حين تتداخل مرحلتان في حياة أمة يغدو أفقها مركّب هيولى من شفقٍ وغسق، جعل تبيّنه فتِبيانه أشغالًا شاقة؛ هكذا هي حال العرب عند منتصف العشرية الثالثة من الحادي والعشرين، حيث تلاقت نقطة انتهاء مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى مع ولوج مرحلة ما بعد امريكا.
كيف أزف طيّ صفحة آثار الحرب العالمية الأولى؟
لأن مسارًا عمره عقدٌ ونصف العقد، بدأ مع «الربيع» العربي ووصل إلى ذروته مع حرب إيران، وتراكب فوق ركام تحلُّلٍ امتد من غزو الكويت وحتى الربيع إيَّاه، يطأُ الآن عتبة الختام.
فقد عرف العرب، كأمٌة فوق – قومية، وحدتهم في إهاب منظومة إمبراطورية إسلامية [مع استثنائي عمان والمغرب، وجزئيًّا اليمن]، كانت الصفحة العثمانية، ولقرون اربعة [وبعلم خروج عدن والخليج والجزائر ومصر وتونس وليبيا، عبر القرن الرابع، من عباءتها بفعل اختلال موازين القوة بينها وبين الاستعمارات الأوربية]، آخرها.
في رحاب تلك المنظومة، لم تشعر قرابات الاجتماع عند العرب [ثلاثة رحمية: إثنية، جهوية، قبلية.. واثنتان روحية: طائفية، ومذهبية] بتناكدٍ بيني، إذ كان لناموس المنظومة ذاته فعل توليفها على هدي ناظميَن: رابطةٌ جامعة عليا، لها شؤون الخارجية والحربية والمالية، ورحابةٍ مريحة دنيا أتاحت لتلك القرابات فسحات تمايز ذاتي.
والحال أن مجتمعات المشرق العربي، بسنّته وشيعته، مكثت على ولائها للرابطة العثمانية حتى يومها الأخير، وبالضدّ من نخب تغريبية متنفّذة رمت مجاديفها في قارب المستعمر الأوروبي ببلاهة كسرت مشعر غينيس للبلاهة الصفيقة [وشاطرتها الرأي، من خارج المنظومة، مجتمعات مصر والمغارب]. كانت تدرك بسليقتها الحصيفة أن معايب السلطنة، وما أكثرها، نقطةٌ في بحر ما حملته بين جوانحها جائحة الاستعمارات الأوروبية الداهمة.
طيِّب، ما الذي جرى على حال الأمّة، لقرنٍ وعقدٍ، مذّاك؟
بدءًا، فقد أصاب الاحتلالُ الاستعماريُّ المباشر «الدولَ» التاريخية الأربع: عُمان واليمن – جزئيًا -، ومصر والمغرب، كما أقاليم الشام، والرافدين، والخليج، وليبيا، والمغرب الأدنى والأوسط. حدث ذلك، مشرقيًّا، وفق صيغة «سان ريمو» – 1920 التقسيمية، لا – كما الشائع – صيغة «سايكس – بيكو» – 1916، وشملت الاعتراف بوعد بلفور ومخرَجاته القادمة.
أنتج جماع فعلَي تشطير آسيا العربية وفصل أقطار أفريقيا العربية عن بعضها، في حصيلته، أقفاصًا ضاقت على ما في داخلها من قرابات حبيسة، إذ ضاعت منها الفسحات الذاتية، كما ضاع عليها السوق الكبير، كما أمّنه الكيان الكبير الرخو والجامع، الذي هُدم للتوّ.
لم يكن للاستعمارات الأوروبية من شغل شاغل، حتى و«العثمانية» ما زالت راسية ولكن واهنة، سوى إشعال نار فتن بين – قرابية في أرجائها، وأمثلة حوادث دمشق وجبل لبنان عام 1860 – وقبلها حلب عام 1850 -، وفتنة القبط في مصر عام 1911، شاخصة الدلالة.
والشاهد أن حوليات ما بعد الاستعمار المباشر، ثم ما بعد الاستقلالات الشكلية عنه، ما نحن في أمسّ الحاجة إلى زيارته من جديد، وبمبضع التشريح الفاحص بصراحة صادمة:
1 – كان للتشطير والفصل، أي التجزئة، من بعد عام 1920، وبالأخصّ عقب الحرب العالمية الثانية، مفعولٌ طاغٍ في سَوق الكيانات، المصطنعة منها والتاريخية، إلى ارتجاح أحوالٍ بفعل تدافع قراباتها المكوّنة على السلطة والثروة فيها.
2 – زاد في الطنبور نغمًا رَيعيةُ تلك الثروات في عموم؛ ما عنى أن تناتشها بين قرابات الأقفاص أفضى إلى فسادٍ عمّها، فكاد أن حوّله من سبّة قيَمية إلى سنّة عملانية.
3 – لم يتكيّف صغَر الأقفاص مع رسوخ الفسحات الذاتية على مدى قرون، وذلك لاعتياد قراباتها الطبيعي على متلازمة «كيان كبير وسوق كبير». وعليه، لم يتنشّأ ملاط «وستفالي» لأيٍّ منها، حتى التاريخية من بينها، بما أمكن وصفه بـ دولة – شعب. أي بخلاصة، لبث تطوّر مجتمعات الأقفاص ثابتًا عند سقف ما قبل «سان ريمو»، وواصلت القرابات ولاءاتها الفرعية من دون كثير اكتراث لرباطٍ أجمع، لخلوّه من دسَم مقنِع.
4 – اقتضى تأمين الأقفاص، إبان طقس – ما بعد الحرب العالمية الثانية، من صنّاعها تولية نواطير عليها دانوا لهم بالولاء، حُماةً ورعاة، أي بحافزَي الأمن والمصلحة. لكن مناخ ما بعد تموز/يوليو 1952 فرز المنظومات الحاكمة إيّاها بين خارجةٍ على التبعية وأُخرى قابعة في حِجرها، فبات وصف النواطير لائقًا بالأخيرة، في حين صار الخارجون خوارج على النواطير وصنّاعهم في آن.
5 – أغلق الدائرة تشييد الغرب الجماعي ثكنةً أماميةً له، قرب مفصل القارّتين، آسيا وأفريقيا، بغية وأد أية محاولة جادة للتفلُّت من قبضته؛ فكانت إسرائيل الصهيونية.
6 – ومع فورة البترودولار عقب حرب أكتوبر، تنشّأت طبقة جديدة أرادها المهيمن قاعدته المرعيّة المقيمة، وتشكّلت في قالب أقلّية أوليغارشية مركنتيلية تابعة له بوشيجة المصالح. أفرز هذا التحوّل استطالتين مريضتين:
أ – فوارق طبقية مهولة داخل الأقفاص؛ باتت هناك معها مصر وإيجيبت، سوريا وسيريا، وعراق وإيراك، وهلمّ جرًّا.
ب – تراكب الأقلّيات الطبقية – مدنية وعسكرية – فوق قرابات الاجتماع، بما غذّى من سعير تدافع الأخيرة على حصصها ومَن فاز بينها بقصب السبق في الالتهام.
هذه كلها: التجزئة، واحتباس التطور، وتزاحم القرابات، والفساد، والنواطير، والثكنة، والنخب التغريبية والأوليغارشية، ناهيك بالقواعد العسكرية، تجلّيات الهيمنة الغربية على عالم الأمة؛ هي الجذر وهم الأغصان.
لم يمضِ الأمر على الأمّة سباتًا طوال قرن وعقد – ما بعد «سان ريمو»، إذ هبّت، عقب هزيمة 1948، موجةٌ ثورية كاسحة لفّتها طولًا وعرضًا، وتحديدًا منذ ربيع 1955، وبلغت ذروتها عام 1958، ثم واصلت اندفاعتها، برغم نكسات أصابتها، وصولًا إلى هزيمة 1967؛ لا بل وعادت ووقفت على قدميها في إثرها، محاولةً الإمساك من جديد بدفّة المصير العربي، إلى أن نشزت عنها مصر الأنوَرية منذ تشرين الثاني/نوفمبر 1973 وغادرتها «بالمليان» في آذار/مارس 1979، ثم أجهزت عليها نوازل ثلاثة: إفشال مشروع الوحدة السورية – العراقية، والحرب العراقية – الإيرانية، وغزو الكويت.
كانت تلك الموجة الثورية مشروعًا نهضويًا توحيديًّا عربيًّا، رافضًا الهيمنة وتجلّياتها، قاده عبد الناصر، وبات رابطة جامعة لكل شعوب أمة العرب، بقراباتها المتنوّعة، علت فوق هوياتها الفرعية، وارتضتها هويَّةً لها شاملة. لكن حوامل المشروع العربي هذا كانت أوهن من أعدائها؛ أرباب الهيمنة وثكنتهم ونواطيرهم، فضلًا عن نواقص ذاتية اعتورتها من جرّاء تناقضات بينية سقيمة، وبسبب نقص خبرةٍ بالمحيط. وعليه، لم يعش المشروع سوى زهاء عقدين في أضبط القياسات، وثلث قرن في مُغاليها؛ وفي حصيلةٍ قرابة ربع قرن؛ من أصل قرن وعقد.
والحاصل أن الأمّة قد نكصت، منذ صيف 1990، إلى حالِ ما قبل 1955، لا بل وإلى تخوم ما قبل «سان ريمو»، برغم طلاءات خادعة للبصر من حداثة زائفة ودُشم محصِّنة وبيارق خُلَّبية، زيّنت الأقفاص. صارت الهويات الفرعية، جهوية وقبلية وإثنية وطائفية ومذهبية، من جديدٍ ناموس الاجتماع، مهما تكاذبت قراباته ولاكت دعاوى الوحدة الوطنية والسلم الأهلي، وغدت رابطة العروبة يتيمةً مهجورة، بل ومتّهمةً بكل رزايا النكوص في حين أن كسرها وتغييبها هما أسبابُه ودواعيه.
ولعلّ نظرة طائر فوق كلّ قطر عربي، مصطنعٍ كان أم «تاريخي»، ثريّ هو أم فقير، لا تُسرّ خاطر الناظر؛ ففي غياب شروط المنعة والتماسك المجتمعي والتنمية المنتِجة أضحى إمّا عالةً على نفسه، وإما مستَتبعًا وفق نواظم الهيمنة. أضرب أمثلة ثلاثة: الاحتلال المالي الأمريكي للعراق، منذ نيسان/أبريل 2003، وفرط الدَين المصري، ولا سيَّما في العقد الأخير، والحلْب الأمريكي لأضرع الخليج تريليونيًّا، عبره.
استوجب الحديث عن أصحاب الهيمنة الإشارة إلى تُبَّعها/م من «نخب» نيوليبرالية، اشتُقّت من مشارب شيوعية وليبرالية، مع شذرات من قوميين وإسلاميين «رأت النور». مثّلت تلك المجاميع، المرعيّة من الغرب الجماعي، أكان بالأنجَزة أم بغيرها من وسائط التبنّي، معنى علوّ خطر الاحتلال العقلي على الاحتلال المادي، فضلًا عن تضافره مع أثر وصْلات المصالح. غنّت تلك المجاميع وصلةَ أن الحضارة الإنسانية مشتركةٌ بلا هوادة، وترنّمت بأن طبعتها الليبرالية الغربية هي المتقدّمة والضامّة، وما علينا سوى التماهي معها بالمليان، بل والقطيعة مع الحضارة العربية – الإسلامية؛ فقد باتت عندها عبئًا ماضويًّا مكانه متحف التاريخ.
لم نحتجْ إبادية ما بعد 7 أكتوبر البهيمية لنكتشف، والعالم بأسره، بطلان أحبولة التغريبية المركزية تلك، ولندرك كيف أن زعم انتهاء التاريخ عندها، منذ نهاية الحرب الباردة، تحوّل إلى حقيقة اختطاط التاريخ، وبالأخص عقب 7 أكتوبر، صفحة جديدة له، مبرّأة من صدارتة التغريبية تلك، ورهطها.
ولكَون الولايات المتحدة، المهيمن الكوني، فاعلًا عضويًّا ووازنًا في شأن العرب، ففهمُ آليَّات القرار وفواعله وحوامله فيها شأنٌ عربي بامتياز:
أول ما همّ هنا لحظُ أنها لم تعد القطب الكوني الأوحد. لقد تفرّدت بالقطبية منذ سقوط حائط برلين، في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1989، وحتى عام 2017؛ الذي شهد قمة البريكس التاسعة والفارقة، معطوفةً على انطلاق مبادرة حرير/حزام الصين الزاخمة، ومتزامنة مع رئاسة ترامب الأولى بسِماتها الانسحابية. عامها، ارتقت كلٌ من الصين وروسيا إلى مصافّ قطب كوني، برغم افتقاد الأولى طلّةً عسكرية كونية، والثانية مقدرةً اقتصادية فائقة، إلّا أن نووية كليهما الزاخرة، واقتصاد الصين المبهر، وثروات روسيا اللامتناهية، أهّلتهما لبعض ندّية مع الأول بين متساويَيْن.
صحيح أن القوى الثلاثة رأسمالية البنيان، وسِباقها – بمعطىً ما – هو على المركز الرأسمالي، إلّا أن صفة الإمبريالية – لكونها أعلى مراحل الرأسمالية، لا العكس – الهيمنوية لبثت واسمةً للولايات المتحدة، وغير متّسقة مع القطبين الآخرين.
استدعى الحديث عن الرأسمالية الأمريكية تبيُّن تبدّليَن نسيجيَّين وَسَماها منذ نهاية الحرب الباردة:
أ – الأموَلة؛ بما هي طغيان شريحة الرأسمالية المالية على ما عداها، ونفاذها، بالمباشر والواسطة، إلى حشايا كل الشرائح الأخرى قيادةً وتوجيهًا. كفى مثالًا أن البيوتات الاستثمارية الثلاثة الكبرى (بلاك روَك، وستيَت ستريت، وفانغارد) تملك وتدير محافظ استثمارية بقيمة ما قارَب أربعين تريليون دولار، بما شمل كلّ الشركات الخمسمئة الأساسية.
ب – العولمة (قُل الأمرَكة)، بما هي توفير السلع الرخيصة لأسواق الاستهلاك الغربي من إنتاج مصنع العالم: الصين، مضفورًا بالخلاص من الصناعات الملوِّثة العالية التكلفة عبر توريدها إليه.
مذّاك، جثم قطاع الأموَلة على جسد الاقتصاد الأمريكي المترامي الأطراف من دون منافس، وانتخب له، منذ مطلع العشرية الثالثة للحادي والعشرين، شريكًا وثيقًا من بين بقية الشرائح هو شركات التقانة الفائقة والذكاء الاصطناعي، التي بلغت قيمة أرصدتها الاسمية أربعين تريليون دولار، في الوقت الذي أمدّها قطاع الأموَلة بدَينٍ قدره ستة تريليونات دولار. لماذا هذا الائتلاف؟ لاجتماع أطراف دولة الأمن القومي – وشركات رأس المال طرفٌ مؤثّر فيها – على محاولة استعادة الأحادية القطبية، بما استلزمته من هزيمة الصين في سباق التفوق الذكائي، الذي، بدوره، مفتاح إنزال الصين من علِ التكافؤ الاقتصادي، وحذف روسيا من نطاق المزاحمة العسكرية.
لعل مبعث اللهاث خلف هدف تصدّر «السوبر ذكائية» هو التغطية على عورة المجمّع العسكري – الصناعي، الذي تفرّغ، منذ نهاية الحرب الباردة، لنهب ميزانية الدفاع بتصنيعه، وبتكاليف ضوئية، أسلحةً راوحت بين معقّد وماضوي، مهملًا إنتاج السلاح والذخيرة التقليديين، ولا سيما أن حجم المجمّع قد تقلّص بحكم اندماج مكوناته في شركات خمس. أضف أن للّهاث جذر أساس هو تبديد الولايات المتحدة للعشريتين الأوليين من الحادي والعشرين في حروبها ضد العرب والمسلمين في حين تفرّغت الصين، وحتى روسيا، ابّانهما، لبناء تقدّمهما بمثابرةٍ لا تلين.
والثابت أن قطاع الأموَلة ركنٌ حصينٌ للوبي الإسرائيلي لوفرة ما عجّ به من رأسمال صهيوني يهودي، بل واقترب ذات الوصف – أو كاد – من الانطباق على قطاع التقانة الفائقة، فدشّن تحالف الاثنين مع دولة الأمن القومي صرح حزب حربٍ مؤسرلٍ قاتل ويقاتل بأظافره وأسنانه لدرء ازاحته عن دفّة القرار، ولاستعادة أحاديةٍ قطبية، حتى وإنْ اختلفت ملامحها عن سابقتها (1989 – 2017)، بأن مزجت بين انسحابية أوروبية، وتركيز شرق آسيوي، ووضع يدٍ على ما تيسّر من موارد (بالذات: المعادن، النادرة، والثمينة، والأساسية) هنا وهناك، وتأمين ظهير الأمريكتين.. وكلّه مع إيكال الإقليم العربي وجواره إلى إسرائيل.
لكن تبلور طموحات حزب الحرب المؤسرل، عبر العقد المنصرم، تزامن مع اهتزاز الداخل الأمريكي على وقع اضطراب أحوال رزقه وأمنه وحرياته؛ فقد تصاحبت حروب الخارج، معطوفة على انتهاء الحرب الباردة، مع بدء تفكّك عُرى التوافق الداخلي. تبخّر التحدّي البلشفي فزال ملاطه اللاحم، واستولد العنف في الخارج نظيرًا له في الداخل، ولا سيَّما وذريعة 11 أيلول/سبتمبر في الخلفية، ناهيك بأن ثقافة العنف لابثةٌ في الجينات؛ فكيف إذا استثيرت بفوارق طبقية حادة (طبقة التريليونيرات، وتمركز الثروة في يد 1 بالمئة من الناس)، أو بالتزاحم في سوق العمل مع مهاجرين، أو بفقدان وظائف مجزية رحلت مع الصناعات إلى الصين وجوارها. ثم إن التحوّل الديمغرافي من أغلبية بيضاء، تقلّصت منذ مطلع الألفية من 70 بالمئة إلى 57 بالمئة الآن، إلى لاأغلبيةٍ من 50 بالمئة في 2040، جذرٌ ثخينٌ لاضّطرام أهلي ساخن.
جِماع ذلك كله أوصل حالة الاستقطاب المجتمعي بين المتأذّين من العولمة ومن محدودية الدخول ومن الهجرة، بأغلبية محافِظة (الياقات الزرق)، وبين الأكثر يُسرًا والمتعلمين عاليًا، وبرجحان ليبرالي (الياقات البيض)، مبلغ تطبيع العنف الأهلي (اغتيالات ومداهمات وعسكرة).
والبادي أن الترامبية ليست سوى استجابة خادعة لصرخات «الزرق»، فليس متّسقًا مع أي منطق أن يقود ملياردير جمهورًا رقيق الحال، حتى وإنْ أفلس مرّاتٍ ست. واللافت للنظر أن من أوقفه – في كل مرة – على قدميه كان رأس المال الصهيوني اليهودي في مدينته نيويورك، بواسطة راعيه ومنشئه، حثاليّها الأشهر، روي كوهين.
لقد أدرك اللوبي الإسرائيلي، عند منتصف العشرية الثانية، أن سبيل تمكين سطوته وتأبيدها هو ركوب موجة «الدهماء» – في عُرفه – والوصول عبرها، وهي المضَلّلة، إلى أسرلةٍ كاملة الأوصاف للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه العرب والمسلمين، فبذا تغدو إسرائيل سيّد الإقليم وفايسروي سيّد الكون فيه.
وبرغم نجاح اللوبي في إيصال ترامب إلى سدّة الرئاسة فإن طينته المتنافية مع علوم وفنون السياسة والحكم، وعدم أهليته المستطير، أوقعاه في كارثة سوء إدارة أزمة كوفيد، وهو ما تسبّب في مصرع مليون أمريكي (وكانت سبب فشله في انتخابات 2020)، ثم عادا وأوديا به، في عهدته الرئاسية الثانية، إلى مهلكة الحرب على إيران. والأكيد أن سطح الحياة العامة فوّارٌ بتظاهرات اكتشاف قاعدته، وإنْ بتدرُّج، لكَنْهه الدجّال، ولمسُها تغريره بها تحت يافطات كاذبة نادت بوقف الحروب وإذا به يخوضها بالقضّ والقضيض، ولا لبُغيةٍ سوى إسرائيل وتسييدها على الإقليم، عبر تخليصها من أية قلاع مقاومة فيه.
والقاطع أن مُفاعل 7 أكتوبر كان الخميرة الفصل في أمر هزّ عرش اللوبي، بل وزلزلة الأرض من تحت أقدامه؛ فإبادية إسرائيل، وشريكتيها المتواطئتَين: إدارتي بايدن وترامب، البهيمية نقلت النقاش العام من ملكية إسرائيل ولوبيْها إلى حيازة فلسطين ومؤيديها، اللهم سوى عند الإنجيليين كبار السن.
وقبل الانتقال إلى نقاش موسّع لمآلات المرحلتين أعلاه، تبرز الحاجة إلى فحص جدلية العلاقة بين واشنطن والإقليم، بما شمل تضاعيف الشأن الجاري، ببعض تفصيل:
1 – لم تطأ قوات برية أمريكية أرضًا عربية، بعد الحرب العالمية الثانية، إلّا مع ولوج واشنطن عتبة الأحادية القطبية. كانت هناك، إبان عهد الثنائية القطبية، قواعد جوية أمريكية في الظهران وهويلس – مع قرينة بريطانية في العضم – والقنيطرة، ورحَلت أو رُحِّلت كلها مع مطالع السبعينيات؛ أي أن أرض العرب وسماءهم، عشية حرب أكتوبر 1973، كانتا خاليتَين من أيّ وجود عسكري أمريكي (اللهم سوى حيّز إداري من قاعدة المنامة البحرية التي أخلتها بريطانيا). وفّر غزو الكويت العراقي فرصة سانحة لواشنطن كي تأتي بـ550 ألف جندي و2000 طائرة إلى السعودية بغية ضرب العراق، وفعلت. صحيحٌ أنها سحبت معظم تلك القوات، لكن الأهمّ أنها نثرت في طول الخليج وعرضه دزينتي قواعد، جوية وبحرية وبرية، تقودها قيادة مركزيةٌ، تقع إسرائيل في نطاقها.
2 – ما كان من عقد تنافع بين الرياض وواشنطن، منذ شباط/فبراير 1945: لكم البترول ومنكم الحماية، تحوّل بعدها بعقود ثلاثة – حزيران/يونيو 1974 – إلى صكّ استتباع: منكم الحماية ولكم البترول والبترودولار والسندات والأسهم وشراء السلاح والسلع. تواقت ذلك مع انكسار حركة التحرر العربي في قاعدتها المصرية، ومع تبعثر بعثي العراق وسورية، بدلًا من التحامهما في بوتقة سوراقية، وتراجع المقاومة الفلسطينية بعد هزيمتها في «أيلول الأسود». ولعلّ ما دُعي بـ«الحقبة الخليجية» قد تساوق، مدّةً وأثرًا، مع زمن الأحادية القطبية؛ فما الأمر سوى تجلٍٍٍّ لعلاقة المتروبول بأطرافه.
3 – في الاتّجاه المعاكس، تم كنس النظام الشاهنشاهي، التغريبي المتصهين، في إيران بثورة إسلامية انتهجت سبيل الاستقلال الوطني. ومع فشل محاولة الغواية الغربية لها، بسعي «استرداد» إيران إلى حظيرة الغرب، ذهبت واشنطن إلى تبنّي خيار الحرب عليها بالواسطة، مزيّنة لبغداد مردود امتشاق السلاح وموقوتيته، مُعانةً بتحريض حلفائها في الجوار لها؛ أي بغداد، وكلّه على خلفية خشية الأخيرة من نداء إيراني عابر للحدود (كان أمرُ «ما العمل مع الحدث الإيراني» محلّ سجال، حتى آخر صيف 1979، بين حيّز وازن من قيادة بغداد، ضمّ رئيسها، رأت في خيار الحرب بلاءً أعظم، وفي الوحدة مع سورية خير اتّقاءٍ لها.. وبين حُماة رؤوس فيها، جهلوا أبجديات قضايا الحرب والسلام، ومارسوا، بشنّ الحرب، في أيلول/سبتمبر 1980 جهلهم).
4 – ومنذ تمكين واشنطن لإسرائيل من تحويل انتصارات القوات المصرية والسورية في الأيام الثلاثة الأولى لحرب أكتوبر إلى هزيمة بيّنة في ختامها – مكّنته وعزّزت من تأثيره إدارة أنور الخرقاء للحرب، أكان عند نهاية الأيام الثلاثة تلك، أم خلال أسبوعَي الحرب الأخيرَين -، وسعيُها حثيثٌ لإجلاسها على سدّة الإقليم؛ بدءًا بكارثة كامب دايفيد المصري، ومرورًا بالحرب الأهلية اللبنانية، والحرب الأهلية السورية الأولى المصغّرة، والحرب العراقية – الإيرانية، واجتياح لبنان الاسرائيلي، والحرب الأمريكية على العراق، وأوسلو الفلسطيني، ووادي عربة الأردني، وغزو العراق الاحتلالي الأمريكي، والحرب على «الإرهاب» (قل العرب والمسلمين)، وصبّ الزيت على النار إيقادًا لحرب أهلية سورية كبرى، والاتفاقات الإبراهيمية، وتمكين إسرائيل من استيطان سرطاني فاجر في القدس والضفة .. ووصولًا إلى إبادية ما بعد 7 أكتوبر البهيمية.
5 – صاحبت عقود الإذلال الثلاثة: 1991 – 2023، ونتيجةً لحربي 1991 و2003 الأمريكيتين بالذات، ولادة جهادية سنّية كونية اختلطت معها الأوراق، فتداخلت عوامل الداخل المحتقن بين جدران الأقفاص مع مؤثّرات المهيمن – وحلفائه الإقليميين – النهّاز خارجها، لتشعل أوار حرب أهلية عربية ساخنة متعدّدة البؤر، عمرُها عقدين، لكن أشدّ أطوارها ذاك الذي امتدّ منذ شباط/فبراير 2011 لتاريخه. وليس من قبيل المبالغة وصفُ حال الأمة عشية 7 أكتوبر 2023: جسدٌ ملقىً على قارعة الطريق بلا حراك. راود دواخل الإنسان العربي، في تلك الآونة، سؤال: هل قُضي الأمر الذي فيه تَستفتيان؟، فكلّ ما حوله أشّر إلى بئس المصير؛ أو هكذا لاح.
6 – بصرف النظر عن موقف أي طرف من حدث 7 أكتوبر، فإن ما كانه وما زاله ويبقى هو ماهيّة أنه صاعق التفجير الذي خلخل الصفائح التكتونية، لا للإقليم فحسب بل وللغرب – وفي الرأس منه الولايات المتحدة – لا بل وللعالم بأسره. والأدقّ، أنها توابع الحدث المباشرة؛ إبادية إسرائيل، وشريكتَيها المتواطئتَين – إدارتي بايدن وترامب – البهيمية. وفّر المتواطئ الأول (إدارة بايدن)، ثم واصل المتواطئ الثاني (إدارة ترامب) للإباديّ البهيميّ الإسرائيلي كلّ شروط الحماية الجوية والصاروخية والاستخبارية كي تصدّ عنه غائلة ردود أعدائه في الإقليم، بل ومكّنه من توسيع بيكار النزال إلى شنّ حرب إقليمية، شبه – أحادية الجانب، شملت، إلى غزة، لبنان، ومخيمات الضفة، بل وإيران. فرادةُ الحدث، وتوابعه العجائبية، تمثّلت في انشطار متعاكس النتائج بين فوزٍ ميداني للإباديّ البهيمي ومتواطئيه، في الحرب التي دارت ما بين 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 و26 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 .. وبين هزيمة سياسية نكراء لحقت بهم، وما انفكّت، منذ بدء النزال.
7 – أقنَع تهيُّبُ إيران من الانخراط في نزال – ما بعد 7 أكتوبر بالمليان، اتّقاءً – مزمن الطابع – لارتطامٍ مباشر بالولايات المتحدة، معطوفًا على فواجع أداء حليفها اللبناني خلال معارك عام 2024، ومقرونًا بسقوط نظام حليفها السوري في أواخره، كلًّا من واشنطن وتل أبيب أنها باتت حبّة كستناء شهيّة، ولا سيَّما وقد توفّرا على أرصدة تجسسية، بشرية وتقنية، كفلت اختراقًا لجهاز النظام العصبي.
كانت تلك خلفية حرب الـ 12 يومًا، في حزيران/يونيو 2025، التي ابتغت إنزال ضربة قاصمة بإيران، فإنْ أفضت إلى سقوط نظامها فخيرٌ على خير، وإن لمْ تفضِ فهي المحطة ما قبل الأخيرة على ذلك الطريق.
لماذا باتت إيران الهدف؟ لأنها آخر قلاع الصراع ضد إسرائيل، والكابح الباقي لركوبها ظهر الإقليم وحوضه العربي/المسلم. والحاصل أن فشل تلك الحرب في إسقاط النظام تخالط مع ما بدا من تسرُّع الأخير في قبول وقف النار؛ ما عُدَّ، مرّة أخرى، رهابًا لابثًا عندها من مواجهة فاصلة. وعليه، صارت تلك الحرب مِهاد الحرب التالية؛ والقائمة.
8 – شُنّت كِلا الحربين على إيران في مرحلةِ تعدديةٍ قطبية امتزجت، بِقدْر، بسيولة قطبية نظرًا، من جهة، إلى افتراق الشطر الأوروبي من الغرب الجماعي عن قرينه الأمريكي، ولثبات إيران – وهي مفتتح أوراسيا – عصيّةً على هيمنته، من جهة أخرى. مهّد ثنائي واشنطن – تل أبيب لحربه الثانية بفاصلٍ استخباري – عملياتي، عند مفصل عامي 2025/2026، مغتنمًا سنوح فرصة احتجاج شعبي واسع على مفاعيل انهيار التومان الإيراني التضخمية، والذي فُعِّل استخباريًّا من الجوار، فانطلقت زُمرٌ مجنّدة موساديًّا ولانغلويًّا لتصوّب وفير سلاح بين أيديها، زوّدها بها كلا الجهازين، على قوات الأمن الإيرانية. لم تحزم الأخيرة أمرها إلّا بعد انقضاء ما ناف عن أسبوع من الفوضى الدموية، فتمكّنت، بعون أوراسي، من شلّ قدرة التمرّد المسلّح الاتّصالاتية، ومن تصفيته بتكلفة آلاف.
9 – وكما في صيف 2025، فقد بدا عند أواسط كانون الثاني/يناير 2026 أن حربًا ثانية، أوسع من الأولى وفاصلة، على الأبواب. لزِم هنا لحظُ أن الأداء الميداني الأمريكي الفاشل ضد اليمن، ولخمسة وخمسين يومًا ما بين آذار/مارس وأيار/مايو 2025 (كانت بروفة فاشلة للحرب على إيران، قُصف فيها 1000 هدف يمني، واستُعملت قاذفات بي – 2 الاستراتيجية، فكادت تُصاب حاملة طائرات عملاقة لولا تلافيها الإصابة بالتضحية بطائرتَي ف – 18 غرقتا من فوق سطحها)، وفشلُ حرب الـ 12 يومًا ضد إيران في إنجاز هدفها السياسي، ناهيك بأحكام التعددية القطبية، قادت كثيرين، وبعضهم من جهابذة علوم السياسة الأمريكيين، إلى استبعاد احتمال الحرب المسلّحة الواسعة على إيران.
وعلى وجاهة منطقهم وعقلانيته إلّا أن منطق حزب الحرب المؤسرَل الحاكم لبث طاغيًا: أن تسييد إسرائيل على الإقليم استلزم التطويح بإيران أرضًا، ولا سيما أن روسيا غارقة حتى الإبطَين في مستنقعها الأوكراني، كما أن الصين بدت عازفة عن أي احتكاك مؤذٍ مع الولايات المتحدة بدعوى الحرب.. وعليه، فالآن الآن وليس غدًا. ثم إن طهران، عندهم، لا تقوى على صمودٍ أمام عُتوّ ما جُهِّز لضربها، طلبًا لـ«استردادها»، بُغيةٌ لطالما التهب الشوق اليها منذ 11 شباط/فبراير 1979، فإن استعصى فتقويضها إلى شراذم.
10 – كانت قناعتي، على خلفيةِ سابقةِ 2025، أن استيعاب طهران للضربة الأولى، مهما كانت قاسية، هي المؤشّر على إمكان صمودها أمامها من عدمه. لم يطُل الانتظار عن ساعتين حتى بان أن الأمر ليس مشوارًا. كانت حملةٌ جوية «تمييزية» ممتدّة وكبيرة نفذّتها مئات الطائرات الأمريكية والإسرائيلية، مصحوبةً بطائرات أربع دول خليجية – خلال الأسبوعّين الأولَين – شملت ما مجموعه 13500 هدف، وعلى مدار أربعين يومًا، ما بين 28 شباط/فبراير و8 نيسان/أبريل.
11 – انتهت الحملة بمزيج من هزيمتَين للمهاجِم: استراتيجية ورئيسة، للفشل الصارخ في انجازه أيًّا من أهداف الحرب المعلَنة .. وعملانية ومؤثّرة، للقدرة الإيرانية على:
أ – استنزاف وسائط الاعتراض الأمريكو – إسرائيلية والحليفة – وبدرجة أقلّ وسائط الهجوم -، والمواظبة على إنتاج بدائل صاروخية ومسيَّرة تحت النار.
ب – تدمير القواعد الأمريكية في الإقليم، كليًّا أو جزئيًّا.
ج – إلحاق خسائر جسيمة بحلفاء واشنطن في الخليج.
د – فرض سيطرةٍ إيرانية على مضيق هرمز، راوحت بين كلّية، وجزئية و/أو جبائية.
في خلاصة، انتهت حملة الجو، في 8 نيسان/أبريل، بفشلٍ صارخ، حاولت واشنطن تلطيف مفعوله بأن فرضت حصارًا بحريًا على إيران، علّه تكافأ مع سيطرة طهران على هرمز، وبعد أقلّ من أسبوع من وقف النار: في 14 نيسان/أبريل. لم يُجدِ الحصار إياه فتيلًا، فمضت واشنطن، في إثره بشهرين، للقبول بما بدا وكأنه وثيقة استسلام، هي مذكرة التفاهم الفيرساوية، الموقّعة في 17 حزيران/يونيو، والتي علّل ترامب اضطراره لقبولها كي يتجنّب مصير هربرت هوفر، رئيس الكساد العظيم 1928 – 1932.
12 – جسّد ما جرى، منذ 7 تموز/يوليو، من تحايل أمريكي على مذكرة التفاهم، هرمزيًا ولبنانيًا، تَحقّقُ «فخّ ثيوسيددس»: فشلُ قوة كونية أعظم أمام قوة إقليمية كبيرة لا بدّ قاد إلى وقوع الأولى في مصيدةٍ تصعيد. هان الأمر لو أنها من امتلك السيطرة عليه، لكن العلوق في فخّ التصعيد من دون حيازة تلك السيطرة، لا بل وهي بيَد خصمها الأضعف، وصفة بلاءٍ غير محدود.
من هنا، أمضت إيران أسابيع تموز/يوليو الثلاثة وهي تبارز القوات الأمريكية بطريقة «ضربةٌ منكم تُقابَل بضربة ونصف منا». خلال تلك المدة، وتحديدًا في 14 منه، أعادت واشنطن فرض الحصار البحري، علّه غطّى عورة الفشل الميداني، كما وسَعَت – ما استطاعت له سبيلًا – أن تُهرّب ناقلات نفط برعاية قواتها، فلم تنل كثير نجاح في محاولتها تلك.
في الوقت نفسه، حضّت الرياض على إعادة إشعال الحرب اليمنية، بهدف إشغال إيران عن مسرح هرمز، فانقلب السحر على الساحر، ونال القوة السعودية على يد اليمن ذات ما نال القوة الأمريكية على يد إيران؛ لا بل وأكثر.. فغدت مرافقها الطاقية والخدمية تحت نيرانٍ يمنية حامية، ومحرومةً أحدًا لجأت إليه حاميًا وسندًا.
13 – حصيلة العرّض أن أهمّ ما أفرزته الحرب الأمريكو – إسرائيلية على إيران انكشاف هزال القدرة العسكرية التقليدية الأمريكية وتردّي فعاليتها، ومن ثمّ تلاشي ردعيتها. هي ترسانةٌ كانت مؤهّلة لخوض حروب القرن العشرين، لكنها لا تصلُح لِما بعده. فلا حرب الجو ولا حصار البحر ولا ضربات التبادل أثمرت كسر القدرة الإيرانية. في المقابل، فوسائل المواجهة التي قاتلت بها الأخيرة امتازت بمستقبليتها فضلًا عن راهنية عائدها. ولأن تلك الحصيلة بدَت فاقعة الدلالة أمام ناظرَي ترامب، أمَر وزير ماليته، بعد أربعين يومًا من حصاره البحري الثاني والفاشل، في 24 آب/أغسطس، بقرِنِه بعقوباتٍ ثانوية على المتعاملين مع إيران، بوهمِ أن ذلك لا بدّ مفضٍ إلى انهيارها أمامه كبَيت من ورق؛ مغْفِلًا، أو متغافلًا عن، حقيقةٍ لا مراء فيها: أن غبّ طلَب الصين وروسيا هو فشلُ الولايات المتحدة في حربها على إيران، ففيه تثبيتٌ للتعددية القطبية، وإشغال لها عنهما، وتبيينٌ لحلفائها فضائل الانفضاض عنها؛ بكَيف بدَت عاجزةً عن حمايتهم، كما أدمنوا الافتراض.
14 – فاقَم من تأثير انكشاف الإمبراطور عاريًا في الميدان ما قاد إليه من تضخّم اقتصادي وأزمة طاقة ضربتا الاقتصاد الكوني بأسره، والأمريكي منه في الصدارة، برغم كل محاولات التلفيق والمداورة والتلاعب، التي لم تعد صالحةً للصرف مع دخول الخريف. صار الرأي العام، الذي بدا على قدر من اللامبالاة عند بدء الحرب طالما لم تؤثّر سلبًا في رزقه وأمنه (كما حاله طوال عقدين من «الحرب على الإرهاب»)، يرمي رئيسه بوزْر التسبّب بكارثة معاش محيقة.
لقد أنزلت الحرب ترامب من علٍ؛ وهو لعمري أمرٌ لا تحتمله أعصاب مَن مَثلُه الأعلى جنكيز خان، ومن استطاع بفرادةٍ لا سابقة لها مسْخ ما دُعي بالديمقراطية الأمريكية (هي تعريفًا جمهوريةٌ دستورية، وليست ديمقراطية) إلى أشلاء كوميدو – تراجيدية. هو الآن يواجه اختبار مصير؛ فالحرب مِن خلفه والانتخابات النصفية مِن أمامه وحال الاقتصاد من حوله، وليس متاحًا له مخرجُ نجاة، ولا سيَّما وجدلية السبب والنتيجة بين الحرب والتضخم أفضت إلى نَوخ المجتمع تحت كلكلها، وبعلم أن مبتغى إيران إيصال ارتفاع أسعار النفط ومشتقاته إلى حد الإيلام الذي حفَّز خصمها على الاتيان إلى كلمتها السواء، في معجمها.
15 – طيب، هل لدى ترامب من خيار عسكري فارق، فكّ به عقدة ثيوسيددس وتساوى به مع جنكيز؟.. عندي أن مَن جرّب حملة جوية مديدة بلا طائل لن يناله إن عاد لتكرار ذات الفعلة، ثم إن استنزاف عتاد الاعتراض وذخيرته بلغ خطّ الخطر، واحتاج سنواتٍ كي يُعوَّض.
لقائلٍ أن يقول: وماذا عن حملة جوية «غير تمييزية» هذه المرّة؟.. طيب، ألَن يستدعي ذلك ردًا إيرانيًا غير تمييزي، وفي الخليج بالذات؛ ما أفقد الخيار واقعيته وجدواه؟
طيب، وماذا عن عمل بري محدود، استهدف – فلنقل – جبل الفأس؟.. والجواب أنه ممكن، لكنّ عاليَ تكلفته من أرواح المهاجمين (الحديث عن إنزال لواء مجوقل) أخرجته من الحساب.
زاد آخرٌ بالقول: طيب، وماذا عن الخيار «النووي» (التكتيكي)؟.. أحسَب أن ذلك مُحالْ، ولعدّة أسباب؛ من أول اقتناء إيران له تِبعًا، مرورًا باستعمال روسيٍ له في أوكرانيا، ووصولًا إلى عَدِّ الولايات المتحدة دولة مارقة وأثرُ ذلك في اقتصادها، ناهيك بتأثيرات استعماله البيئية (قُدر عدد ضحاياه الإيرانيين بمئة ألف).
ما أراه في تسريبات التلويح الأمريكي به محاولة ردع إيران عن حيازة السلاح النووي وسط تراكم معطيات حول نيّة لها كتلك، ولا سيَّما وحديث طهران عن الانسحاب من اتفاق حظر الانتشار النووي قد تواتر.
ثمّ لماذا يدور الحديث عن فحص طهران حسبان النووي ضرورةً، أو كاد؟.. لا يقي النووي من تعرّض حائزه لهجوم خارجي (مِثال روسيا ماثل) إلّا في حالتين:
أ – أنه هجومٌ ابتغى إسقاط نظام.
ب – أنه هجوم غزو.. هنا يغدو النووي رادعًا بامتياز (مثال كوريا الشمالية شاخص).
طيب، ها قد تعرّضت إيران، وفي غضون عامٍ ونصف العام، إلى حرب إسقاط نظام مرّتين؛ فما الذي ضمَن عدم تعرّضها لثالثة أو مزيد؟
لمعترضٍ الإشارة إلى أنها نجت مرّتين بفضل صواريخها ومسيّراتها فلِم الحاجة إلى نووي؟.. وجيهةٌ تلك الحجّة، ومن ثمّ فالإجابة طيُّ القادمات.
16 – طيب، إذا كانت واشنطن غير متوافرة على خيار عسكري حاسم أخرجها من مصيدة تصعيدٍ بلا سيطرة لها عليه، فماذا هي إيران فاعلة لحسم الصراع لمصلحتها؟.. نظرةٌ سريعة راجعة على مسار تطوّره بيّن، ومن منظور أمريكي، كيف أن شنّ الحرب كان الخطيئة الأولى والكبرى، وأن عدم إيقافها بعد يومين أو ثلاثة من بدئها كان الخطيئة الثانية والغبيّة، وأن خرق تفاهم فيرساي كان الخطيئة الثالثة والشديدة، وأن الحصار البحري – ولا سيَّما الثاني – هو الخطيئة الرابعة والواهمة.. لكن خطيئة الخطايا في تمنّع ترامب عن الفيء إلى فرساي – 2، ومعزّزة، الآن وقبل الانتخابات النصفية.
عندي أن طهران لن تمانع في تسوية توقف الحرب الآن، فهي رابحةٌ في حالتَي عقدها أم إضاعة ترامب فرصتها من جديد. وخسارة ترامب، وأخَصّها في أعين قاعدته، أهون مما لو عاد وماطل، فأقلّهُ حملُها وعد انفراج اقتصادي حسّن من موقفه الانتخابي وقلّص من حجم خسارته في صندوق الاقتراع.
وماذا إيران فاعلة إن حرِن ترامب عن صكّ تسوية أنهت الحرب؟.. حسابُ المخاطر والمكاسب دفع إلى الصدارة إمّا تصعيدًا إيرانيًّا مباشرًا أو استفزازها لواشنطن حدّيًا كي تكون البادئة بالتصعيد قبيل الانتخابات؛ والبغية: إسقاط نظام ترامب، وظيفيًّا، فيها، وجعله عبرةً لِمن اعتبر.
كيف يكون التصعيد؟.. بإشعال جبهتي بحر العرب (المنطقة الحرام البحرية) والبحر الأحمر (باب المندب ومقترباته) معًا وسويًّا، فضلًا عن عودة قاسية لتدمير ما بقي، أو لم يُمسّ بعد، من قواعد أمريكية في الخليج والأردن.
وحتى يثبت العكس، فلا أرى لترامب سبيلًا غير تجرُّع تسويةٍ كفَتْهُ بليّةً أشدّ، وأمّنت له خروجًا – وإنْ خاسرًا – من فخّ ثيوسيددس، ووفّرت عليه تِركةً أين منها مجموع تركات هربرت هوفر وليندون جونسون وجيمي كارتر ودوَبيا بوش وجو بايدن.
17 – نأتي الآن إلى الانتخابات النصفية، في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، وتأثير نتائجها في ترامب وحزب الحرب المؤسرل الحاكم: وكما أسلفتُ، فسواءٌ خاض ترامب جديًّا غمار تسوية مستدامة أم فاء إلى انتظارية لا حرب/لا سلم (لن ترضاها طهران بحال) فحظوظه، وحزبه، الانتخابية متهافتة (يتفاقم التهافت إنْ سبَقه تصعيد ميداني).
ولمّا كان هو طبعة جنكيز خان الأمريكية، بحسب وصفه، فمآله رفضُ الاعتراف بالهزيمة، سواءٌ استباقيًّا بتعطيل العملية الانتخابية، بدعاوى الطوارئ والتدخل الأجنبي وعدم سلامة إجراءات الفرز، أم برفض الاعتراف بشرعية نتائجها، وعدم ترسيم الفائزين فيها من ديمقراط، في 3 كانون الثاني/يناير 2027، وهذا ما أُرجّح.
وحيثما تلفّتنا في المشهد الأمريكي فنحن أمام أزمة نظام مستفحلة، وما ترامب إلّا صاعق تفجيرها، والتعبير العلْوي عن عنفٍ قاعديّ مُطبَّع.
لماذا سيناريو الطوارئ هذا حاضر عند ترامب؟.. لأن البديل، حينها، قبوله فجيعة تحوّله لا إلى بطّة عرجاء فحسب، بل إلى واحدةٍ ميّتة بجدارة. سيلاحقه الديمقراط، وعلى مدار عام وأزود، بكل تُهم الأرض، ولن يدَعوه وعائلته وربعه إلّا وهم يشْكون لطوبها في الغدوِ والرواح، وفي الرأس تبخُّر ثروتهم البيتكونية المتكسَّبة. ضِف أن الديمقراط سيسارعون، كما فعل أسلافهم عند مفصل 1974/1975 بإيقاف تمويل حرب فيتنام؛ أي إلى وقف الإنفاق على حرب إيران، ومن ثمَّ إيقافها، ووفق فيرساي – 1 أو 2.
18 – صلةُ الانتخابات النصفية بإسرائيل ولوبيّها هي في أنّها تعبير أوّلي عن مدى تهاوي الاثنَين في أعين الجمهور الأمريكي، وعلى مقلَبيه، ولا سيَّما من جيلَي الألفية وزد. أعود هنا لأشدّد على واقع أن النقاش العام قد حُسم أو كاد لمصلحة فلسطين، وإزاحةً لإسرائيل من عليائها. وعلى الرغم من استماتة حزب الحرب المؤسرل واللوبي الإسرائيلي في التشبّث باحتكارهما مستوى صناعة القرار في شأن السياسة الخارجية تجاه عالم العرب والإسلام، فإن تسارع وقائع خساراتهما في استقصاءات الرأي وفي نتائج الانتخابات التمهيدية للمرشحين وشَت بضيق مساحة التفارق بين المسارين: النقاش والقرار.
لقد باتت إسرائيل، في ذهن أغلبية نسبية ومتعاظمة، لا عبئًا ماليًّا وسياسيًّا وتسليحيًّا فحسب بل ووِزرًا أخلاقيًّا وسُمعتيًّا ونفسيًّا بعَث على التطيّر وحثَّ على الاجتناب. وصارت «إيباك»، درّة اللوبي، مُفرِز نجاسةٍ دفعت إلى الاغتسال، لا بل باتت على مهداف فاضحيها وفاضحي كلّ من ترزّق منها نخّاسًا في منصب عام.
إن القوتين الصاعدتين على المسرح السياسي الأمريكي هما: اليمين الشعبوي القومي الكاره للحروب وللهجرة، الذي مثّل قاعدة «ماجا»، لكن حيّزًا منها جرى اختطافها – بالخديعة – من ترامب، ولا تزال في ربقته بحافز كراهية الهجرة..
قبالة حيّز تمسّك بأهداب ثوابته، ويتّسع كل يوم + اليسار الديمقراطي.
ونقاط التقاء القوتين تجاه إسرائيل ولوبيّها غزيرة، وهو ما سينعكس على نتائج الانتخابات، إنْ أُجريت أو تكرّست!.
إن إسرائيل تواجه موقفًا عابرًا للغرب الجماعي، بما فيه الأمريكي، أشبه بما واجهته جنوب أفريقيا ما بين 1986 و1990؛ أي النبذ والإدانة والعقاب. سيستميت اللوبي في محاولة دفع الخطر عن إسرائيل، لكن الموجة كاسحة بلا صادّ لها مُقنِع؛ هي مسألة وقت.
19 – صلةً بذلك، فما تعرّضت له واشنطن من هزيمة استراتيجية، وعملانية، في حربها على إيران لاقتْه إسرائيل معها. صحيحٌ أنها ألحقت هزيمة تكتيكية كبيرة بمقاومتَي فلسطين ولبنان، وأنها تسرح وتمرح في سورية، لكن ذلك كله لا يُبدّل من واقع أن نكسةً أمريكية في المنطقة يعني نكسة إسرائيلية أوجع، وبعلم أن خطوط انتشار «تساهل» طالت، وحجومها زادت على موارده العاملة والاحتياطية، وأن نفقات حربه ذات الأعوام الثلاثة، لتاريخه، – حتى بحساب الرافد الأمريكي المدرار – قاربت الأربعين مليار دولار، وأن الداخل الإسرائيلي – والجيش مرآته – عالقٌ في احتراب هو سلميٌ لتاريخه لكنه مفتوح على أفق مغاير، وأن مسرح الضفّة محمّلٌ بشحنات التهاب.. فضلًا عن أن غلاف إسرائيل الأردني أوشك أن يصير ورقةً في الهواء. وعلى وقع النكسة الاستراتيجية الإسرائيلية تهاوت أوراق الإبراهيمية ومعها ممرّ الهند – إسرائيل وباقي أضغاث الواهمين.
20 – أختم حديث أمريكا بنقاط أربع:
أ – أن رهان التفوّق «الذكائي» على الصين غير واقعي. القول عندهم أن الفارق هو شهور ستة فحسب؛ والشاهد أن مجرّد قياس قِصرها على بضعة أعوام قبلها وشى بخُلّبية الزعم.
ب – أن عولمة 1990 – 2020 الكونية قد تبعثرت إلى عولمات مناطقية؛ أي خلَت من سمة الأمركة الغالبة.
ج – أن زيادة الانفاق العسكري بقيمة 500 مليار دولار (مجموع 1500 مليار) لن تُبدِّل الحال، ما لم يُزَح الحافز الشركاتي، في التهام الميزانية العسكرية على نحوٍ خرافي الفساد، من الحساب؛ أي ملكية الدولة لقطاع الإنتاج الحربي.
د – أن هناك سخطًا يمور في حشايا العسكرية الأمريكية، التي يمثّل السود ما ناف عن 40 بالمئة من كادرها، سواءٌ لجهة التمييز المستجدّ ضدهم وضد النساء في الترفيعات، أم بخصوص قذف القوات إلى حربٍ فاقدة الجدوى وخاسرة المردود، أم بسبب تولية فرنجوي منتمٍ إلى فرسان المعبد، برتبة رائد مسرّح، عليهم، وهو الذي لا شُغل له ولا شاغل سوى تسريح الجنرالات؛ لاعتراضهم على هوسه بشكليات جاهزية الحرب من دون فهمٍ لسياساتها الاستراتيجية.. لقد بلغ الأمر أن صار حديث انقلاب عسكري، على استبعاده، محض عادي.
عودةٌ إلى الشأن العربي
لا أحسب وقتًا أمثلُ من الآن لِلمسِ أن مرحلة ما بعد – أمريكا، التي نحن في غمارها، إذْ تكرّست – ولم تبدأ – بحرب إيران، زاخرةٌ بمكاسب لأمّة العرب، ولخسائر – تكاد أن تكون وجودية – لولاة أشطارها؛ ما لم يقرؤوا اللحظة التاريخية، ولو احتاجوا إلى مكبّرات.
لم تعد لهم واشنطن محطّ رجاء ولا ضامن أمن ولا ضاريَ كُن فيكون. ليس القصد البتّة أنها باتت نمرًا من ورق، فذلك تزيّدٌ لا طائل تحته، ولا أن التعامل معها رِجسٌ من عمل الشيطان – طالما التكافؤ مذهبه -، فاجتماع إعمال المصلحة والحكمة والعزّة في التعامل مع أحدٍ هو الفيصل.
واشنطن مقبلةٌ، بالضرورة، على تكيّف استراتيجي مع عالم متبدّل. لم تعد وسائط قوتها التقليدية كفيلة بتأمين بقائها سيدة المحيطات والبحار والمضائق، ومالكة السماوات، وصاحبة 800 قاعدة منتشرة في أربع زوايا المعمورة.
عنى انحسار القوة الأمريكية عن دنيانا العربية – في الخليج على الأقل -، نسبةً وتناسبًا، خصمًا جليًّا من القوة الإسرائيلية بين أرجائنا، وعنى أن الرسمية العربية باتت أمام خيار مصير.. فالفرصة تصرخ أمامها مجلجلة: الطريق سالكٌ لكومنولث عربي جامع؛ فبه ومعه فقط أمكن للمنطقة، وولاتها إنْ وعَوا، أن تأمَن وتنمو وتقوى وتقود.. برز هنا من فوره سؤال كيف؟:
وبدءًا، فقد مارست القوة العربية القائدة، مصر – عبد الناصر، في أيام الخير، كلًا من القوة الناعمة وبعض الخشنة في التعامل مع أعداء الأمة. كفى هنا مثال إشعال عبد الناصر النار من تحت أقدام محمد بهلوي في إيران؛ بالإعلام والاستخبار ودعم انتفاضة خرداد/حزيران 1963 ومَن قام عليها، حينها ومِن بعدها.
كان بهلوي حليف إسرائيل ومزوّدها بالنفط (ومعه، إلى إسرائيل، في حلف الأطراف، كلّ من تركيا الناتوية، وإثيوبيا – هيلاسيلاسي، وكردستانيي العراق – البارزاني – وانفصاليي جنوب السودان)، والمادّ أصابع تخريبه في الخليج والعراق ولبنان.
تعلّة بعض الولاة و«النخب» أن إيران – ما بعد الشاه قد تربّصت بهم الدوائر وما فتئت باتت غير صالحة للتداول بعد الآن. فطلبُ «المجال الحيوي» لا يقتصر على طرفْ؛ نحن فاعلوه إن وقفنا على أرجلنا – كما فعلنا ذات يوم – وغيرنا فاعل.
ألم تقاتل تركيا في سورية، بالواسطة، لثلاثة عشر عامًا؟.. إذًا، دعونا رجاءً من ثرثرة لا تسمن ولا تغني من جوع.
ما عنيته بـ«كومنولث عربي» ليس كيانًا وحدويًا مدسترًا بل صرحًا تعاقديًا ضمّ الأقطار العربية في إطارٍ عَلا مستوىً فوق منسوب جامعة الدول العربية. وليس إلقاءً للكلام على عواهنه أن مفاعيل «سان ريمو» من «دول» قطرية/وطنية (حقوقية دستورية مدنية علمانية حداثوية … إلخ)، غدَت فاقدة الصلاحية، وسواءٌ كان ولاتها ملوكًا أم رؤساء.. عسكريين أم مدنيين (فأحبولة أن العسكر، بذاتهم، جنسٌ مرذول لجيناته الشائهة لا تنفع تردادًا سوى على ناصيات المقاهي، لا غير).
لقد شاعت بين «النخب»، وما انفكّت، مقولة أن الدولة «الوطنية» (القطرية) هي باب الرجاء، وأن «وستفاليا دولتية» ممكنةٌ لكلّ قطرٍ عربي على حدة. عسعست تلك المقولة منذ مطالع السبعينيات، لكن حوليات نصف القرن المنصرم أرَت، حتى الأعشى، كيف أنها محض أزعومةٍ، بل خِرقةٌ بالية. ليس معنى ذلك ضرورة ذوبان هياكل الأقطار في وحدة مدسترة، بل هو نظمُها في كونفدرالية ولايات لا تفصل بينها حدود، وتنساب السلع بينها ويتنقّل الأفراد؛ أي هي في أربع كلمات: كيانٌ كبير وسوق كبير. في الاثنين بلسمٌ لتدافع قرابات الأقفاص/الأقطار داخلها، إذ تجد فيهما رحابة الفضاء مقرونةً بخصوصيات التمايز.
ولنا في تجربة الجامعة العربية، عبر عامَي 1964 و1965، هادٍ.. فلو أن ما قررّته، ونفذّت بعضه، ثلاث قمم عربية من إنشاء منظمة الوحدة الاقتصادية وإرساء السوق العربية المشتركة وإقامة القيادة العسكرية الموحدة – على خلفية معاهدة الدفاع العربي المشترك – قد واصل دربه إلى منتهاه، بما شمل من تأسيس خطوط ربطٍ جوية وبحرية وطُرقية وسككية ومن أسطول ناقلات نفط، كما من تنسيق ميداني وإنتاج حربي وطاقة نووية، لكانت حال العرب غير ما انتهت إليه. لكن مناخ الحرب الباردة، وتواضع قدرات حركة التحرر العربي أمام جبروت خصمها الغربي، أفضى إلى إجهاض المحاولة.
الظرف الآن مختلفٌ كليّةً.. لا قِبلَ لقوة كونية أو إقليمية بمنع ولاة أقطار العرب عن إنفاذ ارادتهم – شريطة وجودها – في تشييد كومنولث عربي… الأمر، فعليًا، في أيديهم؛ فإمّا قادوا مسيرة التجمّع في كونفدرالية جامعة، وإنْ رخوة، وإمّا آلَوا إلى خسران مبين.. هي الأعاصير في انتظار مضيّعي فرصةٍ نجاة نادرة، إنْ أضاعو… والله أعلم.
المصادر:
نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 572 في تشرين الأول/أكتوبر 2026.
الصورة من iStock.
كمال خلف الطويل: كاتب وباحث عربي.
كمال خلف الطويل
طبيب أشعة زاول مهنته لثلث قرن في الولايات المتحدة، وساكنٌ في التاريخ ومسكونٌ به قبل وبعد. ولد في 16 أيار/مايو 1952 في بيت لحم، على كونه من البيرة – فلسطين، ثم عاش ودرس في دمشق منذ عام 1956، وتخرج في كليتها الطبية عام 1975، ليغادر بعدها للاختصاص في الولايات المتحدة. تقلّد هناك مناصب ذات صلة: رئاسة الجمعية الطبية العربية الأمريكية؛ رئاسة جمعية الخريجين العرب الأمريكيين؛ رئاسة جمعية البيرة – فلسطين؛ وعضو مجلس أمناء اللجنة العربية الأمريكية لمكافحة التمييز العنصري. انضم إلى عضوية المؤتمر القومي العربي عام 2000 وانتخب عضوًا في أمانته العامة 2003- 2010. وهو عضو اللجنة التنفيذية لمركز دراسات الوحدة العربية، وعمل مديرًا له في عام 2015. الشغف بالتاريخ والسكنى في إهابه باتا نصًّا من أقانيم ثلاثة، أراد منه صاحبه أن يكون صلة وصل لأجيال بازغة مع ماض ليس ببعيد كان العرب فيه ذوي شأو... أو هكذا بدا...
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



