توطئة

[1]تسارعت المُتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية على مستوى العالم منذ أن أعلنت روسيا، في 24 شباط/فبراير 2022، بدء عملياتها العسكرية في أوكرانيا. وامتد تأثير هذه العملية العسكرية إلى ما وراء حدود أوروبا وألقى بظلاله على دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد أدى ذلك إلى تداعيات سياسية واجتماعية واقتصادية خطيرة، بسبب ضعف اقتصادات المنطقة وهشاشتها؛ والمشاكل الهيكلية مثل الفساد والبطالة والافتقار إلى الحكم الرشيد؛ واعتماد تلك البلدان على الواردات الخارجية من السلع الأساسية مثل الغذاء وزيت الطهي والطاقة.

لذا تبحث هذه الورقة في تأثيرات الحرب الروسية – الأوكرانية في الأوضاع السياسية العربية الإقليمية والمحلية من خلال تقديم قراءة سياسية لمواقف تلك البلدان مِن هذه الحرب، ثم تحليل تلك المواقف في ضوء المتغيرات الدولية التي تُلقي بظلالها على العوامل الاقتصادية التي تصيغ السياسات الداخلية والخارجية لتلك البلدان.

أولًا: سياسة البيانات المُحايدة

مِن الناحية السياسية، تبتعد أغلب البلدان العربية من الانحياز الصريح إلى الجانب الروسي أو إلى الجانب الأوكراني/الأطلسي، مُفضلة الاكتفاء بالبيانات الدبلوماسية ذات الصيغ الحيادية بين أطراف الصراع المُسلح. حيث عبّرت مصر في 24 شباط/فبراير عن أنها تتابع بقلق التطورات في أوكرانيا، ودعت إلى حلول دبلوماسية لتجنب الأزمات الإنسانية. وأكد مجلس الوزراء السعودي، في الأول من آذار/مارس، دعمه للجهود الدولية لتهدئة الموقف في أوكرانيا من خلال الحوار والدبلوماسية لاستعادة الأمن والاستقرار، وتوفير منصة لإجراء مفاوضات تسفر عن حل سياسي.

وفي 3 آذار/مارس عبّر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في مكالمة هاتفية مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي عن دعم المملكة لأي إجراء يساهم في تخفيف حدة الأزمة. كما أعرب عن استعداد الرياض لبذل جهود الوساطة بين جميع الأطراف، وكذلك دعمها لكل الجهود الدولية الهادفة إلى حل الأزمة سياسيًا. كما أعرب ولي العهد عن استعداد مماثل للتوسط خلال مكالمة هاتفية سابقة مع بوتين.

وقد أعلنت وكالة الأنباء الحكومية الإماراتية في 23 شباط/فبراير عن اتصال هاتفي بين وزير الخارجية عبد الله بن زايد ونظيره الروسي سيرغي لافروف لبحث «عمق الصداقة» بين البلدين. وأعرب سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان عن «حرص دولة الإمارات على تعزيز التعاون في مختلف المجالات». ومع ذلك، لم تعترف الإمارات رسميًا بجمهوريتي دونيتسك ولوهانسك الانفصاليتين. وفي 24 شباط/فبراير، أعلنت الحكومة الأردنية أنها تتابع التطورات في أوكرانيا «بقلق» وتدعو «المجتمع الدولي وأطراف النزاع لبذل أقصى الجهود لضبط النفس ووقف التصعيد». وأعلنت سلطنة عُمان بدورها في 2 آذار/مارس عن أن السلطان هيثم «يتابع بقلق بالغ وبأسف نتائج الأزمة الأوكرانية»، وشددت مسقط على ضرورة عودة روسيا وأوكرانيا إلى الدبلوماسية واللجوء إلى الحوار والمفاوضات السلمية على أساس ميثاق الأمم المتحدة.

وقد جاءت أغلب البيانات العربية في سياق متشابه مِن حيث المبادئ المشتركة التي تمثلت بالنقاط الآتية:

1 – الدعوة إلى ضبط النفس وحل الخلافات بالحوار والطرق الدبلوماسية والوسائل السلمية.

2 – مخاوف مِن التصعيد العسكري وانعكاساته الإقليمية والعالمية.

3 – القلق من الانعكاسات الإنسانية، والتداعيات الاقتصادية على وجه الخصوص، وبخاصة في ظل فشل الأسواق العالمية في التعافي من الآثار السلبية المترتبة على جائحة كورونا.

بينما جاءت التصريحات الرسمية للكويت ولبنان وليبيا والعراق متسقة مع المبادئ المشتركة أعلاه، لكن أدان البيانان اللبناني والليبي بوضوح العملية العسكرية الروسية، فقد أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية، في 24 شباط/فبراير، أن الحكومة «تدين غزو الأراضي الأوكرانية وتدعو روسيا إلى وقف عمليتها العسكرية فورًا وسحب قواتها والعودة إلى الحوار والمفاوضات كوسيلة أفضل لإيجاد حل». بينما أصدرت وزارة الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية الليبية في 22 شباط/فبراير، بيانًا ترفض فيه الأنشطة التي تقوم بها مجموعة فاغنر التابعة لشركة عسكرية روسية تم نشرها في كل من أوكرانيا وليبيا. إضافة إلى دعوتها روسيا إلى اللجوء إلى حل دبلوماسي وحث المجتمع الدولي على الاعتراف بسيادة أوكرانيا.

وتعاطف البيان الكويتي على نحو صريح مع أوكرانيا من خلال بيان رفضت فيه رفضًا قاطعًا استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات بين الدول. كما أكدت ضرورة احترام استقلال أوكرانيا وسيادتها، وعبّرت الكويت عن دعمها الكامل لجميع الجهود الدولية الهادفة إلى وقف التصعيد وضبط النفس وحل النزاعات الدولية بالوسائل السلمية واعتماد التدابير اللازمة لحماية المدنيين. أما العراق فقد عبّر القيادي السياسي البارز مقتدى الصدر أن الغزو الروسي غير مبرر، في إشارة إلى تجارب العراق في الصراع، التي لم يكتسب منها سوى الخراب والضعف والتشتت وسط تفاقم التطرف والإرهاب في بلادنا الإسلامية والعربية، رافضًا الحرب. وفي 2 آذار/مارس، أصدر البنك المركزي العراقي مقترحًا بتوقف المعاملات المالية مع روسيا بسبب العقوبات الغربية.

بينما أعلنت الحكومة السورية عبر وسائل الإعلام الحكومية في 25 شباط/فبراير أن الرئيس السوري بشار الأسد قد أجرى اتصالًا مع الرئيس الروسي بوتين مُشيدًا بالعمل العسكري الروسي الذي وصفه الأسد بـ «تصحيح التاريخ وإعادة حالة التوازن للعالم التي فقدها بعد تفكك الاتحاد السوفياتي». وأكد الأسد أن دمشق «تدعم موسكو انطلاقًا من قناعتها بموقفها الصحيح بضرورة صد توسع الناتو».

وفي 1 آذار/مارس، أعلن أمين عام حزب الله حسن نصر الله رفض بيان الخارجية اللبنانية وإلقاء اللوم على واشنطن، مُلاحظًا أن الأخيرة تحرض كييف وتعمل سيناريو الحرب لذا فإن لموسكو الحق في حماية حدودها وأمنها القومي. مُشيرًا إلى أن الدول الغربية تتحمل مسؤولية الفوضى وإراقة الدماء نتيجة سياساتها الهادفة إلى السيطرة على الشعوب، حيث تستخدم هذه الدول أساليبها القذرة لدعم الإرهابيين في سورية والنازيين في أوكرانيا وفي مختلف أنحاء العالم. وفي السياق نفسه أعلن في 21 شباط/فبراير، القيادي الحوثي البارز محمد علي الحوثي دعم الحركة لاعتراف روسيا بـ «الجمهوريات المستقلة». كما دعا روسيا وأوكرانيا إلى ممارسة ضبط النفس وعدم إغلاق أبواب الحوار والعمل الدبلوماسي. في المقابل، صوتت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا لمصلحة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2 آذار/مارس الذي يدين الغزو الروسي.

يحرص الكثير من الدول في الشرق الأوسط على موازنة علاقاتها مع الولايات المتحدة وروسيا، لذا ستبدو معلَّقة في الوسط مع تطور الصراع في أوكرانيا. لكن على الرغم مِن الضغط الغربي على البلدان العربية لتصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة لإدانة الغزو الروسي – كما في حالات مصر والإمارات والسعودية – بدلًا من الاتفاق الطوعي الحقيقي، فقد أعلنت مصر في 2 آذار/مارس 2022، عقب تصويت القاهرة الرمزي لمصلحة قرار يدين التصعيد العسكري الروسي ضد أوكرانيا. وفي نبرة أكثر جرأة في ما يتعلق بتسمية الإجراءات الاستثنائية على مخاوفها مِن فرض عقوبات اقتصادية خارج إطار النظام الدولي، وخصوصًا أن العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على روسيا منذ عام 2014 لم تؤدِّ إلا إلى تفاقم الأوضاع المتدهورة بالفعل بين روسيا والقوى الأطلسية.

عرفت السنوات الأخيرة (بعد عام 2013) تطورًا للعلاقات المصرية – الروسية، حيث تم التعاون في مجال التسليح والطاقة (بناء محطة طاقة نووية في منطقة الضبعة شمال غرب مصر)، وحصل تقارب حول الرؤية السياسية والأمنية في ما يتعلق بسورية وليبيا. ومع ذلك، فإن العلاقات المتنامية بين مصر وروسيا وتقارب سياساتهما في مناطق الصراع في الشرق الأوسط لم تقوض شراكة البلاد الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. لذا تجبر الحرب في أوكرانيا الحكومة المصرية على السير في خط رفيع بين روسيا والغرب.

بينما كشف رد فعل دول مجلس التعاون الخليجي – وبخاصة السعودية والإمارات – ضد ضغوط واشنطن لإدانة الغزو والوقوف إلى جانب أوكرانيا إلى حد ما عن عمق الانقسامات بين الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين، حيث امتنعت الإمارات عن التصويت على مشروع قرار مجلس الأمن الدولي الذي يدين روسيا حيث ترى أبو ظبي أن موقفها هذا مبني على تجنب التصعيد والعودة إلى مفاوضات.

وربما كان امتناع الإمارات عن التصويت مستمدًا أيضًا من اعتبارات أمنها القومي. ومن المحتمل أن تحرك الإمارات لرغبة الحصول على الدعم الروسي مِن أجل قرار مجلس الأمن الدولي الذي سعى إلى فرض حظر أسلحة على الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن في 28 شباط/فبراير، على الرغم من أن الجانبين نفيا التوصل إلى اتفاق بشأن التصويت. وقد حاول وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين تهدئة توتر العلاقات بين واشنطن وأبو ظبي خلال لقاء مع محمد بن زايد في المغرب في 29 آذار/مارس، حيث تعهد «أن تفعل الولايات المتحدة كل ما في وسعها لمساعدة الإمارات في الدفاع عن نفسها بفعالية ضد هجمات الحوثيين.

في المقابل، جاء الرد السعودي حين تجاهل ولي العهد محمد بن سلمان مكالمة من الرئيس الأمريكي جو بايدن، في حين تحدث هاتفيًا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفي 15 نيسان/أبريل أجرى ولي العهد السعودي مكالمة هاتفية مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، مُبلغًا الجانب الصيني عن ترحيبه بتوقيع اتفاقية لدمج رؤية السعودية 2030 مع مبادرة الحزام والطريق الصينية.

ومن المرجح أن تظل العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها بالشرق الأوسط بعيدة من مسارها التقليدي على مدى العقود الماضية. وتستفيد روسيا والصين من التدهور المتسارع للعلاقات منذ الأزمة في أوكرانيا، وخصوصًا بكين التي تتابع عن كثب ديناميات التفاعلات بين واشنطن وعواصم الشرق الأوسط بشأن أوكرانيا والآثار الاستراتيجية التي من المحتمل أن تنجم عنها.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 534 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 534 آب/أغسطس 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 534 في آب/أغسطس 2023.

مصطفى شلش: باحث مصري.

[1](*)      في الأصل ورقة قدّمت إلى: المؤتمر السنوي الثاني للعلوم الاجتماعية والسياسية للمؤسسات العربية البحثية المستقلة بعنوان: «التغيرات الدولية وتأثيرها على المنطقة العربية» الذي نظّمه مركز دراسات الوحدة العربية مع منتدى البدائل العربي للدراسات و«دار الخبرة» (العراق) و«مجلة قضايا سياسية» (كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين – العراق) و«المرصد التونسي للانتقال الديمقراطي» في تشرين الثاني/نوفمبر 2022.

 


مصطفى شلش

كلية الهندسة- الإسكندرية.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز