مقدمة

أتى غزو روسيا لأوكرانيا في 24 شباط/فبراير 2022، بعد حملة الإنزال العسكري وتعزيز انتشار القوات الروسية شرق وجنوب شرق البلاد، إلى جانب حالة الاستقطاب المتبعة لدى الغرب (أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية) في سياق التنافس والصراع مع روسيا التي اختارت الحرب تعبيرًا عن رفض انفراد الولايات المتحدة بإدارة الشأن الدولي والإقليمي وفرض نفوذها في البيئة الأوروبية والعالمية، وبالأخص حيث تتركز المصالح الحيوية والاستراتيجية لروسيا وفق منظور الأمن القومي الروسي، ومن ذلك أن الناتو ظل يتوسع شرق أوروبا وهو ما تراه روسيا تهديدًا وجوديًا ومساسًا مباشرًا بأمنها القومي.

وتُعد الجزائر كغيرها من دول المنطقة العربية التي تتأثر بالأزمة الأوكرانية وتطوراتها، سواء على الصعيد السياسي أو على الصعيد الاقتصادي أو الأمني، ومن المعلوم أن روسيا بالنسبة إلى الجزائر حليفٌ استراتيجي تقليدي منذ عهد الاتحاد السوفياتي، وشريكٌ في الجانب العسكري حيث تحتل روسيا المرتبة الأولى في تصدير الأسلحة والعتاد العسكري إلى الجزائر. لقد التزمت الجزائرُ الحيادَ منذ البداية تجاه الصراع الدائر في أوكرانيا، وكان قائد أركان الجيش الوطني الشعبي السعيد شنقريحة قد عبّر في وقت سابق عن أن الجزائر ترحب بالشراكة مع جميع الأطراف، في إشارة إلى روسيا الاتحادية والولايات المتحدة، وأنها تنطلق في ذلك من مصلحتها الوطنية.

تتمثل أهمية هذا البحث في أنه يتصل بسياق راهن يشهده العالم، وهو الحرب الروسية على أوكرانيا والتطورات الحاصلة والمرتقبة على صعيد النظام الدولي بأكمله، وبالتالي انعكاسات هذه الحرب على المنطقة العربية. وقد تم اختيار الجزائر بالنظر إلى موقعها الجيوسياسي وموقفها المحايد – إلى حد ما – من الأزمة في أوكرانيا، ولأنها تمثل أهمية كبرى بالنسبة إلى أطراف الصراع (روسيا الاتحادية من جهة، أوروبا من جهة ثانية، والولايات المتحدة الأمريكية من جهة ثالثة)، وذلك انطلاقًا من أهميتها الاستراتيجية والطاقية. كما تتمثل أهمية البحث بأنه يتناول بالتحليل الشراكة الاقتصادية والتعاون الاستراتيجي مع إيطاليا من جهة وتركيا من جهة أخرى، في ضوء الصراع الدائر في أوكرانيا، وهو ما يعكس نوعًا من التحالفات الإقليمية الجديدة بالنسبة إلى الجزائر التي تتعامل بمنطق المصلحة الوطنية بعيدًا من التدخل في شؤون الدول. كما تتمثل أهمية الموضوع بأنه يعطي للحرب الروسية في أوكرانيا خلفية نظرية تؤسس لهذا الصراع، وذلك من خلال الواقعية الهجومية في العلاقات الدولية وفكر ألكسندر دوغين.

يسعى هذا البحث إلى بلوغ مجموعة من الأهداف كما يلي:

– تقديم نبذة حول الحرب الروسية في أوكرانيا ومحاولة تفسيرها من خلال وعاء فكري ونظري تمت الإشارة إليه في الأهمية.

– التعرف إلى طبيعة العلاقات الجزائرية – الروسية منذ عهد الاتحاد السوفياتي وحتى يومنا هذا.

– التعرف إلى الرؤية الجزائرية لما يجري في أوكرانيا، وبالتالي تحديد قراءتها لمحيطها الاستراتيجي في عالمٍ يتغير.

– تسليط الضوء على الخيارات المتاحة أمام الجزائر في سياق انعكاسات الحرب الروسية على أوكرانيا، ولهذا وقع الاختيار على العلاقة بكل من إيطاليا وتركيا وما يعكسه تعزيز علاقات الجزائر الثنائية بجوارها المتوسطي.

– تقييم الرؤية الجزائرية والسلوك الخارجي للجزائر في سياق الحرب في أوكرانيا.

مشكلة البحث: بالنظر إلى تطورات الوضع في أوكرانيا، أصبح هذا منطلقًا أو معيارًا لقراءة الواقع الدولي الراهن، من خلال فهم التوازنات الدولية وبالتالي اختبار فرضية بروز نظام دولي جديد (متعدد الأقطاب) تميزه تحالفات إقليمية جديدة، وبخاصة مع بعض المؤشرات التي برزت بوضوح خلال المدة الأخيرة، مثل: الانسحاب الأمريكي من مناطق الصراع في الشرق الأوسط، وسعي روسيا إلى إعادة التموضع والاستفادة من معالم الفشل في السياسة الخارجية الأمريكية. بالتالي فإن مجموعة من التحديات الاستراتيجية والأمنية تواجه الجزائر، وبالتحديد على صعيد بناء تحالفات إقليمية جديدة، سواء في الفضاء الإقليمي المغاربي أو في الفضاء المتوسطي، وهو ما اتضح في المدة الأخيرة من خلال توطيد علاقات التعاون والشراكة مع تركيا وإيطاليا، في الجانبين الاقتصادي والأمني، وإن كانت مواقف الدولتين مختلفة في شأن الصراع الدائر في أوكرانيا. تأسيسًا على ذلك أمكن طرح التساؤلات البحثية الآتية:

كيف نفهم الحرب الروسية على أوكرانيا في بُعدها النظري؟

ممّ تنطلق الرؤية الجزائرية للصراع الدائر في أوكرانيا؟

وعلامَ يتأسس منطق التحالفات الإقليمية الجديدة بالنسبة لها في سياق هذا الصراع؟

انطلاقًا من التساؤلات المطروحة، تم اختبار الفرضيات الآتية:

أولًا: يقترن فهم الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 شباط/فبراير 2022 بالرجوع إلى الفكر «الدوغيني»، نسبة إلى ألكسندر دوغين، والواقعية الهجومية.

ثانيًا: تتأسس الرؤية الجزائرية لما يجري في أوكرانيا على طبيعة العلاقات الجزائرية – الروسية ومستوى الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

ثالثًا: يتأسس منطق التحالفات الإقليمية الجديدة بالنسبة إلى الجزائر على قراءة براغماتية – عقلانية لانعكاسات الحرب على مصالحها الاستراتيجية.

تم الاعتماد على الواقعية الجديدة في شقها الهجومي كخلفية لفهم التصور الروسي للحرب في أوكرانيا، وذلك من خلال مقولات جون ميرشايمر وتفسيره للقوة والصراع الدولي. هذا إلى جانب النظرية السياسية الرابعة ومن خلالها الأوراسية الجديدة للمفكر والمستشار الروسي ألكسندر دوغين، الذي يُعد المنظّر والخلفية الفكرية للحرب الروسية على أوكرانيا.

تطلّبت طبيعة الموضوع استخدام المنهج الوصفي – التحليلي وبعض تقنيات المنهج التاريخي، إضافة إلى المقابلة كأداة من أدوات البحث العلمي، تسمح بكشف التصورات وتقديم قراءة تخدم موضوع الدراسة. وقد تم إجراء مقابلة مع الكاتب والباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، والمتخصص في الشأن الروسي، يمّان دابقي.

تجب الإشارة أيضًا إلى أن استخدام تعبير «التحالفات الجديدة» في سياق هذا البحث لا يقتصر على المجال العسكري والدفاعي، ففي إطار الشراكات الاستراتيجية للجزائر مع بلدان مثل روسيا وتركيا وإيطاليا يُؤخذ في الحسبان جانب المصلحة المشتركة أو المتبادلة، إن كان ذلك في إطار التعاون العسكري أو في إطار علاقات اقتصادية وطاقية تعززت أو يراد لها أن تتعزز.

تتناول هذه الورقة بدايةً نبذة عن الحرب الروسية على أوكرانيا بخلفية نظرية مؤسَّسة، مع تناول طبيعة العلاقات الجزائرية – الروسية وقراءة في الرؤية الجزائرية للأزمة الأوكرانية، فالجزائر- كما تمت الإشارة إليها آنفًا –  تلتزم الحياد ولكنها في الوقت نفسه لا تريد خسارة العلاقات مع طرفي الصراع (روسيا والولايات المتحدة)، كما أنها، في ظل الأزمة الأمنية والاقتصادية العالمية الراهنة والمتعددة الأوجه، تبحث عن التأسيس لتحالفات إقليمية جديدة أو متجددة وأكثر صلابة، وبخاصة أنها تمتلك سلاح الطاقة (الغاز والنفط). ويتم تقسيم الورقة البحثية إلى ثلاثة مباحث.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 533 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 533 تموز/يوليو 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 533 في تموز/يوليو 2023.

الصورة من وكالة فرانس برس.

[1]عمّارة عمروس: باحثة جزائرية مستقلة، دكتوراه في الدراسات الاستراتيجية.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز