مقدمة

السلفية الجهادية مصطلح معاصر يشوبه كثير من الغموض، ولم يُعرف من أطلق هذا الإسم في المجال التداولي البحثي والإعلامي، فالجدال في شأنه ما يزال دائرًا، وإن كان معظم السلفيين الجهاديين لا ينكرونه في المطلق، ويجيزون استخدامه على المستوى الإجرائي، منهم أبو محمد المقدسي الذي يعرّف السلفية الجهادية بأنها تيار يجمع بين الدعوة إلى التوحيد بشموليته والجهاد لأجل ذلك في آن واحد، أو هو تيار يسعى لتحقيق التوحيد بجهاد الطواغيت، فهذه هي هوية التيار السلفي الجهادي التي تميزه عن سائر الحركات الدعوية[1].

يخلط كثير من السياسيين والمراقبين بين الاتجاهات السلفية بصورة عامة، وفي أحيان كثيرة يتم إطلاق المصطلح على السلفيين الجهاديين على الرغم من أن السلفية الجهادية تمثل فرعًا واحدًا من فروع السلفية، وعلى الرغم كذلك من أن شطرًا كبيرًا من السلفيين لا يقبلون في الأصل تعريف التنظيمات الجهادية الراهنة بأنها جماعات سلفية جهادية[2].

في حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي سعت السلطات السعودية إلى توظيف السلفية في مواجهة تأثير جمال عبد الناصر ودعايته السياسية – القومية العربية – وذلك بفتح أبواب المملكة للعلماء والدعاة والمفكرين الإسلاميين (في أغلبيتهم من جماعة الإخوان في مصر والعراق وسورية)، فكان لحضورهم تأثير ملموس في تطعيم الدعوة السلفية بأفكار إسلامية أخرى[3].

لكن منذ عام 1979 بلورت السلفية الجهادية خطابًا احتجاجيًا يرفض الواقع ويدعو إلى تغييره بالعنف. ولا يكتفي أصحاب هذا التوجه بتقسيم العالم إلى مسلمين وكفار والاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة، بل هم يدعون أيضًا إلى إعمال العنف (الجهاد) لتغيير الواقع، ومن ثم الذي يميز التيار السلفي الجهادي والتيار السلفي التقليدي هو مسألة الموقف من الحاكم. ففي الوقت الذي يكفّر الجهاديون الحكام ويعدّونهم فاقدي الشرعية، يبرر التقليديون هيمنة الحاكم وسلطته ويركزون بدلًا من ذلك على مسألة الشركيات الموجودة داخل المجتمع[4].

ويعتقد الجهاديون أن واجب المسلم تغيير المنكر باليد لا بالقلب فقط، وأن هذا التغيير ينبغي أن يكون شاملًا. وبما أن المظالم ما زالت مستمرة في العالم الإسلامي فهذا يعني عمليًا الاشتغال بمبدأ «الثورة المستمرة»، ويترتب على هذا الموقف الفكري سلوكات سياسية راديكالية، فالتيار الجهادي يرفض المؤسسات القائمة ويقر بعدم شرعيتها ومن ثم تبرير تغييرها بالوسائل المتاحة بما فيها استعمال العنف المادي[5].

لا يعترف التيار السلفي الجهادي بالوسائل السلمية أو تلك التي تسلكها جماعات الإسلام السياسي، أي التغيير السلمي والتدريجي من داخل المؤسسات السياسية والدستورية القائمة داخل أي نسق سياسي عربي أو إسلامي، فالتراث الجهادي كله يقوم على فكرة هدم الأوضاع القائمة وتجريدها من الشرعية الدينية. وقد مثل فكر السيد قطب الأرض الصلبة للأدبيات والمؤلفات المرجعية التي تستند إليها الحركات والجماعات الجهادية التي شرّعت – وما تزال تشرّع – لواجب القتال في البلدان العربية والإسلامية، فمن خلال دراسة الخطاب السلفي الجهادي يتبين أنه يتأسس على ثلاثة مفاهيم:

1 – الحاكمية: يعَدّ المفكر الإسلامي الباكستاني أبو الأعلى المودودي (1903 – 1979) أول من صاغ فكرة الحاكمية الإلهية التي مفادها هو الحكم على المجتمعات المسلمة بالجاهلية، إلا أن السيد قطب المفكر المصري (1906 – 1966) أعطى لهذا المفهوم بعدًا حركيًا وذهب به إلى المدى الأقصى من التشدد في تفسيره، حيث حكم بكفر الأمة، وذلك لغياب حاكمية الله، وأمام هذا الواقع يتساءل السيد قطب: ما العمل؟ وكيف تبدأ عملية البعث الإسلامي؟[6]

يجيب السيد قطب عن هذا السؤال الاستنكاري بأن الطريق الوحيد للخروج من الجاهلية هو نفسه الذي سلكه الأوائل، فلا مهادنة ولا تصالح مع الجاهلية ولو جزئيًا، وأن الأرض التي لا تخضع لحاكمية الله هي دار كفر وحرب بمعزل عن الدين الذي يعتنقه سكانها[7].

إن مفهوم الحاكمية من المفاهيم الزئبقية المغرية التي تستهوي الإنسان الثوري وتستحوذ بسهولة على عقله، ويمكن توظيفه لخدمة أغراض شخصية وأخرى سياسية، فالمفهوم يجعل الإنسان يرفض حاكمية البشر وضرورة الثورة عليهم ويؤمن بتكفير النظام القائم، وتكفير الحاكم والخروج عنه واغتنام أموال الدولة، ومحاربة جيش الدولة وأجهزتها الأمنية، ووصف الخدمة فيهما كفرًا وعصيانًا، لأنه لا يحكم بما أنزل الله، وهكذا تؤدي فكرة الحاكمية إلى تقويض شرعية النظام القائم وتهاوي مؤسساته، وهو ما يجعل منها ظاهرة سياسية أكثر منها دينية[8].

2 – الجهاد: برز مفهوم الجهاد على نحو بعيد بوصفه شكلًا من أشكال الحرب، وارتبط بانقسام العالم بين دار الإسلام ودار الحرب، وتصور الفقهاء حربًا دائمة بين المسلمين وغير المسلمين إلى أن يسود دار الإسلام بفعل ترسيخ الشريعة الإسلامية الشرعية من الناحية الدينية، حيث يحل الإسلام محل المعتقدات الأخرى ويستحدث نظامًا اجتماعيًا – سياسيًا عادلًا[9].

في هذا السياق شرعن شيوخ السلفية الجهادية الجهاد بوصفه فرض كفاية، وذلك لتوسيع رقعة انتشار الإسلام.

3 – الطاغوت: يعَدّ هذا المفهوم من المفاهيم المتداولة في خطاب السلفية الجهادية، ويستمد المتشددون الإسلاميون كلمة «الطاغوت» من عدد من الآيات القرآنية، من قبيل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: 36)، و﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ﴾ (النساء: 60).

لهذا المفهوم سعة لا حدود لها بحسب أدبيات السلفية الجهادية، بحيث ينطبق على كل ما يُعبد من دون الله، سواءٌ كان مسلمًا أو غير مسلم، فالحاكم الذي يتصف بالطاغية هو كل من له قابلية التبعية للقوى العدوانية الشريرة والكافرة ونسج معها كل التحالفات الضامنة لبقائه في الحكم[10].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 550 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 550 كانون الأول/ديسمبر 2024

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 550 في كانون الأول/ديسمبر 2024.

زكرياء أقنوش: أستاذ العلوم السياسية، كلية متعددة التخصصات، الراشيدية – المغرب.

[1] سمير الحمادي، الوهابية والسلفية الجهادية: قراءة في التباسات العلاقة (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2014)، ص 32.

[2] محمد أبو رمان، الصراع على السلفية: قراءة في الأيديولوجية والخلافات وخارطة الانتشار (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016)، ص 11.

[3] المصدر نفسه، ص 31.

[4] يحيى الصغيري، «الظاهرة السلفية بالدول المغاربية ما بين المقاربة الأمنية والمقاربة السوسيو – سياسية،» (أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الاول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجدة، 2018 – 2019)، ص 207.

[5] حسن طارق وإحسان حافظي، «الإرهاب والقانون: التشريع الأمني المغربي لمكافحة الإرهاب،» سياسات عربية، العدد 20 (أيار/مايو 2016)، ص 14.

[6] هاني نصيرة، متاهة الحاكمية أخطاء الجهاديين في فهم ابن تيمية، سلسلة أطروحات الدكتوراه؛ 115 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2015)، ص 15.

[7] عبد الغني عماد، حاكمية الله وسلطان الفقيه: قراءة في خطاب الحركات الإسلامية المعاصرة، ط 2 (بيروت: دار الطليعة، 2005).

[8] بسام الجمل، مفاهيم ملتبسة في الفكر العربي المعاصر السيادة والحاكمية (بيروت: دار الطليعة، 2015).

[9] حسن أبو هنية، الجهادية العربية – اندماج الأبعاد: النكاية والتمكين بين «الدولة الإسلامية» و»قاعدة الجهاد» (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص 183.

[10] خالد أحباري، «التيار السلفي الجهادي بالمغرب: دراسة في المسار والتحولات،» (رسالة لنيل الماستر في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال، الرباط، 2012 – 2013)، ص 37.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز