مقدمة

أشار غيلبرت روزمان (Gilbert Rozman) إلى أن نظرية العلاقات الدولية كانت منشغلة باليابان في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ويبدو أن تحول التوازنات الاستراتيجية إلى منطقة شرق آسيا تقدم أسبابًا مقنعة لإعادة التركيز على اليابان مرة أخرى[1]، حيث إن فهم خصوصية السلوك الخارجي لليابان سيساهم في الإحاطة بطبيعة هذا التحول ودينامياته، فالسلوك الخارجي لليابان يتميز بخصوصيات فريدة، وعلى خلاف بقية الفواعل الدولية فإن هذا السلوك لا يقوم على محددات القوة التقليدية لهانس مورغانثو (Hans Morganthau)، بل بدلًا من ذلك، يعتمد إلى حد كبير على تقييم واقعي للقيود الدستورية التي تفرضها المادة التاسعة، والغطاء الذي توفره معاهدة الأمن التي تربطها بالولايات المتحدة، وعلى مستوى آخر على دورها في سياق الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة[2]. وعليه فإن هذه الخصوصية تستدعي مراجعة الأدبيات النظرية والفكرية التي تناولت ظاهرة السياسة الخارجية بالدراسة والتفسير، ثم محاولة إسقاطها على الحالة اليابانية لفهم أبعاد وأنماط سلوك اليابان في البيئة الدولية.

في هذا السياق تسعى هذه الدراسة للإجابة عن السؤال التالي: كيف يمكن فهم وتفسير سلوك اليابان الخارجي في ضوء النظريات التفسيرية للسياسة الخارجية؟

أولًا: فهم سياسة اليابان الخارجية من المنظور الواقعي

لا يمكن الحديث عن السياسة الخارجية لأي دولة من دون التطرق إلى مصطلحات ومفاهيم المدرسة الواقعية في تحليل السياسة الخارجية، كونها النظرية الوحيدة التي استمرت في تفسير السلوك الخارجي للدول وتفاعلاتها مع بقية الفواعل المكونة للنظام الدولي، وذلك منذ نشأة التجمعات السياسة (دول المدينة)، التي أوجدت أرضًا صلبة من الممارسة الواقعية في السياسية الخارجية على مرّ القرون، كما لم تتمكن أي نظرية من نظريات العلاقات الدولية على تعددها أن تقدم تفسيرات عملية ومقنعة لفهم عدد من الظواهر الدولية، حيث ساهمت النظرية الواقعية في تفسير هذه الظواهر على المستويين الكلي (النظامي) والجزئي (دون النظامي) كما هي في الواقع[3]. لذا تحتل الأطر الفكرية للواقعية مكانة محورية في تحليل السياسة الخارجية، على الرغم من الانتقادات التي وجّهت إليها من طرف اتجاهات نظرية أخرى. ويرتبط سبب بقاء النظرية الواقعية واستمراريتها في تحليل السياسة الخارجية بطبيعة السياسة الخارجية نفسها؛ فبصرف النظر عن طبيعة النظام السياسي، فإن أجندة السياسة الخارجية هي جزء من السياسة العليا للدولة التي تتعامل مع سيادة الدولة وأمنها[4].

تركز الواقعية الكلاسيكية تحليلها على المستوى دون النظامي وتعُدُّ الدولةَ الفاعل الأساسي والوحيد في العلاقات الدولية، كما تجادل بأن الاهتمام الأساسي للدول في السعي وراء المصالح المحددة يترجم في مفهوم القوة. مع التشديد على مركزية القوة (Power Centrism)، فهذا يجعل منها الصورة الأساسية لسياسات الدول، وبالتركيز على هذا المبدأ عمل الكثير من الباحثين على شرح سلوكات اليابان السياسية واكتسابها للقوة وعلاقاتها الخارجية منذ مرحلة ما قبل الحرب.

تقدم مفاهيم الواقعية الكلاسيكية تفسيرات ثابتة لسلوك اليابان في مرحلة ما قبل الحرب، إذ حاول القادة العسكريون، بدافع طموح زيادة القوة والهيبة، بناء «إمبراطورية اليابان» من خلال تشكيل «مجال الازدهار المشترك لشرق آسيا الكبرى»،[5] حيث توسعت اليابان على حساب دول الجوار وامتدّ توسعها إلى الهند الصينية، بعد تراجع الوجود الفرنسي، حيث تمسك اليابانيون بـالمفهوم القائـل بأن الاحـتلال المباشـر لأرض منشوريا، ولاحقًا لجزر الهند الشرقية المنتجة للنفط، هو ضروري لتحقيق السعي اليابـاني إلـى امتلاك القوة وتأكيد مكانتها الدولية[6]. كما وقّعت اليابان في هذا السياق، معاهدة تحالف ثلاثي مع ألمانيا وإيطاليا مكونةً دول المحور أثناء الحرب العالمية الثانية[7].

كما كانت الرغبة في تعزيز قوة البلاد ومكانتها في النظام الدولي بوجه عام والنظام الإقليمي لشرق آسيا بوجه خاص، محور الإصلاحات التي أطلقها الإمبراطور ميجي (1868 – 1912)، إذ كان الهدف بناء نهضة يابانية تواكب التطور الذي بلغته القوى الغربية في تلك المرحلة؛ تكونت الملامح العامة لسياسة اليابان الخارجية في هذه الحقبة بالاستناد إلى الخبرات التاريخية التي عرفتها البلاد، والتي تميزت بالضعف العسكري والارتباط الاقتصادي بالخارج، فشددت حكومة ميجي على التحديث الاقتصادي وبناء متطلبات الدفاع الوطني،[8] وتلخصت الخيارات في رسم مسار قائم على السعي وراء الهيمنة والقيادة الإقليمية مع تعزيز تحالفها مع الغرب، بوصفها مركزًا متقدمًا في المنطقة.

بالنسبة إلى الواقعيين الكلاسيكيين، فإن اليابان في حقبة ما بعد الحرب قد استمرت في ذات المسار الذي اتبعته القيادات العسكرية خلال مرحلة ما قبل الحرب. ويعتقد هؤلاء بأن السعي نحو اكتساب القوة هو محور التحليل وإن اختلفت الأدوات والأساليب. مع ذلك، فإن مفهوم القوة بحد ذاته قد تم تطويره عبر الزمن، وذلك من خلال التحول من التركيز على العناصر القهرية للقوة (القوة العسكرية) إلى العناصر «اللينة» الأخرى، مثل العناصر الاقتصادية أو الثقافية أو الاجتماعية.

جادل كل من صامويل هنتنغتون (Samuel Huntington) وراينهارد دريفت (Reinhard Drifte)، أنه من المحتّم أن تتحول قوة اقتصادية كبرى إلى قوة عسكرية، وبيّن هنتنغتون بوضوح أن اليابان قد تصرفت لعقود من الزمن بطريقة تتفق تمامًا مع النظرية «الواقعية» في العلاقات الدولية، والتي تنص على أن السياسة الدولية هي في الأساس فوضوية، وأن الدول في سعيها لضمان أمنها فإنها تعمل على زيادة قوتها إلى أقصى حد. ركّز المنظرون الواقعيون في معظمهم على القوة العسكرية، وقبلت اليابان جميع افتراضات الواقعية ولكنها طبقتها بشكل بحت في المجال الاقتصادي، إذ تخلت عن القوة العسكرية، وتصرفت بالضبط كما تتوقعه النظرية الواقعية في السعي وراء القوة الاقتصادية. في مجال المنافسة العسكرية، أدوات القوة هي الصواريخ والطائرات والسفن الحربية والقنابل والدبابات. في مجال المنافسة الاقتصادية، تتمثل أدوات القوة في الكفاءة الإنتاجية، ومراقبة السوق، والفائض التجاري، والعملة القوية، واحتياطيات النقد الأجنبي، وملكية الشركات الأجنبية، والمصانع، والتكنولوجيا. هذه هي الأهداف التي تسعى اليابان إلى تحقيقها منذ خمسينيات القرن الماضي[9].

مع ذلك، وخلافًا للواقعيين الآخرين، فقد أشار دريفت في كتابه السياسة الخارجية لليابان إلى أن هذا التحول سيكون تلقائيًا، وهنا تفيد الإشارة إلى أن فهم التعريف الياباني لمصطلح «القوة» مهم أيضًا، حيث أشار إلى أن مفهوم القوة لا يرتبط ارتباطًا مباشرًا بـ «الإكراه» أو «البراعة العسكرية»، وإنما يتحدد في التصور الياباني في احتمال «التأثير غير المقصود» أو «القوة النسبية»، وليس وفق مفهوم توزيع السلطة في طرح الواقعية التقليدية. على الرغم من أن اليابان لا تتجاهل بوضوح الأمن العسكري، إلا أن سياستها الخارجية منظمة حول هدف تعزيز موقعها التقني والاقتصادي في النظام الدولي. علاوة على ذلك، عندما يجب إجراء المقايضات بين القيم الأمنية العسكرية وقيم الأمن الاقتصادي في سياستها الخارجية، فغالبًا ما يكون للأخير الأسبقية[10]، حيث تتراكم القدرة النسبية لليابان بسبب الظروف البسيطة المتمثلة بكونها واحدة من أكبر مستوردي المواد الخام وإمدادات الطاقة والمواد الغذائية، ومن خلال تصدير مجموعة مطورة باستمرار من المنتجات المصنعة في قطاعات محددة ومهمة جدًا، ومن خلال التأثير في القواعد التي تحكم هذا التبادل، ستكون اليابان أكثر قوة[11].

وبالعودة إلى التراث النظري للواقعية التجارية أو المركنتلية (Mercantile Realism) نجدها تهتم أكثر بـ«الأمن الاقتصادي» بدلًا من «الأمن العسكري». وتطرح ثلاثة أفكار، هي: (1) احتمال أن فعالية النداءات إلى استخدام السلاح قد تراجعت إلى حدٍ كبير بسبب عدة عوامل خلال القرن العشرين؛ (2) يمكن استخدام القوة الاقتصادية الوطنية لتقييد سيادة الدول أو استقلالها؛ و(3) يمكن تعزيز القوة الاقتصادية الوطنية من خلال السياسات الصناعية والتجارية المصممة لخلق ميزة نسبية في التقنيات المتقدمة[12]. وهي الأفكار التي يمكن أن نلتمسها في سياسة اليابان الخارجية تجاه دول الجوار، في المقام الأول، وهذا نتيجة الخصوصيات التي يوفرها لها تقدمها الاقتصادي وتطورها التكنولوجي؛ فعلى الرغم من قدرتها على بناء القوة العسكرية فهي تميل إلى استخدام القوة الاقتصادية من خلال القدرة على توليد التكنولوجيا كأساس للسيادة والأمن الوطنيين.

ومع ذلك، لم تكن سياسة اليابان الخارجية بعد الحرب مدفوعة بمفهوم القوة وحدها، فالتحليل الواقعي الجديد يقدم مفاهيم جديدة لفهم سلوك اليابان الخارجي خلال هذه المرحلة، فعلى خلاف طرح هانس مورغانثو، فإن متغير القوة في تحليل الواقعيين الجدد هو وسيلة لتحقيق الكثير من الغايات[13]. كما ينطلق أنصار هذا الاتجاه في تحليلهم لسلوك الدول من خلال البيئة الخارجية[14]، ويشددون على مركزية النظام الدولي في تحديد سلوك الدولة[15]. على هذا النحو يجب فهم سياسة اليابان الخارجية من خلال رؤية الوضع الدولي الذي يتعين على اليابان أن تعمل فيه، حيث كان للتحولات التي طرأت على النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (الصراع بين المعسكرين، الحظر النفطي عام 1973، حرب الخليج الأولى 1990، سقوط جدار برلين 1991) الأثر المباشر في سياسة اليابان الخارجية.

إنّ تركيز الواقعية الجديدة في تحليلها على النظام الدولي يلقي الضوء أيضًا على سلوك الدولة اليابانية. في حالة اليابان، يمكن الادعاء أن البيئة الدولية كان لها تأثير دائم في القرارات السياسية اليابانية منذ احتكاكها بالغرب لأول مرة، وبعد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية، كانت البيئة التي تمكنت اليابان من خلالها من تعزيز انتعاشها الاقتصادي وتنميتها ذات تأثير كبير في القرارات التي اتخذت لتعظيم مصالح اليابان، إذ مكّنت هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية اليابان من تطوير اقتصادها وخفض إنفاقها الأمني ​​من خلال وضع نفسها تحت الحماية الأمريكية. وهنا يمكن القول إنه لا يمكن الحديث عن «مبدأ يوشيدا» خارج السياق الدولي الذي أفرز هذا المبدأ[16].

إضافة إلى ذلك، تفسر الواقعية الجديدة الدرجة التي تؤثر بها اليابان وسياساتها في الوضع القائم وتوزيع السلطة في النظام. بمعنى أدق، كيف يؤثر موقف اليابان في توازن القوى الموجود في النظام الدولي؟ لذلك فإن المبدأ الجوهري للواقعية الجديدة يصر على أن الفواعل/ الدول العقلانية، مثل اليابان، بقوتها الاقتصادية المتنامية، يجب أن تتولى أيضًا أدوار القيادة، وتحمُّل المسؤوليات، وتتبع جداول أعمال أكثر حزمًا، ولا سيّما في المجال الأمني ​​وفي مجال المصالح المشتركة، وهو ما من شأنه أن يحقق مصالحها الوطنية[17].

وبصورة أكثر وضوحًا، خلال حقبة ما بعد الحرب، كان تغيير تكوينات السلطة على المستوى النظامي مرتبطًا إلى حد كبير بالتطورات والآثار المترتبة على القوة الاقتصادية المتزايدة لليابان، وكذا قرار البلاد بتولّي مهمة القيادة العالمية. كان بعض الباحثين يرون أن اليابان كانت تسعى لاحتلال موقع هيمنة جديد وأن تخلق ما يسمى «السلم الياباني» (Pax-Nipponica) لتحدي أو حتى استبدال «السلم الأمريكي»(Pax-Americana)   آنذاك، وقد تكررت وجهة النظر هذه بوجه خاص بين الاقتصاديين السياسيين الدوليين مثل جيمس فالوز Fallows) (James، وكلايد بريستوفيتش (Clyde Prestowitz)، وتشالمرز جونسون (Chalmers Johnson)،[18]، كما أشار عدد من دراسات[19] صامويل هنتغتون إلى ذلك، بتأكيده أن تنامي القوة الاقتصادية اليابانية يهدد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وهيمنتها على النظام الدولي.

على الضد من ذلك، يعتقد فريق آخر أن العلاقة بين اليابان والولايات المتحدة لا تزال واحدة من العناصر الأساسية في بنية النظام. منذ الثمانينيات، عندما كان يُعتقد أن الولايات المتحدة في تراجع، عندما استحوذت على موقع القوة العظمى الوحيدة، كانت اليابان تعَدّ دائمًا «الداعم» الرئيسي لهيكل النظام بقيادة الولايات المتحدة. أدى التحالف بين اليابان والولايات المتحدة إلى سيناريوهات متوقعة مثل ظهور «التوازي الياباني  –  الأمريكي»، وهو ما يدل على تقسيم العمل بين القوتين في تعزيز استقرار النظام الدولي، ويشرح توافق سياسات البلدين تجاه البلدان الأخرى. على سبيل المثال، هناك مجموعة أخرى من الأدبيات تركز على تأثير التحالف الياباني الأمريكي على الأمن والمسائل الإقليمية، وأنه يعمل على الحفاظ على قوة التوازنات الآسيوية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ بين القوى المحتملة، مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية[20].

عادة ما تدخل الدول في تحالفات مع قوة كبرى، لتعزيز أمنها ولمواجهة التهديدات التي تتعرض لها، لذا وقّعت اليابان معاهدة الدفاع المشترك مع الولايات المتحدة الأمريكية في 8 أيلول/سبتمبر 1951 [21]، وقامت السلطات اليابانية بموجبها بتفويض مهمة حماية أمن وسلامة البلاد للقوات الأمريكية المنتشرة على أراضيها، بعد تبنّي البلاد للدستور السلمي الذي يعارض امتلاك قدرات قتالية هجومية.

تساعدنا أدبيات الواقعية الجديدة في تفسير التحالف الياباني – الأمريكي، حيث يعتقد الواقعيون الجدد أنه من المهم بالنسبة إلى الدولة الأضعف تشكيل تحالف عسكري مع دولة أقوى في نظام دولي فوضوي. علاوة على ذلك، وبالاستناد إلى المبدأ نفسه، تتأثر السياسات الخارجية والدفاعية للدول ذات السيادة بسلوك الدولة المهيمنة وبمصالحها الوطنية[22]. كما أن استمرار التهديدات الأمنية في جوارها الإقليمي (الصين، وكوريا الشمالية) يجعل من سعي اليابان للحفاظ على تحالفها العسكري مع الولايات المتحدة الأمريكية وتقويته ضرورة ملحة؛ ترجم هذا البعد من خلال السعي الحثيث للقيادات اليابانية منذ نهاية الحرب الباردة لتوثيق التحالف، حيث عملت إدارة جونشيرو كويزومي (Jun’ichirō Koizumi) في عدد من المناسبات على تأكيد الانسجام التام مع الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة، وهو النهج نفسه الذي استمر فيه شينزو آبي (Shinzō Abe) بعد وصوله إلى أعلى هرم السلطة.

كما ينظر إلى الجهود التي تبذلها اليابان تحت عقيدة السلام الاستباقي التي رسم ملامحها آبي، على أنها تعزيز للأدوار التي يمكن أن تباشرها البلاد في سياق تحالفها العسكري مع الولايات المتحدة، وجاء سنّ الدايت لـ «تشريع السلم والأمن» (Japan’s Legislation for Peace and Security) عام 2015، ليضفي قاعدة دستورية لممارسة حق الدفاع الجماعي عن النفس، حيث وضع الخطوط العريضة لنشاط قوات الدفاع الذاتي اليابانية كاستجابة للسلم والأمن في داخل اليابان وخارجها بما يتمشّى مع المبادئ الأساسية للحفاظ على سياسة موجهة حصريًا للدفاع، واستخدام نظام التحالف العسكري لضمان الأمن الإقليمي في شرق آسيا، وقد وسّع التشريع من نطاق المهمّات التي يمكن قوات الدفاع الذاتي أن تضطلع بها، والتي تتضمن آليات للتعاون الثنائي مع القوات الأمريكية على عمليات إخلاء المقاتلين، والأمن البحري، وإجراءات التعامل مع اللاجئين، والبحث والإنقاذ، وحماية المنشآت والمناطق، وما إلى ذلك[23]. فقد جاء التشريع استجابة لمتطلبات التحالف، وهو ما أكده ساتوشي موريموتو (Satoshi Morimoto)، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة تاكوشوكو (Takushoku) ووزير الدفاع السابق في حكومة الحزب الديمقراطي الياباني(DPJ) .[24].

على صعيد آخر، تبرز الأهمية التفسيرية للنظرية الواقعية في تحليل سلوك سياسة اليابان الخارجية عند معالجة قضية استجابة اليابان للاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة، حيث تعجز التفسيرات القائمة على التعاون والاعتماد المتبادل تقديم حجج مقنعة تشرح أسباب تدعيم اليابان للسلوك العدائي ضد وحدات كانت تعَدّ من شركائها التجاريين الرئيسيين، وبخاصة تلك التي يرتبط بها استقرارها الطاقي[25]، كما لا يمكن للتفسيرات التي تقوم على الأطر الاجتماعية والتصورات الداخلية للتفاعلات الدولية شرح سبب تبنّي صانع القرار الياباني أنماطًا من السلوكيات تتعارض والأطر الإدراكية التي تحدد تصوراته للبيئة الدولية.

في هذا السياق لا يمكن تفسير رد فعل اليابان تجاه الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003 من دون الأخذ في الحسبان التهديدات التي كانت تفرضها كل من الصين وكوريا الشمالية على أمن اليابان واستقرارها، فاستمرار حاجة اليابان إلى الأمن والاستقرار الذي يوفره نظام التحالف مع الولايات المتحدة كان محددًا أساسيًا لتدعيم قرار الحرب على العراق، وهذا بالرغم من كون العراق شريكًا اقتصاديًا أساسيًا، فالحسابات الاستراتيجية والأمنية دفعت اليابان إلى تفضيل المنفعة السياسية والأمنية على حساب المنافع الاقتصادية، وتم تبنّي دبلوماسية براغماتية تعّزز مكانة اليابان ضمن استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية العالمية [26].

ثانيًا: التفسير الليبرالي لسياسة اليابان الخارجية

في بداية سبعينيات القرن العشرين بدأت النخب السياسية تدرك أن ثروة الدول تحددها أنصبتها من السلع والخدمات ذات القيمة المضافة في الأسواق العالمية، وهو ما يتضمن أن عصر الدولة المستقلة المكتفية ذاتيًا قد انتهى، حيث صارت شبكة معقدة من التفاعلات بين أطراف النظام الدولي تحدّ من النزعة العدوانية، وصار مما ليس له معنى أن تهدد دولة ما شركاءَها التجاريين، الذين تعَدّ أسواقهم واستثماراتهم حيوية بالنسبة إلى نموها الاقتصادي[27]، وهو ما حاولت اليابان تجسيده من خلال نشاط وزارة التجارة الدولية والصناعة  MITIعبر خطة تنمية الصناعات الآسيوية الجديدة، والمعروفة باسم «خطة المعونة الجديدة»، التي تم تصويرها على أنها «في طليعة مبادرة اليابان لتنظيم التكامل الصناعي لشرق وجنوب شرق آسيا» وأداة رئيسية «لإبقاء سرب (الإوز) في حالة تكوّن»[28].

وهذا ما يشير إلى أهمية ودور المحدد الاقتصادي، في تحقيق أهداف سياسة اليابان الخارجية في ظل نظام دولي تتحكم في ميكانزماته وتفاعلاته القوة الاقتصادية، فاليابان تستمد مكانتها الدولية من قوتها الاقتصادية والمالية والتكنولوجية، وتتضح قوتها الهيكلية في الاقتصاد العالمي. على سبيل المثال، من خلال وضعها كواحدة من أكبر مستوردي المواد الخام وموارد الطاقة في العالم، وهذا ما يمنحها تأثيرًا كبيرًا في الخيارات والقوة التفاوضية لبقية الدول، إما لأن هذه الدول تتنافس مع اليابان على الموارد نفسها، وإما لأنها تعتمد على تصدير هذه الموارد، وتقوم اليابان على نحو متزايد بترجمة هذه القوة الهيكلية إلى تأثير في شكل أنظمة التجارة الدولية[29].

فالملاحظ أنه عند الحديث عن سياسة اليابان في البيئة الدولية، كثيرًا ما تشير الأدبيات إلى فاعل اقتصادي يتجنب استخدام القوة العسكرية لحل المشكلات الإنسانية العالمية، وتتبادر إلى أذهاننا استعارات مثل: الاقتصاد من الدرجة الأولى، أو العملاق الاقتصادي، القزم السياسي، نظام الناتج القومي الإجمالي …إلخ[30].

يفترض الليبراليون أن التعاون هو الحالة الطبيعية في العلاقات الدولية، وأن حالة النزاع تعد استثناءً[31]. وعلى هذا الأساس ترسم الدول سياستها الخارجية وهي مدركة بأنه من خلال التعاون مع باقي الوحدات سيكون بإمكانها تحقيق أهدافها على نحوٍ أفضل مقارنة بسعيها الأحادي لتحقيقها[32]. فتشديد اليابان على مبدأ التعاون في سياستها الخارجية مع بقية الوحدات الدولية يتضمن نزعة تتخطى الحدود الجغرافية، وذلك من خلال سعيها لخلق شبكة من التفاعلات وأنماط العلاقات بينها وبين الدول المتباعدة جغرافيًا، بدافع التعاون والسعي لتلبية الحاجات الخاصة بكل طرف.

تتعامل الليبرالية الجديدة مع الدول بوصفها كيانات ذات أهداف محددة، وتفترض أنها تتخذ قراراتها بناءً على مجموعة من الأولويات وحساب التكاليف مقابل المنافع بين البدائل المتاحة، مع الأخذ في الحسبان ردود الأفعال والمخرجات المحتملة[33]. وتدرك اليابان أنها ليست في وضع يمكّنها من أن تكون منافسًا جادًا للهيمنة الغربية بسبب القيود التي تفرضها المادة التاسعة من الدستور، لذا تحاول تحقيق مكاسب نسبية من خلال طرائق الربح المطلقة، فهي تحتاج إلى الاستقرار الذي يقدمه نظام الهيمنة، لمواصلة السعي لتحقيق مكاسب نسبية، وهذا ما يتطلب مواصلة اتباع نهج نيوليبرالي في سياستها الخارجية وما ينتج منه من مكاسب مطلقة، فاليابان بَنت رؤيتها على أساس أن المكاسب المطلقة ستمنحها مكسبًا نسبيًا أكبر مما لو كانت تسعى لتحقيق مكاسب نسبية فقط[34].

في ما يتعلق بتفاعلات اليابان الخارجية، تقدم المؤسسية الليبرالية تفسيرات مقنعة لتفرد سياسة اليابان الخارجية، حيث تمهد الطريق أمام الباحثين لدراسة التأثير التعددي للجهات الفاعلة المحلية على صنع السياسة الخارجية، فتدمج الهياكل السياسية المحلية خارج «العلبة السوداء» في التحليل، مثل الأحزاب السياسية، البيروقراطية، ورجال الأعمال «زايباتسو» (Zaibatsu) والشركات المتعددة الجنسية والإعلام …إلخ.

كما تقدّم ذكره، فإن المؤسسية الليبرالية ليست معنية بالتحليل على مستوى النظام الفرعي فقط، إنّ نسختها من مدرسة الاعتماد المتبادل، التي تم تطويرها منذ سبعينيات القرن الماضي، تشير أيضًا إلى التأثير الكبير للتغير المنتظم في العلاقات الخارجية لليابان. في ما يتعلق بالجهات الفاعلة. وكما أشير سابقًا، يتم تأكيد الطبيعة التعددية لليابان من جانب معظم الليبراليين، إذ يُعتقد أن قوة العولمة هي العامل الذي يؤدي إلى تآكل أهمية الوحدة التقليدية للتحليل أي الدولة، وتتيح الفرصة للجهات الفاعلة الأخرى، مثل المنظمات غير الحكومية ودون الوطنية، لتزدهر وتشارك في صنع السياسة الخارجية[35].

يعَدّ التحليل الليبرالي المدخل المناسب لفهم سياسة اليابان الخارجية المتعلقة بقضية المشاركة في عمليات حفظ السلم الدولي، فبتأكيدها أهمية الترابط في مقابل الاكتفاء الذاتي، يمكن التركيز على دور الفواعل غير الدول، مثل المنظمات الدولية، وبالتالي الحديث عن مشاركة اليابان في عمليات حفظ السلام في إطار الأمم المتحدة، للتخفيف من التأثير السلبي للفوضى في الأعمال الجماعية، أي أن التحليل الليبرالي يقوم على التركيز على دور الأمم المتحدة في تغيير تفضيلات اليابان التي كانت قائمة في مرحلة معينة على حسابات المصلحة الذاتية – كما يطرح ذلك الواقعيون – بحسابات المصلحة المشتركة التي تهدف المنظمات الدولية إلى تحقيقها، والتي تضمن تنسيق الجهود في مجال معين، وخلق نوع من الثقة بين أطراف التعاون لتجاوز النزعة الأحادية للدول. وبالتالي فإن تحليل مشاركة اليابان المتزايدة في عمليات حفظ السلام الدولي يرتبط بتحديد التزاماتها في إطار الأمم المتحدة، ونتيجة لاعتمادها على الآخرين لتوفير الأمن الجماعي، وهو ما يخالف طرح الواقعيين الذين يرجعونه إلى الضغط الأمريكي على اليابان[36].

في ما يتعلق بتأثير العولمة في آليات السياسة الخارجية، فإن الترابط الاقتصادي والقوة المتصاعدة للعولمة، قد قلّصا خيارات الدول عند رسم سياساتها الخارجية، مثل السياسات الاقتصادية الخارجية القائمة على التجارة والاستثمار. لقد طمس العالم المعولَم والمترابط حدود الوحدات التقليدية للدول ذات السيادة، وبصورة ما غيَّر الطريقة التي تتعامل بها اليابان مع القضايا الدولية. وقد تطلب بعض القضايا، مثل المشاكل البيئية أو حقوق الإنسان، بذل جهود تعاونية من جانب جميع الدول. وبالتالي، فإن السؤال الأساسي المتمثل بخيارات سياسة اليابان الخارجية لا يتعلق بنوع السياسة التي يمكن أو تريد اليابان أن تتبعها؟ ولكن كيف يمكن اليابان أن تساهم في تعزيز وصيانة المصلحة العامة الدولية من أجل الحفاظ على رفاه كل من الشعب الياباني وبقية شعوب العالم؟[37].

كما يشير مفهوم الترابط الذي تطرحه الليبرالية الجديدة إلى حالة من التداخل بين الدول، بمعنى أن الدول يمكن أن تكون مقيدة إلى حد ما في سياستها الخارجية، لأن ثروات دولة ما ترتبط بثروات الآخرين، وقد برزت هذه العلاقة خلال أزمة حظر النفط سنة 1973، التي أثرت مباشرة في القطاع الصناعي الياباني القائم على استيراد الموارد الأولية، وهو ما دفع بالقيادة اليابانية إلى إعادة النظر في سياستها تجاه الشرق الأوسط[38]، فأصدرت تصريح نيكايدو (Nikaido Statement) الذي وضع الخطوط العامة لما يجب أن تكون عليه سياسة اليابان تجاه الدول العربية، في ضوء موقفها من الصراع العربي – الإسرائيلي، وهي كانت خطوة لتهدئة سياسة دول الأوبك وتغيير الصورة النمطية لليابان غير الصديقة في الإدراك العربي[39].

من جانب آخر تركز اليابان في سياستها الخارجية على سياسة المساعدات الرسمية (ODA) والقروض الاستثمارية في علاقاتها مع الدول النامية، حيث بدأت وزارة الخارجية اليابانية في تقديم المساعدات الرسمية منذ سنة 1954. تتيح هذه المساعدات لليابان التأثير في الدول المستقبلة، حيث تضع اليابان مجموعة من الشروط للاستفادة من المزايا الاقتصادية التي تقدمها، التي تتمحور في مجموعة من السياسات الليبرالية المتعلقة بتحرير وخصخصة الاقتصاد، والحكم الديمقراطي واحترام الحقوق الفردية، فالاشتراطية (Conditionality) مفهوم أساسي في التحليل الليبرالي للعلاقات الدولية، وهذا لفهم الطريقة التي تؤثر بها الدول والمؤسسات الدولية في الدول النامية[40]، وهي الآلية التي تسمح لليابان زيادة درجة تأثيرها في النظام الدولي، ومباشرة أهداف سياستها الخارجية بعيدًا عن آليات الإكراه.

صرّح رئيس الوزراء الياباني السابق ياسوهيرو ناكاسوني خلال زيارته باكستان سنة 1984، بأنه «يتعين على اليابان أن تطبق القوة الاقتصادية على نحو أكثر فاعلية في دبلوماسيتها، وأن اليابان لا يمكنها أن ترفض استخدام التعاون الاقتصادي لغرض تخفيف التوترات». فاليابان تعتمد على مساعداتها الاقتصادية لتحقيق أهداف ومصالح في الدولة المستقبلة لهذه المساعدات، حيث تتعزز قوة اليابان من خلال موقعها كأكبر مانح للمساعدات الإنمائية الرسمية في العالم؛ ففي عام 1989 أصبحت اليابان الجهة المانحة الأولى للمساعدات، وقدمت في عام 1992 ما نسبته 18 بالمئة من مجموع المساعدات اﻹنمائية الرسمية في العالم، ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي، تم منح ميزانية المساعدات الإنمائية الرسمية معاملة تفضيلية في إطار الميزانية الوطنية لليابان[41].

تخضع عملية تقديم المساعدات الإنمائية الرسمية للمبادئ التوجيهية التي وضعتها اليابان عام 1992 [42]، والتي تم اعتمادها في تعليق المساعدات الموجهة إلى هايتي بعد انقلاب عام 1991، وإلى زائير عقب التدهور السياسي الذي عرفته البلاد، كما أوقفت المساعدات الموجهة إلى نيجيريا سنة 1994، بسبب تدخل الجيش في عملية إرساء الديمقراطية. والجدير بالذكر في هذا المقام، أن تعليق اليابان لمساعداتها لم يرتبط بالمبادئ التوجيهية لعام 1992، حيث قامت بتعليقها في عدد من الحالات، ولعل أكثر الحالات شهرة قد حدثت بعد تظاهرات ساحة تيانانمن  في حزيران/يونيو 1989، عندما علّقت طوكيو مساعداتها الموجهة إلى بكين[43].

ثالثًا: المنظور البنائي في تفسير سياسة اليابان الخارجية

تعكس الدراسات الحديثة والمتزايدة في مجال نظرية العلاقات الدولية اهتمامًا واضحًا بتيار البناء الاجتماعي الذي بدأ في البروز كمنافس للمدرستين السائدتين: الواقعية والليبرالية، حيث تركز النظرية البنائية التي وضع أسسها ألكسندر ونت (Alexander Wendt) على دور الهوية والثقافة والقيم والأفكار في العلاقات الدولية، وتتناول بالتحليل قضايا الهويات والمصالح والمثل، وتقدم فهمًا بديلًا لمجموعة من الموضوعات والظواهر المركزية في العلاقات الدولية، تتضمن: مفاهيم الفوضى وتوازن القوى، والعلاقة بين هوية الدولة ومصالحها، توسع القوة، ومشاهد التغيير في السياسة الدولية[44]. تهدف النظرية البنائية أساسًا، إلى تقديم وصف للهيكل المعياري المتغير للنظام الدولي، وبالتالي، تحاول معظم الدراسات التي تستخدم الأطر النظرية البنائية شرح كيفية تأثير التفاعلات الاجتماعية داخل الدولة على بنية النظام الدولي.

يستخدم المدخل البنائي لفهم سلوك اليابان الخارجي بالتركيز على دور المستوى المحلي والفواعل التي تشكله في التأثير أو إنتاج نمط معين من السلوك تجاه قضايا البيئة الدولية. كما يستخدم هذا المدخل في تحليل أسس وأبعاد السياسة الأمنية اليابانية، وكذا لفهم مجموعة القواعد والمعايير التي تحكم تفاعلات اليابان ببقية الفواعل داخل النظام الدولي، حيث يسمح التصور البنائي في فهم محددات وأبعاد سياسة المساعدات الرسمية التي تعتمدها وزارة الخارجية اليابانية في علاقاتها مع بقية الدول، وبخاصة مع بروزها منذ تسعينيات القرن الماضي كأحد أكبر المانحين الدوليين، ومشاركتها في عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلم.

تتضح لدارس سياسة اليابان الخارجية في مرحلة ما بعد الحرب خصوصيتها، التي تتسم بأنها «سياسة تفاعلية»، وأنها لا تستجيب للأزمات إلا بطريقة تدريجية، وهو ما لخّصه دينيس ياسوتومو (Dennis T. Yasutomo) في كتابه التعددية الجديدة في السياسة الخارجية اليابانية عندما حدّد هذه الخصوصية في:

«يتم تصوير رد فعل اليابان على أنه عيب خلقي في الجسد السياسي، متأصل بعمق في نفسية ما بعد الحرب وفي العملية السياسية، إنها تشكل هوية الدولة والأمة اليابانية. تجادل هذه الصورة أو تدل على أن رد الفعل ينطبق على دبلوماسية اليابان بأكملها، وليس على بعدها السياسي فقط، وأنها تخضع للدوافع أو للمصالح الأصلية، وتشدد على الإرادة أو الاختيار، وتبذل القليل من الجهود لتشكيل البيئة، بدلًا من أن تأخذ شكلها. هذا ليس ملف تعريف قوة عظمى؛ إنها صورة لدولة مختلة وظيفيًا ودبلوماسية سلبية راكدة»[45].

فسياسة اليابان الخارجية مبنية على الخبرة التاريخية التي تركتها الحرب في إدراك الأمة اليابانية، التي تتكون بموجبها دوافع سياستها الخارجية، كما ترسم نمط العلاقات الخارجية التي يجب أن تنتهجها اليابان لتحقيق رؤية مختلف الفواعل المحلية، وإن كان سلوك البلاد مزيجًا يجمع بين دبلوماسية رد الفعل، وفي الوقت نفسه، أنماط من السلوك البراغماتي الذي تسعى من خلالها لتحقيق مصالحها على مستوى البيئة الدولية، وهذا ما يمكن أن نلاحظه في موقف اليابان تجاه عدد من قضايا السياسة الدولية منذ مرحلة الحرب الباردة، وبخاصة ما تعلق منها بالقضايا الاقتصادية والتجارية.

فالتفسير البنائي لسياسة اليابان الخارجية ينصبّ حول التركيز على كيفية بناء قواعد وهويات الجهات الفاعلة الرئيسية، وهو ما يؤثر على نحو متأصل في تبدُّل الهيكل الدولي وكذلك الدوافع التي تسترشد بها السياسة الخارجية، أي كيف يمكن العوامل الاجتماعية، مثل المعايير والثقافة، أن تؤثر في مختلف خيارات السياسة الخارجية[46].

يؤكد المدخل البنائي دور المعايير التي يمكن تعريفها بأنها «التوقعات القيمية المشتركة حول السلوك الملائم»[47]، في تشكيل هويات الفاعل، وأولوياته ومصالحه، وبالتالي تنظيم سلوك الفواعل على المستويين المحلي والخارجي، ويشير إلى أن أنواعًا مميزة من المعايير تعمل في هذا الإطار بصورة مختلفة، فتقوم المعايير التنظيمية بترتيب سلوك الفاعل وتقييده، في حين أن المعايير التأسيسية «تعبّر عن هويات الفاعل»، التي تحدد بدورها المصالح وتشكل السلوك؛ يهتم البنائيون بوجه خاص بعلاقة القواعد التأسيسية بسلوك الفاعل. على سبيل المثال، في كتابه حول الأمن الياباني، يشرح بيتر كاتزنشتاين[48] كيف ترتبط المعايير التأسيسية لليابان ارتباطًا وثيقًا بسلوكها الأمني، وتؤدي الهوية الجماعية للبلاد، إضافة إلى القاعدة السلمية، أدوارًا مهمة في تحديد ملامح السياسة الأمنية اليابانية، فيشير إلى أن المصالح المادية لا تشكل سلوك السياسة الخارجية، وإنما القاعدة السلمية للبلاد، وثقافة مناهضة العسكرة هي التي تشكلها[49].

ينبع الرأي العام المناهض للعسكرة من الاعتقاد بأن التركيز على التنمية الاقتصادية والازدهار يجب أن يحدد توجهات وملامح سياسة اليابان الخارجية، بما يضمن الرفاهية الاقتصادية ويؤدي إلى عالم خالٍ من الصراع، وتجلى موقف اليابان المناهض للعسكرة في كل من دستور عام 1947، وتفسير مدرسة كيوتو بأن روح الدستور هي نفسها دائمًا، ويجب عدم تغييرها عن طريق التفسير بسبب نزوات سياسيين معينين[50].

ترجمت المشاعر المعادية للعسكرة عبر عدد من التدابير التي فرضتها الحكومة اليابانية على سياستها الدفاعية: المبادئ الثلاثة غير النووية؛ حظر المشاركة في الدفاع الجماعي؛ حظر صادرات الأسلحة؛ وتحديد 1 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي كحد أقصى للإنفاق الدفاعي. إضافة إلى ذلك، امتنعت طوكيو عن الحصول على أسلحة «هجومية» مثل القاذفات الاستراتيجية البعيدة المدى والصواريخ العابرة للقارات. على الرغم من أن خرق بعض القيود أو أنها مفتوحة للتفسيرات، فإن حقيقة أن الحكومة اليابانية اضطرت إلى تقديمها لتبرير أو ترشيد سياستها الدفاعية يدل على وجود قواعد سلمية قوية تحدد العلاقة بين الفواعل المحلية في اليابان[51].

كما أن كاتزنشتاين مقتنع بأن السياسة الأمنية اليابانية تتأثر بهيكل الدولة، ويشدد على التدقيق على المعايير الاجتماعية والقانونية، وهو ما يساعد على تحديد معايير للسلوكيات المناسبة لاختيارات سياسة محددة. قام  هوغو دوبسون من جهته في كتابه اليابان والأمم المتحدة وحفظ السلام شرح أهمية المعايير في تفسير مشاركات اليابان في عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلم، وجادل بأن تشديد اليابان على المشاركة في عمليات حفظ السلم، الذي كان من المحرمات الوطنية لمدة طويلة، هو النتيجة المباشرة لدور المعايير في تعزيز مشاركة البلاد في عمليات حفظ السلم في إطار الأمم المتحدة.

الجانب الذي تجاهلته النظريات التقليدية في تفسير السلوك الخارجي لدولة شرق آسيا، هو أن هوياتها الداخلية مبنية بواسطة عدد من المُثُل التي عززت مع مرور الوقت ما يجب على اليابان فعله، ومحدودية ما لا ينبغي أن تفعله: يجب أن تحتل اليابان مكانة منخفضة داخل النظام الدولي؛ يجب ألا تؤدي دورًا عسكريًا؛ يجب أن تؤدي دورًا اقتصاديًا؛ ويجب أن تفي بمسؤولياتها الدولية؛ يجب عليها ألا تنفِّر جيرانها في منطقة شرق آسيا؛ كما يتعين عليها العمل مع الولايات المتحدة، حليفتها الأشد ثقة[52].

بالحديث عن سياسة الأمن اليابانية، فإن التفسيرات البنائية التي تتعامل مع المعايير كمتغير مستقل في السياسة الخارجية، تظهر أن المعيار المحلي «المناهض للعسكرة» – الذي يرونه جزءًا من الهوية الوطنية لليابان – يفسر تردد البلاد في تحمل مسؤوليات عسكرية أكبر منذ نهاية الحرب الباردة، وهو ما برز في نمط استجابة اليابان للضغوط الأمريكية لمباشرة أدوار أكثر تأثيرًا في الأزمات الدولية، منذ حرب الخليج الثانية؛ كما يقدم قانون تشريعات الأمن والسلام الذي سنّه الدايت في سنة 2015، دعمًا لهذا الطرح، الذي شدّد على عمليات الإغاثة والمساعدة الإنسانية في النشاط الخارجي لقوات الدفاع الذاتي [53].

قد يجادل أنصار الطرح الواقعي بتأثير التهديدات الأمنية وعاملَي الشك والريبة تجاه البيئة الإقليمية لليابان في تصنيفها في المرتبة السادسة من بين 140 دولة من حيث ميزانية الدفاع لسنة 2021 [54]. لكن لا تقدم هذه الحجة تفسيرًا مقنعًا لدور عاملَي الخوف والريبة في تحديد سلوك اليابان تجاه بيئتها الإقليمية، حيث تخضع ميزانية الدفاع اليابانية بدورها للمعيار المحلي المناهض للعسكرة، فتم تقييد الميزانية العسكرية بقاعدة 1 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لليابان، وهذا كنوع من الرقابة المحلية على اتجاهات الإنفاق العسكري، ولتقييد أي رغبة في طريق إعادة عسكرة الدولة.

على مستوى آخر، تسمح الحالة اليابانية بملاحظة أثر المستوى المحلي في السياسة الخارجية، من خلال مشاركة المواطنين اليابانيين في صنعها، إضافة إلى الجهود الشعبية لدمج القيم المجتمعية في سياسة البلاد، فعلى الرغم من كون السياسة الخارجية مجالًا خاصًا بالنخب السياسية، فإن الدعوات إلى إصلاح السياسة الخارجية اليابانية منذ ثمانينيات القرن الماضي قد فتحت الباب لمزيد من المشاركة الشعبية في صوغها. أحد أكثر الأمثلة توضيحًا لمشاركة المواطنين في السياسة الخارجية، هو دور المنظمات غير الحكومية في وضع سياسة المساعدة الإنمائية الرسمية اليابانية وتنفيذها. على سبيل المثال، أرجع البعض تعليق طوكيو المعونات للهند وباكستان في عام 1999 إلى قوة حركات المواطنين وجهودهم الناجحة لإدماج المعيار المناهض للأسلحة النووية في سياسة التنمية[55].

الميزة التحليلية للنظرية البنائية هي تركيزها على أثر كل من المعايير المحلية والمعايير الدولية في سلوك الدولة الخارجي. وتعَدّ اليابان أحد الأمثلة التي تدعم الحجج البنائية من حيث فعالية المعايير المحلية أو البيئة الداخلية في التأثير في التوجهات العامة لسلوك البلاد خارجيًا، حيث تجمع في أيلول/سبتمبر 2015، معارضي شينزو آبي أمام مبنى البرلمان للاحتجاج على إقرار تشريع السلم والأمن المصمم للسماح للجيش الياباني بالتعبئة في الخارج، لكن بالرغم من المعارضة الشعبية فقد تم تمرير التشريع[56].

يبرز تأثير المعايير في سلوك اليابان من خلال ملاحظة اختلاف النهج الذي تتبناه الأحزاب السياسية التي تقود البلاد، فالحزب الديمقراطي الياباني الذي وصل إلى السلطة سنة 2009، جعل من معيار الأَسْيَنَة أساسًا للسلوك الخارجي لليابان، حيث انتهجت سياسات تعكس البعد الآسيوي التقاربي مع دول الجوار، والبحث عن نوع من الاستقلالية عن الحليف الأمريكي، فدقّ يوكيو هاتوياما (Yukio Hatoyama) وتدًا في التحالف بين واشنطن وطوكيو، وذلك من خلال تعطيل خطة نقل قاعدة مشاة البحرية الأمريكية في جزيرة أوكيناوا، كما حاول إعادة توجيه اليابان نحو الصين وكوريا الجنوبية[57].

إلا أن الأحداث التي سرّعت عودة الحزب الليبرالي الديمقراطي بقيادة شينزو آبي إلى هرم السلطة، قد ساهمت في تقويض النهج السابق والسعي للحصول على دور جديد للبلاد تحت جناح الولايات المتحدة، أي تأكيد الانخراط في المنظومة الليبرالية الغربية، وعليه استمرار التحالف مع الولايات المتحدة في تحديد تصور صانع القرار الياباني للأنماط التي تستجيب من خلالها البلاد لتحولات البيئة الدولية، وهو ما يبرز في الخطوات التي تبناها شينزو آبي في استجابته لاستراتيجية الصعود الصيني إقليميًا، وقد نبّه كل من تاكاشي إينوجيشي وبول باكون في مقالهما «دور اليابان الناشئ بوصفها «قوة عالمية عادية» إلى أن التوجه المؤيد للتحالف مع الولايات المتحدة سيظل ثابتًا، حيث تبلور إجماع داخلي حول سياسة الأمن الخارجي على أساس المكونات الرئيسية الثلاثة: تحالف؛ سلمية؛ وتوجه موالٍ للأمم المتحدة[58].

خاتمة

بيّنت الحجج والنقاشات المعرفية التي تناولتها الدراسة اتجاهات تحليل سياسة اليابان الخارجية بالاستناد إلى الأسس النظرية للمدارس التفسيرية الكبرى للعلاقات الدولية، وهي السياسة التي برزت في كثير من الأحيان في جميع خطوط التحليل الثلاثة، حيث أثيرت نقاشات حول تفكيرها الواقعي، لأنها تسترشد بـ «دستور السلام» منذ 70 عامًا، كما تم تأكيد نهجها الليبرالي نظرًا إلى الحمائية التي اعتمدتها ضد المجتمع الدولي– الهجرة، وكذا قضايا الاستثمار الأجنبي المباشر، المنظمات غير الحكومية، تدفق المعلومات، وما إلى ذلك. أما إذا تطرَّقنا إلى الميول التصحيحية لكثير من السياسيين اليابانيين، فهناك مجموعة من النقاشات النظرية حول موضوعات الهوية التي تتداخل مع العلاقات الخارجية، وكذا القواعد والمعايير التي توجه هذه العلاقات[59]. وعليه يتضح أنه لا يمكن فهم سلوك اليابان الخارجي بالتركيز على الأطر النظرية لاتجاه فكري محدد، كون هذه السياسة لا تتشكل فقط من خلال القوة أو المصالح أو الهوية وإنما من خلال تفاعل هذه المتغيرات فيما بينها.

يشير ما تقدم من النقاش إلى الدينامية التي صبغت سلوك اليابان الخارجي خلال العقود الماضية، وأنها لم تعد قادرة على البقاء متفرجًا سلبيًا للأحداث العالمية، فمن المتوقع أن تزداد مساهمة دولة شرق آسيا في النظام العالمي إلى جانب القوى الكبرى الأخرى، وهو ما يطرح قضية الموازنة بين التزامها بهويتها «كدولة سلام» والسعي للحصول على دور دولي «كدولة طبيعية» يتجاوز السلبية التي ارتبطت بها «عملاق اقتصادي  – قزم سياسي». هذا التحول سيستمر في الاستناد إلى النقاط الإشارية التي يقوم عليها النهج العام لسياستها الخارجية، مصلحتها القومية التي يحددها اندماجها في المنظومة الغربية، ثقلها الاقتصادي كثالث قوة على المستوى العالمي، تأكيدها لخصوصيتها الهوياتية، وهي العوامل التي ساهمت وتساهم في استقرار البلاد وكذا ضمان انخراطها في النظم الاقليمية والدولية.

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 529 في آذار/مارس 2023.

الحواس كعبوش: باحث مهتم بالشأن الآسيوي.

[1]        Gilbert Rozman, «International Relations Theory and Japanese Foreign Policy,» in: James D. J. Brown and Jeff Kingston, eds., Japan’s Foreign Relations in Asia (New York: Routledge, 2018), p. 18.

[2]         Kevin J. Cooney, Japan’s Foreign Policy Maturation: A Quest for Normalcy (London: Routledge, 2002).

[3]  أنور محمد فرج، النظرية الواقعية في العلاقات الدولية: دراسة نقدية في ضوء النظريات المعاصرة (السليمانية: مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية، 2007)، ص 217.

[4]  Sofiane Sekhri, «An Overview of Approaches to the Study of Foreign Policy,» The Journal of Legal and Political Science, vol. 7, no. 1 (2016), p. 3.

[5]         Nopraenue Sajjarax Dhirathiti, «Identity Transformation and Japan’s UN Security Policy: From the Gulf Crisis to Human Security,» (PhD Dissertation, University of Warwick, April 2007), p. 58.

[6]  زبغنيو بريجنسكي، رقعة الشطرنج الكبرى السيطرة الأميركية وما يترتب عليها جيواستراتيجياً، ط 2 (دمشق: مركز الدراسات العسكرية، ط 2، 1999)، ص. 38.

[7]  أدوين أولدفاذر ريشاور، تاريخ اليابان من الجذور حتى هيروشيما، ترجمة يوسف شلب الشام (دمشق: دار علاء الدين، 2000)، ص 160.

[8]         Martin Beaulieu, Comprendre le japon (Montréal: Éditions Ulysse, 2007), p.15.

[9]  Samuel P. Huntington, «Why International Primacy Matters,» International Security, vol. 17, no. 4 (Spring 1993), pp. 72 – 73.

[10]  Eric Heginbotham and Richard J. Samuels, «Mercantile Realism and Japanese Foreign Policy,» International Security, vol. 22, no. 4 (Spring 1998), p. 172.

[11]  Reinhard Drifte, Japan’s Foreign Policy in the1990’s from Economic Superpower to What Power? (London: Macmillan Press, 1996), pp. 8 – 9.

[12]     Heginbotham and Samuels, Ibid., p. 190.

[13]  عبد الناصر جندلي، التنظير في العلاقات الدولية بين الاتجاهات التفسيرية والنظريات التكوينية (الجزائر: دار الخلدونية، 2007)، ص 171.

[14]         M. Fatih Tyfur, «Main Aproaches to the Study of Foreign Policy: A Review,» METU Studies in Development, vol. 21, no. 1 (1994), p. 119.

[15]  Steve Smith, «Theories of Foreign Policy: An Historical Overview,» Review of International Studies, vol. 12, no. 1 (January 1986), p. 21.

[16]  Hugo Dobson, Japan and United Nations Peacekeeping: New Pressures and New Responses (London: Routledge, 2003), p. 8.

[17]  Dhirathiti, «Identity Transformation and Japan’s UN Security Policy: From the Gulf Crisis to Human Security,» p. 61.

[18]        Ibid., p. 62.

[19]  هنا يمكن ذكر عدد من الدراسات التي تناول من خلالها صامويل هنتغتون هذا الطرح: Samuel Huntington: «Why International Primacy Matters,» International Security, vol. 17, no. 4 (Spring 1993); «America’s Changing Strategic Interests,» Survival, vol. 33 (January  –  February 1991), and «The Economic Renewal of America,» The National Interest, no. 28 (Spring 1992).

[20]        Dhirathiti, Ibid., p. 62.

[21]         Nobumasa Akiyama, «Disarmament and the Non – proliferation Policy of Japan,» in: Mary McCarthy, ed., Routledge Handbook of Japanese Foreign Policy (New York: Routledge, 2018), p. 175.

[22]  Daisuke Akimoto, The Abe Doctrine Japan’s Proactive Pacifism and Security Strategy (Singapore: Palgrave Macmillan, 2018), p. 24.

[23]  Government of Japan, «Japan’s Legislation for Peace and Security: Seamless Responses for Peace and Security of Japan and the International Community,» March 2016, <https://www.mofa.go.jp/files/000143304.pdf> (Accessed on 19 July 2020).

[24]        Akimoto, Ibid., p. 24.

[25]  بيّنت دراسة إيمي كاتاليناك عجز المخاوف التجارية في تفسير الاستجابة اليابانية للحرب الأمريكية على العراق سنة 2003. انظر: Amy L. Catalinac, «Identity Theory and Foreign Policy: Explaining Japan’s Responses to the 1991 Gulf War and the 2003 U.S. War in Iraq,» Politics and Policy, vol. 35, no. 1 (2007).

[26]  مخلد عبيد مبيضين، «السياسة الخارجية اليابانية تجاه المنطقة العربية خلال الفترة من 1973إلى 2004،» دراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد 3 (2006)، ص 532.

[27]  سكوت بورتشيل [وآخرون]، نظريات العلاقات الدولية، ترجمة محمد صفار (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014)، ص 106.

[28]         Richard P. Cronin, «Changing Dynamics of Japan’s Interaction with Southeast Asia,» Southeast Asian Affairs (1991), p. 55.

[29]         Drifte, Japan’s Foreign Policy in the1990’s from Economic Superpower to What Power?, p. 87.

[30]         Dobson, Japan and United Nations Peacekeeping: New Pressures and New Responses, p. 19.

[31]  عودة جهاد، النظام الدولي: نظريات وإشكاليات (القاهرة، دار الهدى للنشر والتوزيع، 2005)، ص 54.

[32]  Laura Neack, The New Foreign Policy: Complex Interactions, Competing Interests (New York: Rowman and Littlefield Publishers, 2014), pp. 15 – 16.

[33]  تيم دان، ميليا كوركي وستيف سميث، نظريات العلاقات الدولية التخصص والتنوع، ترجمة ديما الخضرا (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص 296.

[34]         Cooney, Japan’s Foreign Policy Maturation: A Quest for Normalcy, p. 81.

[35]  Dhirathiti, «Identity Transformation and Japan’s UN Security Policy: From the Gulf Crisis to Human Security,» p. 63

[36]        Dobson, Japan and United Nations Peacekeeping: New Pressures and New Responses, p. 10.

[37]        Dhirathiti, Ibid., p. 64.

[38]        John Calabrese, «Japan in the Middle East,» The Pacific Review, vol. 3, no. 2 (1990), pp. 100 – 101.

[39]         Raquel Shaoul, «Japanese Foreign Policy toward the Middle East 1973 to 1990: The Non – Commitment Policy,» The Asia – Pacific Journal: Japan Focus, vol. 3, no. 9 (September 2005), p. 3.

[40]  جون بيليس وجون سميث، عولمة السياسة العالمية (دبي: مركز الخليج للأبحاث، 2004)، ص 343.

[41]         Drifte, Japan’s Foreign Policy in the1990’s from Economic Superpower to What Power?, p. p. 110.

[42]         Japan, Ministry of Foreign Affairs, «Japan’s Official Development Assistance Charter,» Ministry of Foreign Affairs of Japan, Tokyo, 30 June 1992, <https://bit.ly/2PTuMe6> (accessed on 13 September 2019).

[43]         Drifte, Ibid., p. 124.

[44]  Dhirathiti, «Identity Transformation and Japan’s UN Security Policy: From the Gulf Crisis to Human Security,» pp. 40 – 41.

[45]         Ibid.

[46]         Dhirathiti, Ibid., p. 65.

[47]         Henning Boekle, Volker Rittberger, and Wolfgang Wagner, «Norms and Foreign Policy: Constructivist Foreign Policy Theory,» Tübinger Arbeitspapiere zur Internationalen Politik und Friedensforschung, nr. 34, Center for International Relations, Peace and Conflict Studies, University of Tübingen, 1999, p. 3.

[48]         Peter J. Katzenstein, Cultural Norms and National Security: Police and Military in Postwar Japan (London: Cornell University Press, 1996).

[49]        Yoichiro Sato and Keiko Hirata, Norms, Interests, and Power in Japanese Foreign Policy (New York; London:  Palgrave Macmillan, 2008), p. 9.

[50]        Dobson, Japan and United Nations Peacekeeping: New Pressures and New Responses, p. 36.

[51]        Ibid., p. 25.

[52]  Tadashi Iwami, «Peacebuilding in Japan’s Foreign Policy,» in: McCarthy, ed., Routledge Handbook of Japanese Foreign Policy, p. 223

[53]  Catalinac, «Identity Theory and Foreign Policy: Explaining Japan’s Responses to the 1991 Gulf War and the 2003 U.S. War in Iraq».

[54]         «Defense Spending by Country (2021),» <https://www.globalfirepower.com/defense – spending – budget.php> (accessed on 19 May 2021).

[55]         Ibid., p. 10.

[56]  Michael Auslin, «Japan’s New Realism Abe Gets Tough,» Foreign Affairs, vol. 95, no. 2 (March – April 2016), p. 125.

[57]         Ibid., p. 128.

[58]  Takashi Inoguchi and Paul Bacon, «Japan’s Emerging Role as a «Global Ordinary Power»,» International Relations of the Asia – Pacific, vol. 6 (2006), p. 17

[59]  Gilbert Rozman, «International Relations Theory and Japanese Foreign Policy,» in: Brown and Kingston, eds., Japan’s Foreign Relations in Asia, p. 18


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز