مقدمة المترجم:
لماذا هذه الورقة الآن؟
تُعدّ نظرية إدوارد عازار للصراع الاجتماعي الممتد (PSC)، والتي غالبًا ما يٌشار إليها بالصراع الدولي الممتد عند تطبيقها على الساحة الدولية، أحد الأطر الرئيسية لفهم الصراعات المُتجذّرة وطويلة الأمد، ولا سيّما تلك التي تتعلق بقضايا الهوية والحرمان والحوكمة.
قدّم عازار في دراسته التي بين أيدينا، والمنشورة عام 1985، عشرة مقترحات لشرح طبيعة هذه الصراعات ودينامياتها ومسبّبات استمرارها. مثلت الافتراضات العشرة التي قدَّمَتها الورقة التي بين أيدينا اللبِنة الأساسية التي بَنى عليها إدوارد عازار نظريته في إدارة الصراع الدولي وإدارة الأزمات الدولية في العالم الثالث عمومًا والشرق الأوسط بخاصةٍ[4]، والمعروفة بـ “الصراع الاجتماعي الممتد أو طويل الأمد“. فيما بعد، وُضّحت هذه المقترحات بصورة منهجية وموسّعة في كتاب إدارة الصراع الاجتماعي الممتد: النظرية والحالات (1990). في رأينا، يجب تشجيع الباحثين والباحثات على تطبيق مقولاتها وأطروحاتها على دراسات حالة أخرى خارج منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مثل الصراعات الاجتماعية في القارة الأفريقية وفي دول آسيا وغيرها.
لكن، وقبل الحديث عن الدراسة، سنقوم أولًا بتقديم لمحة مختصرة عن حياة المؤلف وتأثيره ومساهماته المعرفية والمنهجية في حقل دراسات الصراع الدولي وإدارة الأزمات وبحوث السلام والتنمية الدولية؛ حيث يعَدُّ عازار رائدًا من رواد أبحاث السلام (“رسول حقل بنوك الأحداث الدولية” كما وصفته إحدى الدراسات) وعالمًا رفيع المقام في حقل العلاقات الدولية ممن ولدوا وتلقوا تعليمهم في المنطقة العربية[5]. رغم ذلك، يبدو أن أغلبية الباحثين والباحثات العرب لا يعلمون هذه الحقيقة، بدليل خلوّ المكتبة العربية من أية ترجمات للدراسات التي نشرها عازار (سواءٌ الكتب أو الأوراق البحثية والمقالات). وم أسفٍ، أن الكثير من المحادثات والمناقشات التي أجريناها مع الكثير من الباحثين عبر المنطقة العربية عبر سنوات ممتدة، أظهرت لنا مدى جهل الباحثين المحليين بمقام الرجل ومساهماته النظرية الإمبيريقية الرائدة والمعترف بها عالميًا.
إدوارد إلياس عازار (1938-1991)
هو أستاذ العلاقات الدولية والصراع الدولي بجامعة ميرلاند الأمريكية، وأحد أهم منظّري الصراع وبحوث السلام في النصف الثاني من القرن العشرين. ولد في قرية بشامون في جبل لبنان، وبعد تخرُّجه في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1960 عمل لمدة أربع سنوات في شركة أرامكو للبترول. وفي عام 1964 سافر إلى الولايات المتحدة حيث نال الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة ستانفورد عام 1969، وكانت أطروحته عن الوحدة بين مصر وسورية، وكان عنوانها (International Political Integration: The Case of the United Arab Republic). وكانت أول وظيفة جامعية له في جامعة سانت فرانسيسكو الحكومية (1967-1968) وانتقل بعدها ليعمل في جامعة ولاية ميشيغان (1968-1971)، ثم عمل لسنوات طويلة في جامعة نورث كارولاينا (1971-1980) ثم قبل أن ينتقل إلى جامعة ميرلاند عام 1981 حيث ترأس مركز التنمية الدولية وإدارة الصراعات حتى قبيل وفاته بشهور. وتحت رئاسته طوَّر عازار مركز CIDCM ليصبح واحدًا من أهم معاقل تطوير حقل علم الصراع وبحوث السلام في أمريكا والعالم. كما قام عازار بالتدريس لمدة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة (1980)، وعمل كمستشار لعدد من المؤسسات البحثية في مصر والأردن والولايات المتحدة.
عازار أيضًا هو رئيس التحرير المؤسس للدورية العلمية الرصينة (International Interactions) التي ظهرت عام 1972 والتي نشرت فيها الدراسة التي بين أيدينا. وخلال مسيرته العلمية، نشر عازار أكثر من مئة دراسة منشورة وستة كتب من تأليفه، وعدد من الفصول والكتب المحررة. ومن أهم مؤلفاته:
Analysis of International Events. Canadian Peace Research Institute, 1970.
International Events Interaction Analysis: Some Research Considerations, 1972.
Probe for Peace: Small-state Hostilities. Burgess Publishing Co., 1973.
The Codebook of the Conflict and Peace Data Bank (COPDAB): A Computer-assisted Approach to Monitoring and Analyzing International and Domestic Events, 1982.
The Emergence of A New Lebanon: Fantasy or Reality? 1984.
The Management of Protracted Social Conflict: Theory and Cases, 1990.
(editor). The Emergence of a New Lebanon: Fantasy or Reality. Praeger Publishers, 1984.
with John Burton (editors.) International Conflict Resolution: Theory and Practice, 1986.
with Chung-in Moon (editors). National Security in the Third World: The Management of Internal and External Threats, 1988.
جدير بالذكر أن عازار كان مشرفًا على أطروحات الكثير من الطلاب العرب في الولايات المتحدة، والذين أصبحوا فيما بعد من أهم أساتذة العلاقات الدولية والصراع الدولي منذ التسعينيات، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر عبد المنعم المشاط، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة القاهرة، وحسن بكر أحمد، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة أسيوط (توفي عام 2008)، ومحمد السيد سعيد، الخبير في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة (توفي عام 2009)، وغيرهم الكثيرين.
إحدى الحقائق الطريفة عن عازار، والتي قد أخبرني بها أحد تلامذته ومساعديه المقرَّبين له لسنوات المرحوم حسن بكر، (أستاذي بقسم العلوم السياسية في جامعة أسيوط) أن عازار كان عاشقًا لوطنه لبنان والعالم العربي بوجه عام (وهو ما يتضح بشدة في كتاباته عن لبنان والمنطقة) وكان دائم الاستماع إلى فيروز وأم كلثوم، وكثيرًا ما كان يطلب من تلامذته العرب إعداد أكل عربي (مثل الملوخية والأرز بالشعيرية الشهير في مصر وبلاد الشام) عند زيارته العائلية لهم.
أولًا: نظرية الصراع الاجتماعي الممتد: المقولات البحثية
يعرِّف عازار الصراعات الاجتماعية الممتدة على أنها “تفاعلات عدائية تمتد لفترات طويلة، مصحوبة باندلاع الأعمال الحربية مفتوحة بشكل متقطع، ومتقلبة في درجات تواترها وشدتها. إنها حالات صراع تكون فيها المخاطر عالية جدًا […] وفي حين أنها تظهر بعض نقاط التوقف التي يحدث خلالها توقف للعنف العلني والصريح، إلا أنها تستمر وتبقى مع مرور الوقت، وليس لها نقطة نهاية مميزة [….] يمكن القول هنا أن الصراعات الممتدة ليست أحداثًا محددة أو حتى مجموعات من الأحداث في نقطة زمنية محددة؛ بل هي صيرورات”[6].
وفقًا لهذا التعريف، يتضح لنا أن الافتراضات والاقتراحات التي قدمها عازار تتجاوز منظور سياسات القوة لتسلط الضوء على الحاجات الإنسانية، وجودة الحوكمة، ودور الاعتراف بالهوية كأساس للصراعات الدولية (والمحلية) المتجددة. ويربط إطاره النظري بين التحليلات المحلية والدولية، موضحًا كيف أن الحرمان الداخلي والتأثيرات الخارجية (أو ما أسماه عازار “الروابط” الخارجية) معًا تُساهم في استمرار الأزمات الممتدة. في هذه النظرية، قدم عازار إطارًا تحليليًا قيِّمًا لفهم طبيعة الصراعات العميقة الجذور والمستمرة في الشرق الأوسط، ولا سيما تلك التي لا يمكن تفسيرها بشكل كافٍ من خلال المناهج الواقعية أو الليبرالية أو البنيوية التقليدية في العلاقات الدولية. حيث تحول أطروحة عازار التركيز من النزاعات بين الدول إلى تحليل الديناميات الداخلية للهوية والحكم وأزمات الشرعية داخل الدول القومية، والتي غالبا ما تتأثر أو تتفاقم بسبب جهات خارجية.
حدد عازار أربعة شروط مسبقة للصراع الاجتماعي الممتد، وهي: الرضا الطائفي (أو المجتمعي[7])، أي وجود جماعات هوية (عرقية، دينية، ولغوية) تشعر بالتهميش أو الاستبعاد من جانب الدولة، وحرمان البشر من حاجاتهم الأساسية، حيث يؤدي الفشل في تلبية وتوفير الحاجات الأساسية (مثل الأمن، والاعتراف، والمشاركة السياسية، والوصول إلى الموارد الاقتصادية) إلى ظهور وتفاقم المظالم، والحكم ودور الدولة، وحين تصبح الدولة أداة طيّعة في أيدي مجموعة هوية مهيمنة، وهو ما يؤدي إلى تهميش المجموعات الأخرى، وأخيرًا الروابط الدولية، حيث تؤثر العوامل الخارجية (كالدول والجاليات والمنظمات الدولية) في صيرورة الصراع من خلال آليات مثل الدعم أو التدخل، وهو ما يؤدي غالبًا إلى تفاقم حدة هذه الصراعات.
وعليه، تُقدم لنا نظرية الصراع الاجتماعي الممتد لإدوارد عازار نهجًا متعدد المستويات والتخصصات، يدمج العلوم السياسية وعلم الاجتماع وحل النزاعات. وهي تلزم الباحثين وصانعي السياسات وتحثهم على أخذ مسافة من المناهج التي تركز على الدولة (الدولاتي) أو الإجرائية والمؤسساتية (أي التي تركز على العمليات الفنية والتفاوضية والتوزيعية) في حل الصراعات وإدارة الأزمات السياسية. في المقابل، يدعونا عازار إلى التركيز على أوجه عدم المساواة الهيكلية داخل الدول، إعطاء الأولوية لدور متغيرات الحوكمة الشاملة والرشيدة وكيفية تلبية الحاجات الإنسانية في بناء السلام، الوعي بالطبيعة غير الخطية لعمليات السلام في المجتمعات المتعددة العرقيات وشديدة الانقسام. وقد توصلت عدة دراسات محكِّمة إلى أن من أسباب فشل اتفاقيات السلام في أماكن مثل الشرق الأوسط بسبب صراعات الهوية وعدم تلبية الحاجات الطائفية[8].
عمومًا، يمكن تلخيص هذه الافتراضات على النحو الآتي:
1- الحاجات الإنسانية هي أساس الصراع
إن جميع الصراعات، في نهاية المطاف، مُتجذّرة في عدم تلبية الحاجات الإنسانية الأساسية، وبخاصة حاجات الأمن، والاعتراف، والقبول، والمشاركة السياسية، والتنمية الاقتصادية.
2- الهوية والرضا المجتمعي تؤدي دورًا رئيسيًا في تشكيل الصراعات
غالبًا ما تنشأ الصراعات الممتدة على أسس الهوية المجتمعية (عرقية، دينية، ثقافية، أو لغوية). وتُمثل هذه الهويات مظالم الجماعات المعنية وتماسكها.
3- حرمان الدولة للمواطنين من تلبية حاجاتهم يدفعهم إلى العنف
عندما تحرم الدول فئات مجتمعية معينة من الوصول إلى الحاجات الأساسية، أو تفشل في ضمان ذلك، تُصبح هذه الفئات منعزلة وعدائية تجاه الدولة ومؤسساتها.
4- العلاقة الارتباطية بين نوعية الحوكمة والسلطة وشدة الصراعات
يُفاقم سوء الحوكمة، وبخاصةٍ الأنظمة السياسية الاستبدادية أو الإقصائية أو القمعية، درجة الصراع. والدول التي لا تُمثل أو تُشرك جميع الفئات بالتساوي تكون أكثر عرضة للصراعات الممتدة أو طويلة الأمد.
5- عدم الرضا الطائفي ورفض الاعتراض بالهوية يعزز الصراعات
مع استمرار الصراع، تتصلب الهويات الطائفية. حيث تُعرّف الجماعات نفسها بصورة متزايدة على أنها مُعارضة للآخر، وهو ما يُعمّق الاستقطاب وانعدام الثقة.
6- الروابط والتأثيرات الدولية تفاقم الصراعات
إن الصراعات الممتدة ليست محلية بحتة؛ بل ترتبط بالأنظمة الإقليمية والعالمية. وكثيرًا ما تؤثر الجهات الخارجية (الشتات، والحكومات الأجنبية، والمنظمات الدولية) في مسار النزاع.
7- التخلف والتبعية عوامل مسرِّعة للصراع
يُفاقم التخلف الاقتصادي والتبعية التوترات الاجتماعية. كما يُعزز عدم المساواة وقلة الفرص تصورات الظلم والتهميش.
8- الدولة هي فاعل رئيسي في الصراع وساحة له
تُمثل الدولة طرفًا فاعلًا في الصراع، وساحة صراع يتطور فيها. عندما تُسيطر مجموعة واحدة على جهاز الدولة، يُصبح أداة للهيمنة بدلًا من أن يكون حَكَمًا محايدًا.
9- انعدام الأمن ودورة الخوف يساهم في تصعيد الصراع
تُولّد الصراعات الممتدة حالة من انعدام الأمن المُستدام. فالخوف وانعدام الثقة بين المجموعات يُؤديان إلى إجراءات استباقية وقمع وتصعيد، وهو ما يُنشئ حلقة مفرغة.
10- يتطلب حل هذه الصراعات تغييرًا هيكليًا ومؤسسيًا
يتطلب الحل المستدام معالجة المصادر الهيكلية الكامنة للحرمان والإقصاء، وليس مجرد أعراض أو نزاعات سطحية. وهذا غالبًا ما يتطلب إصلاحًا مؤسسيًا، وتقاسمًا للسلطة، وتوزيعًا عادلًا للموارد.
ثانيًا: الصراع الاجتماعي الممتد
والصراعات المحلية والبينية الراهنة في الشرق الأوسط
بتشديدها على أهمية المظالم القائمة على الهوية، والشرعية المؤسسية، والتلاعب الخارجي، فإن أطروحة عازارعن الصراع الاجتماعي الممتد توفر إطارًا قويًا لكل من جهود التشخيص والتدخل وإمكان حل وإدارة منظومة الكثير من الصراعات الراهنة المعقدة. بوجه عام، وبصورة لا لبس فيها، ربط عازار ارتباطًا عضويًا بين جهود تحقيق التنمية وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتنموية بوجه عام، وبين إمكان حل النزاعات في بلدان الجنوب العالمي[9]. وقد أكدت دراسات أخرى رصينة في مجال بحوث السلام أطروحات عازار، وبخاصة تلك المرتبطة بالعلاقة الارتباطية بين تلبية الحاجات الأساسية وتجدد وتفاهم وديمومة الصراعات الدولية. حيث تتوافق أعمال عالم الصراع النرويجي الشهير يوهان غالتون الرائدة حول العنف الهيكلي والحاجات الإنسانية الأساسية بشكل وثيق مع فرضيات عازار، وهو ما يوفر لنا أدوات تحليلية متعمقة في دراسة سياقات صراعات الشرق الأوسط[10].
بصورة مختصرة، في حال تطبيقها على الحرب الأهلية السورية وما تلاها على سبيل المثال، يتضح لنا التأثير الهائل للتشرذم الطائفي وتفتت الهوية. حيث واجه نظام الأسد الذي تهيمن عليه النخب العلوية (التي تمثل جماعة هوية من منظور عازار) انتفاضات قادتها إلى حد كبير المجتمعات العربية السنية، والتي استقطبت لاحقًا فئات من الأكراد والدروز والأرمن المسيحيين ذات أهداف متنوعة. كان الدافع الرئيسي لهذه الانتفاضات الحرمان من الحاجات الإنسانية. فقد ساهم القمع المنهجي والتهميش الاقتصادي ونقص التمثيل السياسي في اندلاع الثورة. وبالمثل، فقد تضافر ذلك مع حقيقة كيف عملت الدولة السورية كنظام استبدادي إقصائي، وفشلت في استيعاب مطالب الهوية التعددية كمطلب رئيسي لتعزيز الحوكمة الرشيدة. وفاقم من حدة وديمومة هذا الصراع حدة التدخل الدولي. فقد تدخلت قوى دولية متعددة (مثل روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة ودول أخرى) بطرق أبقت على ديناميات الصراع، عبر الانحياز لمصلحة جماعات بعينها وضد جماعات أخرى[11].
يمكن تطبيق المنطق نفسه بسهولة لفهم تعقيدات صراعات إقليمية أخرى ممتدة مثل الصراع في لبنان، والسودان، وليبيا، وحتى البحرين وصولًا إلى الموجة الأخيرة من الانتفاضات التي تشهدها المغرب. في حالة الصراع في اليمن، على سبيل المثال، تلفت أطروحة الصراع الاجتماعي الممتد أنظارنا إلى كيف ساهم تضافر عدد من المتغيرات في إدامة هذا الصراع وجعله عصيًّا على الحل، فمن ناحية يعكس الانقسام الطائفي بين الحوثيين (الشيعة الزيديين) والحكومة المركزية في صنعاء (ذات الأغلبية السنية) المظالم القائمة على الهوية. وتبرز الأزمة الإنسانية المزمنة الحاجات غير الملباة لأغلبية المواطنين اليمنيين (في الشمال أو الجنوب على السواء)[12]. كما يجسد التدخل الخارجي من جانب السعودية وإيران وقطر والإمارات ودول أخرى كيف تفاقم الروابط الدولية الديناميات المحلية.
مثل الكثير من الصراعات الاجتماعية والسياسية في الشرق الأوسط، يعكس الصراع اليمني تفاعلًا معقدًا بين الانقسامات الطائفية والمناطقية والقبلية التي تُشكل جوهر المجتمع اليمني. فمن ناحية، يُجسد الحوثيون الزيديون (كجماعات هوية) في المرتفعات الشمالية في مدينة صعدة وما حولها، الذين لطالما هُمّشوا من قِبَل المركز السياسي الذي يهيمن عليه السنة في صنعاء. ومن ناحية أخرى، هناك الجنوب الذي كان يتمتع بحكم ذاتي تاريخي، بإرثه الاستعماري والاشتراكي المميز، ذو البنية الاجتماعية المجزأة التي يربطها عازار بالصراع الممتد. وقد أدى الحرمان المستمر من الحاجات الإنسانية الأساسية، الذي تفاقم بسبب الانهيار الاقتصادي والفساد المستشري وتآكل مؤسسات الدولة، بل وتجزأ الدولة نفسها بدخولها في حرب أهلية لأكثر من مرة، إلى تعميق المظالم بين سكان المناطق الطرفية.
اتّسم الحكم في اليمن في عهد علي عبد الله صالح وخلفائه بالفساد والمحسوبية والإقصاء وغياب المؤسسات الشرعية القادرة على التوسط في إدارة والتخفيف من حدة التوترات الاجتماعية. ومع فقدان الدولة قدرتها على توزيع الموارد وضمان الأمن، عادت الهويات دون الوطنية (ما قبل الحداثية) لتؤكد وجودها كأنماط أساسية للتنظيم السياسي. لذا، يُشدد إطار عازار على أن حل النزاعات يجب أن يُعالج العنف الهيكلي المتأصل في المؤسسات السياسية والاقتصادية إذا أُريد تحويل الأزمات المطولة إلى سلام دائم.
إلا أن السياسات التي اتخذها وقام بها النظام اليمني في صنعاء لعقود كانت تجسد النقيض التام لما أوصى به عازار. وعليه، فقد تضافرت كل هذه العوامل معًا وأدت لانتفاض الشعب (من مختلف أطياف الجماعات السياسية). أضف إلى ذلك، فقد تفاقم هذا التشرذم الداخلي تحت وطأة التدخل الدولي المكثف. إذ حوّل تدخل التحالف بقيادة السعودية والإمارات ضد الحوثيين المدعومين من إيران الصراع الداخلي إلى صراع إقليمي. والنتيجة هي نظامٌ معززٌ ذاتيًا من العنف والتبعية والاستقطاب. وهو مثالٌ نموذجيٌّ على دينامية الصراع الاجتماعي المطول التي طرحها عازار.
أما في خصوص حالة الصراع في السودان، فيُظهر مسار الصراع هناك أهمية إطار عازار. منذ تحقيق الاستقلال عن الاستعمار الإنكليزي لطالما اتسمت البنية الاجتماعية للبلاد بالانقسامات العرقية والدينية والإقليمية – ولا سيما بين الشمال المُعَرَّب المسلم والأطراف المهمشة غير العربية وغير المسلمة مثل دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. حيث أدى فشل الدولة في أداء دور الحكم المحايد بين مختلف الجماعات المجتمعية إلى خلق ظروف هيكلية أصبحت فيها المظالم القائمة على الهوية والحاجات الإنسانية غير الملبّاة مصادرَ نزاع دائمة[13]. تُرسّخ هذه الانقسامات نمطًا مستمرًا من الإقصاء من الحياة السياسية والاقتصادية، يتجلى في حرمان مزمن من الحاجات الإنسانية تجاه سكان الجنوب (المسيحيين الأفارقة من أصول غير عربية). حيث أدى تركيز السلطة في الخرطوم من قِبل الأنظمة العسكرية المتعاقبة خلال دولة ما بعد الاستعمار إلى ترسيخ ما يُطلق عليه “نظام المجموعة المهيمنة”، وهو نظامٌ يحكم بالإكراه بدلًا من الإدماج. فتحقيق السلام المستدام في مثل هذه السياقات يتطلب إعادة بناء العلاقات بين الدولة والمجتمع على أساس الشمول والإنصاف والاعتراف. بدلًا من الاكتفاء بأسلوب المفاوضات الشكلية على مستوى النخبة، أو مجرد تسويات مفروضة من الخارج، التي يحذرنا منها عازار في أطروحته.
ومثل الصراعات الأخرى في المنطقة – مثل سورية ولبنان واليمن والبحرين وليبيا – أدت هذه المظالم والتهميش والإقصاء إلى اندلاع انتفاضات شعبية عارمة بالشكل الذي أدى أيضًا ليس لإسقاط النظام في الخرطوم فقط، بل وإلى انفصال الجنوب واندلاع جولة جديدة من الحرب الأهلية والنزاعات العرقية والإثنية[14]. ويُبرز اندلاع العنف بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع عام 2023 كيفية تقاطع تشرذم النخبة مع المظالم المجتمعية والإقليمية طويلة الأمد. وقد أدى التدخل الخارجي – من جانب أطراف خارجية مثل مصر والإمارات والسعودية ومجموعة فاغنر العسكرية التي ترعاها روسيا – إلى تدويل الصراع أكثر، ودمجه في منافسات جيوسياسية أوسع. لا تقتصر هذه الروابط الخارجية على توفير الدعم المادي للجهات الفاعلة المحلية فحسب، بل تُديم أيضًا الانقسامات الداخلية، وتحبس السودان في دوامة طويلة من عدم الاستقرار[15].
نزاع إقليمي أخر يمكن أن تفسره لنا بصورة أوضح أطروحة الصراع الاجتماعي الممتد. ومن الأطروحات الأمنية والتي ترتكز على الدولة كوحدة تحليل، هي الحالة الليبية. حيث يتوافق الصراع الليبي بشكل وثيق مع الخطوط التحليلية لنموذج عازار للصراع الاجتماعي الممتد. فبعد انهيار نظام معمر القذافي عام 2011، بسبب السياسات القمعية والاحتكارية التي عززت من أوضاع “التخلف” داخل ليبيا، والطابع الإقصائي والتهميشي لِطيفٍ واسع من المجتمع الليبي. حيث تفككت الدولة الليبية إلى خليط من الكيانات السياسية (القائمة على الهويات الجهوية والقبلية) والإقليمية المتنافسة. ويتحدد المحتوى الطائفي للصراع بانقسامات إقليمية حادة. أبرزها بين طرابلس في الغرب، وبرقة في الشرق، وفزان في الجنوب. فضلًا عن التنافس بين الميليشيات المتحالفة على أسس قبلية وأيديولوجية[16]. وما زاد الأوضاع تردّيًا هو غياب هوية وطنية موحدة قادرة على تجاوز الولاءات المحلية، بل النقيض تمامًا هو ما وقع. ففي ظل مجتمع أصبحت فيه الهويات الطائفية الأساس الرئيسي للتعبئة السياسية، توفر الظروف السياسية تربة خصبة وحاضنة لظهور وتعزيز الكيانات والفاعلين دون الدولة (غير رسميين/حكوميين) كمقابل أو بالتوازي مع الدولة ومؤسساتها الرسمية. وهكذا، تُظهر الحالة الليبية (وغيرها بالطبع) كيف أن الصراعات الاجتماعية المطولة لم تستمر فقط بسبب الأزمات السياسية القصيرة الأجل، بل أيضًا بسبب أوجه عدم المساواة النظامية العميقة وإخفاقات الحكم.
طوال مدة حكم القذافي (دامت ما يقارب من خمسة عقود) كان الحرمان من الحاجات الإنسانية في ليبيا عميقًا. كانت من نتائجه وتداعياته خلال مرحلة ما بعد القذافي إلى سنوات من الحرب الأهلية. ساد فيها انعدام الأمن الشديد، والانهيار الاقتصادي، والمعاناة الإنسانية الواسعة المدى. كما أدى عجز السلطات الانتقالية المتعاقبة عن استعادة الخدمات الأساسية أو ضمان التوزيع العادل لعائدات النفط إلى تعميق الشعور بالإقصاء بين مختلف الفئات الاجتماعية (بناء على الانتماء الهوياتي والجغرافي). ويُظهر تشرذم الحكم، الذي يتجلى في تعايش حكومتين متنافستين في طرابلس وبنغازي، انهيار وظيفة الدولة التكاملية. ووفقًا لنموذج عازار، افتقرت ليبيا إلى وجود سلطة سياسية قادرة على التوسط في النزاعات الاجتماعية أو التدخل بصورة قوية لتلبية حاجات المواطنين الأساسية من الأمن والاعتراف. إلى جانب هشاشة الدولة الوطنية، فقد عززت الروابط والتأثيرات الدولية من طول أمد الصراع. فقد قدمت القوى الخارجية المتنافسة على النفط والميزات الجيوستراتيجية والسعي للهيمنة الإقليمية (مثل تركيا وقطر وإيطاليا من جهة، ومصر والإمارات وروسيا وفرنسا من جهة أخرى) دعمًا عسكريًا وماليًا ودبلوماسيًا للفصائل المتنافسة[17]. وقد حوّلت هذه التدخلات الخارجية الأزمة الليبية إلى حرب بالوكالة متعددة الأوجه، وهو ما عزز الانقسامات المحلية وقوض جهود السلام (وهو ما عكسته تصورات مبعوثي الأمم المتحدة في ليبيا مثل غسان سلامة والأخضر الإبراهيمي من قبله). والحصيلة هي نظام صراع ممتد مدعوم بسياسات وسلوكيات محلية تعزز التشرذم الداخلي، وتحظى برعاية من أطراف خارجية، وهذه الأخيرة عملت كآليات تعزيز ذاتية للتخلف والعنف في ليبيا ما بعد القذافي. وبدلًا من أن تُخفف التدخلات الدولية من حدة هذه التوترات، فإنها تميل إلى تعزيز منطق العسكرة والإقصاء[18].
ثالثًا: الصراع الاجتماعي الممتد والحرب الإسرائيلية على غزة
عند تطبيق هذه المقولات على صراعات الشرق الأوسط الراهنة مثل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي يتضح لنا كيف يُجسّد هذا الصراع صراعًا قائمًا على الهوية. حيث يُعرّف كلٌّ من الفلسطينيين والإسرائيليين أنفسهم بمصطلحات وطنية ودينية وتاريخية، تدور حول المطالبات بالأرض نفسها محل النزاع[19]. في ظل هذه الأوضاع، يواجه الفلسطينيون حرمانًا منهجيًا من حقوقهم السياسية الأساسية، وحرية التنقل والوصول إلى الموارد ولا سيَّما فيقطاع غزة والضفة الغربية. هذا الوضع البنيوي من الحرمان من الحاجات يجعل الفلسطينيين ينظرون إلى إسرائيل كدولة إقصائية تعطي الأولوية للهوية اليهودية، في حين أن هياكل الحكم الفلسطينية (مثل حماس وفتح) في حالة مجزأة ومفككة، كما تفتقر إلى الشرعية بين شعبها. وكما تنبهنا نظرية عازار، فإن تسليط الضوء على دور الهوية والشرعية والحكم في الصراع يساهم في فهم أسباب استدامته[20].
أما في خصوص دور الروابط والتأثيرات الدولية، فتمارس قوى دولية (مثل الولايات المتحدة) وقوى إقليمية (مثل وإيران ودول الخليج وغيرها) أدوارًا مهمة في تمويل أو تسليح أو دعم مختلف الأطراف دبلوماسيًا، وهو ما يديم الصراع.
أما لجهة فهم الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، فمن منظور نظرية الصراع الاجتماعي الممتد، يتوجب علينا التعمق في الجذور التاريخية، وأبعاد الهوية، والمظالم، والتدخلات الخارجية التي تديم العنف وتُفاقمه. حيث يساعد منظور عازار في تحليل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي على تحول تركيزنا من السرديات الأمنية المتمركزة حول الدولة، ومن مجرد الاهتمامات الإقليمية أو الأمنية، إلى نهج قائم على الحاجات الأساسية، وإلى الصراعات الطائفية القائمة على الهوية وأزمات الشرعية. التي هي أمر أساسي لكشف طبيعة هذا الصراع العصي على الحل. كما يسلط هذا المنظور الضوء على أسباب فشل عمليات السلام في كثير من الأحيان. إذ تميل هذه العمليات للتركيز على المفاوضات أو إجراءات وقف إطلاق النار على مستوى النخبة، بدلًا من معالجة المظالم الاجتماعية الكامنة ومطالب الاعتراف بالهوية. حيث يؤدي الفشل في تلبية الحاجات المجتمعية إلى استمرار الصراع.
في جوهره، ليس الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي مجرد نزاع على الأرض، بل هو صراع هوية عميق بين مجموعتين قوميتين لهما سرديات تاريخية متنافسة وارتباطات بالأرض نفسها: من ناحية، هناك الهوية الفلسطينية مبنية على التهجير والنفي (النكبة)، وفقدان الوطن نتيجةً لقيام دولة إسرائيل عام 1948. ومن ناحية أخرى هناك الهوية اليهودية الإسرائيلية متجذرة في الصدمة التاريخية لمعاداة السامية، والمحرقة، والحاجة إلى وطن قومي آمن لليهود. تتجلى هذه الديناميات الهوياتية بشكل خاص في الصراع الدائر في قطاع غزة. فالأغلبية العظمى من سكان قطاع غزة هم إما لاجئون أو من نسل لاجئي عام 1948، وكثير منهم لم يقبلوا أو يعترفوا قط بشرعية الدولة الإسرائيلية بشكلها الحالي. في الوقت نفسه ذاته، تنظر إسرائيل إلى قطاع غزة، وبخاصة تحت حكم حماس، كتهديد أمني وجودي. هذه الأوضاع تؤكد الفرضية التي طرحها عازار والقائلة بأنه عندما تشعر الجماعات الهوياتية بأن هويتها الأساسية مهددة أو غير معترف بها من قبل الدولة، يتجذر الصراع بعمق.
من ناحية أخرى، وكما جادل عازار، فإن حرمان الفلسطينيين بشكل منهجي من حقهم في تلبية الحاجات الإنسانية الأساسية – كالأمن، والوصول السياسي، والفرص الاقتصادية، والاعتراف – والتي تُعَدُّ متطلبات أساسية لتحقيق السلام، هي السبب الرئيسي في استدامة الصراع في قطاع غزة وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة. على سبيل المثال، في ما يتعلق بالأمن فإن التهديد الإسرائيلي المستمر بالغارات الجوية، والتوغلات العسكرية، والحصار يبدد هذا الحق ويفاقم الإحساس المترسخ بنزع إنسانية الفلسطينيين، وبالتالي تفاقم الشعور بالغبن والمظلومية التي تؤدي بصورة حلزونية إلى تجدد القتال والصراع المسلح. أما بخصوص الحرية والمشاركة السياسية، فهي معدومة تمامًا داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. حيث يعيش الفلسطينيون تحت وطأة مزيج من الاحتلال المباشر (الضفة الغربية) والحصار (قطاع غزة) وانعدام الجنسية. كما يعاني اقتصاد قطاع غزة شللًا شبه كامل بسبب الحصار الإسرائيلي، مع بطالة مزمنة، وفقر، وانعدام الوصول إلى الخدمات (الاقتصادية) الأساسية. أما بخصوص الحق في الاعتراف بالهوية الوطنية والحق في تقرير المصير، فإن الفلسطينيين ينظرون إلى القوانين القومية الإسرائيلية وسياسات التوسع الاستيطاني المستمر كعامل مدمر لهذه الحقوق. وبشكل عام، كما يذكرنا عازار، فإن الفشل في تلبية هذه الحاجات يعزز دورة المظلومية والمقاومة، والتي شوهدت مرارًا وتكرارًا في قطاع غزة من خلال الانتفاضات والحروب المستمرة (2008-2009، 2012، 2014، 2021، 2023-2024).
أما لجهة عامل دور الدولة، فإن نظرية عازار تُسلّط الضوء على كيف تعمل الدول غالبًا كأدوات (أو كألعوبة) للجماعات الهوياتية المهيمنة، مما يُهمّش الآخرين. فبينما تعرف إسرائيل نفسها كدولة يهودية، ترى أغلبية الفلسطينيين، سواء داخل الأراضي المحتلة أو داخل إسرائيل (كمواطنين عرب)، في ذلك النظام تجسيد لنظام الفصل العنصري الإقصائي (أبارتهيد). ففي قطاع غزة، فبينما لا تملك إسرائيل سيطرة إدارية مباشرة منذ عام 2005 على القطاع (بموجب اتفاقية فك الارتباط أو الانسحاب الأحادي التي نفذها آرييل شارون) إلا أنها تحتفظ بالسيطرة على الحدود والمجال الجوي والوصول إلى البحر، وتمارس ما يطلق عليه كثير من الباحثين احتلالًا بحكم الأمر الواقع. كما تفتقر السلطة الفلسطينية إلى السلطة في قطاع غزة، التي تحكمها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وهي جماعة سياسية منافسة لحركة فتح في الضفة الغربية، إلى اعتراف دولي أو شرعية دولية. أما في بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة (الضفة الغربية)فإن الأوضاع ليست أفضل كثيرًا منها في قطاع غزة، وإن كانت تزيد عليها وطأة التفكك والفرقة. وبالتالي، فإن غياب حكم شرعي وتمثيلي قادر على تلبية حاجات السكان، إما بسبب الاحتلال الخارجي أو التشرذم السياسي الداخلي، يتمشى مع تأكيد عازار على أن ضعف الحكم أو عدم شرعيته يسهم في إطالة أمد الصراع.
أخيرًا، ىؤدي عامل الروابط الدولية وتأثير تدخل الجهات الخارجية دورًا مركزيًا في تأجيج الصراعات المحلية وإدامتها. حيث يتسم الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي بطابع تدويلي، أكثر من بقيةالصراعات الإقليمية ، وحتى الدولية. على سبيل المثال، منذ تأسيسها عام 1948، تتلقى إسرائيل دعمًا دبلوماسيًا وعسكريًا واقتصاديًا واسعًا من الولايات المتحدة وغيرها من القوى الدولية. وعلى الصعيد الإقليمي، فقد غيرت اتفاقيات السلام ومساعي التطبيع التي تمت مؤخرًا بين إسرائيل وبعض البلدان العربية (الاتفاقيات الإبراهيمية) الديناميات الإقليمية ودور الأطراف الخارجية في عملية السلام. من ناحية مقابلة، يتلقى الفلسطينيون وبخاصةٍ حماس، دعمًا(عسكريًا وماليًا وسياسيًا) من جهات فاعلة مثل إيران وقطر وعناصر من الشتات. كما تقدم المؤسسات الدولية والمنظمات غير الحكومية الدعم الإنساني، لكنها غالبًا ما تفشل في معالجة الجذور الهيكلية للصراع بسبب القيود السياسية التي تقيد حرية حركة وتأثير المنظمات الدولية والإقليمية. وتقدم حالة الحرب الإسرائيلية على غزة (2023-2025) مثالًا على ذلك، سواء من حيث الإدانات الدولية، وتدفقات المساعدات، وشحنات الأسلحة، والدبلوماسية، كلها تحدثفي آن واحد، ومع ذلك لا يعالج أي طرف المظالم الكامنة ،مما يديم من هذه الدائرة الجهنمية التي لا تنتهي من الصراع والعنف.
الخلاصة، باستخدام نظرية إدوارد عازار للصراع الاجتماعي الممتد نكتسب فهمًا متعدد الأبعاد لحرب غزة والصراع الفلسطيني – الإسرائيلي الأوسع. فهي تعيد صوغ عنف الدولة (وإرهابها كما وصفتها المحكمة الجنائية الدولية) الإسرائيلية ليس كقضية أمنية معزولة أو نزاع ديني، بل كصراع طويل الأمد قائم على الهوية، يغذيه عدم تلبية الحاجات الإنسانية، والحكم الإقصائي، والتواطؤ الدولي. وعليه، وكما جادل البعض، فإن صراعات الهوية الممتدة هذه تتطلب تحويلًا وليس فقط مجرد حل أو تسوية[21]. من ناحية أخرى، يساعدنا إطار عازار على فهم أسباب فشل مساعي وقف إطلاق النار والمفاوضات مرارًا وتكرارًا. فهي تعالج الأعراض (الصواريخ، والغارات الجوية) ولكنها لا تعالج المسببات (انعدام الهوية، وعدم تلبية الحاجات والحكم غير الشرعي، والتدخل الخارجي). لذلك، فإن الرؤية التي تٌقدمها لنا نظرية عازار للسلام والأمن تعتبر أساسية لتجاوز الدبلوماسية السطحية (الإجرائية) وتحقيق وبناء سلام حقيقي ومستدام. فهي تفسر لنابعض المعضلات المستعصية على الفهم (وبالتالي على الحل) مثل لماذا تبدو كل جولة من الحرب حتمية، أو لماذا يكرر التاريخ نفسه بصورة دائمة في هذه الصراعات؟ لماذا لا تصمد اتفاقيات السلام التي تتجاهل العدالة والاعتراف والكرامة؟ وأخيرًا، لماذا تكتسب جهات فاعلة غير حكومية مثل حركة حماس والجهاد الإسلامي وغيرها شرعية في نظر بعض الفلسطينيين، كمدافعين عن الهوية، في حين لا تلبي الحاجات من قِبل هياكل سياسية أخرى.
النص الأصلي
أودُّ أن أعرض عشرة افتراضات مترابطة حول الصراعات الاجتماعية الممتدة. وقد تبلورت هذه المقترحات من خلال رصد الأحداث الصراعية والتعاونية في المجتمع العالمي على مدى عقد من الزمن. ثم سأُبيّن كيف تُسلّط هذه المقترحات الضوء على الصراعات بوجه عام، وعلى نظريات وممارسات حل النزاعات بوجه خاص.
وسوف استخدم مصطلح “الصراع الاجتماعي الممتد” للإشارة إلى هذا النوع من الصراعات المستمرة، والتي تبدو مستعصية على الحل، وتُمثل مصدر قلقنا الحالي، سواء أكانت “صراعًا” كما هي الحال في لبنان، أو في العلاقات الأمريكية – السوفياتية. وهنا تجب الإشارة إلى أنني غير معني بالصراعات البسيطة والتي تُشكل جزًا من عمليات التغيير الطبيعية والتكيف معها، والتي يمر بها جميع الأفراد والمجتمعات في علاقاتهم المتبادلة مع الآخرين. وهذه الفرضيات كالآتي:
الفرضية الأولى
للصراعات الاجتماعية الممتدة خصائص نموذجية تُفسر طبيعتها المُمتدة. وتحديدًا، لها سمات مُزمنة، مثل التخلف الاقتصادي والتكنولوجي، وعدم تكامل الأنظمة الاجتماعية والسياسية. هذه السمات لا تُناسب الحلول. كما أن لها سمات أخرى قابلة للتغيير، ولكن فقط عندما تسمح الظروف بتغييرات سياسية واسعة النطاق. وتشمل هذه السمات سمات مثل الظلم التوزيعي الذي يتطلب إزالة أو تعديلًا جوهريًا للتفاوتات الاقتصادية والاجتماعية والتفاوتات الشديدة في مستويات الامتيازات والفرص السياسية. أي “حلول” لا تُعالج هذه السمات هي حلول يجب أن تستند إلى قوات إنفاذ القانون، أو التهديد، أو سيطرة الطرف الأقوى في الصراع. ومن المُرجح أن يندلع الصراع مرة أخرى بمجرد حدوث أي تغيير في توازن القوى، أو في القيادة، أو في أي ظروف بيئية سياسية أخرى.
الفرضية الثانية
تُمثّل هذه السمات الملحوظة البنية التحتية للصراع المستعصي على الحل: انقسامات وتشرذمات متعددة الأعراق والطوائف، وتخلف تنموي، وظلم توزيعي. إن عودة اندلاع الصراع في الوضع نفسه، وهي سمة مميزة للصراعات الاجتماعية المطولة، تُلمح إلى أي مُتابع للأحداث على مدى فترة طويلة أن المصادر الحقيقية للصراع – بخلاف السمات – متجذرة في حياة المعنيين ووجودهم الأنطولوجي. ويتم تأكيد ذلك بين الحين والآخر في هيئة تصريحات، كما حدث عندما زعم بعض القبارصة الأتراك ذات مرة أنهم “عديمو الهوية” لعدم قدرتهم على إصدار جوازات سفرهم. ويبدو أن المتورطين في صراعات اجتماعية مطولة يجدون صعوبة في تحديد ما يدفعهم إلى الاحتجاج العنيف، بل وحتى إلى الانخراط في الحرب. وهو ما يقودنا إلى الفرضية القائلة بأن “مصدر الصراع الاجتماعي الممتد هو إنكار العناصر اللازمة لتنمية جميع الناس والمجتمعات، والتي يُعدّ السعي وراءها حاجة ملحة للجميع. هذه الحاجات هي الأمن، الهوية المميزة، الاعتراف الاجتماعي بالهوية وكذلك المشاركة الفعالة فى العمليات التي تحدد شروط الأمن والهوية، وغيرها من متطلبات التنمية. أما المصدر الحقيقي للصراع فهو إنكار الحاجات الإنسانية المشتركة للجميع، والتي يُعدّ السعي وراءها دافعًا وجوديًا للجميع.
الفرضية الثالثة
من الصعب اكتشاف وتعريف وقياس الشعور بانعدام الأمن والظلم التوزيعي وغيره من أشكال الحرمان. من ناحية أخرى، فإن الانقسامات العرقية والطائفية والهياكل السياسية المرتبطة بها باتت أكثر وضوحًا. إن حقيقة أن الانقسامات العرقية (الإثنية) والطائفية كمصدر للصراعات الاجتماعية المطولة أكثر وضوحًا من غيرها لا تجعل العرقية – المستخدمة هنا للإشارة إلى مجموعات الهوية التي تشكل نظامًا سياسيًا – حالة خاصة. فالإثنية حالة مهمة، وإن لم تكن حالة خاصة، لأنها تلفت انتباهنا إلى حاجة أساسية. تمكننا دراسة العرقية والدافع وراء الهوية العرقية من فهم طبيعة الصراعات بوجه عام. إن إنكار الحاجات الإنسانية، والتي تعد الهوية العرقية مجرد واحدة منها، هو ما يبرز في النهاية كمصدر للصراع، سواء كان محليًا أو طائفيًا أو دوليًا أو بين الدول.
الفرضية الرابعة
أن حالات الصراع الاجتماعي الممتد فى العالم، والتي تزيد على ستين حالة نشطة حاليًا، ليست أحداث فريدة. فبالنسبة للمشاركين فيها – وكذلك للمراقبين الخارجين الذين لم يتابعوا الأحداث على مدى فترات طويلة – تبدو أحداث فريدة من نوعها، لأن الظروف والتاريخ والمواقف المحلية، تمنحها طابعًا فرديًا. وفى الحقيقة، إنها ليست مزيجًا عرضيًا من الظروف، بل تشترك في بعض الخصائص السلوكية والبنيوية. وهو ما يجعلها قابلة للتنبؤ لهذا السبب. قد تقع بعض الصراعات بطريقة عرضية وقصيرة الأجل – على الرغم من أن تتبع الأحداث يوحي بوجود عدد قليل منها على الأرجح. إن الصراعات الاجتماعية الممتدة عالميًا هي مواقف تنشأ عن محاولات مكافحة ظروف الضحية المتصورة الناتجة من: (1) إنكار الهوية المنفصلة لأحد الأطراف المنغمسة في العملية السياسية، (2) غياب الأمن الثقافي والعلاقات القيمية، (3) غياب المشاركة السياسية الفعالة التي يمكن من خلالها معالجة الضحية.
الفرضية الخامسة
إن تتبع الصراعات، المفاوضات، التسويات المؤقتة واندلاع المزيد من الصراعات (وهو تسلسلٌ يُميز العلاقات بين الشرق والغرب، لا يقل عن الصراعات الإقليمية كما هو الحال في الشرق الأوسط) يُلفت الانتباه إلى حقيقة أن الحاجات الإنسانية، والقيم الثقافية المتجذرة تاريخيًا – كتلك التي أشرتُ إليها – لا تُقايض ولا تُستبدل ولا تُساوم عليها. فهي ليست موضع تفاوض. وحدها المصالح النابعة من الأدوار والفرص الشخصية ضمن الأنظمة السياسية القائمة هي القابلة للتبادل والتفاوض. أما الاتفاقات التي تُسفر عنها المفاوضات، والتي قد تُعطي مزايا معينة للنخب، ولكنها لا تُلامس القضايا الأساسية في الصراع، فلا تدوم.
الفرضية السادسة
تتداخل الأحداث الصراعية والتعاونية معًا حتى في أشد الصراعات حدة. أحيانًا تكون الأحداث التعاونية أكثر وفرة من الأحداث الصراعية حتى في خضمّ حالات الصراع الاجتماعي الحاد. ومع ذلك، من الواضح أن الأحداث الصراعية أكثر استيعابًا وتأثيرًا أكبر في تحديد الإجراءات اللاحقة للجماعات والدول. ومع ذلك، فلا تكفي الأحداث التعاونية لتهدئة الصراعات الاجتماعية الممتدة. وبينما قد تُخفف تدابير تخفيف التوتر من وطأة الصراع على المدى القصير، إلا أن حلّ النزاعات ينطوي على عملية أكثر تعقيدًا من مجرد إدارة الأحداث التعاونية.
الفرضية السابعة
إن أفضل وحدة تحليل في حالات الصراع الاجتماعي الممتد هي “جماعات الهوية” سواء العرقية، والدينية، والإثنية، والثقافية، وغيرها. أنها أكثر قوة كوحدة للتحليل من الدولة القومية. والسبب فى ذلك أن “القوة” تكمن فى النهاية في أيدي جماعات الهوية.
أودُّ تناول هذه الفرضية بإسهاب، لأنها، من واقع خبرتي، تعتبر بمنزلة مفتاح البحث وحل النزاعات. لغاية وصف وتفسير والتنبؤ بديناميكيات حالة صراع اجتماعي ممتد، فإن جماعات الهوية تُعدّ أكثر إفادة من الدولة القومية. فمعظم الدول القومية في نظامنا الدولي المعاصر إما غير متكاملة، مُجمّعة أو مُحددة بشكل مُصطنع، وعاجزة تمامًا عن إلهام الولاء والثقافة المدنية، على الرغم من قوة القومية واستراتيجيات التواصل المُعقدة. هذه حقيقة يجب أن نتقبّلها.
منذ معاهدة سلام ويستفاليا في عام 1648، كانت الدول القومية مجرد حيل قانونية للنظام الدولي. إنها تُخلّد أسطورة السيادة والاستقلال كأدوات للسيطرة. وكان هناك أوقات تتداخل فيها المصلحة الوطنية مع مصلحة الجماعة السياسية، إلا أن هذا التداخل أصبح أقل وضوحًا في العالم.
كما كرّس صعود الدولة القومية منذ صلح ويستفاليا فكرة أن الجماعات ليست وحدات سياسية طبيعية، وأنها ستضمحل وتذوب داخل الوحدات الأكبر والأكفأ و”طبيعية”، أي الأمة، وكرّس صعود فكرة الفردانية في القرن الماضي [العشرين] فكرة أن كل عمل سياسي ذي صلة يُعنى بإشباع جميع أنواع الحاجات والرغبات الشخصية لوحدة التحليل الاجتماعي المنفصلة والأصغر، كل فرد على حدة. فأصبح ما يثير الاهتمام هو تلبية الحاجات المجتمعية للفرد – الأمن، والهوية، والاعتراف، وغيرها.
أٌدرك أنه من الصعب على باحثي العلاقات الدولية الانخراط في العمل التجريبي على جماعات الهوية وسلوكها. فالمؤسسات والأنظمة الدولية متحيزة لدرجة أننا غالبًا ما نعجز عن العثور على بيانات موثوقة عن الجماعات العرقية أو الدينية، بينما نجد بيانات عن المتغيرات الوطنية. وبسبب أن بعض الدول تتكون من جماعات تبدو متجانسة، والبعض الآخر ليس كذلك، فإن المرء يواجه عقبات تمنعه من إجراء تحليل مقارن. لقد حوّل تركيزنا على الدول القومية وأفعالها الفردية انتباهنا عن دراسة صراعات المجموعات العرقية والدينية وغيرها من صراعات الهويات داخل هذه الكيانات الإقليمية.
ركّز النقاش المهني حول مسألة وحدة التحليل المناسبة على الاختلافات بين التركيز على الفرد أو الدولة أو النظام وتداعياتها(Waltz, 1959; Singer, 1961; Brody, 1972) . وقد تجاهل هذا النقاش الجماعة تمامًا. ولذلك، فقد لفت بحثنا المطول في الصراعات الاجتماعية انتباهنا إلى ضرورة إعادة النظر في مسألة وحدة التحليل هذه وتصحيح هذا النقص في أدبيات السياسة الدولية.
ظهرت (الجماعة) كمنافس للأمة أو النظام. ويبدو أن الباحثين في مجال العلاقات الدولية قد قبلوا الرؤية التي تقول إن الدور الصحيح والشرعي للدولة هو الدور التاريخي في دعم هذه الجماعات. علاوة على ذلك فإن الجماعة بوصفها وحدة تعكر نظافة النموذج الذي فى اليد. ونحن ليس لدينا تحريض على جمع البيانات ودراسة نتائج الأفعال الناتجة من الجماعات.
تظهر الجماعة كمنافسة للأمة أو النظام. ويبدو أن الباحثين في مجال السياسة الدولية قد قبلوا الرؤية التي تقول بأن الدور الشرعي للدولة هو دورها التاريخي في قمع الجماعة. علاوة على ذلك، فإن الجماعة كوحدة تُخلّ بتوازن النماذج المطروحة. وعليه، فلم يكن لدينا أي دافع لتوليد بيانات ودراسة عواقب أفعال هذه الجماعات. في عملي على أبحاث الأحداث وبنوك المعلومات اعتمدتُ الوحدة الأكثر شيوعًا، وهي الدولة القومية. وقد دفعتني معرفتي الحالية بظاهرة الصراع الاجتماعي الممتد إلى الشعور بقوة بضرورة بناء بنوك معلومات خاصة بالمجموعات العرقية والدينية والثقافية وغيرها، وذلك إذا أردنا فهمًا أفضل لظاهرة حاجات ومصالح ودوافع الأطراف في حالات الصراع الاجتماعي الممتد.
الفرضية الثامنة
جميع العلاقات الداخلية والخارجية بين الدول والأمم تُحفّزها الرغبة في إشباع هذه الحاجات الأساسية التي وصفتها. ووحدة التحليل هي جماعات الهوية التي تُمكّن تحقيق ذلك الإشباع، سواءً أكانت الدولة أو الأمة أو أي جماعة أكثر قريبة. لذا، تكمن أصول الصراع الدولي في الحركات الداخلية لإشباع الحاجات، وفي دوافع الأمم والدول لتلبية الحاجات نفسها. لهذا السبب، فإن التمييز بين الصراعات الداخلية والدولية مُضلّل.
لقد جادلتُ فيما سبق بأن الجماعات، كجهات فاعلة في حالات الصراع الممتد، تُبادر بوضع الخطط والإجراءات وردود الفعل والاستراتيجيات لتحقيق هدف إشباع الحاجات المجتمعية الفردية أو الحدّ من أوجه القصور في هذه الحاجات والقضاء عليها. لهذه الأغراض، يُعدّ المجالان المحلي والدولي مجرد ساحتين. وفي أي ساحة يتصرف فيها الفاعلون، فإنهم يفعلون ذلك لإشباع حاجاتهم. والدوافع للقيام بهذه الافعال داخلية، وليست نظامية أو دولية.
من الناحية الإمبيريقية، فقد وجدنا أن الأطراف الفاعلة في الصراعات الاجتماعية الممتدة تسعى إلى استرضاء الآخرين، وإلى التحالفات، كما أنها تفعل كل ما تراه يخدم مصالحها، سعيًا منها لتلبية حاجاتها الأساسية. وبالطبع، هناك الكثير من المتغيرات الأخرى التي تؤثر في سلوك الجماعات وقادتها، لكن الدافع الأساسي لأفعالها داخلية، في حين أن المجال يمكن أن تكون أكثر اتساعا. في حالات الصراع التي درسناها بين عامي 1979 و1984، تُظهر النخب وقادتها ازدراءً شديدًا للمجالات الدولية والإقليمية. فهم يرونها مجرد فرص لتحقيق مكاسب مع دوائرهم الانتخابية المحلية. تُعدّ صورة الذات وتصورات الآخرين عن الجماعات حاجات مهمة يجب إشباعها، وبالتالي، يمكن أن تكون مصدرًا للفعل والتأثير. وبهذا المعنى، تُعدّ البيئات الإقليمية والدولية مهمة، ولكن بصورة ضيقة جدًا. في نهاية المطاف، يتصرف الأطراف الفاعلة بهدف تلبية الحاجات الاجتماعية المحلية لا الدولية.
الفرضية التاسعة
يترتب على ذلك أن الصراعات الاجتماعية الممتدة في المجتمعات متعددة الأعراق لا تُحل سلميًا من خلال بٌنى مركزية. ولحل النزاعات بصورة دائمة، لا بد من وجود بٌنى لامركزية مناسبة. هذه البٌنى صُممت لتلبية الحاجات النفسية والاقتصادية والعلائقية للجماعات والأفراد داخل الدول القومية.
تُعدُّ النظرية السياسية التقليدية والمعاصرة ضعيفة في هذا الصدد. فنماذج اللامركزية التي تضمن تلبية الحاجات الإنسانية والطائفية قليلة. فالنظرية السياسية الغربية، على سبيل المثال، تُفضل الدولة المركزية واحتكارها الشرعي للعنف. وفي السنوات الأخيرة، بُذلت محاولات لتلبية حاجات الأقليات من خلال ضمانات حقوق الإنسان، كما في الدستور القبرصي الأصلي، ومن خلال “تقاسم السلطة“، كما حاولت الحكومة البريطانية في أيرلندا الشمالية. في التحليل الذي أجريته، لم يُكتب النجاح لأيٍّ منهما. حيث لا مجال للتنازلات عندما تكون الحاجات الطائفية موضع نقاش. ولذلك، فعلينا تطوير نماذج غير سلطوية.
لقد أُسيء إدراك مفهوم كيان السلطة الموحد والمركزي على أنه وحدة سياسية متكاملة اجتماعيًا. في حالات الصراعات الممتدة، تُعتبر الهياكل السياسية شديدة المركزية من مصادر الصراع. فهي تُقلل من فرص الشعور بالانتماء للمجتمع بين الجماعات، كما أنها تُزيد من الاغتراب، وتميل إلى حرمان الجماعات من وسائل تلبية حاجاتها.
إن المجتمعات التي عانت عقودًا من العنف والكراهية لا تثق إلا قليلًا بأي نوع من الحكومات، سواءٌ كانت محلية أو مركزية أو متباعدة. تُصبح هذه المجتمعات متشائمة. فهذه التجارب التاريخية تُحوّل حتى الأنظمة السليمة إلى كيانات سياسية واقتصادية مشوهة، ولا تُبدي ميلًا يُذكر نحو المشاركة السياسية. بينما تَعِد الهياكل السياسية اللامركزية بتوفير بيئة تُمكّن الجماعات من تلبية هويتها وحاجاتها السياسية بشكل أفضل. فهي تُعزز المشاركة المحلية والاعتماد على الذات. كما أنها تمنح الجماعات المنخرطة شعورًا بالسيطرة على شؤونها.
بوجه عام، تُتيح الأنظمة السياسية اللامركزية للسلطات المحلية السيطرة على نظامها التعليمي وشؤونها الاجتماعية. كما أنها تُعزز الشعور بالهوية والمشاركة والأمن بأوسع معانيها. ولكن، للأنظمة السياسية اللامركزية عيوبٌ مثل ضيق الأفق، فهي تُعزز الحكم الاستبدادي، ولا تُعالج عدم المساواة بين المناطق الجغرافية والفئات الاجتماعية، وتميل عمومًا لأن تكون عديمة الكفاءة. لكن فوائدها قد تفوق تكاليفها. يتطلب حل النزاعات في حالات الصراع الممتد فهمًا لأهمية الهياكل السياسية المنفتحة والتشاركية واللامركزية، مقارنةً بالهياكل المركزية والمهيمنة والاستبعادية/الحصرية.
هذا هو المكان الذي يمكن لمُنظّري العلاقات الدولية أن يُقدّموا فيه مساهمةً ما. فالنظام الدولي يُحكم على أساس وظيفي، وهو مُنظّمٌ بشكلٍ ملحوظ. فهناك عددٌ كبيرٌ من الاتفاقيات الوظيفية التي تُطبّق حتى في أوقات التوتر الشديد والحرب. وهذه الاتفاقيات تغطي مجالات الاتصالات والملاحة والصحة، وحتى طرق معاملة أسرى الحرب. يُمكن تطبيق هذا النموذج الوظيفي في حالاتٍ مثل قبرص ولبنان، حيث يسعى كل مجتمع إلى ضمان هويته وحريته، مع تقدير علاقاته الأوسع داخل الدولة.
الفرضية العاشرة
إن فرضيتي العاشرة والأخيرة تقول إننا لم نخطئ فقط في اعتبار الدولة وحدة تحليل في العلاقات الدولية، وبالتالي فشلنا في إدراك العلاقة بين ما هي محلي وما هو دولي، بل فشلنا أيضًا، كباحثين، في إدراك التواصل عبر الزمن لما يبدو كصراعات منفصلة. أود هنا أن أطرح وجهة نظر مستمدة من رصد الأحداث مدة طويلة.
هناك ميل واضح في نظرية العلاقات الدولية يدفعنا إلى حسبان أفعال الصراع منفصلة، محددة زمنيًا ومكانيًا، ومتباينة من حيث الفاعلين والأهداف والقضايا المعنية. وبالتالي، يُنظر إلى الصراع كظاهرة موجودة في الوحدة الطبيعية للأحداث الفاعلة، والتي يمكن عزلها وتوصيفها ودراستها تجريبيًا. بمعنى أخر، فإن كل صراع يمثل حالة فريدة من نوعها. لا توجد أنماط أو سمات مشتركة ترتبط بأسباب مشتركة. فبينما يمكننا إحصاء عدد الحروب سنويًا؛ إلا أن كل واحدة منها حدث منفصل يجب دراسته على حدة.
هذه وجهة نظر مشوشة. ما يحدث هو أننا، المراقبين، نختار أحداثًا نسميها أحداث صراع، وأخرى لا نسميها كذلك. كما إننا نضع معايير فكرية لتمثيل وتعريف الصراع. لذلك، من المهم التأكيد على أن مجموعة الأحداث التي نعتبرها صراعية تسبقها وتليها سلسلة من الأحداث. ويحدد المراقب الخارجي، أي الباحث، نقاط البداية والنهاية. علاوة على ذلك، فإن الأحداث التي نعتبرها صراعية هي أيضًا جزء من مجموعة علاقات ملحوظة، اقتصادية واجتماعية وسياسية “تعاونية”. وعليه، فإننا نستنتج أن الصراع ما هو إلا نتيجة للمزج بين العوامل، العرضية والحتمية، وكجزء من التنظيم البشري، ولا يمكن فعل الكثير حياله.
ونظرًا إلى أن حدة الصراعات تتقلب بمرور الوقت، فإننا نميل إلى وضع تأكيدات حول نقاط البداية والنهاية، والتي قد تكون ذات فائدة محدودة لفهم الجمود الكامن في بعض حالات الصراع. فقد تؤدي تقلبات واستقرار منحنيات الصراع بمرور الوقت إلى فهم ضعيف لدور التدخل والإدارة وحل النزاعات.
هذه الرؤية للوحدة الطبيعية لتدفق الأحداث أدت لإغفال منهجي لمفهوم الصراع الاجتماعي الممتد من مجال البحث التجريبي. وانا لم أُعرِ اهتمامًا لظاهرة الصراع الاجتماعي الممتد هذه إلا بعد أن بدأتُ، كما ذُكرت سابقًا، بالبحث عن أنماطها والتعامل مع التجربة الوجودية للبنان والوضع في الشرق الأوسط. حيث تستمر هذه الصراعات لفترات طويلة، تتخللها أحيانًا مستويات منخفضة نسبيًا من التعايش المشترك، بل وحتى التعاون. من ناحية أخرى، فإنها تلعب دورًا هامًا في إعادة تشكيل المجتمعات المنخرطة فيها، ولها تأثير وتداعيات كبيرة على المجتمع الدولي (Burton, 1984).
لطالما اعتقدنا أن هناك تغيرات تمتد عبر عصور تتضمن صراعات اجتماعية، وأن الحلقات التي تعكس طابع هذه التغيرات هي صراعات اجتماعية ممتدة. ومع ذلك، نجد أنفسنا في مأزق بالغ الصعوبة عندما نحاول تحديد نقاط بداية ونهاية هذه الحلقات التي تعكس الظواهر طويلة الأمد. لقد لاحظ جيرالد سوروكين (Sorokin 1981) ذات مرة أن مدة الصراع ليست بديهية كما تبدو[22]. تنشأ الصعوبة عندما نحاول تحديد نقاط البداية والنهاية، وما نعتبره تفاعلات مستمرة أو متقطعة أو غير مستمرة. فهل يبدأ الصراع في لحظة العدوان، أم عند ترسيخ هيكلية الصراع، أم فقط في لحظة التفاعلات العنيفة؟ أما العامل الرئيسي الذي وجدنه مفيدًا في هذه المرحلة من تطورنا الفكري هو أنه وفى أثناء دراسة حالات الصراع الاجتماعي الممتد، فإننا قد استفدنا أكثر بصورة كبيرة من النظر إلى المسارات التاريخية للأحداث بدلًا من البحث عن بدايات أو نقاط نهاية محددة. ومع ذلك، التقاليد الحديثة للبحوث السياسية والاجتماعية والنفسية الاجتماعية حول الصراعات القائمة على التجارب تفتقر هذه النظرة التاريخية نظرًا للمخاطر الكامنة في تصنيفات الفئات التاريخية. فالدلالات الرومانسية، التي تؤثر في انطباعاتنا عن هذه التصنيفات، هي ما يٌبعد علماء الاجتماع عن التاريخ.
استنتاجـات
ما الملاحظات الموجزة التي يمكن تقديمها حول كيفية التعامل مع حالات الصراع من هذه الافتراضات؟
لقد تزايدت الصراعات والأزمات المتعلقة بالهوية منذ الحرب العالمية الثانية، وبخاصة في دول العالم الثالث. ويُمكن حاليًا تحديد أكثر من ستين حالة. معظمها مرتبط بالهوية، أي أنها تنطوي على تنافسات قبلية وثقافية يمكن إرجاعها إلى الحدود الاستعمارية والهجرات. ومن الأمثلة على ذلك لبنان، وسريلانكا، وأيرلندا الشمالية، وإثيوبيا، وقبرص، وإيران، ونيجيريا، وزيمبابوي. في هذه الحالات، فإن “الصراع الطبقي” ليس سببًا رئيسيًا، بالرغم من أن وجود الطبقة بحد ذاته يخلق ظروفًا تُعزز صراعات الهوية القائمة على الشعور المشترك بالحرمان والظلم السائدين.
إن أي صراع يؤدي إلى تدخل القوى العظمى، يُعقّد علاقاتها أكثر، ويُعقّد كذلك العلاقات العرقية الصعبة أصلًا في كل حالة. والنتيجة هي أن جميع هذه الصراعات، التي تبدو مستعصية وطويلة الأمد، تُستنزف موارد الأطراف المعنية على نحو مباشر وغير مباشر، وتُشوّه الاقتصاد أكثر، وبالتالي تُفاقم التخلف. إن تزايد الإرهاب الذي ترعاه الدولة وتعطيل التجارة تعتبر نتائج ثانوية لهذه الصراعات، وهو ما يزيد من أهمية حلّها.
يبدو أن هذه الصراعات تبدأ بمجموعة واحدة من الأهداف المعلنة، والجهات الفاعلة الرئيسية، والتكتيكات، لكنها سرعان ما تكتسب جهات فاعلة فرعية جديدة، وأهدافًا جديدة، وأنواعًا جديدة من الموارد والسلوكيات. ففي حالات مثل أيرلندا الشمالية والشرق الأوسط، انقسمت حركات الاحتجاج إلى فصائل متعددة مع بروز قادة جدد بتوجهات مختلفة بعض الشيء. وعليه، فإن الصراعات التي تبدأ كمواجهة واضحة بين سلطة ومعارضة تصبح أكثر تعقيدًا مع تعدد الأطراف والقضايا، مما يزيد من صعوبة عملية الحل.
هنا يبرز السؤال: كيف يمكن تحقيق اختراق ما؟ ما الذي يمكن أن تُساهم فيه أبحاث الصراع والسلام؟
إن فرضية لويس ريتشاردسون (1960) والتعديلات الملحقة بها بواسطة نورمان الكوك من المعهد الكندي لبحوث السلام (1972) والتي تُفيد بأن الحرب ناتجة عن توافر مخزونات كبيرة من الأسلحة في أيدي قادة أنانيين، وأحيانًا غير مستقرين، والذين يُجبرون على استخدامها لمجرد وجودها، هي أطروحة مُبسطة للغاية. لا شك أن كمية الأسلحة وتطورها يؤثران بشكل كبير على استمرار الصراعات وشدتها، ولا سيما في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط. وإذا استطاع العالم إيجاد طريقة للحد من توافر الأسلحة، فقد تتمكن الدول القومية من اتخاذ إجراء حيال استمرار الصراعات العنيفة وتصاعدها. إلا أنه من الأرجح ألّا يتم خفض مستوى الأسلحة إلا عند شعور الدول بانعدام الحاجة إليها. يجب أولًا حل مشاكل التهديد المُتصور والصراع.
في العالم الثالث، تجتمع الحرب والفقر لإضعاف معنويات شعوب بأكملها والحد من قدرتها على البحث الجاد عن حل للصراعات. فالحرب والفقر، والواضحان جدًا للمراقب، التي تعتبر السبب الرئيسي لمعاناة البشر الجسدية، ليسا سوى أعراض لظروف هيكلية كامنة. يوفر مفهوم الصراعات الاجتماعية الممتدة نظرة أعمق لقضايا الصراع – دوافع الأطراف المعنية، وأدوار السلطة، والهياكل السياسية والاجتماعية، وأنماط السلوك، والحاجات والمصالح، وجوانب أخرى. إنها تشد انتباهنا بعيدًا من الواضح والسطحي نحو الظروف الكامنة التي تُسبب حالات الصراع. وهو ما يلفت انتباهنا، أخيرًا، إلى سبل الحل.
يترتب على ما سبق أن حل النزاعات يتطلب دراسةً مباشرة لحاجات الأطراف المتنازعة وسبل ووسائل تلبيتها. ويبدو أن هذه الخطوة التحليلية هي الأولى والأكثر أهمية في حل الصراعات الممتدة. حيث تُعدّ الأطر القانونية والمفاوضات حول المصالح جهودًا مفيدة إذا اتبعت التحديد التحليلي للحاجات وآليات إشباعها. كما ينبغي عدم الخلط بين المساومة على المصالح والمرحلة التحليلية لتحديد الحاجات.
وما بدأ واضحًا الآن هو أن حاجات التغيير الهيكلي بوصفها جزءًا من عمليات حل الصراع تعتبر من أكثر المأزق تخريبًا في عالم اليوم. فهي تتزامن مع حدوث ظواهر كالصراع والتخلف. وكلتا العمليتين تشجعان بعضهما بعضًا وتزيد من درجة صعوباتهما على المجتمعات من أجل التغلب على شروطهما. فقط في حالات الصراع الاجتماعي الممتد فإن محاولة حل الصراع بدون التعامل مع التخلف إنما هي محاولة عديمة الفائدة؛ فالظاهرتان مرتبطتان معًا.
وما بدا واضحًا الآن هو أن هناك حاجة إلى التغيير الهيكلي كجزء من عملية حل النزاعات. فمن أكثر المآزق تدميرًا في عالم اليوم هو وقوع الصراعات والتخلف في نفس الوقت. حيث تتغذى هاتان العمليتان على بعضهما بعضًا، وهو ما يُصعّب على المجتمعات التغلب على أيٍّ منهما بمفردها. في حالات الصراعات الممتدة، تُصبح محاولة حلها من دون معالجة التخلف أمرًا عقيمًا. يجب أن يسير الاثنان معًا يدًا بيد.
يتطلب الحد من الصراعات العلنية خفض مستويات التخلف. فالجماعات التي تسعى إلى تلبية حاجاتها الهوياتية والأمنية من خلال الصراعات تسعى في الواقع إلى تغيير بنية مجتمعها. لذلك، يمكن حل النزاعات بفعالية واستمرارية إذا ما تم أيضًا تحقيق تحسن مُرضٍ في الصراع ضد التخلف. بجملة أخرى، فإن دراسة الصراعات الممتدة تقود المرء إلى استنتاج أن السلام هو في الحصيلة يعني التنمية بالمعنى الأوسع للكلمة.
أوراق ذات صلة:
المصادر:
الصورة من Getty Images.
[1] هذه هي الترجمة للدراسة المعنونة:
Edward Azar (1985): Protracted International Conflict: Ten Propositions. International Interactions, 12(1), 59-70.
ويجب الإشارة إلى أن المترجم اختار ترجمة كلمة (Propositions) الإنكليزية إلى “افتراضات” بدلاً من الترجمة الحرفية للكلمة والتي تعني “اقتراحات” كون دراسة عازار كانت أقرب إلى طرح فرضيات نظرية للنقاش منه إلى تقديم اقتراحات.
[2] إدوارد عـازار : أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ميرلاند الأمريكية، ومدير مركز التنمية الدولية وإدارة الصراعات (CIDCM) بنفس الجامعة.
[3] أحمد محمد أبو زيد، زميل ليفيرهيوم، قسم السيسيولوجيا، جامعة كامبريدج.
[4] أول دراسة مهمة للبروفيسور عازار حول هذه النظرية كانت قد نُشرت في مجلة الدراسات الفلسطينية عام 1978.
Edward Azar, Paul Jureidini and Ronald McLaurin (1978). “Protracted Social Conflict: Theory and Practice in the Middle East.” Journal of Palestine Studies, 8(1), 41-60.
[5] للمزيد عن الإسهامات الهائلة التي قدمها عازار في حقل دراسات الصراع الدولي وبحوث السلام يرجى مراجعة دراسة البروفيسور أوليفر رامسبوثام، أستاذ الصراع الدولي بجامعة برادفورد، ورئيس جمعية أبحاث الصراع:
Oliver Ramsbotham (2005). “The Analysis of Protracted Social Conflict: A Tribute to Edward Azar”. Review of International Studies, 31(1), 109–126.
والدراسة التي قدمها ويليام إيكهارت، الأستاذ بمعمل بحوث السلام بجامعة سانت لويس:
William Eckhardt, (1983). “Pioneers of peace research VII: Edward E. Azar: Apostle of events”. International Interactions, 10(2), 269–291.
[6]. Edward Azar, Paul Jureidini and Ronald McLaurin (1978). “Protracted Social Conflict: Theory and Practice in the Middle East.” Journal of Palestine Studies 8(1): 50. see also: Michael Brecher (2016). The World of Protracted Conflicts. Lanham: Lexington Books.
[7] يستخدم عازار في نصه الأصلي كلمة communal التي يمكن أن تترجم إما إلى “طائفي” أو “مجتمعي” حسب السياق وفهم المترجم/ة.
[8]. Nina Caspersen. (2017). Peace Agreements: Finding Solutions to Intra-State Conflicts. Cambridge: Polity Press; Oliver Ramsbotham, Tom Woodhouse & Hugh Miall. (2016). Contemporary Conflict Resolution. Cambridge: Polity Press.
[9] فيما بعد، أصبحت مثل هذه المقولات من أكثر الأطروحات قبولاً وشيوعاً بين الباحثين حول العالم في ما يتعلق بكيفية حل الصراعات وتحقيق السلام والرخاء. ولعل أشهر القائلين بذلك النهج هو عالم الاقتصاد الحاصل على نوبل آمارتيا سين، وخصوصاً كتابه:
Amartya Sen (1999). Freedom and Development. New York: Alfred A. Knopf.
[10]. Johan Galtung. (1996). Peace by Peaceful Means: Peace and Conflict, Development and Civilization. Thousand Oaks: SAGE Publication.
[11]. Christopher Phillips. (2016). The Battle for Syria: International Rivalry in the New Middle East. New Haven: Yale University Press.
[12]. Stephen Day. (2012). Regionalism and Rebellion in Yemen: A Troubled National Union. Cambridge: Cambridge University Press.
[13] Timothy Kulang and Chidiebere Ogbonna (2018). “South Sudan: The Dilemma of a Protracted Social Conflict”. Journal of Economic and Social Thought, 5(3), 1-10.
[14] Jenik Radon and Sarah Logan (2014). South Sudan: Governance, Arrangements, War and Peace. Journal of International Affairs, 68(1), 149–167; Marina Ottaway and Mai El-Sadany (2012). Sudan: From Conflict to Conflict. (Washington D. C.: Carnegie Endowment for International Peace). Available at: https://carnegie-production-assets.s3.amazonaws.com/static/files/files__sudan_conflict.pdf; Aziza Dessalegn (2017). “The cause and consequence of conflict in South Sudan”. International Journal of Political Science and Development, 5(1), 15-21.
[15]. Membratu Tewodros (2015). Causes, Consequences and Role of External Actors in the Current South Sudan Conflict. MA Dissertation, (Addis Ababa: Center for African And Oriental Studies, Addis Ababa University). Available at: http://etd.aau.edu.et/bitstream/123456789/8413/1/1.TEWODROS%20MEBRATU.pdf
[16]. Karim Mezran (et. al.,) (2024). “Libya’s protracted crisis, ten years of electoral deadlock”. The Atlantic Council. Available at: https://www.atlanticcouncil.org/in-depth-research-reports/report/libya-protracted-crisis-ten-years-on/
[17]. Yahia Zoubir (2020). “The Protracted Civil War in Libya: The Role of Outside Powers”. Insight Turkey, 22(4), 11-27; Redaelli, Riccardo (2019). “Libya’s Dangerous Political Stalemate.” The Cairo Review of Global Affairs. Available at: https://www.thecairoreview.com/tahrir-forum/libyas-dangerous-political-stalemate/
[18]. Mattia Toaldo and Tarek Megerisi (2016). “Russia in Libya, a Driver for Escalation?” The Cairo Review of Global Affairs. Available at: https://www.thecairoreview.com/tahrir-forum/russia-in-libya-a-driver-for-escalation/
[19]. Robert Rothstein (1999). After the Peace: Resistance and Reconciliation. Boulder: CO: Lynne Rienner Publishers.
[20]. Oliver Richmond. (2005). The Transformation of Peace. New York: Palgrave Macmillan.
[21]. Christopher Mitchell. (2001). “Beyond Resolution: What Does Conflict Transformation Actually Transform?” Peace and Conflict Studies, 9(1), 1–23.
[22] (المترجم) سقط هذا المصدر من النص الأصلي لعازار، وتعذر العثور عليه فيما بحثنا فيه من محركات البحث المتخصصة.
ببليوغرافيا:
Alcock, Norman (1972) War Disease. Oakville, Ont. CPRI Press.
Azar, E . Edward (1972) “Making and measuring the international event as a unit of Analysis,” (co-author); Sage professional papers in international studies, Vol. 1.
———. (1978) “Major Conflicts and Interventions, 1945-1975,” (co-author); International Interactions.
———. (1978) “Major World Cooperation, 1945-1975,” (co-author); International Interactions.
Burton, John (1984) Global conflict: The Domestic sources of international crises. Collage Park Maryland, Center of International Development.
Richardson, Lewis (1960) Statistics of Deadly Quarrels. California: Boxwood Press.
Singer, David (1961) The level of Analysis problem in international relations.
Waltz, Kenneth (1959) Man, State and War. New York: Columbia University Press.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



