مقدمة: إشكالية الأُسرة (الحالة القطرية)

يعاني المجتمع القطري المعاصر تزاحمًا في المنظومات الثقافية، التي تحتوي على تصورات متباينة عن القيم الكبرى وما يترتب عليها من علاقات اجتماعية وإنسانية. فهناك أثر ظاهر للتصورات الدينية، كما أن هناك أثرًا ناشئًا لمنظومة التصورات الحداثية. تتبدى هذه التصورات في علاقات الأفراد وسلوكياتهم، وبخاصة في علاقات الأسرة والعمل والأذواق الاجتماعية وأنماط الترفيه والاستهلاك. فصورة الأسرة الكبيرة الممتدة تظل حاضرة في مخيلة بعض الأفراد والجماعات، بينما تتضاءل لدى البعض الآخر إذ يكتفون بنموذج «الأسرة النووية» الحديثة. وإلى جانب هؤلاء وأولئك توجد فئات في المجتمع تتصور إمكان التمازج بين التقاليد والحداثة، فترفض بعض التصورات التقليدية تجاه الأسرة وتعتنق بعضها، وترفض بعض التصورات الحداثية للأسرة وتختار بعضها، وهي الظاهرة التي أُطلق عليها مسمى «التقليدية الحديثة» (Modern Traditionalism) [1] ومع أن تنوع التصورات قد يدل على حيوية اجتماعية، إلا أن «تنوعًا» لا يصدر عن رؤية كلية للمجتمع، ولا يراعى القواعد التأسيسية التي يقوم عليها بنيانه، أو النموذج الذي يتطور نحوه، قد يكون ضرره الاجتماعي أكثر من نفعه.

وفي محاولة لتلافي مثل هذه الأخطار نشرت دولة قطر في عام 2008 رؤية استراتيجية كبرى[2] تضمنت تصورًا عامًا لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع القطري بعد عقدين من الزمن. جاء فيه: أن الدولة تسعى لتحقيق التنمية الاجتماعية من خلال تطوير مجتمع عادل وآمن، مستند إلى الأخلاق الحميدة والرعاية الاجتماعية وقادر على التعامل والتفاعل مع المجتمعات الأخرى؛ وأنه سيكون مجتمعًا تمثل القيم الإسلامية والروابط الأسرية دعامة أساسية فيه، وهو ما يقتضي «حماية القيم الأخلاقية والدينية والتقاليد». ولكن ما إن أبدت الوثيقة تأكيدها الجازم للالتزام «بالقيم الإسلامية والروابط الأسرية والتقاليد» حتى سارعت إلى التنبيه على واحد من أهم التحديات التي تتوقعها: تحدي «التحديث مع المحافظة على التقاليد»؛ مشيرة إلى أن «المحافظة على التقاليد هي من أهم التحديات التي تواجه الكثير من المجتمعات في عالم يتسم بالتحول نحو العولمة وزيادة التفاعل بين الشعوب». وتلاحظ الوثيقة كيف أن السرعة المذهلة للنمو الاقتصادي والتوسع السكاني في قطر قد أدّيا إلى ظهور هذه المشكلة، وكيف أن الجديد قد يصطدم بالقديم من كل جانب، حيث إن أنماط العمل الحديثة وضغوط التنافسية تصطدم أحيانًا بالعلاقات التقليدية القائمة على الثقة والمعرفة الشخصية وترهقُ من ثم الحياة العائلية بأشكال متعددة. كما أن ما يرافق التقدم من حريات واسعة وخيارات متنوعة تمثل تحديًا للقيم التقليدية الراسخة في المجتمع. ومع ذلك ترى الوثيقة أنه يمكن الجمع بين أنماط الحياة الحديثة وقيم المجتمع وثقافته. فهناك، بحسب الوثيقة، مجتمعات نجحت في تكييف التحديث مع التقاليد والثقافة المحلية، ورؤية قطر تستجيب لهذا التحدي وتستهدف ربط القديم بالحديث بشكل متوازن»[3].

وهكذا يتضح من نصوص الوثيقة أن الدولة تؤكد التزامها المحافظة على القيم الأخلاقية والدينية، كما تؤكد التزامها حماية الروابط الأسرية الناجمة عنها. ولكن الدولة تدرك في الوقت نفسه أن الجمع بين التحديث والمحافظة على التقاليد يمثل تحديًا كبيرًا. ورغم أنه لا يوجد ما يشير إلى فلسفة كلية أو إطار نظري ترتكز عليه هذه الوثيقة في تمسكها بـ«الروابط الأسرية والتقاليد»، كما لا يوجد ما يشير إلى معنى «الحداثة»، إلا أنه من اليسير ملاحظة أن من قام بإعدادها يستبطن منظور «التقليدية الحديثة» الذي أشرنا إليه آنفًا؛ أي تكييف التقاليد والحداثة بحيث يتلاءم أحدهما مع الآخر. فكثير من المختصين في دراسات الأسرة يتبع هذا المنظور المستمد من الرؤية البنائية-الوظيفية. وهو منظور تبناه أميل دوركايم، ثم توسع في تبيانه تالكوت بارسونز (1902-1979). فكلاهما كانا ينظران إلى الآثار الاجتماعية التي أفرزتها الثورة الصناعية في الغرب، وكلاهما كانا ينطلقان من «نظرية النظم» (Systems Theory)، وينظران إلى الأسرة كجزء من نظام اجتماعي أوسع، له بنية ووظيفة. والبنية يقصد بها علاقات الأسرة الداخلية، والوظيفة يقصد بها «الكيفية» التي تعمل بها لمقابلة حاجاتها المادية والنفسية للمحافظة على بقائها من جهة، وللمحافظة على النظام بإحداث نوع من التوازن من جهة أخرى. ويؤكد بارسونز أن للأسرة وظيفتين: تنشئة الأطفال وفق النظام القيمي السائد في المجتمع، مع ما يتبع ذلك من ترسيخ للمراتب الاجتماعية المناسبة التي يتطلعون لبلوغها؛ وتوفير البيئة النفسية التي تحمي رب الأسرة من الآثار النفسية السالبة التي يتعرض لها في البيئة «الحديثة» للعمل[4].

ذهب بعض الباحثين إلى القول إن هذه الرؤية تتقاطع مع الرؤية الإسلامية[5]. ولعل هذا الجمع المتعجل بين الوظيفية والرؤية الإسلامية هو ما جعل كل نقد يوجَّه إلى الوظيفية يوجَّه إلى الرؤية الإسلامية للأسرة أيضًا (كما يمكن أن يوجَّه إلى رؤية قطر الوطنية لنظام الأسرة)، إذ لا تفتأ الدراسات النسوية ودراسات ما بعد الحداثة تشكك في نظرية النظم على أساس أن التركيز على «النظام الأسري» يؤدي إلى التضحية بمصالح الأفراد. فتجنح تلك الدراسات من ثم إلى تصوير الأسرة في مجتمعات المسلمين بوصفها وحدة أبوية بطريركية Patriarchal)) تقوم على قيم تقليدية تعزز هيمنة الذكور على الإناث، وتخضع الزوجة لدور التابع في داخل النظام الأسَري. وقد اشتط بعضهم في هذا الصدد زاعمًا أن أي محاولة للجمع بين التقاليد والحداثة سيبتعد من الحداثة الصحيحة كما سيبتعد من التراث الحقيقي؛ ولن يقود في نهاية الأمر إلا إلى نوع من نظام أبَوي مستحدث (Neo-patriarchal)؛ وأن ذلك سيكون مصدر خلل اجتماعي وحضاري كبيرين[6].

تهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن الفرص المتاحة لنجاح نموذج «التقليدية الحديثة» الذي تضمنته الرؤية الاستراتيجية لدولة قطر 2030، وما إذا كانت القيادات التشريعية والتربوية في قطر تستبطن ذلك المفهوم. وبما أن الأسرة تمثل القاعدة التحتية التي يستند إليها النظام الاجتماعي الأوسع، فإن الدراسة تهدف للتعرف إلى تصورات القطريين لطبيعة العلاقات الأسَرية واتجاه تطورها، وهو ما يوفر مادة لا غنى عنها للمشتغلين بإصلاح القوانين ووضع خطط للتنمية الاجتماعية والاقتصادية وما يتصل بهما من انفتاح سياسي، ويسهم في حل إشكالية المواءمة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع وحركة التحديث.

تنطلق الدراسة من مجموعة أسئلة: ما تصورات المشرّع القطري لمؤسسة الأسرة، وهل تنبع هذه التصورات من مذهب فقهي أم من تقاليد مجتمعية أم من مصادر أخرى؟ وكيف ينعكس ذلك على قانون الأسرة القطري؟ ما تصورات التربويين القطريين لمؤسسة الأسرة، وكيف ينعكس ذلك على المقررات الدراسية، وعلى العلاقة بين الأسرة والمدرسة؟ إلى أي مدى نجحت قطر في تطوير نموذج «التقليدية الحديثة» ليصبح «توليفة» عادلة وصالحة بين التقاليد القطرية والتحديث؟

للإجابة عن هذه الأسئلة قمنا باختيار ثلاث عينات من المواد البحثية:

العيّنة الأولى: تنحصر في قانون الأسرة القطري 2006، وهي عيّنة تكشف عن تصورات مجتمع علمي واسع تتبدى في مناقشات القضاة الشرعيين وأساتذة القانون والاختصاصيين وهم بصدد وضع قانون موحد للأسرة في قطر. واعتمدنا في دراسة هذا القانون على أداة تحليل المضمون.

 العيّنة الثانية: تنحصر في مجموعة عشوائية من مقررات التربية الإسلامية لطلاب المرحلة الإعدادية في دولة قطر[7]. واختيرت العيّنة لتعكس تصورات المجتمع البحثي الأوسع الذي يتكون من معلمي التربية الإسلامية والتربويين وخبراء المناهج الدراسية في دولة قطر للعام المدرسي 2021-2022. واستخدمنا في دراسة هذه العيّنة أداة تحليل المضمون.

العيّنة الثالثة: تتكون من مجموعة عشوائية من الآباء والأمهات القطريين. واستخدمنا أسلوب الاستبانة في التعرف إلى تصوراتهم للتقاليد الأسرية.

وتوقفنا أخيرًا عند نماذج مختارة من مشاريع «التقليدية الحديثة»، فاخترنا نموذجين: النموذج الياباني، والنموذج الأفريقي.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 542 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 542 نيسان/أبريل 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 542 في نيسان/أبريل 2024.

التيجاني عبد القادر حامد: أستاذ الفكر السياسي والدراسات الإسلامية، مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة قطر.

أفراح العتيبي: مساعد باحث، مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة قطر.

سارة الصلابي: مساعدة باحثة، مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة قطر.

الصورة عن موقع الجزيرة.

[1]   Rana Khalid, «Modern Traditionalism: Consanguineous Marriage in Qatar,» Journal of Marriage and Family, vol. 76, no. 3 (June 2014), p. 589.

[2]   عرفت تلك الوثيقة برؤية قطر الوطنية 2030. للاطلاع على نص الوثيقة انظر: رؤية قطر الوطنية 2030 (الدوحة: الأمانة العامة للتخطيط التربوي، 2008)،<https://www.psa.gov.qa/ar/qnv1/Documents/QNV2030_Arabic_v2.pdf>

[3]   المصدر نفسه.

[4]    لعرض رؤيته، انظر: David Cheal, Family and the State of Theory (Hertfordshire: Harvester Wheatsheaf, 1991), p. 5.

[5]   انظر مثلًا: Valentine M. Moghadam, «Patriarchy in Transition: Women and Changing Family in the Middle East,» Journal of Comparative Family Studies, vol. 35, no. 2 (Spring 2004), p. 138.

[6]   هشام شرابي، النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992).

[7]   التربية الإسلامية المستوى الثامن: كتاب الطالبالتربية الإسلامية المستوى التاسع كتاب الطالب – التربية الإسلامية المستوى الخامس: كتاب الطالب – والتربية الإسلامية المستوى السابع: كتاب الطالب (الدوحة: وزارة التعليم والتعليم العالي، 2022).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز