مقدمة

أصبح مصطلح مناطق الظل من المصطلحات الدارجة في قاموس النظام السياسي، وهو مصطلح ينم عن وعي النظام السياسي بأن حراك 2019 كان في جزء منه ناجمًا عن التهميش المكاني والطبقي الذي تعرضت له فئة كبيرة من المجتمع الجزائري، الناجم بالأساس عن الفشل في إحداث تنمية شاملة، هذا الفشل يستحضر فئات مجتمعية تعيش خارج، أو على هامش أطر وآليات الإنتاج وإعادة التوزيع المؤسسية من أفراد وجماعات ومناطق، في سيرورة أدت إلى استلاب خيارات فئات مجتمعية ومناطق.

لا يرتبط التهميش في الجزائر بدولة ما بعد الاستعمار، وإنما يمتد ليشمل مراحل تاريخية متعددة لعل أبرزها الحقبة الاستعمارية التي أبرزت أكثر فأكثر علاقة المركز بالهامش، وأراد من خلالها المستعمر كسر كل البنى السوسيو – اقتصادية للمجتمع الجزائري وإحالته إلى مجرد «خادم» لدى المستعمر في صورة تجسد الاستعلائية العرقية التي تمثل البنية الإبستيمولوجية للاستعمار الرأسمالي، وعلى الرغم من محاولات الخروج من سيرورة مجتمع التهميش، فإن فشل الأنماط التنموية ساهم في استمرار هذه السيرورة وفي بعض الأحيان تعميقها.

تختلف أشكال التهميش في الجزائر، فهي لا تقتصر بالضرورة على تهميش المناطق بل تمتد لتشمل فئات مجتمعية وعمرية معينة، وهو ما أدى إلى خلق انعزالية مجتمعية لدى فئات معينة من المجتمع، وهي ظاهرة بدأت تمس الشباب إلى حدٍّ كبير، وبخاصة في ظل صعوبة الانخراط في سوق العمل والمشاكل والعقبات الاجتماعية التي تواجههم.

تحاول هذه الورقة تسليط الضوء على واحدة من أهم الفئات المجتمعية التي تعيش عزلة اجتماعية، وهي الألتراس. تبحث هذه الدراسة، من خلال تحليل دور مشجعي كرة القدم (الألتراس)  –  المنتمين إلى مجتمع التهميش  –  في حراك 2019، وذلك من خلال تحليل السرديات (الأغاني، الأهازيج، الشعارات) التي أنتجها المشجعون في مرحلة ما قبل الحراك، ومن ثم تحليل دورهم في إنتاج سرديات الحراك، واعتمدنا في جمع المعطيات على مجموعة من الأغاني التي اختيرت بناءً على:

–  التعبير عن هوية الألتراس.

–  التعبير عن الهجرة (غير الشرعية) كفعل انعتاقي من الواقع الذي يعيشونه.

–  معارضة النظام السياسي وممارساته.

وذلك في محاولة للإجابة عن التساؤل الأساسي الذي تطرحه هذه الورقة: هل تم سماع صوت مجتمع التهميش في الجزائر بعد حراك 2019؟ تجادل هذه الدراسة أن حقبة الحراك مثلت بالنسبة إلى هؤلاء مرحلة إعادة اندماج مجتمع التهميش ضمن بوتقة المجتمع، وبخاصة أن إحدى الأغاني التي أنتجها استديو تابع لأحد فرق اتحاد العاصمة باتت واحدة من أيقونات الحراك.

أولًا: مجتمع التهميش في الجزائر:
بين الإقصاء والبحث عن الانعتاق

يعد مجتمع التهميش إحدى النتائج التي تمخض عنها الاستعمار الفرنسي، ليتسع حجم هذا المجتمع نتيجة الخيارات التنموية الخاطئة، حيث بات يشمل فئات عمرية مختلفة من بينها الشباب الذين اتخذوا لأنفسهم هوية مختلفة عن سائر المجتمع فبات الملعب هو المتنفس الوحيد لهم الذي يعبّرون فيه عن معارضتهم للنظام السياسي وعن طموحهم إلى الهجرة كحل انعتاقي من واقعهم البئيس.

1 –  مجتمع التهميش في الجزائر

يعَدّ التهميش الاجتماعي من بين أهم الظواهر التي يتم دراستها من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية. فمن الناحية الاقتصادية يتم قياس عدالة توزيع الدخل القومي من طريق الكثير من المؤشرات لعل أشهرها مُعامل جيني[3](GINI Index) ، وهي عادلة تساهم أكثر فـأكثر في استقرار المجتمع ويؤدي غيابها إلى تبعات اجتماعية تؤدي في حال استمرارها إلى عدم استقرار سياسي قد يفضي إلى إسقاط الأنظمة السياسية على غرار ما حصل في الربيع العربي.

ارتبط الاهتمام بالتهميش كمصطلح أكاديمي بظهور الحركات اليسارية التي لفتت الانتباه إلى الإقصاء الذي تعرضت له فئات معيَّنة من المجتمع تعيش على هامش آليات الإنتاج وتُحرم حقَّها في إعادة التوزيع، ولهذا فإن المقصود بالتهميش هي الفئة الاجتماعية التي يتم إقصاؤها من البيئة الثقافیة – الاجتماعیة والاقتصادية وهو تهميش قد يكون اجتماعيًا أو طبقيًا (اللامساواة الطبقية / المجتمعية)، ويكون بالنتيجة تعبيرًا عن الكمّ البشري المهمل في منطقة معينة[4].

عمد المستعمر الفرنسي منذ السنوات الأولى لاحتلاله الجزائر إلى خلق مجتمع التهميش، وذلك من طريق تحطيم البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للاقتصاد، من خلال نزع الأراضي وإضعاف الزراعات التقليدية المحلية وإقحام الزراعات الحديثة والمكننة وغيرها[5]، كان من بين إجراءات تحطيم البنى الاقتصادية وخلق مجتمع التهميش، تحويل الجزائري (مالك الأرض السابق) إلى مجرد عامل عند صاحب الأرض الجديد (المُعمر)، إذ كانت أغلبية المزارعين من السكان في نهاية الخمسينيات مكونة من أجراء لدى المعمرين[6]، ومن خلال خلق لاعدالة مجالية من طريق خلق فضاء أوروبي متطور في مقابل فضاء للأهالي لا يضمن لهم مقومات العيش الكريم، تم تعزيز الفوارق بين الأهالي والأوروبيين، لترسم البيوت القصديرية (العشوائيات) التي اتخذها الجزائريون مسكنًا لهم في حواشي المدن الكبرى لتكون طريقهم لابتغاء سبل العيش في تلك المدن (الفضاء الأوروبي) أهم صور مجتمع التهميش[7].

ترافق تبني الجزائر للاشتراكية مع شعارات طموحة، صبت في مجملها في خانة رفع الغبن عن مجتمع التهميش الذي عانى الويلات، غير أن هذا الخيار لم ينتج سوى برجوازية جديدة باسم العدالة الاجتماعية. فمع نهاية الثمانينيات وصلت نسبة الدخل التي يحصل عليها أغنى 20  بالمئة في الجزائر إلى 47.2  بالمئة في مقابل حصول أفقر 20 بالمئة على 6.5 بالمئة [8].

دفع تعاظم الفوارق الطبقية في الجزائر إلى تزايد الاهتمام بمجتمع التهميش كظاهرة اجتماعية وباتت هذه المصطلحات دارجة في أدبيات علم الاجتماع في الجزائر، وعمومًا من الممكن أن نشير إلى الأعمال التي قام بها كل من علي الكنز وعبد الناصر جابي التي أكدا فيها أن المجتمع الجزائري باتت تتجاذبه طبقتان هما: مجتمع التهميش ومجتمع العصرنة، ولكل طبقة مجموعة من الخصائص. فناهيك بالاختلاف الملموس من الناحية الاقتصادية يؤكد الباحثان أن مجتمع العصرنة يغلب عليه الطابع النخبوي ذو الثقافة الفرنسية، وتجتمع حول شعارات مثل الديمقراطية والتسامح واللاعنف، وتمكين المرأة ويتبنى في معظمه الفكر العلماني، بينما لا يؤمن مجتمع التهميش بهذه الطروحات ويميل في معظمه إلى مساندة التيار الإسلامي[9].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 529 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 529 آذار/مارس 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 529 في آذار/مارس 2023.

الصورة من موقع الجزيرة.

[1](*)      في الأصل هذه الدراسة قدّمت كورقة بحثية إلى المؤتمر الخامس للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية بعنوان: «مساءلة العلوم الاجتماعيّة في دوّامة الأزمات: موجات السّخط والمطالبة بالتغيير» في كانون الأول/ديسمبر 2021.

[2]مصطفى بوصبوعة: جامعة باجي مختار – عنابة –  الجزائر.

[3]  يعد مقياسًا للتشتت الإحصائي الذي يهدف إلى تمثيل عدم المساواة في الدخل أو عدم المساواة في الثروة داخل دولة أو أي مجموعة أخرى من الناس. تم تطويره بواسطة الإحصائي وعالم الاجتماع الإيطالي كورادو جيني.

[4]  سمیرة قـوندي، «مفهوم التهمیش الاجتماعي في المجتمع الجزائري: إشكالیات نظریة،» التواصل، العدد 47 (أيلول/سبتمبر 2016)، ص 179 – 180.

[5]  عائشة التّايب، «التحولات الحضرية بمناطق الاستغلال المنجمي بالمغرب العربي: المناطق المنجمية بالجنوب التونسي مثالًا،» إنسانيات، العدد 42 (2008)، ص 33.

[6]  عمر بسعود، «الفلاحة في الجزائر: من الثورات الزراعية إلى الإصلاحات الليبرالية (1963 – 2002)،» إنسانيات، العدد 22 (2003)، <https://bit.ly/3c04bVs>.

[7]  مصطفى بوصبوعة، الاقتصاد التضامني كآلية لتجاوز اللامساواة الاجتماعية والمناطقية (الجزائر: منشورات فريديرش إيبرت، 2020)، ص 7.

[8]  قاعدة بيانات الأمم المتحدة، «معامل جيني»، <http://data.un.org/Data.aspx?d=WDI&f=Indicator_Code%3ASI.POV.GINI> (تاريخ الدخول  20 أيار/مايو 2020).

[9]  علي الكنز وعبد الناصر جابي، «الجزائر في البحث عن كتلة اجتماعية جديدة»، في: سليمان الرياشي [وآخرون]، الأزمة الجزائرية: الخلفيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، سلسلة المستقبل العربي؛ 11، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999)، ص 265 –  266.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز