مقدمة

مرت فلسطين في الكثير من الحقب التي شهدت فيها أحكامًا مختلفة ما بين الحكم العثماني والتركي والإنكليزي والإسرائيلي. خلّفت هذه الحقب الكثير من الأنظمة والقواعد القانونية المختلفة[1]. وفي سياق تسوية الأراضي، كانت الحقبة العثمانية بداية ترتيب ملكية الأراضي، في إصدار مجموعة من الأحكام والأنظمة[2]. ومع مجيء الحكومة البريطانية، بدأت الأخيرة في تجسيد سياستها على أرض الواقع بما يحقق مصالحها في تهويد فلسطين، وتحديدًا في ما يتعلق بملكية الأراضي[3]، وقد وفرت من احتلالها لفلسطين غطاءً دوليًا، بإصدارها قرار عصبة الأمم في 24 أيلول/سبتمبر 1922، بإعلانها الانتداب على فلسطين وتضمين وعد بلفور في صك الانتداب[4].

في تاريخ الاستعمار الاستيطاني، تعَدّ الأرض محور الصراع الأساسي، من خلال المحاولات المبذولة في السيطرة الكاملة على الأرض وإبدال السكان الأصليين بشعوب من خارج البلد[5]. فالسمة البارزة في الاستعمار الاستيطاني هي البقاء، وقد عبّر عن ذلك ثيودور هرتزل في سياق الحالة الاستعمارية في فلسطين «أردنا استبدال مبنى جديد بقديم، يجب أن يهدم قبل أن يبني»[6]. وفي الوقت نفسه يركز الاستعمار الاستيطاني على التغيير والتحول الديمغرافي من خلال زرع المستعمرين «كمجتمع جديد متجذر في المنطقة»[7]. لذلك، يتضح أن العنصر الحاسم في العملية الاستعمارية هو الاستيلاء على الأرض من طريق ممارسة عنصرية استعمارية[8]، وهذا ما جعل الاستعمار الاستيطاني في فلسطين ذا طابع مميز، بسبب السياق الذي وجد فيه والذي يتمثل بطبيعة الصهيونية المتأخرة مقارنة بغيرها من نماذج الاستعمار[9]، فقد  ساهم الانتداب البريطاني في جعل اليهود أكثرية في فلسطين، لخدمة مصالح ومشاريع اليهود في فلسطين[10]، من خلال إصدار قوانين أراضٍ جديدة، وتعديل القوانين المتبعة في العهد العثماني، يما يضمن تحقيق سياسة الانتداب البريطاني ووعد بلفور[11]. فحقبة الانتداب البريطاني، ظهر فيها مسؤولية إدارة الأرض التي تم احتلالها، وشهدت حالة من النزاع القومي الحاد ما بين الفلسطينيين واليهود[12]، في الوقت الذي بدأت تظهر فيه سياسة التناقض ما بين تقديم الدعم لوضع الفلسطينيين وحمايتهم، من طريق منح القروض[13]. وما بين إصدار قوانين جديدة للأراضي في فلسطين بما يحقق مصالح الانتداب البريطاني ووعد بلفور، وسهلت انتقال الأراضي لليهود[14]. وهذا ما تسعى الدراسة البحثية لتوضيحه.

إشكالية الدراسة: مثلت حقبة الانتداب البريطاني، وتحديدًا السياسة البريطانية، مرحلة مهمة جدًا في تاريخ ملكية الأراضي في فلسطين، تمثلت بفرض قوانين وتعليمات متعلقة بالأراضي وكانت بدايتها مع فرض الإدارة العسكرية والمدنية على فلسطين التي مهدت بدورها لوجود قوانين الأراضي البريطانية (قانون انتقال الأراضي 1920، قانون الأراضي الموات 1921، قانون محاكم الأراضي 1921، وقانون الغابات 1926)، على سبيل المثال لا على سبيل الحصر. وقد أدى هذا الأمر إلى سياسة فرض الضرائب كضريبة الأملاك على الفلاحين الفلسطينيين، ومنح الامتيازات للمؤسسات اليهودية التي سهلت وجود الاستعمار الاستيطاني بصورة رسمية، من هنا تطرح الدراسة البحثية إشكالية وهي، كيف ساهمت سياسة الانتداب البريطاني المتناقضة في تسهيل السيطرة على الأراضي الفلسطينية بما يخدم اليهود وسياستهم الاستعمارية في الوقت الذي قدمت فيه قروضًا ومساهمات للنهوض بالوضع الاقتصادي للفلاحين الفلسطينيين؟

الإطار النظري: مثّل الصراع بين الفلسطينيين واليهود على الأرض مرحلة مهمة جدًا في تاريخ كلا الطرفين، ولفهم هذا الصراع لا بد من فهم الآلية التي تمر بها ملكية الأراضي. وذلك بتوضيح مفاهيم الاستعمار الاستيطاني التي بنيت على أساسها سياسة الانتداب البريطاني وما تلاها من استعمار استيطاني حتى اليوم.

من المغالطة النظر إلى الأرض على أنها تندرج ضمن حدود الملكية والإدارة والحيازة، وإنما يجب النظر إلى أبعد من ذلك، وهي كيفية انتقال الأرض، وتحديدًا في الحالة الفلسطينية، وانتقالها من العرب إلى الصهيونية[15]، إذ إن الأرض كانت جوهر الصراع بين الفلسطينيين واليهود إبّان الانتداب البريطاني وما بعده[16]. فلا نجاح لأي مشروع استيطاني من دون الاستيلاء على الأرض[17]. وهذا ما عبر عنه وولف بأن «الصراع الأساسي في حالة الاستعمار الاستيطاني هي الأرض، ومحاولة السيطرة عليها»[18]، مؤكدًا أن المستعمر «جاء من أجل البقاء، إما بالطرد وإما الإبادة وإما الاندماج وإما الاستيعاب القسري»، من أجل إخفاء السكان الأصليين والأرض لتحقيق الهدف المنشود[19]. ويرى فرتشيني أن نجاح ذلك لا يتم إلا بنجاح عملية الاستعمار[20]، التي قامت على تأسيس شعبٍ جديدٍ على الأرض، وإحلال المستوطنين محل الشعب الأصلي[21]. في الحالة الفلسطينية، نجد أن الانتداب البريطاني في قوانينه المتعلقة بالأراضي التي أصدرها في حقبة الانتداب على فلسطين، كانت المرحلة التي نقلت فيها الأراضي لليهود رغم الثورات الفلسطينية الرافضة لهذه السياسة[22]. في الوقت الذي كانت تتخوف الأنظمة الاستعمارية «البريطانية والإسرائيلية» من تحدي النظام الاستعماري الناشئ[23]، من طريق الثورات في الوقت الذي عكست فيه ازدواجية الثورات الفلسطينية حينها، هل هي ضد الانتداب البريطاني؟ أم ضد طرد اليهود؟[24].

هذه القوانين كان من أخطرها ما تعلق بنزع الملكيات وتسهيل تملّكها لليهود، في ظل الانحياز البريطاني للطرف الصهيوني[25]. وهذا ما يميز المشاريع الاستيطانية التي تنطلق في طبيعتها نحو السيطرة المستمرة على الأرض مهما كلف الثمن[26]، إذ كان المشروع الاستيطاني القائم إبّان الانتداب البريطاني ضبَط الملكية ونظمها تحت تصرفه، وهذا ما دفع إلى تعميم مفاهيم الملكية بما يحقق هدف بريطانيا في تقنين الأرض تحت منظومة الإطار القانوني[27]، في ظل استغلال الانتداب البريطاني الوضع الاقتصادي للفلاحين الفلسطينيين، بتوفير تسهيلات لليهود لتبرير تملّكهم للأراضي[28] ضمن الصعوبات التي واجهتها في تعاملها مع السكان الأصليين «الفلسطينيين» في ظل ما يملكونه من حقوق وسندات ملكية للأراضي غير المؤكدة ضمن إطار الالتزام المزدوج للانتداب البريطاني[29]. فالملكية لا تكفي لإضفاء الشرعية على السيادة الاستعمارية[30]. وهذا ما سعت إسرائيل كمنظومة استعمارية لإكماله في ما ورثته من قوانين فيما يتعلق بالأراضي من أجل إحكام السيطرة، في الوقت الذي تطابقت فيه الصهيونية مع منظومة القوانين البريطانية[31].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 529 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 529 آذار/مارس 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 529 في آذار/مارس 2023.

ربا عبادة مسودة: ماجستير دراسات دولية، ماجستير دراسات إسرائيلية، جامعة بيرزيت.

الصورة من GETTY IMAGES.

[1]   سلمى سليمان، «النظام القانوني لتسوية الأراضي في فلسطين،» (رسالة ماجستير، جامعة القدس، 2014)، ص 1.

[2]  حبيب حن، «قراءة في الآثار المالية والاقتصادية المتوقعة والتحديات المصاحبة لتسوية الأراضي وتسجيلها في الضفة الغربية،» (معهد أبحاث السياسات الاقتصادية آذار/مارس 2019)، ص 7.

[3]  شافية سبع، «تطور الانتداب البريطاني على فلسطين، 1920 – 1948،» (رسالة ماجسيتر، جامعة محمد خيضر، 2015)، ص 53.

[4]  أحمد الساعاتي، «التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في فلسطين في عهد الانتداب البريطاني 1918 – 1948،» ورقة قدمت إلى: أعمال المؤتمر العلمي الرابع، الجامعة الإسلامية، غزة، أيار/مايو 2009، ص 758.

[5]         Patrick Wolfe, «Settler Colonialism and the Elimination of the Native,» Journal of Genocide Research, vol. 4 (2006), p. 337.

[6]         Ibid., p. 338.

[7]  Darryl Li, «Seferović, The Herzegovinian Muslim Colony in Caesarea, Palestine,» Journal of Palestine Studies, vol. 45, no. 1 (Autumn 2015), p. 74.

[8]         Katsuya Hirano, «Settler Colonialism in the Making of Japan’s Hokkaidō,» in: Edward Cavanagh and Lorenzo Veracini, eds., The Routledge Handbook of the History of Settler Colonialism (London: Routledge, 2017), p. 335.

[9]  Gershon Shafir, «Theorizing Zionist Settler Colonialism in Palestine,» in: Cavanagh and Veracini, eds., Ibid., p. 339.

[10]   أسامة محمد أبو نحل وناجي صادق شراب، «قراءة في أهم مواد صك الانتداب البريطاني على فلسطين: رؤية تاريخية – سياسة جديدة،» (ورقة بحثية، جامعة الأزهر، 2011)، ص 2.

[11]   محمد ماجد السيد صلاح الدين، «ملكية الأراضي في فلسطين 1918 – 1948،» (أطروحة دكتوراه، الجامعة الأردنية، 1993).

[12]        Dov Gavish, A Survey of Palestine under the British Mandate, 1920–1948 (London; New York: Routledge Curzon, 2005), p. 18.

[13]   صلاح الدين، المصدر نفسه، ص 62.

[14]   المصدر نفسه، ص 79.

[15]  راسم خمايسي، «هكذا تسربت ونزعت الأرض في فلسطين،» مجلة حق العودة، العدد 16 (آذار/مارس 2006)، 4.

[16]  علي سفّاريني، «مسألة الأرض في المفاوضات: حقوق ملكية الأراضي الأمريكية في فلسطين،» مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 17 (شتاء 1994)، ص 131.

[17]   رائف زريق، «الأرض، القانون، الأيديولوجيا،» قضايا إسرائيلية، العدد 54 (آب/أغسطس 2014)، ص 9.

[18]        Wolfe, «Settler Colonialism and the Elimination of the Native,» p. 337.

[19]        Raef Zreik, «When Does a Settler Become a Native? (With Apologies to Mamdani),» Constellations, vol. 23, no. 3 (2016), p. 356.

[20]        Ibid., p. 356.

[21]        Scott L. Morgensen, «The Biopolitics of Settler Colonialism: Right Here, Right Now,» Settler Colonial Studies, vol. 1, no. 1 (2011), pp. 52 – 53.

[22]   سبع، «تطور الانتداب البريطاني على فلسطين، 1920 – 1948،» ص 53.

[23]        Munir Fakher Eldin, «British Framing of the Frontier in Palestine, 1918– 1923: Revisiting Colonial Sources on Tribal Insurrection, Land Tenure, and the Arab Intelligentsia,» Jerusalem Quarterly, vol. 60, (2014), p. 44.

[24]        Ibid., p. 44.

[25]  إسلام جودت مقدادي، «العلاقات الصهيونية البريطانية في فلسطين: 1936 – 1948،» (رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية، 2009)، ص 6 – 7.

[26]        Sara Salazar Hughes, «Unbounded Territoriality: Territorial Control, Settler Colonialism, and Israel – Palestine,» Settler Colonialism Studies, vol. 10, no. 2 (2020), pp. 1 – 4.

[27]  أكرم حجازي، الجذور الاجتماعية للنكبة: فلسطين 1858 – 1948 (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2015)، ص116.

[28]  الساعاتي، «التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في فلسطين في عهد الانتداب البريطاني 1918 – 1948،» ص 764 – 765.

[29]        Roza I. M. El‐Eini, «British Forestry Policy in Mandate Palestine, 1929–48: Aims and Realities,» Middle Eastern Studies, vol. 35, no. 3 (July 1999), pp. 78 – 79.

[30]        Munir Fakher Eldin, «Confronting a Colonial Rule of Property: The al-Sakhina Case in Mandate Palestine,» The Arab Studies Journal, vol. 27, no. 1 (Spring 2019), p. 13.

[31]  راسم محيي الدين خمايسي، «أيديولوجية، سياسات وأدوات السيطرة على الأرض وتهويد المكان،» قضايا إسرائيلية، العدد 54 (آب/أغسطس 2014)، ص 23.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز