2015، ومسح الظروف الاجتماعية والاقتصادية 2018)، كما أن الورقة قدمت بيانات حصرية من هذه المسوح بعد العمل عليها وجعلها قابلة للقراءة. إضافة إلى ذلك تستعين الدّراسة للتوصُّل إلى نتائجٍ أكثر دقّة ووضوحًا بتقنية الجماعات البؤريّة (Focus Group Discussion) من خلال إجراء مقابلات بحثيّة، فرديّة وعائليّة، مع مهاجرين غزّيّين[8].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 539 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 539 كانون الثاني/ يناير 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 539 في كانون الثاني/يناير 2024.

أحمد مأمون: باحث في العلوم السياسية والتاريخ السياسي،
يعمل في قسم البرامج والأفلام الوثائقية في شبكة التلفزيون العربي (المؤلف الرئيسي).

زهراء شبانه: باحثة في اقتصاديات التنمية،
حاصلة على الماجستير في اقتصاديات التنمية من معهد الدوحة للدراسات العليا (مؤلف مشارك).

الصورة من وكالة شينخوا.

[1]   إيلان بابيه، أكبر سجن على الأرض: سردية جديدة لتاريخ الأراضي المحتلة، ترجمة أدونيس سالم (بيروت: نوفل، 2020)، ص 30-31.

[2]  نقلًا بتصرف من مقدمة عزمي بشارة لكتاب باومان، فالمقدمة كتبت لسياق مختلف، ولكن في رأينا متشابه وتصح مقولته على موضوع الورقة، انظر: زيغمونت باومان، الحداثة والهولوكوست، تقديم عزمي بشارة؛ ترجمة حجاج أبو جبر ودينا رمضان (الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 29.

[3]   هاني عواد ومريم هواري، «إعادة التفكير في شرط الحكم غير المباشر: تحولات أشكال الحكامة الكولونيالية الإسرائيلية وأنماط مقاومتها،» عمران، السنة 10، العدد 38 (خريف 2021)، ص 110.

[4]   رندة حيدر، «عن تهجير طوعي للفلسطينيين،» العربي الجديد، 24/8/2019، <https://bit.ly/36E5gVW> (شوهد بتاريخ 27 آذار/مارس 2022).

[5]   على سبيل المثال لا الحصر، انظر: «هاجس الهجرة يسيطر على الشباب في قطاع غزة،» فرانس 24، 4 كانون الثاني/يناير 2022، <https://bit.ly/37LZz9c>  (شوهد بتاريخ 27 آذار/مارس 2022).

[6]   «هجرة العقول من قطاع غزة: التأثيرات والحلول الممكنة،» معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)، حزيران/يونيو 2019، <https://bit.ly/3LHxY7x> (شوهد بتاريخ 27 آذار/مارس 2022).

[7]   «الهجرة من قطاع غزة،» برنامج عين المكان في التلفزيون العربي، 11 أيلول/سبتمبر 2022، <https://bit.ly/40KJJSk> (شوهد بتاريخ 12 أيلول/سبتمبر 2022).

[8]  مقابلات العينة الفردية عشوائية قوامها 50 فردًا، 29 شابًا و21 شابة، متوسط أعمارهم 28 عامًا، الذكور 29، والإناث 27، وتوزعت المقابلات بالمنتصف، 25 مقابلة في مدينة إسطنبول التركية، ومثلها عبر تطبيق ZOOM وواتس أب في عدة بلدان: مصر، قطر، فرنسا، بلجيكا، ماليزيا، السويد، ألمانيا، اليونان، إيطاليا. أما الجماعات البؤرية، فتألفت مجموعتان في مدينة إسطنبول، كل مجموعة مكونة من 5 أفراد، متوسط أعمار أفرادهما 28 عامًا، أما المقابلات العائلية فكانت 3 عائلات (واحدة في إسطنبول، واثنتان في بلجيكا) ومتوسط عدد أفرادها 5.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز