مقدمة

تأتي التحولات الدولية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط نتيجة للتحولات الإقليمية والدولية في المنطقة، وبخاصة مع الأزمة الروسية – الأوكرانية وما أفرزته من تداعيات على العالم في مجالي الأمن والطاقة، وبخاصة ما يعرف بأمن الطاقة.

وزاد الأمر تعقيدًا بعد المواقف الأمريكية من السياسة الروسية في أوكرانيا حيث تغيرت المعطيات مع تراجع الدور الأمريكي، وهو ما أعطى انطباعًا حول أولوية الأمن في منطقة الشرق الأوسط التي تربطها علاقات استراتيجية بالولايات المتحدة، وبخاصة بعد حرب الخليج الثانية. ومن جانب آخر الاختلالات التي أفرزتها أزمة الغذاء من تذبذب في سلاسل التوصيل لأهم مادة استراتيجية ألا وهي القمح. كل هذه المتغيرات دفعت دول المنطقة إلى ضرورة طرح مبادرات جديدة تؤسس لتحقيق الأمن بمفهومه الشامل أو ما يعرف بالأمننة في المنطقة.

انطلاقًا مما سبق نطرح الإشكالية الرئيسية عن محددات تحقيق منطق الأمننة في منطقة الشرق الأوسط في ضوء التحولات الدولية الراهنة؟

سنحاول معالجة هذه الإشكالية وفق أهمية الموضوع، إذ سنتطرق إلى أهم التهديدات الأمنية الجديدة التي تفرضها الأزمة الروسية على منطقة الشرق الأوسط، وبخاصة مع تراجع الدور الأمريكي في المنطقة وفق سياسة الرئيس الأمريكي الحالي بايدن والمقاربة العربية أيضًا الحالية التي طرحت من منظور تأسيس حلف ناتو عربي كأحد مخرجات التحولات الراهنة من أجل تنويع الشركاء من خلال إدماج إسرائيل في المنطقة من جانب وتفعيل التعاون في مجال الأمن الغذائي من جانب آخر.

ونستعين في دراستنا هذه بالمنهج المقارن، الذي وظفناه في المقارنة ما بين مختلف السياسات الأمنية العربية والمبادرات المقترحة، إضافة إلى المنهج التفكيكي – التركيبي الذي يساعدنا على دراسة الظواهر الأمنية من خلال تفكيكها إلى فواعل ومتغيرات وإعادة تركيبها وفق التحولات التي تتفاعل فيها.

أولًا: الإطار المفاهيمي

1 – مفهوم الأمن الوطني

قبل الحديث عن الأمن الوطني أو القومي لا بد من ضبط مفهوم الأمن عمومًا وأهم المدارس التي تناولت الأمن الوطني من منظورات جمة.

يرى كثيرون أن الأمن ظاهرة إنسانية ارتبطت بالتحولات التي عرفتها المجتمعات الإنسانية والبشرية منذ القِدم وكان مسعى أساسيًا للإنسان والحضارات والأمم، وحتى الكتب والديانات السماوية عدّت الأمن إحدى أهم القيم والحاجات للحياة.

تتكون كلمة الأمن في أصلها اللاتيني Sinecura من كلمتين Sine وتعني بدون وCura تعني الرعاية والاهتمام. والجمع بين الكلمتين يعني غياب الرعاية والعلاج، أي خلاف ما تعنيه كلمة الأمن اليوم حيث يستخدم مصطلح الأمن في موضوعات تتعلق بالفرد لا بالجماعة والدولة[1].

لقد بذلت في العشريات السابقة جهود كبيرة لتعريف الأمن وإعادة تعريفه، وهو الأمر الذي أنتج حجمًا هائلًا من الأدبيات التي يمكن تصنيفها وفق الأبعاد الثلاثة التالية[2]:

الوحدة المرجعية بمعنى من وما يجب تأمينه؟: قد تكون الدولة أو النظام الدولي أو الأفراد أو الجماعات أو المجتمع أو النوع البشري عمومًا.

طبيعة التهديد الذي يواجه الوحدة المرجعية سواءٌ كان تهديدًا عسكريًا أم غير عسكري، خارجيًا أم داخليًا.

الوسائل المستعملة لتحقيق الأمن.

وفي تعريف آخر للأمن: «هو الشعور الذي يسود الفرد أو الجماعة بإشباع الدوافع العضوية والنفسية واطمئنان المجتمع إلى زوال ما يهدده من مخاطر، ذلك الأمن كشعور أما الأمن كإجراء فهو ما يصدر من الفرد أو الجماعة لتحقيق حاجاتها الأساسية أو لرد عدوان عن كيانها ككل»[3].

من خلال هذا التعريف نجد أن الكاتب ركز على الدوافع المحققة للأمن من خلال وضع الأمن كشعور بالدرجة الأولى وبالتالي يصبح هنا وسيلة وغاية في الوقت نفسه.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى يرى باري بوزان أن الأمن كمفهوم تدرّج من نص السلام البريطاني عام 1650 إلى ميثاق السلام الذهبي ثم ميثاق فيينا عام 1815 إلى صياغة ميثاق الأمم المتحدة عام 1945 [4].

كما عرف مفهوم الأمن مرحلتين، تعرف الأولى بمرحلة التقلصية وتميزت باختزاله في الدولة كموضوع مرجعي وفي البعد العسكري كقطاع للتحليل. والمرحلة الثانية ندعوها التوسعية وتميزت بتوسيع المفهوم عموديًا نحو الجماعات والأفراد وأفقيًا نحو القطاعات الاقتصادية والسياسية والمجتمعية والبيئية.

لم يكن تحديد مفهوم الأمن بالأمر السهل، لأن تحديد هذا الإطار واجهته مجموعة من المشكلات والصعوبات في ضبط هذا المفهوم وأهمها[5]:

1 – التركيز على الجوانب العسكرية للأمن والانشغال المفرط بها على حساب جوانبه الأخرى.

2 – التعامل مع الأمن من منظور جزئي أحادي وإهمال طبيعته الكلية المركبة بوصفه حصيلة لتفاعل العوامل الذاتية والموضوعية والمؤثرات الداخلية والخارجية.

3 – الافتقار إلى الأنموذج التحليلي النظري لمفاهيم الأمن ومحدداته ومشكلاته والقابل للتطبيق على الأشكال المتعددة والأنواع المختلفة لتلك المشكلات.

وبحكم الطبيعة النظرية العامة والشاملة لمثل هذه الدراسة والأنموذج التحليلي الذي تقترحه فقد اقتضى ذلك التّأسيس لهما بمفهوم نظري عام وشامل للأمن وبالتالي تكون له القدرة على دراسة الأنواع المتعددة والأشكال المختلفة من المفاهيم والمشكلات الأمنية.

تمت معالجة الأمن من قبل في أطر متعددة؛ فنجد أرسطو قد عالج مسألة الأمن في كتابه السياسة من منظور مقارب حيث ربط وجود الإنسان المتحضر بوجود المجتمع السياسي الذي رأى في دولة المدينة مثاله الوحيد، وعُدّ أكبر تهديد يمكن أن يواجه الدولة المدينة هو التفاوت الطبقي الحاد بين مواطنيها الذي يؤدي إلى وقوع ثورات.

كما كانت أفكار مكيافيلي وهوبز وكذا المدرسة الواقعية ترى أن النزعة المصلحية الأنانية هي التي تنعكس على سلوك الأنظمة وبالتالي تكون لكل دولة نظرتها في مسألة الأمن؛ هذه الأخيرة التي ترتبط بالأساس بالأهداف والمبادئ[6].

ركز روبرت ماكنمارا في تعريفه للأمن من خلال كتابه جوهر الأمن حيث ركز على البعد التنموي كعامل أساسي في تحقيق الأمن: «في أي مجتمع يمر بمرحلة التحول إلى مجتمع عصري فإن الأمن معناه التنمية والأمن ليس المعدات العسكرية وإن كان قد يتضمن المعدات العسكرية، والأمن ليس هو القوة العسكرية وإن كان قد يتضمنها، والأمن ليس النشاط العسكري التقليدي وإن كان قد يشمله. إن الأمن هو التنمية ومن دون تنمية لا يمكن أن يوجد أمن، والدول النامية التي لا تنمو في الواقع ولا يمكن ببساطة أن تظل أمنة بسبب أن مواطنيها لا يمكنهم أن يتخلوا عن طبيعتهم الإنسانية»[7].

أما هانس مورغنتو فهو ينظر إلى الأمن «من منظور الأمن الدولي القائم على تحقيق التوازن بين قوى الدول الكبرى»[8]، بحيث أصبح الأمن هو العمود الفقري في سياسة أي دولة وهو مبرر وجود أي دولة[9].

أما التعريفات التقليدية الواقعية للأمن، التي قادها وولتر ليبمان فقد جاء تعريف والتر ليبمان (Walter Lippmann)  للأمن القومي كالآتي: «تكون الأمة آمنة إلى الدرجة التي لا تكون فيها معرضة لخطر التضحية بالقيم الأساسية إذا كانت ترغب في تجنب الحرب وهي قادرة إذا واجهت التحدي على المحافظة عليها بالانتصار في هذه الحرب»[10]، وإن كان هذا التعريف وظف في بعض الدراسات في وصف الأمن الوطني أو القومي، وإن كان تركيزه على الأمن بمفهومه العام حيث ركز على طبيعة التهديد الذي حصره ليبمان في الحرب.

أما التعريفات النقدية الموسعة للأمن بحسب ريتشارد أولمان(Richard Ullman)  «فالأمن مهدد من الآن فصاعدًا بالأحداث المتتابعة التي تثير القلق في لحظة من الزمن بتقهقر كبير لنوعية حياة شعب دولة ما من جهة وتخفيض بشكل نوعي الخيارات المتاحة وهامش المناورة للحكومة والكيانات الأخرى غير الحكوماتية داخل الدولة من جهة أخرى»[11].

أما مفهوم الأمن عند أرنولد والفرز فهو «غياب التهديد ضد القيم المكتسبة»[12]. فمن خلال هذا التعريف نجد أن أرنولد حدد التهديد ضد القيم التي تحددها الدولة واكتسبتها.

أما باري بوزان فيعرف الأمن بأنه «العمل على التحرر من التهديد، وفي سياق النظام الدولي فإن الأمن هو قدرة الدول والمجتمعات على الحفاظ على كيانها المستقل وتكاملها الوظيفي ضد قوى التغيرات التي تعتبرها معادية»[13].

يعَدّ تعريف باري بوزان من بين أهم التعريفات التي حظيت باتفاق واسع للأمن، وفي هذا التعريف نجد أن الأمن حسب باري بوزان جاء في إطار توازن المفهوم حول البعد الذاتي لمفهوم الأمن القائم على التحرر على مستوى الأفراد ومستوى آخر وهو البعد الدولي حيث يكون الأمن مرتبطًا أساسًا بالبعد الهوياتي للدول والمجتمعات بجميع أبعادها[14].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 533 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 533 تموز/يوليو 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 533 في تموز/يوليو 2023.

فؤاد جدو: أستاذ محاضر، قسم العلوم السياسية، جامعة محمد خيضر في سكرة – الجزائر.

الصورة من أسوشيتد برس.

[1]   عبد النور منصوري، المصالحة الوطنية في الجزائر بين الحل الأمني وأفق الأمن الإنساني (الجزائر: دار التنوير، 2013)، ص 16.

[2]   المصدر نفسه، ص 22.

[3]   معمر بوزناده، المنظمات الإقليمية ونظام الأمن الجماعي (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 2005)، ص 15. تنص المادة الثالثة والثلاثون من الميثاق على أنه «يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدولي للخطر أن يلتمسوا حله بادئ ذي بدء بطريق المفاوضة والتحقيق والوساطة والتسوية القضائية أو يلجؤوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التي قع عليها اختيارهم (ص 64).

[4]   Barry Buzan and Lene Hansen, eds., International Security, vol. 3: Widening Security (Los Angels: Sage publication, 2007), p. 1.

[5]   علي عباس مراد، الأمن والأمن القومي: مقاربات نظرية (الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع، 2017)، ص 11.

[6]   المصدر نفسه، ص 20.

[7]   جلال حدادي، معضلة الأمن الجزائري في الفضاء المتوسطي (تلمسان: دار النشر الجامعي الجديد، 2017) ص 15.

[8]   جون بيليس وستيف سميث، عولمة السياسة العالمية، ترجمة مركز الخليج للأبحاث (دبي: مركز الخليج للأبحاث، 2004)، ص 414.

[9]   محمد نعمان بلال، الاستراتيجية والدبلوماسية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004)، ص 94.

[10]  سيد أحمد قوجيلي، «تطور الدراسات الأمنية ومعضلة التطبيق في العالم العربي،» دراسات استراتيجية، العدد 169 (2012)، ص 10.

[11]   قط سمير، نظريات الأمن في العلاقات الدولية: مفاهيم ومقاربات (بسكرة: دار بن زيد للطباعة والنشر، 2016)، ص 23.

[12]   Dario Battistella, Théories des relations internationales, 2ème éd. (Paris: Science po Edition, 2006), p. 461.

[13]   عبد النور بن عنتر، البعد المتوسطي للأمن الجزائري (الجزائر: المكتبة المصرية، 2005)، ص 13.

[14]   قط سمير، نظريات الأمن في العلاقات الدولية: مفاهيم ومقاربات، ص 21.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز